الثلاثاء, يوليو 14, 2026
31.9 C
Beirut

ما ليس يمحوه الأسيد: فرج الله الحلو، شهيد الحرية التي لا تُذاب!

نشرت في

اخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

في حضرة الشهيد

في ذكرى الشهيد الخالد فرج الله الحلو، لا نقف أمام اسم في سجل الشهداء، ولا أمام صورة معلّقة على جدار حزب، ولا أمام حكاية قديمة من زمن بعيد. نقف أمام سؤال لا يزال مفتوحاً في وجه هذا الشرق كله: ماذا يبقى من الإنسان حين يقتلونه؟ وماذا يبقى من الفكرة حين يحاولون إذابة جسد صاحبها بالأسيد؟ وماذا يفعل الطغاة حين يكتشفون أن الجسد وحده هو ما تصل إليه أيديهم، أما المعنى فيفلت منهم، يكبر بعد الموت، ويتحوّل من دمٍ مسفوح إلى ذاكرة لا تُمحى؟

فرج الله الحلو لم يكن شهيداً عادياً. كان واحداً من أولئك الذين لا يمكن اختصارهم في انتماء حزبي، ولا في موقع تنظيمي، ولا في واقعة استشهاد، مهما كانت فاجعة. كان قائداً وطنياً عربياً، شيوعياً بالمعنى الإنساني العميق للكلمة، ديمقراطياً في زمن كانت فيه الديمقراطية تُتَّهم بالضعف، استقلالياً في زمن كانت فيه الأحزاب تميل إلى الطاعة، وعروبياً في زمن اختلطت فيه العروبة، عند كثيرين، بصوت المخابرات وبسطوة الأجهزة وبعبادة الزعيم.

من حصرايل إلى القضية الكبرى

وُلد فرج الله الحلو في حصرايل عام 1906، وجاء من جبل لبنان إلى فضاء سياسي أوسع من القرية والطائفة والحدود. حمل معه صلابة الريف، وتواضع المعلّم، ونقاء الإنسان الذي يرى في السياسة رسالة لا مهنة، وفي الحزب أداة لتحرير الناس لا سجناً للعقل، وفي الفكر سلاحاً للعدالة لا نصاً جامداً يُتلى بلا حياة. ومنذ بداياته، لم يكن الشيوعي عنده مجرد حامل شعار طبقي، بل مناضلاً ضد الاستعمار، وضد الاستغلال، وضد الطائفية، وضد تحويل الشعب إلى قطيع في مزرعة الزعيم أو الأمير أو رجل الأمن.

كان فرج الله الحلو من جيلٍ عرف أن معركة الاستقلال لا تنتهي بخروج الجيوش الأجنبية، وأن الوطن لا يصبح وطناً حقيقياً إلا حين يصبح الفقير مواطناً لا تابعاً، والعامل صاحب حق لا آلة إنتاج، والفلاح إنساناً لا رقماً في دفتر الإقطاع، والمثقف ضميراً لا بوقاً، والحزب مدرسة للنضال لا سلطةً صغيرة تقلّد السلطات الكبيرة. لذلك كان حضوره في الحزب الشيوعي اللبناني ـ السوري حضوراً سياسياً وأخلاقياً في آن. لم يكن قائداً إدارياً فحسب، بل كان وجهاً من وجوه ذلك اليسار الذي ربط بين الخبز والحرية، بين التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية، بين فلسطين والديمقراطية، بين العروبة وحق الإنسان في أن يقول لا.

السياسة بوصفها أخلاقاً

في السياسة، كان فرج الله الحلو واضحاً إلى حدّ الخطر. لم يكن من أولئك الذين يستعيرون الكلمات الكبيرة ليخفوا بها المساومات الصغيرة. كان يرى أن الاستعمار لا يُواجَه بخطاب وطني فارغ، وأن الرجعية لا تُهزَم بتحالفات انتهازية، وأن الطائفية ليست تفصيلاً لبنانياً بل أداة طبقية وسياسية لتفتيت الناس وإبقائهم أسرى الخوف. وكان يرى أن حرية الشعوب لا يمكن أن تولد من أجهزة القمع، وأن الوحدة العربية إذا لم تكن وحدة شعوب حرّة فإنها تتحول إلى سجن كبير، مهما رفعت من شعارات جميلة.

لم يكن فرج الله الحلو يرى السياسة لعبة مواقع أو سباق نفوذ، بل مسؤولية تجاه الناس. فالمناضل، في نظره، لا يُقاس بما يرفعه من شعارات، بل بما يدفعه من ثمن، وبقدرته على أن يبقى أميناً لقضيته حين تضيق الطرق، وتكثر الإغراءات، ويصبح الصمت أسهل من الكلام. لهذا ظلّت سيرته مرتبطة بفكرة النقاء السياسي، لا بمعنى البراءة الساذجة، بل بمعنى الصلابة الأخلاقية التي تمنع صاحبها من أن يحوّل الجماهير إلى سلّم، أو الحزب إلى غاية بذاته، أو المبادئ إلى بضاعة قابلة للمساومة.

فلسطين في فكر فرج الله الحلو

ومن هنا تأتي أهمية موقفه من فلسطين. فلسطين عند فرج الله الحلو لم تكن مناسبة للخطابة، ولا شعاراً يعلّق على صدر البيان السياسي، بل كانت جوهر المسألة العربية الحديثة. كان يرى فيها أرضاً تُنتزع، وشعباً يُقتلع، واستعماراً يتبدل اسمه وشكله، ومشروعاً صهيونياً لا يستهدف فلسطين وحدها بل يطعن مستقبل المنطقة كلها. ولذلك كان موقفه من تقسيم فلسطين موقفاً استقلالياً شجاعاً. رفض التقسيم لأنه رأى فيه عدواناً على وحدة فلسطين وحق شعبها في تقرير مصيره، ورفض أن تُقاس القضية الفلسطينية بحسابات الدول الكبرى أو بميزان المراكز البعيدة. كان أممياً، نعم، لكنه لم يفهم الأممية بوصفها تخلياً عن فلسطين، ولا بوصفها طاعة عمياء، بل بوصفها انحيازاً إلى المظلومين حيثما كانوا.

لقد أدرك فرج الله الحلو مبكراً أن فلسطين هي امتحان السياسة العربية كلها. فمن يساوم على فلسطين باسم الواقعية، ومن يزايد بفلسطين ثم يقمع شعبه، ومن يحوّل فلسطين إلى ورقة في صراع الأنظمة، ومن يرفع راية التحرير في الخارج ويفتح السجون في الداخل، كلهم يخونون المعنى العميق للقضية. ففلسطين، عنده، لم تكن نقيض الحرية، بل كانت ابنتها. ولا معنى لتحرير أرض إذا كان الإنسان العربي نفسه مكسوراً في وطنه، مطارداً في حزبه، ممنوعاً من الكلام، مهدداً في لقمة عيشه وكرامته وحياته.

كانت فلسطين عنده قضية تحرر وطني وقضية عدالة إنسانية في وقت واحد. لم يرَ فيها شأناً فلسطينياً منفصلاً عن مصير لبنان وسوريا والعالم العربي، بل رأى فيها مرآة للمنطقة كلها. فإذا قُبل اغتصاب فلسطين، قُبل اغتصاب إرادة الشعوب. وإذا صارت فلسطين مادة للمساومة، صار كل وطن قابلاً للمساومة. وإذا استُخدم اسم فلسطين لتبرير القمع، صارت القضية نفسها ضحية ثانية للاستبداد بعد أن كانت ضحية للاستعمار والصهيونية.

عروبة الشعوب لا عروبة الأجهزة

لذلك كان فرج الله الحلو عربياً من طراز مختلف. لم تكن العروبة عنده عبادة لنظام، ولا تصفيقاً لزعيم، ولا إلغاءً للتعدد، ولا سحقاً للأحزاب، ولا مصادرةً للحريات باسم المعركة الكبرى. كانت العروبة عنده أفقاً لتحرر الشعوب من الاستعمار والتجزئة والتبعية، لا ذريعةً لولادة استبداد جديد. كان يعرف أن الوحدة التي تُبنى فوق الجثث ليست وحدة، وأن القومية التي تخاف من الكلمة الحرة ليست قومية تحررية، وأن الزعيم الذي يطلب من الناس أن يصمتوا باسم الأمة إنما يصادر الأمة باسم شخصه.

بهذا المعنى، لم يكن صدامه مع نظام الوحدة المصرية ـ السورية خلافاً عابراً بين حزب وسلطة. كان صداماً بين مفهومين للعروبة: عروبة الشعوب وعروبة الأجهزة، عروبة التحرر وعروبة الطاعة، عروبة فلسطين والحرية وعروبة الزنازين. في تلك المرحلة، استُخدمت الأحلام الكبيرة لتبرير القمع الكبير. رُفعت راية الوحدة، لكن السجون امتلأت بالشيوعيين والديمقراطيين والمعارضين. باسم الأمة، طورد أبناء الأمة. وباسم التحرر، ضُربت الحريات. وباسم المعركة مع الاستعمار، استُخدم التعذيب ضد مناضلين أفنوا حياتهم في مواجهة الاستعمار.

كان حلم فرج الله الحلو أن يجعل من هذا الشرق منارة للحرية والانفتاح والديمقراطية. لم يكن يريد شرقاً مغلقاً على الخوف، ولا عالماً عربياً محكوماً بالقبضة الأمنية، ولا أوطاناً ترفع رايات الاستقلال فيما مواطنوها محرومون من أبسط حقوقهم. كان يريد شرقاً ينهض بإنسانه، بعقله، بعماله وفلاحيه ومثقفيه وشبابه ونسائه، شرقاً تكون فيه الحرية شرطاً للنهضة، والديمقراطية أساساً للوحدة، والانفتاح قوة لا ضعفاً، والعدالة الاجتماعية جوهر الوطنية لا زينة خطابية.

دمشق: الامتحان الأخير

في دمشق، عام 1959، دخل فرج الله الحلو إلى امتحانه الأخير. اعتُقل في زمن عبد الحميد السراج وجهازه الأمني، وفي ظل نظام الوحدة الذي تحوّل، في أقبية المخابرات، إلى آلة سحق لكل من رفض أن يسلّم عقله وكرامته. كان المطلوب منه أن ينكسر. أن يعطي أسماء. أن يسلّم رفاقه. أن يوقّع اعترافاً. أن يحوّل تاريخه كله إلى لحظة ضعف. لكن فرج الله الحلو لم يفعل.

هنا لا ينبغي أن نكتب الشهادة كأنها مشهد رومانسي. التعذيب ليس أسطورة جميلة، بل وحشية عارية. الألم ليس زينة أدبية. الزنزانة ليست استعارة. هناك جسد يُضرَب، أعصاب تُسحق، عظام تُكسر، كرامة تُستهدف، وإنسان يُدفع إلى الحافة القصوى بين الحياة والموت. عظمة فرج الله الحلو أنه لم يكن حجراً لا يتألم، بل إنساناً تألم ولم يبع. لم يكن بطلاً لأنه لا يشعر بالخوف، بل لأنه لم يسمح للخوف بأن يكون سيده. لم يكن عظيماً لأنه مات، بل لأنه، في لحظة الموت، حفظ حياة رفاقه وكرامة قضيته.

في تلك اللحظة، صار الصمت بطولة. لم يكن صمت العاجز، بل صمت الأمين. صمت من يعرف أن كلمة واحدة قد تفتح أبواب السجون على رفاقه، وأن اعترافاً منتزعاً تحت التعذيب قد يتحول إلى سلاح في يد الجلاد. لذلك بقي صامداً. لم يساوم على أسماء الذين وثقوا به، ولم يبدّل تاريخه بلحظة خوف، ولم يسمح للجلاد أن ينتصر على المعنى الذي عاش من أجله.

الأسيد والجريمة الثانية

ثم جاءت الجريمة الثانية: الأسيد.

لم يكفِ القتلة أنهم عذبوه حتى الموت. لم يكفهم أن يسلبوا الحياة من جسده. أرادوا أن يمحوا الأثر نفسه. أرادوا أن يذيبوا الجسد كي لا يبقى قبر، ولا وداع، ولا شاهد، ولا دليل. ظنوا أن الأسيد يستطيع أن يكمل ما بدأه الجلاد. لكنهم، من حيث أرادوا المحو، صنعوا الخلود. ومن حيث أرادوا إخفاء الجريمة، جعلوها واحدة من أبشع علامات الاستبداد العربي. ومن حيث أرادوا إذابة الجسد، كشفوا عجزهم أمام الفكرة.

الأسيد هنا ليس تفصيلاً في الجريمة، بل هو معناها العاري. إنه رغبة السلطة في قتل الضحية مرتين: مرة حين تسلبه الحياة، ومرة حين تحاول أن تسلبه الذاكرة. لكنه، في حالة فرج الله الحلو، تحوّل إلى شاهد على فشل الطغيان. فالقاتل الذي يحتاج إلى إذابة الجسد يعترف، من حيث لا يريد، بأن الجسد صار دليلاً، وأن الدليل يفضحه، وأن الشهيد بعد موته لا يزال أقوى من سجّانه.

حسين مروة: ما لا يمحوه الأسيد

هنا ينهض نص حسين مروة، “ما ليس يمحوه.. الأسيد!”، لا بوصفه مقالة رثاء، بل بوصفه وثيقة في أدب المقاومة والذاكرة. يخاطب مروة الشهيد قائلاً: يا أبا فياض. لا يخاطبه كغائب، بل كحاضر ينظر إلى الصفوف، يرى رفاقه وأصدقاءه وتلاميذه، ويرفع معهم الجباه إلى الأفق المخضب. يرى في ابتسامته ألف معنى، وفي عينيه سؤالاً ينبع منه ألف سؤال. ثم يضع مروة السؤال المركزي: ماذا أراد السفّاحون حين أذابوا جسد فرج الله الحلو بالأسيد؟

لم يكن الجواب أن القتلة أرادوا التخلص من الجسد فقط. كانوا يريدون شيئاً أبعد وأشد رعباً: أرادوا أن يذيبوا صوت الجريمة في ضمائرهم، وأن يذيبوا صوت القضية في ضمير الشهيد. لكن الجريمة بقيت تُرعب ضمائر الطغاة، والقضية بقيت تجمع الصفوف. ومضت السنوات، وستبقى تمضي، وبقي الخبر اليقين: إن القضية التي أذابوا أشلاء جسده بالأسيد ليمحوها لا يمحوها من الوجود كل ما في الأرض من أسيد.

هذه هي عبقرية عبارة حسين مروة: الأسيد لا يستطيع أن يمحو ما هو أبعد من اللحم. يستطيع أن ينهش الجسد، لكنه لا يطال الذاكرة. يستطيع أن يخفي الرفات، لكنه لا يخفي السؤال. يستطيع أن يلوّث ماء النهر، لكنه لا يغسل يد القاتل. يستطيع أن يحرم الأم والرفاق والحزب والوطن من قبر، لكنه لا يحرم التاريخ من شاهد. فالشهيد الذي بلا قبر قد يتحول إلى ضريح في ضمير شعب كامل.

حلم الشرق الحر

كان حلم فرج الله الحلو أن يجعل من هذا الشرق منارة للحرية والانفتاح والديمقراطية. لم يكن هذا الحلم ترفاً فكرياً، ولا عبارة جميلة تُقال في المناسبات. كان خلاصة مشروعه السياسي والأخلاقي. فقد فهم أن الشرق الذي مزقته مشاريع الاستعمار والتقسيم، وأضعفته الطائفية والإقطاع والتبعية، لا ينهض إلا إذا تحرر الإنسان فيه من الخوف، وإذا تحولت الحرية من شعار إلى ممارسة، والديمقراطية من وعد مؤجل إلى حق يومي.

كان يريد شرقاً لا يكون شاطئاً تنتظر عليه الشعوب أوامر الخارج، بل فضاءً تصنع فيه الشعوب مصيرها. شرقاً لا يظل ممزقاً بين الاستعمار والرجعية والطائفية والاستبداد، بل ينهض على الحرية والعدالة وكرامة الإنسان. شرقاً لا تكون فلسطين فيه جرحاً دائماً فحسب، بل بوابة لتحرير المعنى العربي كله من الخداع والمساومة والخوف.

كان يؤمن بأن الشعوب تصنع تاريخها حين تمتلك الوعي والتنظيم والإرادة. لم يكن ينتظر خلاصاً من فوق، ولا معجزة تأتي من قصر، ولا قائداً ملهماً يختصر الأمة في شخصه. كان يعرف أن التحرر فعل جماعي، وأن الطريق إلى العدالة طويل، وأن الحزب الحقيقي هو الذي يتعلم من الناس بقدر ما يعلّمهم، والذي يقودهم من داخل آلامهم لا من فوقها. ولذلك كان كلامه السياسي، في جوهره، يدور حول الاستقلال الوطني، وحقوق العمال والفلاحين، ومقاومة الاستعمار، ورفض الطائفية، والدفاع عن الحريات الديمقراطية، والتمسك بفلسطين قضية تحرر لا ورقة مساومة.

وحدة القضايا: الوطن والعدالة وفلسطين

في كل ما مثّله فرج الله الحلو، كانت هناك فكرة مركزية: لا يجوز فصل الوطني عن الاجتماعي، ولا فصل القومي عن الديمقراطي، ولا فصل فلسطين عن حرية الإنسان العربي. فالاستقلال الوطني بلا عدالة اجتماعية قد يتحول إلى استقلال طبقة حاكمة. والعدالة الاجتماعية بلا حرية قد تتحول إلى إدارة بيروقراطية للقهر. والعروبة بلا ديمقراطية قد تتحول إلى قمع باسم الأمة. وفلسطين بلا شعوب حرة قد تتحول إلى شعار تتاجر به الأنظمة. أما هو، فكان يريد أن يربط هذه العناصر كلها في مشروع واحد: تحرر الإنسان والوطن معاً.

ولذلك لا يبدو فرج الله الحلو، بعد كل هذه السنوات، ابن زمنه وحده. إنه ابن حاجتنا الراهنة أيضاً. لبنان الذي ناضل فيه لا يزال مشظى. الطائفية التي واجهها لا تزال تلتهم السياسة. الفقراء الذين انحاز إليهم ازدادوا فقراً. الأحزاب التي حلم بها مدارسَ للتحرر تعاني اليوم، في كثير من الأحيان، من التشظي والجمود والحنين الفارغ. والعالم العربي الذي قُتل فرج الله الحلو في أحد أقبية وحدته المزعومة لا يزال يعرف أنظمة ترفع الشعارات الكبرى وتمارس القمع الصغير والكبير على شعوبها.

الوفاء بوصفه سؤالاً لا طقساً

لهذا، لا يكفي أن نرثيه. الرثاء وحده قد يريح الضمير ولا يغيّر الواقع. ولا يكفي أن نضع صورته في الاحتفالات. الصور قد تتحول إلى ستار يخفي خيانة المعنى. ولا يكفي أن نقول إنه شهيد الحزب. فرج الله الحلو أكبر من أن يُحبس في إطار حزبي ضيق، مع أنه من أنبل شهداء الشيوعيين. هو شهيد فكرة الحرية في هذا الشرق. شهيد اليسار حين يكون يساراً حقيقياً لا ملحقاً بسلطة. شهيد العروبة حين تكون عروبة تحرر لا عروبة أجهزة. شهيد فلسطين حين تكون فلسطين بوصلة أخلاقية لا شعاراً للاستهلاك. شهيد لبنان حين يكون لبنان وطناً للناس لا شركة للطوائف.

إن الوفاء له يبدأ من طرح الأسئلة التي يطرحها علينا حضوره. ماذا يعني أن تكون شيوعياً اليوم؟ هل يعني أن تحفظ أسماء الشهداء، أم أن تنحاز إلى العمال والفقراء والمهمشين واللاجئين والمقهورين؟ ماذا يعني أن تكون وطنياً؟ هل يعني أن ترفع العلم فقط، أم أن تدافع عن كرامة المواطن وحقه في الخبز والطبابة والعمل والتعليم والحرية؟ ماذا يعني أن تكون عربياً؟ هل يعني أن تصفق لكل من يرفع شعار الأمة، أم أن ترفض الاستبداد حتى حين يتكلم لغة قومية؟ ماذا يعني أن تكون مع فلسطين؟ هل يعني أن تردد اسمها، أم أن ترفض كل نظام يقمع شعبه باسمها، وكل تسوية تبيعها، وكل طائفية تفتت القوى القادرة على نصرتها؟

الشهيد الذي لا يصمت

فرج الله الحلو يحرج الجميع لأنه لا يقبل التبسيط. يحرج الذين يريدون يساراً بلا حرية. يحرج الذين يريدون عروبة بلا ديمقراطية. يحرج الذين يريدون فلسطين بلا نقد للاستبداد. يحرج الذين يريدون حزباً بلا مراجعة. يحرج الذين يريدون شهيداً صامتاً لا يسألهم ماذا فعلوا بالقضية التي مات من أجلها. لذلك يبقى حياً. فالشهداء الذين يتحولون إلى أسئلة لا يموتون.

لقد أذابوا جسده، لكنهم لم يذيبوا صوته. قتلوا الرجل، لكنهم لم يقتلوا أبا فياض. أخفوا الرفات، لكنهم لم يخفوا الطريق. أرادوا أن يجعلوا موته سراً أمنياً، فإذا به صار فضيحة سياسية وأخلاقية لا تسقط بالتقادم. أرادوا أن ينهوا قائداً، فإذا بهم يصنعون رمزاً. أرادوا أن يدفنوا الحقيقة في الأسيد، فإذا بالحقيقة تخرج من الأسيد أكثر صفاءً.

في الحاجة إلى فرج الله الحلو اليوم

في ذكرى الشهيد الشيوعي، وذكرى الشهيد الخالد فرج الله الحلو، لا نكتب عنه لنعود إلى الماضي، بل لنستعيد معياراً للمستقبل. نحتاج إليه اليوم لأن أوطاننا ممزقة، ولأن أحزابنا متعبة، ولأن اليسار يحتاج إلى روحه الأولى، ولأن العروبة تحتاج إلى أن تتحرر من الاستبداد، ولأن فلسطين تحتاج إلى من يراها قضية حرية وعدالة لا بنداً في خطاب. نحتاج إليه لأن الطغاة لم ينتهوا، ولأن الأسيد تغيّرت أشكاله ولم تتغير وظيفته: مرة يكون تعذيباً، ومرة يكون تشويهاً للذاكرة، ومرة يكون تزويراً للتاريخ، ومرة يكون تحويل الشهداء إلى أيقونات بلا مضمون.

لكن ما لم يستطع الأسيد أن يمحوه بالأمس، لن تمحوه أدوات المحو اليوم. ستبقى سيرة فرج الله الحلو تقول إن الإنسان يستطيع، في لحظة قصوى، أن يكون أكبر من جلاده. وستبقى تقول إن القضية التي تسكن الضمير لا تذوب. وستبقى تقول إن فلسطين والحرية والعدالة ليست كلمات منفصلة، بل وجوه لمعركة واحدة. وستبقى تقول إن الشرق الذي حلم به أبو فياض لن يولد من السجون، بل من كرامة الناس، ومن وعيهم، ومن شجاعتهم، ومن قدرتهم على تحويل هذا الشرق إلى منارة للحرية والانفتاح والديمقراطية.

سلام إلى أبي فياض

سلامٌ إلى فرج الله الحلو، لا بوصفه غائباً، بل بوصفه حاضراً في كل سؤال عن الحرية. سلامٌ إلى الجسد الذي أرادوا إذابته فصار شاهداً على عجز الأسيد أمام المعنى. سلامٌ إلى الاسم الذي خرج من الزنزانة أقوى من الجلاد. سلامٌ إلى أبي فياض، الذي لم يبع رفاقه، ولم يساوم على قضيته، ولم يفصل فلسطين عن الحرية، ولم يفصل الوطنية عن العدالة، ولم يفصل العروبة عن كرامة الإنسان.

ذلك هو فرج الله الحلو: ما ظنوه رماداً، فإذا به نار ذاكرة. وما حسبوه جسداً مذاباً، فإذا به فكرة لا يمحوها الأسيد.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

فاروق باباميري… عندما يكبر المناضل ولا يشيخ

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هناك رجال يكبرون في العمر، لكنهم لا يكبرون على...

حين يتحول اليسار إلى حارس لأيديولوجيا الدولة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة نقدية في افتتاحية جريدة «صوت الشعب» التونسية نشرت جريدة...

معركة مضيق هرمز في صحافة صباح اليوم: واشنطن توسّع ضرباتها وإيران تنقل الرد إلى القواعد الأميركية في المنطقة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة مقارنة في الصحافة الأميركية والغربية والإيرانية والعربية الصادرة...

صراع إرادات في هرمز: أميركا والعالم بوجه البلطجة الإيرانية

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح وعندنا التدخل الإيراني عبر أتباعه يستهدف عنوان : الأرض...

More like this

الشيوعي اللبناني يحشد دعماً أوروبياً في بروكسل: لقاءات مع أحزاب يسارية لمساندة لبنان وفلسطين ورفض اتفاق الإطار!

أخباركم – أخبارنا واصل الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني، الرفيق حنا غريب، برنامج لقاءاته السياسية...

لبنان بين خرائط إسرائيل وأوراق إيران: جنبلاط وجعجع وسؤال الهدنة والدولة المهددة

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد حين تصبح الهدنة مرآة للخوف اللبناني ليس السجال بين وليد...

دموع التماسيح على جثمان خامنئي!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد لم تكن دموع قيادة حزب الله أمام جثمان خامنئي...