الثلاثاء, يوليو 14, 2026
31.9 C
Beirut

لبنان ليس إيرانياً: فضيحة السيادة المخطوفة وسلاح الخراب

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

في مقابلة عبر قناة الجديد صباح اليوم، تحدّث الكاتب السياسي قاسم قصير بطريقة تعكس جوهر المعضلة اللبنانية. قال، بما معناه، إن إيران قامت بوقف النار، وإن الأميركيين أرسلوا رسائل عديدة إلى حزب الله، ثم أشار إلى موضوع دخول الجيش اللبناني إلى تلة علي الطاهر بطريقة توحي وكأن انتشار الجيش على أرض لبنانية يحتاج إلى إذن من حزب الله أو إلى موافقة محور إقليمي.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك. فقد ذهب قصير أيضاً إلى القول إن المطلوب من إيران ليس تعويض لبنان، مع الإشارة إلى أن إيران مستعدة للدفع. لكن أي دفع هذا؟ وأي منطق سياسي يريد أن يقدّم المال الإيراني وكأنه مبادرة إنقاذ، بينما هو في الحقيقة ليس تعويضاً للبنان ولا اعتذاراً من اللبنانيين، بل استكمال لدعم البنية نفسها التي أخذت البلد إلى الخراب: بنية السلاح الموازي، والميليشيا، والقرار الخارج عن الدولة.

ويبدو أن قاسم قصير مستاء أيضاً لأن نواباً لبنانيين يريدون رفع دعوى على إيران للمطالبة بتعويضات عن الحروب التي ساندتها ومولتها وغطّتها سياسياً، وهي الحروب التي دمّرت البلد وشرّدت الناس وكسرت الاقتصاد ونسفت ما تبقى من صورة لبنان في العالم.

وهنا لا بد من السؤال بسخرية مرة: لماذا الزعل يا دكتور قاسم؟ أليس هذا هو المنطق الطبيعي؟ من يساهم في إشعال الحريق لا يحق له أن يبيع نفسه كرجل إطفاء. ومن يمدّ الحطب والبارود والخطاب والسلاح لا يحق له لاحقاً أن يظهر بصورة المتبرّع الكريم.

يا دكتور قاسم، إيران ليست جمعية خيرية جاءت لتربّت على كتف لبنان. إيران جزء أساسي من المشكلة، بل هي من دعمت المشروع الذي صادر قرار لبنان وجرّه إلى حروب لا يريدها اللبنانيون. إيران، عبر أدواتها وسلاحها ونفوذها، شاركت في تدمير لبنان، حتى لو كان الاعتراف بذلك صعباً على من اعتاد تبرير كل شيء باسم “المقاومة”.

إيران دمّرت لبنان، ولو لا تريدون الاعتراف.

والمفارقة الساخرة أن من يرفض مطالبة إيران بالتعويض، يريد في الوقت نفسه أن نشكرها على الخراب. يريد أن نقبل المال إن جاء عبر قنوات المحور، لا كتعويض للدولة، بل كاستكمال للدعم السياسي والمالي للبيئة نفسها التي خنقت الدولة. يريدون من اللبناني أن يدفع ثمن الحرب من بيته وحياته وكرامته، ثم يصفّق لمن كان شريكاً في صناعة الكارثة.

إذا كانت إيران تريد أن تدفع، فالسؤال الأول ليس كم ستدفع، بل لمن ستدفع؟ للدولة اللبنانية؟ للخزينة؟ للمؤسسات الشرعية؟ أم لشبكاتها السياسية والعسكرية والإعلامية التي حوّلت لبنان إلى ساحة نفوذ؟ لبنان لا يحتاج إلى أموال مشروطة من محور دمّر سيادته. لبنان يحتاج إلى دولة حرّة، وجيش واحد، وقرار وطني مستقل.

هنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

المعضلة ليست في كلام قاسم قصير وحده، بل في الذهنية السياسية التي يقف خلفها هذا الكلام. ذهنية ترى أن قرار الحرب والسلم يمكن أن يكون خارج الدولة، وأن وقف النار يمكن أن يُنسب إلى إيران، وأن الرسائل الأميركية تُرسل إلى حزب الله لا إلى الدولة اللبنانية، بينما يصبح دخول الجيش اللبناني إلى أرض لبنانية مسألة قابلة للنقاش والاعتراض.

أي سيادة هذه؟

حين يُقدَّم دخول الجيش اللبناني إلى تلة علي الطاهر أو أي نقطة لبنانية كأنه أمر مشبوه أو مستفز، فنحن لا نكون أمام خلاف عسكري، بل أمام أزمة وطنية عميقة: من صاحب الشرعية على الأرض؟ الدولة أم الحزب؟ الجيش أم التنظيم؟ الدستور أم السلاح الموازي؟

الأخطر أن هذا المنطق يتعامل مع الجيش اللبناني وكأنه جسم غريب، أو كأنه فصيل إسرائيلي، فقط لأنه يريد أن يقوم بدوره الطبيعي: الانتشار على أرض بلده، حماية حدوده، وبسط سلطة الدولة. وهذه ليست مقاومة. هذه مصادرة للدولة. وليست سيادة. هذه ازدواجية قاتلة جعلت لبنان ساحة مفتوحة للحروب والرسائل والتفاوض فوق رأس اللبنانيين.

أما التفاخر بأن إيران أوقفت النار، أو أن الأميركيين أرسلوا رسائل عديدة إلى حزب الله، فهو ليس إنجازاً لبنانياً، بل إدانة كاملة للواقع الذي أوصلنا إليه الحزب. لأن السؤال البديهي هنا: أين الدولة اللبنانية؟ أين الحكومة؟ أين الجيش؟ أين المؤسسات؟ إذا كانت الحرب تبدأ بقرار من محور، وتتوقف برسائل بين واشنطن وطهران أو عبر حزب مسلح، فما الذي بقي من السيادة اللبنانية؟

ثم يأتي الحديث عن الصور التي انتشرت على طريق المطار وتشكر إيران، وكأن الاعتراض اللبناني عليها أمر مستغرب. لا، الاعتراض ليس مستغرباً. المستغرب هو اعتبار نشر صور رؤساء محاور خارجية على طريق مطار بيروت أمراً طبيعياً أو شرعياً أو بريئاً.

طريق المطار ليس ممراً دعائياً لإيران. مطار بيروت ليس بوابة طهران. والعاصمة اللبنانية ليست لوحة إعلانات لمحور أساء إلى لبنان، وورّطه، وعزله، وجرّه إلى حروب لا يريدها أبناؤه. من حق اللبنانيين، بل من واجبهم، أن يعترضوا عندما تُرفع رموز سياسية وعسكرية خارجية فوق أرضهم وكأن لبنان محافظة تابعة لا دولة مستقلة.

لبنان ليس إيرانياً. لبنان ليس ملحقاً بأي محور. لبنان ليس صندوق بريد بين واشنطن وطهران، ولا ساحة لتبادل الرسائل، ولا منصة لصور الزعماء الذين حوّلوا سيادته إلى ورقة مساومة.

كفى.

كفى التعامل مع لبنان وكأنه غنيمة سياسية. كفى مصادرة شوارعه ومطاره وحدوده وقراره. كفى تحويل الجيش إلى ضيف على أرضه، والدولة إلى شاهد زور، والشعب إلى رهينة في مشروع إقليمي لا يشبه لبنان ولا يحميه.

حزب الله ليس “مهضوماً” كما يحاول قاسم قصير تصويره. الحزب ليس ضحية سياسية بريئة. حزب الله دمر البلد، فرّط بالسيادة، صادر قرار الدولة، وفرض على اللبنانيين معادلات لم يختاروها ولم يصوّتوا عليها.

لقد جُرّ لبنان إلى مواجهات مدمرة. دُمّرت قرى، وتهجّر أهل، وتراجع الاقتصاد، وضاعت هيبة الدولة، وانهارت ثقة العالم بلبنان. ثم يأتي من يقول إن الحزب “مهضوم”، وكأن المشكلة أن الحزب مظلوم إعلامياً، لا أن اللبنانيين هم الذين دُفعوا إلى الخراب بسبب قرار عسكري وسياسي خارج مؤسساتهم.

المظلومية الحقيقية ليست مظلومية حزب الله. المظلومية الحقيقية هي مظلومية اللبناني الذي فقد دولته، وبيته، وماله، ومستقبله، وحقه في أن يعيش في بلد طبيعي لا تحكمه الرسائل الأمنية ولا الحسابات الإقليمية.

المقاومة التي تلغي الدولة تتحول مع الوقت إلى سلطة فوق الدولة. والسلاح الذي لا يخضع للجيش يصبح عبئاً على السيادة لا ضمانة لها. والقرار العسكري الذي لا يمر عبر المؤسسات الشرعية لا يحمي الوطن، بل يختطفه.

المطلوب اليوم ليس تخوين الجيش اللبناني ولا تصوير انتشاره في الجنوب وكأنه تهديد. المطلوب هو العكس تماماً: أن يعود الجيش وحده صاحب السلطة على الأرض، وأن تعود الدولة وحدها صاحبة قرار الحرب والسلم، وأن يتوقف استخدام لبنان كورقة تفاوض بين إيران وأميركا وإسرائيل.

لبنان لا يحتاج إلى حزب أقوى من دولته. لبنان يحتاج إلى دولة أقوى من كل الأحزاب.

ومن يريد فعلاً حماية الجنوب، فليسلّم الجنوب إلى الجيش اللبناني، لا إلى منطق الأنفاق والرسائل والمحاور. ومن يريد السيادة، فليبدأ أولاً بالاعتراف بأن لا سيادة مع سلاح خارج الدولة، ولا وطن حقيقي حين يصبح الجيش ضيفاً على أرضه.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

فاروق باباميري… عندما يكبر المناضل ولا يشيخ

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هناك رجال يكبرون في العمر، لكنهم لا يكبرون على...

حين يتحول اليسار إلى حارس لأيديولوجيا الدولة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة نقدية في افتتاحية جريدة «صوت الشعب» التونسية نشرت جريدة...

معركة مضيق هرمز في صحافة صباح اليوم: واشنطن توسّع ضرباتها وإيران تنقل الرد إلى القواعد الأميركية في المنطقة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة مقارنة في الصحافة الأميركية والغربية والإيرانية والعربية الصادرة...

صراع إرادات في هرمز: أميركا والعالم بوجه البلطجة الإيرانية

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح وعندنا التدخل الإيراني عبر أتباعه يستهدف عنوان : الأرض...

More like this

الشيوعي اللبناني يحشد دعماً أوروبياً في بروكسل: لقاءات مع أحزاب يسارية لمساندة لبنان وفلسطين ورفض اتفاق الإطار!

أخباركم – أخبارنا واصل الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني، الرفيق حنا غريب، برنامج لقاءاته السياسية...

لبنان بين خرائط إسرائيل وأوراق إيران: جنبلاط وجعجع وسؤال الهدنة والدولة المهددة

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد حين تصبح الهدنة مرآة للخوف اللبناني ليس السجال بين وليد...

دموع التماسيح على جثمان خامنئي!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد لم تكن دموع قيادة حزب الله أمام جثمان خامنئي...