الثلاثاء, يوليو 14, 2026
31.9 C
Beirut

مبادرة وُلدت ميتة: خالد حدادة بين شجاعةٍ متأخرة ومحاولة تعويم الذات!

نشرت في


اخباركم – أخبارنا / مسعود محمد

في السياسة، لا تُقاس المبادرات بجمال عباراتها، ولا بكثرة مفردات “الوحدة” و“الديمقراطية” و“استعادة الفعالية”. تُقاس أولاً بسؤال بسيط ومباشر: من يطرحها؟ ومتى يطرحها؟ وماذا فعل صاحبها عندما كان يمتلك سلطة القرار لا سلطة النصيحة؟

من هنا تبدأ مشكلة الدكتور خالد حدادة مع مبادرته الأخيرة. فهو لا يطلّ اليوم كرفيق عادي من خارج التجربة، ولا كمراقب محايد أصابه الوجع على حزب عريق. يطلّ كأمين عام سابق للحزب الشيوعي اللبناني، تولّى الموقع في واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ لبنان والمنطقة، ثم عاد اليوم ليقترح “مبادرة شجاعة” بعدما أصبح خارج مركز القرار المباشر.

والسؤال الذي يفرض نفسه على كل شيوعي وكل يساري وكل من تابع مسار الحزب: لماذا لم تكن هذه الشجاعة ممكنة يوم كان حدادة أميناً عاماً؟ لماذا لم تتحول الديمقراطية الداخلية إلى ممارسة حين كانت بيده مفاتيح التنظيم؟ ولماذا يُطلب من الحزب اليوم أن يسلّم مجدداً زمام إعادة البناء إلى من ارتبط اسمه، في نظر قطاع واسع من الشيوعيين واليساريين، بمرحلة الانكفاء والتباس الهوية السياسية وانسحاق الحزب أمام محور لم يكن يوماً امتداداً طبيعياً لمشروعه الوطني الديمقراطي؟

هذا السؤال لم يبقَ نظرياً. فقد جرى نقاش مباشر عبر صفحته على فيسبوك، حين سألته بوضوح:
“وليش ما عملتها بوقتك؟ ولا هلّق بعد الإفلاس جايي تعوّم حالك؟”

فجاء جوابه:
“Massoud Fawzy Mohamed يبدو ما عم تعرف تقرا يا مسعود…. اطلقت هذه المبادرة وانا امين عام، وشكلنا لجنة تحضيرية واسعة، اكثر من نصفها من المصنفين معارضة، وهي حضرت للمؤتمر الـ١١. بكل الحالات، تحياتي الك.”

هذا الرد، بدل أن يبدد الشكوك، يعمّقها. فهو لا يجيب فعلياً على جوهر السؤال، بل يبرّر بالقول إنه “بادر” سابقاً. لكن أي مبادرة تلك التي تحتاج اليوم إلى إعادة إعلانها كأنها اكتشاف جديد؟ وأي شجاعة هذه التي لم تُنتج، وهو في موقع الأمانة العامة، تحولاً حقيقياً في بنية الحزب وخطه وممارسته؟ ثم إذا كانت المبادرة قد أُطلقت فعلاً في زمنه، وشُكّلت لها لجنة تحضيرية واسعة، فلماذا انتهت إلى ما انتهت إليه؟ ولماذا خرج الحزب من تلك المرحلة أكثر انقساماً وضعفاً والتباساً؟

المبادرة التي لا تغيّر موازين السلطة داخل الحزب، ولا تفتح نقاشاً حقيقياً في الخط السياسي، ولا تكسر عقلية الاستئثار، ليست مبادرة إصلاحية. إنها، في أحسن الأحوال، ترتيب إداري. وفي أسوأ الأحوال، ديكور ديمقراطي. ولذلك تبدو مبادرة حدادة اليوم كأنها مبادرة وُلدت ميتة: قيل إنها وُلدت في زمن الأمانة العامة، لكنها لم تعش؛ وتُبعث اليوم بعد الإفلاس السياسي والتنظيمي كأن المطلوب ليس إنقاذ الحزب، بل تعويم صاحب المبادرة.

ليس الاعتراض على حق خالد حدادة في الكلام. من حقه أن يكتب، وأن يقترح، وأن يدافع عن تجربته. الاعتراض هو على محاولة تقديم المبادرة كأنها آتية من خارج المسؤولية. فالذي قاد الحزب بين عامي 2004 و2016 لا يستطيع أن يتحدث عن الأزمة كأنها كائن هبط من السماء أو نتيجة طبيعية لمؤامرات الخارج وحدها. نعم، أزمة الحزب الشيوعي اللبناني أقدم من خالد حدادة وأعمق من شخص واحد. لكنها، في مرحلته، أخذت شكلاً أكثر خطورة: تراجع الوزن الشعبي، ارتباك الخطاب، اتساع الفجوة بين القيادة والقاعدة، وتحول الحزب في لحظات مفصلية إلى طرف ملتبس في معادلات لم تكن تشبه تاريخه المستقل.

الجرح الأول في تجربة حدادة كان سورياً. مع انطلاق الثورة السورية، كان المطلوب من حزب شيوعي أن يرى الناس قبل الأنظمة، وأن يرى العمال والفلاحين والكادحين الذين خرجوا إلى الشارع قبل أن يرى حسابات المحاور. لكن خطاب القيادة يومها بدا، عند كثيرين، أسير مفردات “المؤامرة” و“الإصلاح من داخل النظام” و“الحل الوطني” بمعناه الذي يخفف مسؤولية السلطة ويشدّد على مخاطر الخارج. هنا فقد الحزب جزءاً من روحه الأخلاقية. فالحزب الذي وُلد من فكرة الانحياز إلى المقموعين بدا متردداً أمام قمع شعب كامل، أو على الأقل غير قادر على تسمية الأشياء بأسمائها.

والجرح الثاني كان في العلاقة مع حزب الله. ليست المشكلة في الاعتراف بتاريخ المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، ولا في رفض المشروع الأميركي أو الإسرائيلي في المنطقة. المشكلة أن قيادة حدادة لم تستطع أن ترسم خطاً فاصلاً واضحاً بين المقاومة كفكرة وطنية عابرة للطوائف، وبين اندماج المقاومة في محور إقليمي وطائفي وسلطوي. وحين وصل النقاش إلى السلاح، والحدود، وسوريا، ومعسكرات التدريب، والتنسيق الميداني، بدا الحزب الشيوعي في أعين كثيرين وكأنه يلتحق بظل حزب الله بدل أن يكون قوة يسارية مستقلة تقاوم الاحتلال والطائفية في آن واحد.

هذه ليست مسألة شكلية. الحزب الشيوعي اللبناني دفع دماً في مواجهة الاحتلال، وصنع مع غيره تاريخاً مقاوماً لا يحق لأحد مصادرته. لكن الفرق شاسع بين أن تكون المقاومة امتداداً لمشروع وطني ديمقراطي، وأن تتحول إلى غطاء لتموضع سياسي يجر الحزب إلى معارك ليست معاركه، ويجعله عاجزاً عن مخاطبة اللبنانيين خارج لغة المحاور. هنا تحديداً نشأ الانطباع القاسي لدى خصوم حدادة: أنه لم يكن يمثل خط الاستقلال اليساري داخل الحزب بقدر ما مثّل خط التكيّف مع حزب الله ومع بقايا العقل السياسي السوري القديم.

أما الجرح الثالث فهو تنظيمي. ففي المؤتمر الحادي عشر، لم يكن خروج حدادة من الأمانة العامة تفصيلاً عابراً ولا انتقالاً هادئاً بين جيلين. كان تعبيراً عن رغبة واسعة في التغيير. النتائج التي منحت لائحة حنا غريب تفوقاً كبيراً على لائحة حدادة قالت شيئاً أعمق من رقم انتخابي: قالت إن القاعدة الحزبية لم تعد راضية عن إدارة المرحلة، وإن الحزب كان يبحث عن نفس آخر بعد سنوات من الاستنزاف الداخلي. وعندما تصل الأمور إلى حد اتهام قيادة ما بالاستئثار وبخنق الديمقراطية الداخلية وبإبعاد الكوادر ودفع آخرين إلى الاعتكاف، لا يعود ممكناً أن يأتي صاحب تلك المرحلة ليطلب لجنة واسعة وانتقالاً ديمقراطياً كأن المشكلة بدأت بعده فقط.

من هنا تبدو مبادرة حدادة، على أهمية بعض عناوينها، مبادرة ناقصة الشرعية السياسية. فهي تتحدث عن لجنة واسعة تمثل الطيف الحزبي، وعن عودة الشيوعيين بلا شروط، وعن مؤتمر استثنائي يوحّد الحزب. هذه عناوين لا يعترض عليها أحد من حيث المبدأ. لكن السؤال: من يضمن ألا تتحول هذه اللجنة إلى إعادة تدوير لمرحلة سابقة؟ من يضمن ألا تكون “الوحدة” اسماً آخر لإسكات النقد؟ من يضمن ألا يكون “المؤتمر الاستثنائي” محاولة لترميم نفوذ تيار خسر موقعه داخل الحزب بدل أن يكون قطيعة فعلية مع أسباب الانهيار؟

أما القول إن المبادرة طُرحت سابقاً، وإن لجنة تحضيرية واسعة شُكّلت وضمّت أكثر من نصفها من المصنفين معارضة، فهو لا يكفي. فالمسألة ليست في عدد المعارضين داخل لجنة، بل في النتيجة السياسية والتنظيمية التي خرج بها الحزب. هل تغيّر الخط؟ هل فُتح نقد جدي للموقع من الثورة السورية؟ هل استعاد الحزب استقلاله عن المحاور؟ هل عادت الكوادر المبعدة أو المعتكفة؟ هل شعر الشيوعيون أن الحزب صار بيتاً ديمقراطياً مفتوحاً فعلاً؟ إذا كان الجواب لا، فما قيمة اللجنة؟ وما معنى أن نعيد اليوم تسويق الفكرة نفسها بعدما ثبت عجزها أو عُطّلت أو استُخدمت كغطاء؟

المبادرة الحقيقية لا تبدأ بتشكيل لجنة. تبدأ باعتراف سياسي واضح. على خالد حدادة، قبل أن يطلب من الشيوعيين مناقشة مبادرته، أن يجيب عن أسئلة لا يمكن القفز فوقها:

أين أخطأ الحزب في موقفه من الثورة السورية؟

كيف تحولت معادلة المقاومة إلى التباس مع حزب الله؟

لماذا تقلّص حضور الحزب الشعبي في مرحلة قيادته؟

ما الذي جعل قطاعات من اليسار ترى في الحزب، في تلك السنوات، قوة ملحقة لا قوة مستقلة؟

ولماذا لم تُفتح أبواب التنظيم فعلياً يوم كان أميناً عاماً كما يطالب بفتحها اليوم؟

الاعتراف لا يعني الجلد الشخصي. لا أحد يطلب محاكمة رجل واحد على أزمة حزب عمرها عقود. لكن لا يمكن أيضاً تذويب المسؤولية في كلام عام عن “الأزمة العالمية” و“الظروف العربية” و“المخاض الصعب”. هذه لغة تصلح للمقدمات النظرية، لا للمحاسبة السياسية. الحزب لا يُنقَذ بالمجاملات، ولا بالحنين، ولا بتوزيع المسؤولية حتى تضيع. الحزب يُنقَذ عندما يقول كل من قاده: هنا أصبت، وهنا أخطأت، وهنا أتحمل مسؤوليتي.

ولعل أكثر ما يلفت في خطاب حدادة الجديد هو دعوته إلى أن يتعهد الأمناء العامون السابقون والحاليون ونوابهم بعدم الترشح مجدداً لموقع الأمانة العامة. هذا اقتراح جيد، لكنه غير كاف. فالمشكلة ليست فقط في الموقع. المشكلة في الخط السياسي. لا معنى لعدم الترشح إذا كانت المبادرة ستعيد إنتاج الاصطفاف نفسه من خلف الستار. ولا معنى لتغيير الوجوه إذا بقيت البوصلة ذاتها: يسار يتحدث عن التحرير والتغيير، لكنه يتردد أمام الاستبداد؛ حزب يرفع شعار الدولة الوطنية الديمقراطية، لكنه يهادن السلاح غير الخاضع للدولة؛ تنظيم يهاجم الطائفية، لكنه لا يحسم علاقته مع قوى طائفية عندما تختبئ خلف كلمة المقاومة.

الحزب الشيوعي اللبناني يحتاج فعلاً إلى مؤتمر استثنائي. لكنه يحتاج، قبل ذلك، إلى شجاعة استثنائية في النقد الذاتي. يحتاج إلى مصالحة مع تاريخه لا مع رموزه فقط. يحتاج إلى أن يستعيد معنى الاستقلال: استقلاله عن الدولة الطائفية، وعن المحاور الإقليمية، وعن المال السياسي، وعن ذاكرة الأجهزة، وعن إغراء الاحتماء بقوة غير قوته.

لذلك، يمكن أخذ مبادرة خالد حدادة كفرصة للنقاش، لا كخشبة خلاص. تُناقَش الفكرة، نعم، لكن لا يجوز فصل الفكرة عن صاحب التجربة التي جاءت منها. فمن حق الشيوعيين أن يسألوا: هل نحن أمام مراجعة حقيقية، أم أمام محاولة ناعمة للعودة من نافذة “الوحدة” بعدما أغلق المؤتمر الحادي عشر باب مرحلة كاملة؟

إن استعادة الحزب لا تمر عبر تدوير القيادة القديمة، بل عبر إطلاق نقاش لا يخاف من تسمية المسؤوليات. ولا تبدأ وحدة الحزب بتجميع المتخاصمين حول طاولة، بل بتحديد القضية التي تفرّق بين يسار مستقل ويسار تابع. القضية اليوم ليست شخصية خالد حدادة، بل ما مثّلته مرحلته: هل يبقى الحزب الشيوعي حزباً مستقلاً منحازاً إلى الناس والحرية والعدالة، أم يتحول إلى هامش في دفاتر الآخرين؟

هذه هي المسألة. وكل مبادرة لا تجيب عنها ستبقى قشة نجاة لصاحبها، لا خشبة إنقاذ للحزب.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

فاروق باباميري… عندما يكبر المناضل ولا يشيخ

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هناك رجال يكبرون في العمر، لكنهم لا يكبرون على...

حين يتحول اليسار إلى حارس لأيديولوجيا الدولة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة نقدية في افتتاحية جريدة «صوت الشعب» التونسية نشرت جريدة...

معركة مضيق هرمز في صحافة صباح اليوم: واشنطن توسّع ضرباتها وإيران تنقل الرد إلى القواعد الأميركية في المنطقة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة مقارنة في الصحافة الأميركية والغربية والإيرانية والعربية الصادرة...

صراع إرادات في هرمز: أميركا والعالم بوجه البلطجة الإيرانية

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح وعندنا التدخل الإيراني عبر أتباعه يستهدف عنوان : الأرض...

More like this

الشيوعي اللبناني يحشد دعماً أوروبياً في بروكسل: لقاءات مع أحزاب يسارية لمساندة لبنان وفلسطين ورفض اتفاق الإطار!

أخباركم – أخبارنا واصل الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني، الرفيق حنا غريب، برنامج لقاءاته السياسية...

لبنان بين خرائط إسرائيل وأوراق إيران: جنبلاط وجعجع وسؤال الهدنة والدولة المهددة

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد حين تصبح الهدنة مرآة للخوف اللبناني ليس السجال بين وليد...

دموع التماسيح على جثمان خامنئي!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد لم تكن دموع قيادة حزب الله أمام جثمان خامنئي...