الثلاثاء, سبتمبر 8, 2026
27.4 C
Beirut

لبنان بين الفخ السويسري وواجب استعادة الدولة!

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

ليست المشكلة في أن يتلقى رئيس الجمهورية جوزاف عون اتصالاً من واشنطن أو الدوحة. وليست المشكلة في أن تُطرح آلية لتثبيت وقف النار إذا كانت وظيفتها حماية لبنان ووقف الاعتداءات الإسرائيلية. المشكلة تبدأ حين يتحول لبنان، مرة جديدة، من صاحب قضية وطنية مباشرة إلى بند داخل تفاوض الآخرين.

ما جرى بعد محادثات سويسرا بين الولايات المتحدة وإيران ليس تفصيلاً بروتوكولياً. فالاتصال الذي جمع نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، وجاريد كوشنر، ورئيس الوزراء القطري، بالرئيس جوزاف عون، أتى في توقيت حساس: عشية جولة مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، وبعد أشهر من محاولة لبنانية واضحة لفصل القرار اللبناني عن الحسابات الإيرانية. هنا تكمن خطورة اللحظة.

لبنان كان يحاول أن يقول للعالم إن ملفه ليس ملحقاً بالمفاوض الإيراني، ولا ورقة ضمن سلة هرمز والعقوبات والنفوذ الإقليمي. كان يحاول أن يفاوض بصفته دولة لها حدود وسيادة ومؤسسات وجيش ومصلحة وطنية مستقلة. لكن إدخال آلية منبثقة من تفاهم أميركي ـ إيراني حول لبنان يعيد فتح الباب القديم نفسه: باب الوصاية غير المعلنة، حيث يُدار الأمن اللبناني من خارج الدولة، وحيث يصبح وقف النار نتيجة تفاهم بين واشنطن وطهران لا ثمرة قرار لبناني سيادي.

هذه هي السلبطة السياسية بأوضح صورها. ليست السلبطة أن تقول إيران إنها حاضرة في المنطقة؛ السلبطة أن يصبح لبنان جزءاً من شروط حضورها. وليست السلبطة أن تطالب طهران بوقف الحرب على لبنان؛ السلبطة أن تفعل ذلك وكأن لبنان مساحة نفوذ لا دولة. وحين يصبح وقف النار في الجنوب اختباراً لتفاهم أميركي ـ إيراني، فهذا يعني أن دم اللبنانيين وبيوتهم وعودتهم وإعمار قراهم باتت معلقة على نجاح تفاوض لا يملكون مفاتيحه.

الأخطر أن هذه الآلية المقترحة لا تبدو، حتى الآن، بديلاً عن القوة الإسرائيلية ولا ضمانة لإلزامها. إسرائيل تقول عملياً إنها ستحتفظ بحرية الحركة العسكرية في الجنوب ما دامت ترى ذلك ضرورياً. فإذا كانت الآلية ستُنشأ من دون قدرة واضحة على إلزام إسرائيل بوقف الاعتداءات والانسحاب، ومن دون تثبيت سلطة الدولة اللبنانية وحدها، فهي لا تكون آلية إنقاذ بل آلية تعليق. لا توقف الحرب نهائياً، ولا تطلق السلام فعلياً، بل تُبقي لبنان مربوطاً بحبل انتظار طويل: لا حرب شاملة، ولا سيادة كاملة، ولا إعادة إعمار مؤكدة.

من هنا، فإن الدعوة إلى إدخال لبنان في الآلية السويسرية تشبه غداءً مسموماً. قد لا يقتل آكله فوراً، لكنه يعلّقه على حبل المعاناة. يقال للبنانيين: انتظروا نتائج التفاوض الأميركي ـ الإيراني. انتظروا مزاج إسرائيل. انتظروا ضمانات الوسطاء. انتظروا ترتيب الإقليم. وفي كل هذا الانتظار، يدفع لبنان الثمن من أرضه واقتصاده وناسه وهيبة دولته.

لكن الخطر لا يقف عند حدود الآلية الأمنية. فأي اتفاق لا يتضمن، صراحة ووضوحاً، مساراً عملياً لسحب سلاح حزب الله وحصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية، لا يكون اتفاق إنقاذ بل اتفاق تثبيت للأمر الواقع. عندها لا يعود وقف النار مدخلاً لاستعادة الدولة، بل يصبح غطاءً لتكريس سلطة الثنائي وتقليص سلطة الجمهورية.

المشكلة ليست تقنية ولا حدودية فقط. المشكلة في ميزان السلطة داخل لبنان. فإذا بقي السلاح خارج الدولة، وبقي القرار الاستراتيجي خارج مجلس الوزراء والمؤسسات الدستورية، فإن أي تفاهم خارجي سيعني عملياً اعترافاً بسلطتين: سلطة رسمية تتحمل المسؤولية أمام الداخل والخارج، وسلطة فعلية تملك السلاح والقرار والقدرة على التعطيل. وهذه ليست دولة؛ هذه صيغة وصاية داخلية مقنّعة.

من هنا، فإن أخطر ما في الآلية السويسرية أو أي صيغة مشابهة أنها قد تبدأ كترتيب لخفض التصعيد، ثم تتحول إلى مدخل لتغيير سياسي أعمق. فحين يُعترف ضمناً بسلاح خارج الشرعية، وبقرار أمني خارج الدولة، وبقوة سياسية تملك حق الفيتو على الحرب والسلم، يصبح الطريق مفتوحاً أمام تعديل غير معلن في طبيعة النظام: من دولة واحدة بسلطة واحدة إلى توازن قوى مفروض بقوة السلاح.

وهنا يكمن الخطر الدستوري. فكل تسوية تُبقي السلاح خارج الدولة قد تتحول، عاجلاً أو آجلاً، إلى مطالبة بترجمة سياسية لهذا الخلل: مثالثة بدل المناصفة، أو فيدرالية مقنّعة باسم اللامركزية، أو نظام محاصصة جديد يعطي السلاح تمثيلاً دستورياً موازياً لحجمه العسكري لا لحجمه الوطني. وهذا يعني أن لبنان لا يكون قد خرج من الحرب، بل دخل في مرحلة إعادة تركيب الدولة على قياس القوة المسلحة.

لذلك لا يكفي أن نسأل: هل يوقف الاتفاق النار؟ السؤال الأهم: هل يعيد السلطة إلى الدولة؟ هل يحصر السلاح بيد الجيش؟ هل يثبت أن قرار الحرب والسلم لا يُتخذ في الضاحية ولا في طهران ولا في أي غرفة خارج المؤسسات اللبنانية؟ إذا كان الجواب لا، فالاتفاق ليس حلاً، بل هدنة فوق بركان، وتسوية على حساب الجمهورية.

المصلحة الوطنية اللبنانية ليست في الهروب من التفاوض، بل في انتزاعه من أيدي الآخرين. التفاوض المباشر، الواضح، المحدد، وتحت سقف الدولة اللبنانية، هو الطريق الأقصر والأقل كلفة. لا تفاوض بالواسطة الإيرانية، ولا تفاوض تحت عباءة حزب مسلح، ولا تفاوض يخلط الجنوب بمضيق هرمز، ولا يربط إعادة إعمار لبنان برفع عقوبات عن إيران أو بتوازنات واشنطن وطهران.

لبنان يحتاج إلى مسار واحد لا مسارين: مسار لبناني مباشر عنوانه وقف شامل ونهائي لإطلاق النار، انسحاب إسرائيلي واضح من الأراضي اللبنانية، تثبيت الحدود، حصر السلاح بيد الدولة، وإطلاق إعادة الإعمار. كل ما عدا ذلك هو تدوير للأزمة لا حل لها.

لقد جرّب لبنان طويلاً أن يكون ساحة رسائل، فدفع من عمره واقتصاده وسيادته. واليوم، أمامه فرصة نادرة ليقول بوضوح: نحن لا نرفض المساعدة، لكننا نرفض الوصاية. لا نرفض الضمانات، لكننا نرفض أن تكون إيران شريكاً مفروضاً في أمننا الوطني. لا نرفض وقف النار، لكننا نرفض أن يتحول وقف النار إلى قيد جديد على القرار اللبناني.

أما السؤال العملي فهو: ما العمل؟

الجواب لا يكون بالمغامرة ولا بالعنف ولا بخطاب أهلي مضاد. الجواب يكون بالتفاف الشعب اللبناني حول الدولة وحدها: حول الجيش، والدستور، والمؤسسات، والشرعية، وفكرة لبنان الواحد. فمواجهة سلبطة إيران وحزب الله لا تكون بسلبطة مقابلة، بل بإعادة بناء أكثرية وطنية واضحة تقول إن لا خلاص للبنان إلا بدولة واحدة وسلاح واحد وقرار واحد.

المطلوب جبهة وطنية سلمية، عابرة للطوائف، لا تخاطب الشيعة كخصوم بل تخاطب اللبنانيين جميعاً كمواطنين رهائن لمنطق السلاح. المعركة ليست مع طائفة، بل مع مشروع يصادر الطائفة والدولة معاً. وليست مع بيئة لبنانية، بل مع قرار إقليمي يستخدم لبنان كساحة تفاوض وورقة ضغط.

على اللبنانيين أن يرفعوا مطلباً واحداً لا لبس فيه: لا اتفاق بلا سيادة، لا إعمار بلا دولة، لا وقف نار بلا حصر السلاح، ولا تفاوض باسم لبنان إلا من خلال المؤسسات الدستورية. كل ما عدا ذلك ترقيع، وكل ترقيع جديد سيكون على حساب ما تبقى من الجمهورية.

لبنان لا يحتاج إلى فيدرالية أمر واقع، ولا إلى مثالثة مفروضة بقوة السلاح، ولا إلى لامركزية تتحول إلى تقسيم ناعم. لبنان يحتاج إلى دولة مكتملة. والدولة لا تقوم إذا بقي فيها جيشان، وقراران، وشرعيتان، وخارجية موازية، وحرب تُفتح وتُغلق من خارج مجلس الوزراء.

المعركة الآن سياسية ووطنية بامتياز: أن يستعيد اللبنانيون دولتهم قبل أن تُعاد صياغتها من الخارج، وأن يلتفوا حول الشرعية قبل أن يصبح السلاح شريكاً دستورياً دائماً. فإما أن تكون التسوية باباً لعودة الدولة، وإما أن تكون شهادة وفاة مؤجلة للجمهورية اللبنانية.

السيادة لا تُستعاد بالالتفاف. والسياسة لا تُبنى باللف والدوران. ومن يريد فعلاً مساعدة لبنان، فليدعم دولته وجيشه ومؤسساته ومفاوضيه، لا أن يعيده إلى الطاولة نفسها التي كان دائماً يجلس عليها كموضوع لا كطرف.

لبنان يفاوض باسم لبنان، لا باسم محور ولا ضد محور. وأي اتفاق لا ينتهي بسلاح واحد تحت إمرة الدولة ليس وقف حرب، بل تثبيت لانقلاب بطيء على الدولة. وأي تسوية تعطي حزب الله مكافأة سياسية على سلاحه ستفتح الباب أمام مثالثة أو فيدرالية أمر واقع. لذلك، المعركة اليوم ليست ضد طائفة، بل ضد مصادرة الدولة. والحل هو التفاف وطني واسع حول الشرعية والجيش والدستور، بلا عنف وبلا فتنة وبلا مساومة على السيادة.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

الجنس المباح لدى العلويين!

أخباركم - أخبارنا عن صفحة الفيسبوك للكاتبة السورية علا عباس لم نكن ملزمات كنساء علويات...

النبطية التي كانت المقاومة فيها تحمي الناس… لا تتركهم للعدو

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد إلى الرفاق الأحبة في النبطية، من بقي منهم في المدينة...

حين أبحث في الجريدة الشيوعية عن الشيوعية.. من بائع الصحيفة إلى ملف الـPDF!

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد تصلني من حين إلى آخر صحف الأحزاب الشيوعية بصيغة PDF....

حين يُدفن الجلاد بطلاً: ماذا نقول لضحايا راتكو ملاديتش؟

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد أكثر ما صدمني في مشهد جنازة راتكو ملاديتش لم...

More like this

حين يُدفن الجلاد بطلاً: ماذا نقول لضحايا راتكو ملاديتش؟

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد أكثر ما صدمني في مشهد جنازة راتكو ملاديتش لم...

حادث مأساوي في سنندج وعبد الله مهتدي يعزّي الضحايا

أخباركم - أخبارنا كتب عبد الله مهتدي، سكرتير حزب كومله الكردستاني، عبر صفحته على...

تركيا في قلب إعادة تشكيل الشرق الأوسط: بين إيران وإسرائيل وروسيا والغرب ومستقبل الكرد والعرب

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد لم تعد تركيا مجرد دولة إقليمية تتحرك على هامش صراعات...