أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
ليست المشكلة في أن يختلف رافي ماديان مع هذا الفريق أو ذاك. السياسة، في لبنان خصوصاً، قائمة على الخلاف. وليست المشكلة أن يكتب كلاماً قاسياً ضد نواب زاروا رئيس الحكومة نواف سلام وطالبوا الدولة اللبنانية بفتح ملف التعويضات على إيران بعد الحرب الأخيرة. فالموقف من هذه العريضة قابل للنقاش: هل هي خطوة سيادية؟ هل هي تصفية حساب داخلية؟ هل هي محاولة لنقل المسؤولية من إسرائيل إلى إيران؟ هل هي ورقة سياسية في لحظة إقليمية معقدة؟ كل ذلك قابل للأخذ والرد.
المشكلة تبدأ عندما يخرج رافي ماديان من موقع التعليق السياسي إلى موقع التخوين والشتيمة والتحريض. فقد هاجم النواب عبر صفحته على وسائل التواصل الاجتماعي، لا بل فتح عليهم قاموساً من الشتائم والاتهامات، سائلاً إن كانوا نواباً لبنانيين أم نواباً في الكنيست الإسرائيلي، ومستحضراً أسماء ورموزاً من زمن العنف الأهلي والشارع والميليشيا. وهناك، نضح الإناء بما فيه، وعبّر رافي ماديان عن صورته الحقيقية: رجل لا يملك حجة سياسية فيلجأ إلى التخوين، ولا يملك وفاءً لذاكرة الدم فيزايد باسمها على الآخرين.
ومن حق الناس عندها أن تسأل: من يتكلم باسم من؟ ومن يملك حق توزيع شهادات الوطنية؟ ومن أعطى رافي ماديان حق الوقوف فوق دم جورج حاوي ليحاكم الآخرين باسم إرث لم يحفظه كما يجب؟
جورج حاوي لم يكن تفصيلاً في تاريخ لبنان. كان اسماً كبيراً في اليسار اللبناني، في الحزب الشيوعي، في الحركة الوطنية، وفي ذاكرة المقاومة الوطنية اللبنانية. كان رجلاً سياسياً خاض صراعاته بوجه مكشوف، ثم انتهت حياته باغتيال سياسي في بيروت في 21 حزيران 2005. ومنذ ذلك اليوم، لم يعد اسم حاوي ملك عائلة أو حزب أو وريث إعلامي. صار اسماً عاماً في ذاكرة اللبنانيين، خصوصاً أولئك الذين رأوا فيه صوتاً يسارياً، سيادياً، ومعارضاً للوصاية السورية في مرحلتها الأخيرة.
لذلك تبدو المفارقة جارحة: أن يأتي رافي ماديان، الذي ارتبط اسمه بجورج حاوي عبر العلاقة العائلية لا عبر التجربة السياسية المؤسسة، ليحوّل هذا الإرث إلى منصة هجاء في خدمة خطاب يقترب أكثر فأكثر من منطق حزب الله وحلفائه. من حقه أن يختار موقعه السياسي، لكن ليس من حقه أن يطلب من الناس أن تنسى المسافة بين جورج حاوي كما عرفه التاريخ، ورافي ماديان كما يظهر اليوم في خطابه ومواقفه.
رافي ليس ابن حاوي بالمعنى السياسي. وليس ابن ماديان بالمعنى الأخلاقي الذي يصون الاسم من الابتذال. هو، في هذا التموضع، ابن لحظة الانقلاب على الذاكرة: لحظة يصبح فيها اسم الشهيد وسيلة لتبييض علاقة سياسية مع الجهة التي ظلّ ملف الاغتيالات السياسية في لبنان يدور حول ظلّها الثقيل، مباشرة أو عبر الحلفاء والأجهزة والبيئات التي حمت القتلة أو عطّلت العدالة.
أول ما كان يُفترض بمن يحمل إرث جورج حاوي أن يفعله هو حماية السؤال عن دمه، لا الهروب منه. كان يُفترض أن يبقى السؤال قائماً: من قتل جورج حاوي؟ من خطط؟ من سهّل؟ من استفاد؟ من حمى؟ من سكت؟ ومن منع الحقيقة من أن تكتمل؟ لكن رافي اختار مساراً آخر: مسار التسوية مع الذاكرة، ثم تحويل التسوية إلى خطاب هجومي ضد كل من يرفض الخضوع لمنطق السلاح والمحاور.
وعندما يحاول رافي أن يقدّم نفسه شاهداً على زمن المقاومة، مرة بالحديث عن نقل السلاح، ومرة بتوزيعه، ومرة بتقمّص أدوار لا تشبه حجمه يومها ولا عمره ولا موقعه، فهو لا يضيف إلى جورج حاوي شيئاً. بل ينتقص منه. جورج حاوي لم يكن يحتاج إلى ولد يروي عنه بطولات ملتبسة. جورج كان أكبر من هذه الحكايات الصغيرة، وأكبر من تحويل «جمول» إلى مادة استعراضية في سجال فيسبوكي أو تلفزيوني.
جمول لم تكن لعبة أولاد. كانت قراراً سياسياً وتنظيمياً ومقاوماً دفع أصحابه أثماناً كبرى. ومن يعرف جورج حاوي يعرف أنه لم يكن ليحوّل قضية بهذا الحجم إلى حكاية شخصية يستعملها أحد لاحقاً لتلميع نفسه. لذلك فإن الاستهانة بعقول الناس هنا مضاعفة: مرة حين يُراد لنا أن نصدق أن التاريخ يُختصر برواية فردية، ومرة حين يُراد لنا أن نقبل بأن من يتقلب سياسياً يملك وحده حق تفسير جورج حاوي.
أما في كلامه الأخير عن النواب الذين طالبوا بتعويضات من إيران، فالمشكلة ليست فقط في الموقف. يمكن لأي لبناني أن يعارض تلك العريضة وأن يعتبرها ناقصة أو خاطئة أو منحازة أو متجاهلة للمسؤولية الإسرائيلية المباشرة عن القتل والدمار. لكن الاعتراض شيء، وتحويل النواب إلى «إسرائيليين» شيء آخر. الاعتراض السياسي يناقَش. أما التخوين فهو إفلاس.
هل يحق للبنانيين أن يسألوا إيران عن دورها في الحرب والسلم على أرضهم؟ نعم. هل يحق لهم أن يسألوا حزب الله من أعطاه حق جرّ البلد إلى حروب لا يقررها مجلس الوزراء ولا الجيش ولا البرلمان؟ نعم. هل يحق لآخرين أن يقولوا إن إسرائيل هي المعتدي الأول وإن تحميل إيران وحدها المسؤولية تبرئة لإسرائيل؟ نعم أيضاً. هذه كلها أسئلة سياسية مشروعة. لكن غير المشروع هو أن يتحول كل سؤال عن إيران إلى عمالة، وكل مطالبة بحصر السلاح إلى كنيست، وكل اعتراض على حزب الله إلى خيانة.
هذا هو جوهر المشكلة مع خطاب رافي ماديان: أنه لا يناقش، بل يشتم. لا يواجه الحجة بالحجة، بل يستدعي قاموس التخوين. لا يشرح لماذا يرفض العريضة، بل يوزع شهادات وطنية على هواه. والأسوأ أنه يفعل ذلك باسم ذاكرة رجل اغتيل لأنه كان، في مرحلة مفصلية، خارج الاصطفاف المريح للوصاية والسلاح.
على رافي ماديان أن يختار: إما أن يتكلم كمواطن سياسي عادي، فيُحاسَب على كلامه مثل أي شخص، وإما أن يستمر بالاحتماء باسم جورج حاوي، وعندها يصبح من حق الناس أن تفتح الدفتر كله. أن تسأل عن وفائه لذاكرة الرجل. أن تسأل عن معنى انتقاله من خطاب العدالة إلى خطاب الغفران السياسي. أن تسأل لماذا يبدو، في نظر كثيرين، كأن وجوده قرب حزب الله يُستعمل لإعطاء صك براءة رمزي في ملف لا يزال مفتوحاً في الوجدان اللبناني.
ليست البنوة اسماً على ورق، ولا صورة في جنازة، ولا ظهوراً في ذكرى. البنوة موقف. والوفاء ليس أن ترث اسم الشهيد، بل أن تحمي قضيته من المصادرة. جورج حاوي لا يحتاج إلى من يتحدث باسمه بعد موته ليبرر خيارات تناقض معنى اغتياله. ولا يحتاج إلى من يستعمل صورته كي يهاجم خصوم حزب الله ويعيد إنتاج لغة التخوين التي قتلت الحياة السياسية في لبنان قبل أن تقتل السياسيين أنفسهم.
أما الذين يختلفون مع العريضة النيابية، فليعارضوها سياسياً وقانونياً. ليقولوا إن إسرائيل هي المسؤولة المباشرة عن العدوان. ليقولوا إن مطالبة إيران بالتعويضات لا يجوز أن تتحول إلى تبرئة للاحتلال. ليقولوا إن لبنان لا يُبنى بمنطق المحاور المضادة. كل هذا مقبول. لكن أن يصبح الرد شتماً وتهديداً وتخويناً، فهذا لا يخدم إيران ولا حزب الله ولا لبنان ولا جورج حاوي. إنه يخدم فقط ثقافة الانحطاط السياسي.
وفي النهاية، من أراد أن يعمل صبياً في السياسة، فليفعل. من أراد أن يكون ملحقاً بخطاب حزب الله أو النظام السوري قبله، فهذا اختياره ومسؤوليته. لكن على الأقل، فليستتر. لا يحق لمن فرّط بوصية الدم أن يعطي الناس دروساً في الوفاء. ولا يحق لمن يتلطى باسم شهيد أن يزايد على اللبنانيين في الوطنية. ولا يحق لمن لم يحفظ جورج حاوي سياسياً أن يستخدمه عصاً على رؤوس الآخرين.
رافي ماديان يستطيع أن يكون ما يشاء في السياسة. لكنه لا يستطيع أن يكون جورج حاوي. ولا يستطيع أن يحتكر دمه. ولا يستطيع أن يحوّل الخيانة الرمزية لذاكرة الشهيد إلى بطولة. فالناس تعرف، والتاريخ يعرف، والدم لا يغسله خطاب ولا صورة ولا مقابلة ولا منشور غاضب على وسائل التواصل.
من هنا تبدأ الجملة التي يجب أن تُقال بوضوح: رافي، في السياسة، ليس ابن حاوي. وفي الوفاء، ليس ابن ماديان. ومن ابتُلي بالعمل عند مشروع لا يشبه دم جورج حاوي، فأضعف الإيمان أن يصمت.



