الثلاثاء, يوليو 14, 2026
31.9 C
Beirut

ترامب يضغط على بيروت لتتراجع أمام إيران: لبنان لا يجوز أن يتراجع

نشرت في

أخباركم – اخبارنا/ مسعود محمد

وهم الانتصار الكامل

لم يكن دونالد ترامب يريد اتفاقًا مع إيران بقدر ما كان يريد صورة انتصار عليها. أراد أن يظهر كرئيس يُخضع طهران بالقوة، ينزع سلاحها النووي، يكسر نفوذها الإقليمي، يمنعها من التحكم بمضيق هرمز، ويفصل لبنان عنها عبر دفع الدولة اللبنانية إلى مواجهة حزب الله سياسيًا وأمنيًا. لكنه، في النهاية، لم يحصل على نصر كامل، بل على تسوية مرتبكة حاول تسويقها كإنجاز تاريخي.

ما انتهى إليه المسار لم يكن مشهد رئيس كسر إيران، بل مشهد رئيس رفع السقف إلى أقصى حد، ثم بدأ يتراجع خطوة بعد أخرى أمام صلابة الجغرافيا، وتشابك الملفات، وقدرة الإيراني على تحويل الضغط إلى تفاوض. أما لبنان، الذي حاولت واشنطن التعامل معه كساحة ضغط لا كدولة صاحبة قرار، فوجد نفسه أمام امتحان أكبر: هل يتراجع أمام الضغوط الأمريكية لمصلحة التفاهم مع إيران، أم يتمسك بسيادته وقراره الوطني؟

الأهداف الكبرى لترامب

في البداية، بنى ترامب سرديته على أربعة أهداف كبرى: إسقاط هيبة النظام الإيراني أو دفعه إلى تغيير جذري، إنهاء الملف النووي بالقوة أو بالتفتيش المفتوح، خنق إيران بالعقوبات حتى تتصرف وفق الشروط الأمريكية، ثم إخراج الساحات المرتبطة بها من يدها، وعلى رأسها لبنان ومضيق هرمز.

كان الخطاب يقول إن واشنطن قادرة على عزل إيران، وتجريدها من أوراقها، وفرض معادلة جديدة في الشرق الأوسط. لكن هذا الخطاب اصطدم بواقع مختلف: إيران لم تكن خصمًا بلا أدوات، ولبنان لم يكن مجرد تفصيل يمكن دفعه إلى التراجع كلما احتاجت واشنطن إلى ترتيب تفاهم مع طهران.

إيران ليست دولة بلا أوراق

المشكلة الأساسية في حسابات ترامب أن إيران لم تكن دولة بلا أوراق. كانت تملك البرنامج النووي كورقة تفاوض، ومضيق هرمز كورقة اقتصادية عالمية، وحلفاء إقليميين كورقة ضغط ميدانية، ولبنان كواحدة من أكثر الساحات حساسية في الصراع مع إسرائيل.

لذلك، كلما حاول ترامب التعامل مع ملف بمعزل عن الآخر، أعادته إيران إلى الحقيقة الأساسية: لا يمكن التفاوض معها في النووي مع تجاهل لبنان، ولا يمكن التهديد في الخليج مع افتراض أن مضيق هرمز خارج الحساب، ولا يمكن ضرب طهران ثم انتظار أن تبقى الجبهات التابعة لها صامتة.

محاولة فصل لبنان عن إيران

أراد ترامب فصل لبنان عن إيران. ضغط باتجاه تحميل الدولة اللبنانية مسؤولية مواجهة حزب الله، وحرّضها سياسيًا على استعادة القرار من خارج منطق المقاومة والتحالف الإيراني. كانت الفكرة أن يُسحب لبنان من يد طهران، وأن يتحول حزب الله من ورقة قوة إيرانية إلى عبء داخلي لبناني.

لكن هذا الطموح اصطدم بسرعة بواقعين: الأول أن الدولة اللبنانية لا تملك ترف الدخول في صدام داخلي شامل خدمةً للأجندة الأمريكية أو الإسرائيلية، والثاني أن واشنطن، عندما احتاجت إلى تهدئة مع إيران، بدأت تمارس ضغطًا معاكسًا على بيروت كي لا تذهب بعيدًا في المواجهة، وكي لا تربك مسار التفاوض الأمريكي الإيراني.

من فصل لبنان عن إيران إلى الضغط على بيروت

هنا ظهر التراجع الأهم. فبدل أن يبقى لبنان ملفًا تضغط فيه واشنطن لفصله عن إيران، تحول إلى ملف تضغط فيه واشنطن على بيروت كي لا تعطل التسوية مع طهران. لم تعد المسألة فقط: كيف نفصل لبنان عن إيران؟ بل أصبحت: كيف نمنع لبنان من رفع سقفه السيادي كي تستمر المحادثات مع إيران؟

هذا التحول وحده يكشف حجم الانقلاب في المشهد. ترامب الذي أراد استخدام لبنان للضغط على إيران، وجد نفسه يضغط على لبنان عندما احتاج إلى تفاهم مع إيران. وهنا تكمن خطورة اللحظة: أن يتحول لبنان من دولة مطالَبة باستعادة قرارها، إلى ساحة يُطلب منها التراجع حتى لا تنزعج طهران، وحتى لا تتعطل الصفقة الأمريكية معها.

اعتراف أمريكي بدور إيران في لبنان

هذا ليس تفصيلًا دبلوماسيًا، بل اعتراف سياسي. عندما تجعل واشنطن وقف القتال في لبنان أو ضبط الساحة اللبنانية شرطًا لبدء أو استمرار محادثات مع إيران، فهي تقر عمليًا بأن طهران حاضرة في المعادلة اللبنانية. وعندما يهدد ترامب إيران لأنها لم تضبط حلفاءها في حزب الله، فهو يعترف من حيث لا يريد بأن مفتاح الساحة اللبنانية ليس في بيروت وحدها، ولا في تل أبيب وحدها، بل أيضًا في طهران.

لكن الأخطر من الاعتراف بالدور الإيراني هو أن يتحول هذا الاعتراف إلى ضغط على لبنان نفسه. فبدل أن يُطلب من إيران وقف تدخلها في لبنان، يُطلب من بيروت أن تتراجع، وأن تخفف، وأن تنتظر، وأن لا تفتح معركة سيادية كاملة حتى لا تختلط الأوراق على طاولة التفاوض.

وهكذا انقلب شعار فصل لبنان عن إيران إلى ضغط على لبنان كي يتكيف مع النفوذ الإيراني لا كي يتحرر منه.

النووي: من إعلان الحسم إلى العودة للتفاوض

في الملف النووي، حاول ترامب بيع القوة باعتبارها حسمًا. تحدث عن تدمير المنشآت، وعن منع إيران إلى الأبد من امتلاك سلاح نووي، وعن تفتيش مفتوح لا نهاية له. لكنه في النهاية لم يحصل على مشهد استسلام نووي إيراني كامل.

لم تُمحَ المعرفة النووية، ولم يختفِ البرنامج من الوجود، ولم تتحول إيران إلى دولة بلا قدرة تفاوضية. كل ما حدث أن الملف عاد إلى طاولة التفاوض، والتفتيش، والضمانات، والإنكار الإيراني لبعض الروايات الأمريكية. أي إن ترامب عاد من لغة القصف إلى لغة الأوراق.

مضيق هرمز: الجغرافيا أقوى من التهديد

وفي مضيق هرمز، كان التراجع أكثر وضوحًا. أراد ترامب منع إيران من التحكم بالمضيق، لكنه اكتشف أن هرمز ليس قرارًا أمريكيًا صرفًا. هو ممر عالمي للطاقة، وإيران تملك موقعًا جغرافيًا يجعل تهديدها بإغلاقه أو تعطيله عامل ضغط لا يمكن تجاهله.

لذلك تحولت لغة التهديد إلى لغة الترتيبات: فتح المضيق، ضمان المرور، مراقبة حركة النفط، وربط ذلك بمسار الاتفاق. وهذا يعني أن واشنطن لم تنتزع هرمز من يد إيران، بل تفاوضت معها كي لا تستخدمه كسلاح.

العقوبات: من الخنق إلى الإعفاءات

وفي العقوبات، تكرر المشهد نفسه. قال ترامب إن العقوبات ستمنع إيران من إعادة البناء، وإن المال لن يعود إلا عندما “تتصرف”. لكنه عاد وفتح باب الإعفاءات، وتحدث عن أموال إيرانية في حسابات ضمان، وعن استخدامها في الغذاء والدواء، وعن ترتيبات إنسانية واقتصادية.

كان يريد أن يقول إنه يمسك برقبة إيران، لكن الوقائع قالت إنه يحتاج إلى منحها متنفسًا كي لا ينهار التفاوض كله.

ترامب ونتنياهو: استخدام ثم تخلٍّ

في قلب هذا المسار يظهر سؤال لا يمكن تجاهله: هل خدع ترامب نتنياهو؟ الجواب السياسي الأقرب أن ترامب استخدم نتنياهو ثم تركه عند لحظة التسوية. لم يخدعه بالضرورة كحليف شخصي، لكنه سمح له بأن يندفع في حرب يظن أنها ستنتهي بكسر إيران وحزب الله معًا، ثم عندما احتاج ترامب إلى اتفاق مع طهران، بدأ يضغط على إسرائيل كي تهدّئ في لبنان، وتقبل بوقف النار، ولا تفجّر المسار التفاوضي الأمريكي الإيراني.

هكذا وجد نتنياهو نفسه أمام مفارقة قاسية: دخل الحرب كشريك في مشروع أمريكي إسرائيلي واسع، ثم اكتشف أن واشنطن مستعدة لتحويل إنجازاته العسكرية إلى أوراق تفاوض مع الإيراني.

موقف إسرائيل من إيران

موقف إسرائيل من إيران كان قائمًا على الحسم لا التسوية. بالنسبة إلى نتنياهو، إيران ليست فقط برنامجًا نوويًا، بل رأس محور إقليمي يضم حزب الله في لبنان وقوى أخرى في المنطقة. لذلك كان يريد من الحرب أن تنتهي بثلاث نتائج: ضرب البرنامج النووي الإيراني، تقليص قدرة طهران الإقليمية، وتحرير إسرائيل من تهديد حزب الله شمالًا.

لكن ترامب، بعد أن استخدم الحرب كورقة ضغط، بدأ يتصرف كرئيس يبحث عن اتفاق لا عن حرب مفتوحة. هنا بدأ التباين. إسرائيل أرادت مواصلة الضغط العسكري، بينما ترامب أراد تحويل الضغط إلى صفقة. إسرائيل أرادت إضعاف إيران بلا قيود، بينما واشنطن بدأت تبحث عن ضمانات وتفتيش وترتيبات ووقف نار.

موقف إسرائيل من لبنان

أما في لبنان، فموقف إسرائيل كان واضحًا: لا تريد فقط وقف النار، بل تريد ضمانات أمنية تمنع حزب الله من البقاء كقوة عسكرية قريبة من الحدود. تريد إبعاده ميدانيًا، وتقييد حركته، وفرض منطقة أمنية أو ترتيبات عسكرية في الجنوب تحفظ لها حرية الحركة والضغط.

في المقابل، يريد لبنان انسحابًا إسرائيليًا واضحًا، ووقف الاعتداءات، وحماية السيادة، وعدم تحويل الجنوب إلى منطقة عازلة تخضع للإرادة الإسرائيلية. لذلك بقيت المواقف متباعدة: لبنان يريد إنهاء الاعتداءات والاحتلال والضغط، وإسرائيل تريد نزع سلاح حزب الله أو على الأقل تحجيمه وإبعاده.

لكن مسار التفاهم الأمريكي الإيراني وضع إسرائيل ولبنان معًا أمام سقف جديد. فلبنان لم يعد فقط ساحة حرة للضربات الإسرائيلية، بل صار أيضًا ورقة حساسة في معادلة التهدئة مع إيران. وكل ضربة إسرائيلية في الجنوب باتت تهدد مسار التفاوض بين واشنطن وطهران، كما أن كل تشدد لبناني في مواجهة النفوذ الإيراني بات يُقابل بضغط أمريكي كي لا تتعطل التسوية.

نتنياهو أمام الخيبة

هنا شعر نتنياهو بأن ترامب رماه بعد أن استخدمه. فإسرائيل التي أرادت أن تكون شريكة في رسم النهاية، وجدت نفسها مضطرة للدفاع عن حقها في الاستمرار بالعمليات العسكرية. وترامب الذي كان يحتاج إلى إسرائيل عندما كان يريد الضغط على إيران، لم يعد يحتاج إلى التصعيد الإسرائيلي عندما صار يريد بيع الاتفاق باعتباره انتصارًا.

لذلك لم يكن الخلاف تفصيليًا، بل كان خلافًا على نهاية الحرب: نتنياهو يريد نهاية تُضعف إيران وحزب الله بلا قيود على إسرائيل، وترامب يريد نهاية تمنحه صورة صانع السلام ولو جاءت على حساب طموحات نتنياهو.

بهذا المعنى، لم تكن إسرائيل خارج اللعبة، لكنها لم تكن صاحبة الكلمة الأخيرة فيها. استخدمها ترامب كعصا في وجه إيران، ثم عندما بدأت العصا تهدد الصفقة، طلب منها أن تهدأ. وهذا هو جوهر المأزق الإسرائيلي: نتنياهو ظن أن ترامب يقود معركة لكسر إيران، فإذا بترامب يقود في النهاية تفاوضًا معها. ظن أن لبنان سيكون ساحة لفصل حزب الله عن طهران، فإذا بلبنان يتحول إلى ساحة يُضغط عليها كي لا تربك التفاهم مع إيران.

الموقف العربي الخليجي الضعيف

أما الموقف العربي، وخصوصًا الخليجي، فبدا ضعيفًا ومترددًا أمام حجم الحدث. فالدول الخليجية، رغم أنها الأكثر تأثرًا بأي اشتعال في مضيق هرمز أو الخليج، لم تظهر كطرف يصنع المعادلة، بل كطرف يراقبها ويحاول تقليل خسائرها.

كانت تخشى إيران، وتخشى الحرب، وتخشى في الوقت نفسه أن تُترك وحيدة إذا عقدت واشنطن صفقة مع طهران فوق رؤوس الجميع. لذلك جاء خطابها أقرب إلى الدعوة للتهدئة منه إلى بناء موقف عربي مستقل. لم تواجه إيران مباشرة، ولم تضغط على ترامب بوضوح، ولم تطرح مشروعًا عربيًا جامعًا يحمي الخليج ولبنان معًا من أن يكونا أوراقًا على طاولة الآخرين.

ماذا كان يمكن أن يفعل العرب؟

كان يمكن للموقف العربي الخليجي أن يكون مختلفًا. كان يمكن أن يقول بوضوح إن أمن الخليج لا يُدار من واشنطن وحدها، وإن مضيق هرمز ليس ملفًا أمريكيًا إيرانيًا فقط، بل قضية عربية ودولية تمس الطاقة والاقتصاد والسيادة.

وكان يمكن أن يدعم لبنان دولةً ومؤسساتٍ كي لا يُترك وحيدًا بين الضغط الأمريكي والتوظيف الإيراني والتهديد الإسرائيلي. وكان يمكن أن يبني جبهة دبلوماسية عربية ترفض تحويل لبنان والخليج إلى ساحات مساومة، وتطالب بضمانات واضحة لأي اتفاق يتعلق بإيران أو حلفائها أو الملاحة في المنطقة.

هل يواجه العرب والخليجيون؟

لكن السؤال الحقيقي هو: هل يواجه العرب والخليجيون؟ حتى الآن، المواجهة محدودة ومحسوبة. هم لا يريدون حربًا مفتوحة مع إيران، ولا يريدون في الوقت نفسه أن تمنح واشنطن طهران اعترافًا بدورها الإقليمي من دون ثمن.

لذلك يتحركون بين الخوف والحسابات الاقتصادية والاعتماد الأمني على الولايات المتحدة. يملكون المال والنفوذ والطاقة والعلاقات الدولية، لكنهم لا يملكون دائمًا القرار السياسي الموحد. وهذا ما يجعل موقفهم ضعيفًا: ليس لأنهم عاجزون تمامًا، بل لأنهم متفرقون، ينتظرون اتجاه الريح الأمريكية قبل أن يحددوا اتجاههم.

ما المطلوب لبنانيًا؟

لبنانيًا، المطلوب ألا يتصرف لبنان كأنه ساحة مستباحة تُدار من الخارج، ولا كأنه تفصيل صغير في تفاوض الآخرين. المطلوب هو المواجهة السياسية والوطنية بمعناها الواسع: التمسك بوحدة الداخل، التضامن مع الدولة ومؤسساتها، ورفض تحويل الخلافات اللبنانية إلى مدخل للضغط على لبنان أو ابتزازه.

لا يجوز للبنان أن يتراجع أمام التهديد، ولا أن يخضع لمن يريد فرض معادلات عليه بالقوة أو بالعقوبات أو بالحرب النفسية. والأهم أنه لا يجوز لبيروت أن تتراجع أمام إيران فقط لأن واشنطن قررت أن تفاوض طهران وتحتاج إلى هدوء لبناني على حساب السيادة اللبنانية.

فالقوة الحقيقية تبدأ من موقف داخلي واضح: دولة متماسكة، شعب لا ينكسر، ومؤسسات لا تتخلى عن مسؤوليتها. والمطلوب أن يقف اللبنانيون خلف دولتهم حين تكون الدولة في موقع الدفاع عن السيادة، وأن يرفضوا الانقسام الذي يفتح الباب أمام الخارج.

في لحظة كهذه، لا مكان للارتباك أو الحياد الرمادي؛ المطلوب ثبات، تضامن، وموقف وطني لا يساوم على السيادة ولا يفرّط بكرامة البلد. فلبنان لا يستطيع أن يواجه إذا كان منقسمًا على نفسه، ولا يستطيع أن يحمي دولته إذا تعامل معها كخصم داخلي. المعركة الحقيقية ليست فقط مع الضغط الخارجي، بل مع قابلية الداخل للانكسار.

لبنان أولًا: لا تراجع أمام إيران

لذلك، على لبنان أن يستمر في معركته الوطنية مستندًا إلى قوته الذاتية، وإلى شرعية دولته ومؤسساته، رافضًا أي تدخل خارجي في قراره، سواء جاء من إيران مباشرة أو فُرض تحت ضغط أمريكي بحجة التهدئة والتفاوض.

فلا يجوز أن يبقى لبنان ساحة مفتوحة لحسابات الآخرين، ولا ورقة تفاوض في يد طهران، ولا خاصرة رخوة تستعملها واشنطن أو تل أبيب للضغط والمساومة. القرار اللبناني يجب أن يكون لبنانيًا أولًا وأخيرًا، لا تابعًا لمحور، ولا مرتهنًا لتسوية، ولا خاضعًا لمنطق السلاح الخارج عن الدولة.

وإذا كان ثمن استعادة الدولة لقرارها صعبًا ومكلفًا، فإن بقاء لبنان بلا دولة هو الثمن الأخطر. فالمطلوب ليس الانجرار إلى فتنة داخلية، بل تثبيت حق الدولة في أن تكون صاحبة القرار الأمني والعسكري والسياسي، وأن يكون الجيش اللبناني هو المرجعية الوحيدة في حماية السيادة ومنع الانقسام والانهيار.

على الجيش اللبناني أن يبقى عنوان وحدة البلاد لا أداة في صراع داخلي، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع أن يتخلى عن مسؤوليته التاريخية في حماية لبنان من أي وصاية أو سلاح أو نفوذ يتقدّم على سلطة الدولة. فلبنان لا يبقى بالتوازنات الهشة، ولا بالمساومات الخارجية، بل بدولة قوية، وجيش موحّد، وشعب يرفض أن يُحكم بالخوف أو الابتزاز.

المعركة اليوم ليست فقط مع الخارج، بل مع فكرة تحويل لبنان إلى ساحة مستباحة. لذلك يجب أن يكون الموقف واضحًا: لا وصاية إيرانية، لا ضغط أمريكي لتسهيل الوصاية الإيرانية، لا تهديد إسرائيلي، ولا سلاح يعلو فوق سلاح الدولة. فليكن الثمن ما يكون، المهم أن يبقى لبنان دولة، لا ساحة، ووطنًا، لا ورقة في يد الآخرين.

أدوات الضغط التي تحولت إلى بنود تفاوض

هنا تكمن مفارقة ترامب: كل أداة استخدمها للضغط تحولت لاحقًا إلى بند تفاوضي. القصف تحول إلى وقف نار. العقوبات تحولت إلى إعفاءات. مضيق هرمز تحول إلى ترتيبات مرور. لبنان تحول من ساحة أراد ترامب فصلها عن إيران إلى ساحة يضغط عليها كي لا تتراجع الصفقة مع إيران. والنووي تحول من إعلان تدمير كامل إلى حديث عن تفتيش وضمانات طويلة الأمد.

رئيس يهدد ثم يفاوض

لذلك يبدو ترامب في هذه السردية كرئيس مترنّح لا كرئيس منتصر. يهدد ثم يفاوض. يرفع السقف ثم يخفضه. يتحدث عن تغيير النظام ثم يوقّع مع النظام. يتوعد بضرب إيران إذا لم تضبط حزب الله، ثم يقبل بأن يكون الهدوء في لبنان جزءًا من تفاهمات أوسع معها.

يعلن أنه منع إيران من السيطرة على هرمز، ثم يراقب المضيق باعتباره ورقة إيرانية قابلة للاشتعال. يقول إنه نزع النووي، ثم يطلب تفتيشًا لا نهاية له. ويضغط على بيروت كي لا تذهب بعيدًا في مواجهة النفوذ الإيراني، فقط لأن واشنطن تحتاج إلى اتفاق مع طهران.

الإيراني الذي ربط الملفات

أما الإيراني، فظهر في المقابل كلاعب يعرف كيف يربط الملفات ببعضها. لم يسمح بأن يُختزل التفاوض في النووي فقط. أدخل هرمز في المعادلة، وأبقى العقوبات على الطاولة، وحافظ على موقع لبنان في التوازن الإقليمي.

لم يحتج إلى إعلان انتصار صاخب بقدر ما احتاج إلى منع ترامب من تحقيق أهدافه الأصلية. وهذا ما حدث: لم يتغير النظام، لم يُحسم النووي، لم يُفصل لبنان عن إيران، لم يُنتزع هرمز من الحساب الإيراني، ولم تتحول العقوبات إلى أداة إخضاع نهائي.

بين خطاب الانتصار وواقع التسوية

قد يستطيع ترامب أن يسمي الاتفاق انتصارًا في خطابه الداخلي. وقد يكرر أن إيران رضخت، وأنه فرض عليها التفتيش، وأنه أنقذ الملاحة، وأنه أوقف الحرب. لكن قراءة المسار لا قراءة الخطاب تقول شيئًا آخر: الرجل دخل المعركة بأهداف كبرى، وخرج بتسويات مؤقتة.

دخلها يريد تفكيك نفوذ إيران، وخرج معترفًا ضمنيًا بأن هذا النفوذ لا يمكن تجاوزه. دخلها يريد فصل لبنان عن طهران، وخرج وهو يضغط على بيروت كي لا تربك تفاهمه مع طهران. دخلها متكئًا على اندفاع نتنياهو، وخرج وهو يطلب من نتنياهو ألا يفسد الصفقة.

الخلاصة: ترامب لم يهزم إيران ولبنان لا يجب أن يتراجع

من هنا يصبح عنوان المرحلة واضحًا: ترامب لم يهزم إيران، بل تفاوض مع حقيقة قوتها. لم يفرض شرقًا أوسط جديدًا، بل حاول تجميل تراجعه أمام توازنات قديمة أكثر رسوخًا من خطابه.

لكنه في لبنان يرتكب خطأً أخطر: يريد من بيروت أن تدفع ثمن تفاهمه مع طهران، وأن تتراجع أمام النفوذ الإيراني كي لا تتعطل صفقة واشنطن. وهذا ما يجب أن يرفضه لبنان بوضوح.

كان ترامب يريد أن يبدو كمن يكسر الإيراني، فإذا به يظهر مترنحًا أمامه: يضرب ولا يحسم، يهدد ولا يغيّر، يعاقب ولا يُخضع، يستخدم نتنياهو ثم يقيّده، يضغط على لبنان ثم يطلب من بيروت أن لا تزعج طهران، ويعلن النصر بينما أوراق إيران الأساسية ما زالت على الطاولة.

أما لبنان، فلا يجوز أن يكون تفصيلًا في هذا التراجع. فالمعركة اللبنانية ليست من أجل خدمة واشنطن، ولا من أجل تحدي طهران كشعار، بل من أجل أن يبقى لبنان دولة حرة صاحبة قرار. وإذا أراد ترامب أن يتراجع أمام إيران، فهذا شأنه. أما بيروت، فلا يجوز أن تتراجع.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

فاروق باباميري… عندما يكبر المناضل ولا يشيخ

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هناك رجال يكبرون في العمر، لكنهم لا يكبرون على...

حين يتحول اليسار إلى حارس لأيديولوجيا الدولة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة نقدية في افتتاحية جريدة «صوت الشعب» التونسية نشرت جريدة...

معركة مضيق هرمز في صحافة صباح اليوم: واشنطن توسّع ضرباتها وإيران تنقل الرد إلى القواعد الأميركية في المنطقة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة مقارنة في الصحافة الأميركية والغربية والإيرانية والعربية الصادرة...

صراع إرادات في هرمز: أميركا والعالم بوجه البلطجة الإيرانية

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح وعندنا التدخل الإيراني عبر أتباعه يستهدف عنوان : الأرض...

More like this

فاروق باباميري… عندما يكبر المناضل ولا يشيخ

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هناك رجال يكبرون في العمر، لكنهم لا يكبرون على...

سيادة الذات وضريبة الحرية: معركة الفرد المتفرد ضد الامتثال الأعمى

أخباركم - أخبارنا/ أكرم محمود إن النزوع نحو التبعية والمحاكاة يُعد أحد أبرز السمات...

هندسة الوجود مقابل ديناميكية الثورة: كيف انتصر “إله” سبينوزا على “تاريخ” ماركس؟

أخباركم - أخبارنا/أكرم محمودمقدمة: لقاء العقلانية بالماديةفي تاريخ الفكر الفلسفي، نادراً ما نجد تقاطعاً...