أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
لم يتعلم حزب توده الإيراني، على ما يبدو، الدرس كاملًا من الإسلام السياسي الذي ذبحه، وسجن قادته، وحظر تنظيمه، وشوّه تاريخه أمام الكاميرات. فالحزب الذي راهن بعد ثورة 1979 على أن الإسلام السياسي الخميني يمكن أن يكون حليفًا في معركة التحرر الوطني ومعاداة الإمبريالية، انتهى إلى ضحية لذلك الإسلام السياسي نفسه. ومع ذلك، حين تعرّضت إيران في الحرب الحالية للعدوان الإسرائيلي ـ الأمريكي، رفض حزب توده العدوان الخارجي، ودافع عن سيادة إيران ووحدة أراضيها، من دون أن يتراجع عن معارضته الصريحة لجمهورية ولاية الفقيه.
هذه المفارقة تلخص مأساة توده: حزبٌ وطني يساري عريق، قاوم الشاه، ودافع عن العمال، ورفع راية العدالة الاجتماعية، لكنه أخطأ حين ظنّ أن الإسلام السياسي قد يكون طريقًا إلى التحرر. ثم بعد أن ذاق السجن والتعذيب والحظر على يد السلطة الدينية، ظل يميز بين الوطن والنظام، بين الدفاع عن إيران ضد الحرب الخارجية، وبين رفض الاستبداد الداخلي.
تاريخ حزب توده ليس سيرة حزب فقط، بل سيرة اليسار حين يخلط بين العداء للإمبريالية والسكوت عن الاستبداد؛ بين كراهية الشاه والثقة برجال الدين؛ بين دين الناس بوصفه وجدانًا اجتماعيًا، والإسلام السياسي بوصفه مشروع سلطة ودولة وقمع.
الجذور الأولى لليسار الإيراني
لم يبدأ اليسار الإيراني مع حزب توده عام 1941. فقد سبقه تاريخ طويل من الاحتكاك بالأفكار الاشتراكية والديمقراطية، خصوصًا عبر العمال الإيرانيين في القوقاز وباكو، حيث كانت حقول النفط والطبقة العاملة الناشئة والمدارس السياسية الروسية مصدرًا مبكرًا لتكوين الوعي الاشتراكي بين الإيرانيين.
في الثورة الدستورية الإيرانية عام 1906، ظهر تيار ديمقراطي تقدمي طالب بتقييد سلطة الشاه، وبناء مجلس، وإقرار الدستور، ومقاومة الاستبداد والتدخل الأجنبي. لم يكن هذا التيار شيوعيًا بالمعنى اللاحق، لكنه فتح الطريق أمام فكرة أن الاستبداد الداخلي والتبعية للخارج وجهان لأزمة واحدة.
ثم جاءت محاولات التنظيم الاشتراكي الأولى، مثل حزب العدالة والحزب الشيوعي الإيراني في بدايات القرن العشرين، وبرزت أسماء مرتبطة بالحركة الاشتراكية الإيرانية المبكرة. غير أن تلك التجارب بقيت محدودة ومحاصرة، خصوصًا مع صعود رضا شاه البهلوي، الذي بنى دولة مركزية حديثة من فوق، لكنها دولة بلا حرية، وبلا تعددية، وبلا تسامح مع الشيوعيين أو القوميين أو رجال الدين الخارجين عن الطاعة.
تقي أراني ومجموعة الثلاثة والخمسين
قبل حزب توده، كان هناك تقي أراني، المثقف الماركسي والعالم والمفكر الذي حاول نشر الفكر العلمي والمادي في إيران. حوله تشكلت مجموعة من المثقفين والناشطين عُرفت لاحقًا باسم “مجموعة الثلاثة والخمسين”. اعتقلهم نظام رضا شاه بتهمة النشاط الشيوعي، وأصبحوا لاحقًا النواة الفكرية والسياسية التي ستسهم في تأسيس حزب توده.
توفي تقي أراني في السجن عام 1940، قبل تأسيس الحزب بعام واحد. ولهذا لا يمكن القول إنه المؤسس التنظيمي المباشر لتوده، لكنه كان أباه الفكري والرمزي. لقد مات أراني في سجون الملكية، لكن أفكاره خرجت مع رفاقه من السجن بعد سقوط رضا شاه، لتتحول إلى تنظيم سياسي واسع.
في هذا المعنى، كان توده ابن السجن، وابن الفكر، وابن الهزيمة الأولى للاستبداد البهلوي. خرج من رحم القمع، وحمل معه حلمًا بأن تكون إيران وطنًا للعمال والفلاحين والمثقفين، لا مزرعة للشاه ولا قاعدة للنفوذ الأجنبي.
تأسيس حزب توده عام 1941
تأسس حزب توده الإيراني في 29 أيلول/سبتمبر 1941، بعد سقوط رضا شاه وتنازله عن العرش لابنه محمد رضا شاه، في ظل الاحتلال البريطاني ـ السوفيتي لإيران أثناء الحرب العالمية الثانية. بسقوط رضا شاه انفتح المجال السياسي نسبيًا، وخرج السجناء السياسيون، وعادت الصحافة والأحزاب والنقابات إلى النشاط.
اجتمع عدد من أتباع تقي أراني وشخصيات يسارية ودستورية قديمة في منزل سليمان ميرزا إسكندري، وأعلنوا تأسيس حزب “توده”، أي حزب الجماهير أو الشعب. لم يختر الحزب اسم “الحزب الشيوعي” صراحة، لأن المجتمع الإيراني كان محافظًا، ولأن تهمة الشيوعية كانت كافية لجلب القمع والتخوين، ولأن العلاقة مع الاتحاد السوفيتي كانت موضوعًا حساسًا في بلد عانى طويلًا من التدخل الروسي والبريطاني.
كان اسم “توده” اختيارًا سياسيًا ذكيًا. فهو يوحي بالشعب والجماهير، لا بالنخبة أو العقيدة المستوردة. وقد أعلن الحزب في بداياته برنامجًا ديمقراطيًا واسعًا: الدفاع عن الدستور، الحريات العامة، حقوق العمال، مقاومة الفاشية، رفض الاستبداد، ومواجهة التدخل الأجنبي.
المؤسسون والرموز الأولى
من أبرز الشخصيات المرتبطة بتأسيس حزب توده أو بصعوده المبكر:
سليمان ميرزا إسكندري
كان سليمان ميرزا إسكندري من عائلة قاجارية، لكنه كان دستوريًا واشتراكي النزعة. مثّل صلة بين اليسار القديم والحزب الجديد، واختير رئيسًا للحزب في بداياته. منح وجوده الحزب شرعية وطنية وتاريخية، لأنه لم يكن مجرد شيوعي مرتبط بالاتحاد السوفيتي، بل شخصية من تاريخ الحركة الدستورية الإيرانية.
إيرج إسكندري
إيرج إسكندري كان من أهم مثقفي الحزب وقادته. لعب دورًا كبيرًا في صياغة الخطاب الماركسي للحزب، وكان من أبرز مترجمي ومنظري الماركسية في إيران. لاحقًا، سيختلف موقفه عن موقف نور الدين كيانوري تجاه الجمهورية الإسلامية، إذ كان أكثر حذرًا من الرهان الكامل على الخميني.
رضا رادمنش
رضا رادمنش كان من القيادات البارزة في الحزب، خصوصًا في مرحلة القمع والمنفى. مثّل الجناح الحزبي المنضبط المرتبط بالخط السوفيتي التقليدي، وبمحاولة الحفاظ على التنظيم بعد الضربات الأمنية المتلاحقة.
عبد الصمد كامبخش
كان عبد الصمد كامبخش من الشيوعيين القدامى، ومن الشخصيات التنظيمية المهمة داخل الحزب. ارتبط اسمه بالنشاط السري وبالعلاقة مع الحركة الشيوعية الدولية، وكان من الوجوه التي جسدت الصلة العميقة بين الشيوعية الإيرانية وموسكو.
إحسان طبري
إحسان طبري كان من أبرز منظري حزب توده ومثقفيه. كتب في الفلسفة والأدب والتاريخ، وكان من أهم العقول النظرية للحزب. بعد قمع الحزب في الثمانينيات ظهر في اعترافات تلفزيونية استخدمها النظام الإسلامي دعائيًا ضد الماركسية، وقد اعتبر كثير من المعارضين والحقوقيين أن هذه الاعترافات انتُزعت تحت الضغط والتعذيب.
نور الدين كيانوري
نور الدين كيانوري لم يكن من مؤسسي الحزب عام 1941، لكنه انضم إليه مبكرًا عام 1942، وصعد تدريجيًا حتى أصبح الشخصية الأكثر إثارة للجدل في تاريخ الحزب بعد الثورة الإسلامية. قاد كيانوري خط دعم الخميني والجمهورية الإسلامية، ثم اعتقله النظام نفسه عام 1983، وحظر الحزب، وفتح مرحلة جديدة من السجون والتصفية.
توده في الأربعينيات: حزب جماهيري واسع
في الأربعينيات، أصبح حزب توده قوة جماهيرية حقيقية. امتلك صحفًا، ونقابات، ومنظمات طلابية، وروابط نسائية، وحضورًا بين العمال والمثقفين والموظفين وبعض الضباط. لم يكن تنظيمًا هامشيًا، بل أحد أكبر الأحزاب السياسية المنظمة في تاريخ إيران الحديث.
كان له نفوذ خاص بين العمال، خصوصًا في قطاعات النفط والنسيج والسكك الحديدية والصناعات الحديثة. كما لعب دورًا في الدفاع عن حقوق العمال والأجور وتحسين شروط العمل. وفي المدن الكبرى، وخصوصًا طهران ومناطق الشمال، صار الحزب قوة لا يمكن تجاهلها.
كان توده أيضًا حركة ثقافية. جذب شعراء وكتابًا ومترجمين وصحفيين، وفتح الباب أمام انتشار لغة جديدة في السياسة الإيرانية: الطبقة، الاستغلال، الإمبريالية، العدالة، التقدم، العلم، وحقوق المرأة. ولهذا لم يكن أثره حزبيًا فقط، بل ثقافيًا واجتماعيًا.
غير أن قوة الحزب حملت داخلها بذور أزمته. فقد ظل قريبًا من الاتحاد السوفيتي، الأمر الذي جعله عرضة للاتهام الدائم بأنه حزب تابع لموسكو. وفي بلد مثل إيران، له تاريخ طويل من الخوف من التدخل الروسي، كانت هذه التهمة مدمرة.
أزمة أذربيجان والجرح الوطني
بعد الحرب العالمية الثانية، دعمت موسكو حركات حكم ذاتي في أذربيجان وكردستان، وتأخرت في الانسحاب من شمال إيران. هذه المرحلة ألحقت ضررًا كبيرًا بصورة حزب توده. فحتى لو تحدث الحزب عن حقوق القوميات والديمقراطية، فإن قربه من الموقف السوفيتي جعله يبدو في نظر كثيرين وكأنه يضع مصلحة موسكو فوق وحدة إيران.
هنا ظهر التناقض الكبير في تجربة توده: حزب يقول إنه وطني، لكنه يعجز أحيانًا عن الفصل بين الوطنية الإيرانية والسياسة السوفيتية. حزب يدافع عن العمال الإيرانيين، لكنه يُتهم بأنه لا يرى إيران إلا من خلال عيون موسكو.
هذا الجرح سيلاحق الحزب طويلًا. وكلما أراد خصومه ضربه، عادوا إلى التهمة نفسها: أن توده ليس حزبًا إيرانيًا كاملًا، بل حزب سوفيتي الهوى والقرار.
توده ومصدق: فرصة ضائعة
في أوائل الخمسينيات، برز محمد مصدق كزعيم وطني كبير. قاد معركة تأميم النفط، وواجه النفوذ البريطاني، وحاول تقليص سلطة الشاه وبناء سياسة وطنية مستقلة. كان مصدق قوميًا ديمقراطيًا، لا شيوعيًا، لكنه كان خصمًا للاستعمار والملكية المطلقة.
كان من المفترض أن يجد حزب توده في مصدق حليفًا طبيعيًا في معركة الاستقلال والديمقراطية. لكن العلاقة بين الطرفين كانت معقدة. نظر بعض قادة توده إلى مصدق بوصفه ممثلًا للبرجوازية الوطنية المترددة، وهاجموه في مراحل حساسة بدل بناء جبهة ديمقراطية واسعة معه.
عندما وقع انقلاب 1953 المدعوم من الولايات المتحدة وبريطانيا، سقط مصدق، وعاد الشاه أقوى من قبل، وتلقى حزب توده ضربة مدمرة. اعتُقل آلاف من أعضائه ومناصريه، وكُشف تنظيمه العسكري داخل الجيش، وأُعدم عدد من الضباط المرتبطين به، ودخل الحزب مرحلة طويلة من السجون والمنافي والعمل السري.
كانت تلك أول كارثة استراتيجية كبرى في تاريخ الحزب: العجز عن بناء تحالف وطني ديمقراطي واسع في اللحظة التي كان يمكن أن تغير مصير إيران. والمفارقة أن الحزب سيتعلم من هذه التجربة بطريقة معكوسة لاحقًا؛ فبدل أن يتحالف مع قوى ديمقراطية، سيتحالف بعد الثورة مع قوة دينية سلطوية ظنًا منه أنها معادية للإمبريالية.
من القمع الملكي إلى المنفى
بعد انقلاب 1953، لم يعد حزب توده كما كان. فقد قدرته الجماهيرية العلنية، وتشتتت قياداته بين السجون والمنفى. عاش كثير من قادته في موسكو وبرلين الشرقية وبراغ ولايبزغ وباريس. بقي للحزب أنصار في الداخل، لكنه لم يعد قادرًا على التحرك الواسع كما في الأربعينيات.
هذه المرحلة صنعت عقلية الحزب المحاصر: السرية، الانضباط، الاعتماد على الخارج، والخوف من الاختراق. كما صنعت مشكلة أخرى: أن القيادة في المنفى صارت ترى الداخل من بعيد. المجتمع الإيراني كان يتغير، والجامعات تتوسع، والمدن تكبر، والدين السياسي يصعد، بينما الحزب يقرأ الواقع غالبًا من داخل قواميس الحرب الباردة.
إيران الشاه: تحديث بلا حرية
في الستينيات والسبعينيات، بنى الشاه دولة حديثة ظاهريًا: جيش قوي، اقتصاد نفطي، جامعات، طرق، صناعة، وإصلاحات اجتماعية. لكنه بنى ذلك كله فوق أرضية من القمع. جهاز السافاك سحق الشيوعيين، الإسلاميين، القوميين، الطلاب، والنقابيين. كانت إيران تتحدث بلغة الحداثة، لكنها تعيش بلا حرية سياسية.
هذا التناقض خلق انفجارًا اجتماعيًا. ملايين انتقلوا من الريف إلى المدن، نشأت طبقة وسطى متعلمة، توسعت الجامعات، ازدادت الفجوة بين الثروة النفطية والفقر الشعبي، واشتد الغضب من التبعية للولايات المتحدة.
في هذه الأجواء ظهرت قوى معارضة مختلفة: فدائيي خلق اليسارية، مجاهدي خلق ذات الجذور الإسلامية ـ اليسارية، القوميون، الليبراليون، ورجال الدين. أما حزب توده فكان حاضرًا كذاكرة ورمز، لكنه لم يكن القوة الشبابية الأبرز داخل الشارع. فقد كان كثير من الشباب ينظرون إليه كحزب قديم، سوفيتي، بيروقراطي، ومتردد.
علي شريعتي واليسار الديني
لفهم لماذا صدّق بعض اليسار أن الإسلام السياسي قد يكون حلًا، لا بد من التوقف عند ظاهرة علي شريعتي. شريعتي لم يكن رجل دين تقليديًا، ولم يكن ماركسيًا حزبيًا، لكنه حاول أن يقدم قراءة ثورية للإسلام الشيعي. تحدث عن المستضعفين، العدالة، الشهادة، كربلاء، الاستعمار، الغرب، والطبقية، بلغة جذبت الشباب المتدين والمثقف.
في خطاب شريعتي، بدا الإسلام دين ثورة لا دين سلطة. بدا الحسين رمزًا للمقاومة، وزينب رمزًا للوعي، وأبو ذر الغفاري قريبًا من صورة الاشتراكي الأول. هذه اللغة أغرت كثيرين لأنها بدت جسرًا بين الوجدان الديني والعدالة الاجتماعية.
لكن الإسلام السياسي الذي وصل إلى السلطة لم يكن إسلام شريعتي الرومانسي، بل إسلام المؤسسة الفقهية، والمحاكم الثورية، والحرس الثوري، وولاية الفقيه. وهنا وقع الخلط القاتل: الخلط بين دين الفقراء بوصفه لغة ألم وكرامة، وبين الإسلام السياسي بوصفه جهاز حكم وقمع.
اليسار الذي صدّق أن الإسلام قد يكون الحل
عشية الثورة الإيرانية، وجد اليسار نفسه أمام سؤال عملي: من يستطيع إسقاط الشاه؟ لم يكن حزب توده وحده قادرًا على ذلك، ولم تكن المنظمات المسلحة قادرة وحدها، ولم يكن الليبراليون قادرين. القوة الوحيدة التي امتلكت شبكة جماهيرية عميقة كانت المؤسسة الدينية: المساجد، الحسينيات، رجال الدين، المناسبات الدينية، ولغة عاشوراء.
هنا وقع جزء من اليسار في سوء تقدير تاريخي. ظن أن الإسلاميين حلفاء مؤقتون ضد الشاه، وأن التناقض الرئيسي هو مع الإمبريالية والملكية، أما التناقض مع رجال الدين فيمكن تأجيله. بعضهم قال: لنسقط الشاه أولًا، ثم نتنافس على مستقبل الثورة. وبعضهم رأى أن الخميني يعبر عن الجماهير الشعبية، وأن الوقوف ضده يعني الانفصال عن الشعب. وبعضهم اعتبر أن العداء لأمريكا يكفي ليجعل الإسلاميين قوة تقدمية موضوعيًا.
لكن ماركس حذر، في جوهر نقده، من أن الأفكار لا تُفهم خارج بنيتها الاجتماعية. وفي عبارته الشهيرة عن الدين، قال إن الدين “زفرة المخلوق المضطهد، وقلب عالم بلا قلب، وروح ظروف بلا روح”، لكنه أضاف أيضًا أنه “أفيون الشعب”. المعنى هنا ليس شتيمة بسيطة للدين، بل تحليل مزدوج: الدين يعبّر عن الألم الحقيقي، لكنه قد يصبح أيضًا تعويضًا وهميًا عن تغييره. مأساة توده أنه رأى في الإسلام السياسي زفرة المضطهدين، لكنه لم ينتبه إلى أنه قد يصبح أفيون السلطة أيضًا.
كان على اليسار أن يميز بين إيمان الناس وحقهم في الكرامة، وبين رجال الدين حين يتحولون إلى طبقة سياسية حاكمة. فدين الناس قد يكون تعبيرًا عن الجرح، أما الإسلام السياسي في الدولة فقد يصبح سكينًا بيد السلطة.
لماذا أغرى الإسلام السياسي بعض اليساريين؟
أغرى الإسلام السياسي بعض اليساريين لعدة أسباب.
أولًا، لأن الشاه كان حليفًا للولايات المتحدة. وكل من وقف ضد الشاه بدا، في نظر اليسار، جزءًا من المعسكر المعادي للإمبريالية.
ثانيًا، لأن الخطاب الإسلامي الثوري استخدم لغة الفقراء والمستضعفين والعدالة الاجتماعية. هذه اللغة اقتربت من مفردات اليسار، لكنها حملت مضمونًا مختلفًا. فاليسار يتحدث عن تحرير الطبقات الشعبية بتنظيمها ووعيها، أما الإسلام السياسي فكان يتحدث عن المستضعفين تحت قيادة الفقيه.
ثالثًا، لأن المجتمع الإيراني كان متدينًا، وأي قوة لا تفهم اللغة الدينية كانت تخاطر بالبقاء داخل النخب والجامعات. ظن بعض اليساريين أن استخدام الخطاب الديني أو التحالف معه ضرورة تكتيكية للوصول إلى الجماهير.
رابعًا، لأن توده كان مسكونًا بذاكرة انقلاب 1953. فقد خاف الحزب من تكرار سيناريو إسقاط مصدق، ورأى أن إضعاف الخميني قد يفتح الباب أمام انقلاب أمريكي أو عودة الملكيين.
خامسًا، لأن الاتحاد السوفيتي نفسه قرأ الثورة الإيرانية من زاوية الحرب الباردة: إذا كانت الجمهورية الإسلامية ضد أمريكا، فهي موضوعيًا في موقع مفيد لموسكو، حتى لو لم تكن اشتراكية ولا ديمقراطية.
سادسًا، لأن بعض اليسار خلط بين الشعبية والتقدمية. ليس كل تيار شعبي تقدميًا. قد يكون التيار واسعًا وجماهيريًا، لكنه يحمل مشروعًا رجعيًا أو سلطويًا.
هنا تحضر مقولة ماركس في “الأطروحات حول فيورباخ”: “الفلاسفة لم يفعلوا سوى تفسير العالم بطرق مختلفة، لكن المهم هو تغييره”. غير أن تغيير العالم لا يعني تسليم الجماهير إلى سلطة جديدة باسم الثورة. فالثورة التي لا تحرر الإنسان من الخوف، ولا تحمي حرية التنظيم، ولا تضمن حقوق المرأة والعمال والمثقفين، ليست تغييرًا جذريًا، بل تبديلًا في شكل السيطرة.
رهان كيانوري على الخميني
قبل سقوط الشاه بأسابيع، صعد نور الدين كيانوري إلى قيادة حزب توده بدل إيرج إسكندري. كان هذا التحول أكثر من تغيير تنظيمي؛ كان تحولًا في خط الحزب. كيانوري كان أكثر حماسة لدعم الخميني والجمهورية الإسلامية، ورأى أن الثورة الإيرانية تمر بمرحلة “وطنية ديمقراطية” معادية للإمبريالية.
دعم حزب توده الجمهورية الإسلامية الوليدة، ودافع عن كثير من سياساتها، واعتبر أن الخطر الأكبر هو الولايات المتحدة والملكيون والليبراليون المرتبطون بالغرب. بهذا المعنى، اختزل الحزب السياسة في سؤال واحد: من يقف ضد أمريكا؟
لكن هذا السؤال، رغم أهميته، لا يكفي. فهناك قوى تعادي أمريكا لكنها تعادي الحرية أيضًا. وهناك قوى ترفع راية الفقراء لكنها تسحق النقابات. وهناك قوى تتحدث باسم الشعب لكنها تمنع الشعب من الكلام. وهذا ما حدث في إيران.
لقد رأى توده في الخميني حليفًا ضد الإمبريالية، لكنه لم يرَ فيه مشروع دولة دينية شمولية. رأى العداء للشاه، لكنه لم يرَ العداء للتعددية. رأى خطاب المستضعفين، لكنه لم يرَ المحاكم الثورية القادمة. رأى الشارع، لكنه لم يرَ السجن.
من دعم الثورة إلى تبرير القمع
أخطر ما في سياسة توده بعد الثورة أنه لم يكتفِ بدعم الجمهورية الإسلامية ضد الشاه والولايات المتحدة، بل وقف أحيانًا ضد قوى يسارية وقومية وليبرالية كانت تتعرض للقمع. اعتبر الحزب أن بعض هذه القوى تخدم، بوعي أو بغير وعي، مخطط الإمبريالية لإسقاط الثورة.
هكذا تحولت معاداة الإمبريالية إلى سلاح ضد التعددية. والحزب الذي ذاق سجون الشاه لم يفهم أن السجن حين يبنيه “حليف ثوري” يبقى سجنًا. واليسار الذي كان يفترض أن يدافع عن حرية التنظيم والتعبير وجد نفسه يبرر قمع تنظيمات أخرى.
كان ماركس يقول إن “تحرر الطبقة العاملة يجب أن يكون من صنع الطبقة العاملة نفسها”. لكن حزب توده، في لحظة حاسمة، لم يثق باستقلال الطبقة العاملة ولا باستقلال اليسار، بل راهن على قيادة دينية فوق المجتمع، فوق الطبقات، وفوق الأحزاب. وهذا كان نقيضًا عميقًا لروح الماركسية، حتى لو رُفع باسم التكتيك الثوري.
تصفية اليسار ثم تصفية توده
بعد انتصار الثورة، بدأت الجمهورية الإسلامية تصفي المجال السياسي. أُقصي الليبراليون والقوميون. دخل مجاهدو خلق في صدام دموي مع النظام. تعرضت فصائل اليسار الراديكالي للقمع. أُغلقت صحف، وحوصرت جامعات، وبدأت الثورة الثقافية الإسلامية، وتوسعت المحاكم الثورية.
كان توده يظن أنه في مأمن، لأنه دعم النظام. لكنه لم يكن إلا مؤجلًا على قائمة الضحايا. في شباط/فبراير 1983، اعتُقل نور الدين كيانوري وعدد كبير من قادة الحزب وكوادره، وحُظر الحزب رسميًا. ظهر قادته في اعترافات تلفزيونية مهينة، استخدمها النظام لإعلان انتصاره على الماركسية.
أُعدم بعض المرتبطين بالحزب، خصوصًا من العسكريين، وسُجن كثيرون، وتعرض آخرون للتعذيب أو المنفى. أما كيانوري نفسه، فقد اشتكى لاحقًا من التعذيب، ونفى الاتهامات الموجهة إليه. ثم وُضع بعد الإفراج عنه تحت الإقامة الجبرية، وتوفي عام 1999.
بهذا انتهى الرهان: الحزب الذي دعم الجمهورية الإسلامية ضد خصومها صار ضحية للآلة التي ساعد، سياسيًا ودعائيًا، في تبريرها.
مأساة مجزرة السجون
لم يكن حزب توده وحده ضحية القمع. ففي الثمانينيات، تعرضت قوى معارضة واسعة للتصفية: مجاهدو خلق، فدائيو خلق، اليساريون، القوميون الكرد، الشيوعيون، والناشطون المستقلون. وبلغت المأساة ذروتها في مجزرة السجون عام 1988، حين أُعدم آلاف السجناء السياسيين سرًا، في واحدة من أبشع صفحات تاريخ الجمهورية الإسلامية.
هذه المجزرة تكشف النهاية الحقيقية للثورة حين تحتكر سلطة واحدة الدين والسياسة والسلاح والقضاء. لقد بدأت الثورة بشعارات الحرية والاستقلال والعدالة، لكنها انتهت، بالنسبة إلى آلاف المعارضين، إلى حبال المشانق والمقابر الجماعية والصمت القسري.
الرواية المتداولة عن الوفد الأمريكي
تنتشر رواية تقول إن وفدًا من الكونغرس الأمريكي حضر إلى طهران أثناء التظاهرات العنيفة عام 1979، وسأل: هل يقود حزب توده وبقية اليسار هذه الحركة؟ فقيل له: بل الإسلاميون. عندها اطمأن الوفد وقال بما معناه: طالما أن توده لا يقود، فلا علاقة لنا بما يجري.
هذه الرواية مهمة رمزيًا، لكنها تحتاج إلى توثيق تاريخي قبل اعتمادها كواقعة ثابتة. غير أنها، حتى لو بقيت رواية متداولة، تكثف منطق الحرب الباردة. فقد كان الغرب يخاف من الشيوعية أكثر مما كان يخاف من الإسلام السياسي. كان الهاجس الأمريكي الأكبر أن تسقط إيران في يد حزب قريب من موسكو، لا أن تتحول بالضرورة إلى دولة دينية.
لكن التاريخ سخر من الجميع. الإسلاميون لم يكونوا أصدقاء الغرب، ولم يكونوا أصدقاء اليسار. أسقطوا الشاه، ثم أسقطوا شركاء الثورة واحدًا بعد آخر. وهكذا خسر الليبراليون جمهوريتهم المأمولة، وخسر اليسار تنظيماته، وخسر الشعب الإيراني فرصة بناء ديمقراطية حقيقية بعد سقوط الملكية.
هل كان توده هو من أشعل الثورة؟
لا يمكن القول إن حزب توده وحده أشعل الثورة الإيرانية. هذا تبسيط غير دقيق. الثورة كانت نتيجة تراكم طويل: استبداد الشاه، قمع السافاك، التبعية للولايات المتحدة، أزمة الشرعية، التفاوت الاجتماعي، غضب العمال والطلاب، الحركة القومية، اليسار، الإسلام السياسي، وشبكات المساجد.
كان توده جزءًا مهمًا من تاريخ المعارضة الإيرانية، لكنه لم يكن القائد الفعلي لثورة 1978 ـ 1979. القيادة الجماهيرية والرمزية انتقلت إلى الخميني والتيار الديني، لأنهم امتلكوا شبكة أوسع ولغة أقرب إلى الوجدان الشعبي.
القول الأدق هو أن حزب توده ساهم تاريخيًا في بناء الوعي المعارض للشاه، ودافع عن العمال والعدالة، وكان جزءًا من المناخ الثوري، لكنه لم يكن مفجر الثورة الوحيد ولا قائدها النهائي.
حزب توده والحرب الحالية: ضد العدوان وضد الاستبداد
في الحرب الحالية، اتخذ حزب توده موقفًا رافضًا للعدوان الإسرائيلي ـ الأمريكي على إيران. أدان الحزب الهجمات العسكرية الإسرائيلية، واعتبرها انتهاكًا للسيادة الوطنية الإيرانية والقانون الدولي. كما أدان دخول الولايات المتحدة الحرب عبر ضرب مواقع داخل إيران، واعتبر أن التدخل العسكري الخارجي لا يخدم الشعب الإيراني، بل يخدم الإمبريالية والقوى الرجعية والاستبداد الحاكم.
موقف توده هنا يقوم على معادلة دقيقة: لا للعدوان الخارجي، ولا لدكتاتورية الداخل. فالحزب لا يرى في تدمير إيران طريقًا لتحريرها من نظام ولاية الفقيه، بل يرى أن إسقاط الاستبداد يجب أن يكون من خلال نضال الشعب الإيراني والقوى الوطنية والديمقراطية والتقدمية، لا عبر القنابل الأجنبية.
هذا الموقف صحيح من حيث المبدأ الوطني؛ فالشعوب لا تتحرر حين تقصفها الإمبراطوريات. لكن المفارقة المؤلمة أن الحزب الذي يرفض اليوم تدمير إيران باسم إسقاط النظام، هو نفسه الحزب الذي لم يفهم عام 1979 أن دعم سلطة دينية باسم مواجهة الإمبريالية يمكن أن يدمر المجتمع من الداخل.
لقد تعلم توده نصف الدرس: تعلم أن السيادة الوطنية لا تُسلّم للأجنبي، لكنه لم يحسم دائمًا بما يكفي أن السيادة الشعبية لا تُسلّم للفقيه أيضًا.
لماذا فشل توده في قراءة الإسلام السياسي؟
فشل توده في قراءة الإسلام السياسي لأنه تعامل معه كظاهرة اجتماعية معادية للإمبريالية، لا كمشروع سلطة. رأى الجماهير الفقيرة في المساجد، لكنه لم يرَ المؤسسة الدينية التي ستقودهم. رأى خطاب المستضعفين، لكنه لم يرَ ولاية الفقيه. رأى العداء لأمريكا، لكنه لم يرَ العداء للنساء والنقابات واليسار والتعددية.
امتلك الحزب أدوات تحليل طبقية واقتصادية، لكنه افتقر إلى فهم عميق لطبيعة القداسة عندما تتحول إلى سلطة سياسية. فالاستبداد لا يأتي دائمًا بلباس عسكري أو ملكي؛ قد يأتي بعمامة، وباسم الله، وباسم الفقراء، وباسم الثورة.
لقد قال ماركس إن النقد لا يقطف “زهور الوهم” عن السلاسل لكي يحمل الإنسان سلاسل بلا عزاء، بل لكي يرمي السلاسل ويقطف الزهرة الحية. لكن توده، بدل أن يساعد الجماهير على كسر السلاسل، صدّق أن الزهور الدينية المعلقة على السلاسل قد تكون بداية التحرر.
الدرس الأكبر
درس حزب توده لا يخص إيران وحدها. إنه درس لكل يسار يختزل السياسة في سؤال واحد: من ضد أمريكا؟ فهذا السؤال لا يكفي. يجب أن نسأل أيضًا: من مع حرية الشعب؟ من مع حق العمال في التنظيم؟ من مع حق النساء في المساواة؟ من مع حرية الصحافة؟ من مع تداول السلطة؟ من ضد السجن والتعذيب والإعدام السياسي؟
معاداة الإمبريالية بلا ديمقراطية يمكن أن تتحول إلى غطاء للاستبداد. والعدالة الاجتماعية بلا حرية سياسية يمكن أن تصبح شعارًا فارغًا. والثورة التي لا تحمي حق الاختلاف تفتح الطريق لطاغية جديد.
لقد دفع حزب توده ثمنًا فادحًا لأنه لم يميز في الوقت المناسب بين الحليف التكتيكي والجلاد القادم. ظن أن الإسلام السياسي مرحلة انتقالية، فإذا به دولة كاملة. ظن أن الخميني حصن ضد الإمبريالية، فإذا به سجن لليسار والنساء والمثقفين والعمال. ظن أن الثورة ستحميه، فإذا بالثورة التي ساعد في الدفاع عنها تلتهم أبناءها.
خاتمة
حزب توده الإيراني صفحة كبرى من تاريخ إيران الحديث: صفحة نضال، وثقافة، وتنظيم عمالي، وتضحيات، وسجون، ومنافٍ. لكنه أيضًا صفحة أخطاء قاتلة. تأسس الحزب من رحم القمع الملكي، مستندًا إلى إرث تقي أراني ومجموعة الثلاثة والخمسين، وإلى شخصيات مثل سليمان ميرزا إسكندري وإيرج إسكندري ورضا رادمنش وإحسان طبري ونور الدين كيانوري. في الأربعينيات صار حزبًا جماهيريًا واسعًا، وبعد انقلاب 1953 دُمر ودخل المنفى، ثم عاد مع ثورة 1979 ليقع في أكبر أوهامه.
لقد ظن أن الإسلام السياسي قد يكون طريقًا إلى التحرر، فإذا به طريق إلى السجن. ظن أن العداء لأمريكا يكفي لصناعة التقدمية، فإذا به يكتشف أن الاستبداد قد يكون معاديًا لأمريكا أيضًا. ظن أن الثورة إذا لبست ثوب الجماهير صارت تلقائيًا ثورة شعبية ديمقراطية، فإذا بها تتحول إلى دولة دينية تحتكر الحقيقة والسلطة.
ومع ذلك، لا يمكن محو دور توده في مقاومة الشاه، ولا يمكن إنكار مساهمته في تاريخ العمال والمثقفين واليسار الإيراني. إنصافه لا يعني تبرئة أخطائه، ونقده لا يعني شيطنته. بل يعني فهم المأساة كاملة: حزبٌ أراد تحرير إيران من الملكية والتبعية، لكنه ساهم، بخطئه التاريخي، في منح الشرعية لقوة ذبحته لاحقًا.
يبقى الدرس الأعمق: لا ثورة بلا حرية. لا عدالة بلا ديمقراطية. لا تحرر وطني بلا تحرر شعبي. ولا يجوز لليسار أن يسلّم عقله لأي قوة، دينية كانت أم عسكرية، فقط لأنها ترفع شعار العداء للإمبريالية. فالطريق إلى الجحيم السياسي كثيرًا ما يُفرش بشعارات كبرى، وبأوهام جميلة، وبثقة قاتلة في حليف يحمل السكين خلف ظهره.
المراجع
- Encyclopaedia Iranica, “Communism in Persia / Iran”, sections on the formation and history of the Tudeh Party of Iran.
- Encyclopaedia Iranica, “Kianuri, Nur-al-Din”, biography of Nureddin Kianuri, his role in the Tudeh Party, arrest in 1983, imprisonment, house arrest, and death in 1999.
- Ervand Abrahamian, Iran Between Two Revolutions, Princeton University Press, 1982.
- Ervand Abrahamian, The Iranian Mojahedin, Yale University Press, 1989.
- Ervand Abrahamian, Tortured Confessions: Prisons and Public Recantations in Modern Iran, University of California Press, 1999.
- Maziar Behrooz, Rebels with a Cause: The Failure of the Left in Iran, I.B. Tauris, 1999.
- Britannica, “Iranian Revolution”, overview of the 1978–1979 revolution, the fall of the shah, and the consolidation of clerical power.
- Amnesty International, “Blood-soaked secrets: Why Iran’s 1988 prison massacres are ongoing crimes against humanity”, report on the 1988 prison massacres.
- Tudeh Party of Iran, Statement of the Central Committee, 13 June 2025, condemning the Israeli military attack on Iran and rejecting foreign aggression against Iranian sovereignty.
- Tudeh Party of Iran and Communist Party of Israel, “Stop the Killing! End the War Now!”, joint statement, 17 June 2025.
- Tudeh Party of Iran, Statement of the Central Committee, 22 June 2025, condemning the American military attack on Iranian sites.
- Tudeh Party of Iran, “For Peace, the Preservation of Iran’s Territorial Integrity, and Confronting the Conspiracies of U.S. Imperialism and the Criminal Netanyahu Government”, 6 March 2026.
- Karl Marx, “Contribution to the Critique of Hegel’s Philosophy of Right: Introduction”, 1844.
- Karl Marx, “Theses on Feuerbach”, 1845.
- Karl Marx, “Rules of the International Workingmen’s Association”, 1864.



