أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
قال الدكتور قاسم قصير، في ردّ ساخر متداول، إن في الجنوب “خمسين ألف مقاتل إيراني” وإن “عشرة آلاف منهم استشهدوا”، وهم فقط ينتظرون أن يُفتح المطار كي يُرسلوا إلى إيران.
طبعاً، الرجل كان يسخر. ونحن فهمنا أنه يسخر. لكن في لبنان، المشكلة أن السخرية غالباً ما تكون أصدق من البيانات الرسمية. فالبلد الذي لا يعرف من فجّر مرفأه، ولا من أدخل نيترات الأمونيوم، ولا من هرّب، ولا من غطّى، ولا من وقّع، ولا من صمت، يستطيع بسهولة أن يسخر من خمسين ألف إيراني، لكنه لا يستطيع أن يجيب عن سؤال أبسط بكثير: كم إيرانياً دخل فعلاً إلى لبنان؟ وبأي اسم؟ وبأي جواز؟ ومن ختم؟ ومن سهّل؟ ومن غضّ النظر؟
قاسم قصير أراد أن يقول: الاتهام مضحك. حسناً، فلنضحك معه قليلاً. خمسون ألف إيراني في الجنوب رقم كبير فعلاً. عشرة آلاف قتيل رقم أكبر. لكن ما ليس مضحكاً هو أن ملف الجوازات اللبنانية المزورة، أو الجوازات الصادرة بهويات غير حقيقية، لم يعد نكتة على مواقع التواصل. صار ملفاً سياسياً وقضائياً وإعلامياً. وصار السؤال عن الجواز اللبناني سؤالاً عن السيادة نفسها: هل بقي جواز السفر وثيقة دولة، أم صار بطاقة مرور في خدمة من يملك السلاح والنفوذ والمعابر؟
في بلد طبيعي، عندما يُثار كلام عن جوازات لبنانية صدرت بأسماء مستعارة أو بهويات ملتبسة لمصلحة عناصر مرتبطة بحزب الله أو بالحرس الثوري الإيراني، تقوم الدولة وتقلب الأرض. في لبنان، تقوم الدولة بإصدار بيان نفي، ثم يعود الجميع إلى النوم. النفي جاهز، التحقيق بطيء، الحقيقة مؤجلة، والذاكرة الوطنية مثقوبة مثل حدود الدولة.
وهنا يصبح كلام قصير الساخر مفيداً، لا لأنه يثبت الرقم، بل لأنه يكشف طريقة الهروب من السؤال. عندما يُسأل أحدهم عن الوجود الإيراني، يردّ بالمبالغة الساخرة: خمسون ألفاً، عشرة آلاف، افتحوا المطار لنرسلهم. جميل. لكن من قال إن السؤال محصور بهذا الرقم؟ ومن قال إن القضية تحتاج إلى خمسين ألفاً كي تصبح خطيرة؟ أحياناً يكفي عشرون، أو مئة، أو ألف، إذا دخلوا بجوازات لبنانية لا تشبه أصحابها، أو بهويات حقيقية لأشخاص غائبين أو ميتين أو مستعارين من دفاتر النفوس.
المشكلة ليست في الرقم الذي قاله قاسم قصير تهكماً. المشكلة في أن أحداً لا يملك رقماً رسمياً موثوقاً. من يعرف فعلاً كم إيرانياً دخل بجواز لبناني؟ من يعرف كم جوازاً خرج من الأمن العام في زمن اللواء عباس إبراهيم أو بعده أو قبله؟ من يعرف كم وثيقة صدرت عبر قنوات استثنائية؟ من يعرف إن كانت الأسماء أسماء أصحابها فعلاً، أم أسماء مستعارة، أم أسماء لبنانيين لا يعلمون أن هوياتهم تسافر أكثر منهم؟
المكتب الإعلامي للواء عباس إبراهيم ينفي. الأمن العام ينفي. وكل من يعنيه الأمر ينفي. والنفي في لبنان مؤسسة قائمة بذاتها: هناك الدولة، وهناك الطوائف، وهناك المصارف، وهناك النفي. لكن النفي لا يكفي عندما تكون الجوازات صادرة عن مؤسسة رسمية. الجواز ليس منشوراً على فيسبوك يمكن حذفه. الجواز رقم، توقيع، ملف، بصمة، صورة، طلب، موافقة، سجل، ومسؤولية. فإما أن يُفتح الملف من أوله إلى آخره، أو أن يصبح النفي جزءاً من المشكلة لا جواباً عليها.
والسؤال هنا ليس شخصياً فقط، ولا يستهدف موظفاً أو مديراً بعينه. السؤال سياسي وسيادي: هل استُخدمت مؤسسات الدولة اللبنانية لتأمين حركة آمنة لأشخاص يعملون خارج منطق الدولة؟ هل تحوّل الجواز اللبناني إلى عباءة رسمية لتغطية حركة أمنية أو عسكرية أو مالية مرتبطة بحزب الله وإيران؟ وهل يعرف اللبنانيون فعلاً من يحمل اسمهم وجنسيتهم في المطارات والمعابر؟
لذلك، لنسخر مع قاسم قصير كما يشاء. لنقل إن الخمسين ألفاً مجرد نكتة، وإن العشرة آلاف شهداء من خيال المبالغة، وإن المطار لا ينتظر جثامين أحد. لكن بعد انتهاء الضحك، يبقى السؤال واقفاً عند باب الأمن العام: كم جوازاً صدر؟ لمن صدر؟ بأي هوية؟ وبأي قرار؟ ومن كان يعرف؟ ومن كان يجب أن يعرف ولم يسأل؟
في لبنان، الحقيقة لا تموت لأنها غير موجودة. تموت لأنها تُدفن تحت البيانات. وكلما سأل الناس عن ملف خطير، خرج من يقول لهم: “لا تتخيلوا كثيراً”. حسناً، لن نتخيل. افتحوا السجلات، أعلنوا الأرقام، اكشفوا الأسماء، قولوا لنا من دخل ومن خرج ومن حمل جوازاً لبنانياً وهو ليس لبنانياً.
أما قبل ذلك، فستبقى سخرية قاسم قصير نصف نكتة ونصف اعتراف غير مقصود: الرقم قد يكون مضحكاً، لكن الباب الذي دخل منه السؤال ليس مضحكاً أبداً.



