الثلاثاء, سبتمبر 8, 2026
27.4 C
Beirut

حزب توده والدرس الناقص: لا يكفي أن نرفض العدوان… يجب أن نرفض الاستبداد أيضًا!

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

كتبتُ في مقالة سابقة عن حزب توده الإيراني تحت عنوان: “حزب توده الإيراني: اليسار الذي لم يتعلم الدرس من إسلامٍ ذبحه”. وكان جوهر المقالة أن حزب توده، رغم تاريخه الوطني واليساري العريق، ارتكب خطأً سياسيًا فادحًا حين رأى في الإسلام السياسي الخميني حليفًا ممكنًا في مواجهة الشاه والإمبريالية، قبل أن يكتشف، متأخرًا وبثمن باهظ، أن الإسلام السياسي لا يتحالف مع اليسار إلا بقدر ما يحتاجه، ثم يفتك به حين يستقر له الحكم.

فالحزب الذي دعم الثورة الإيرانية عام 1979، واعتقد أن العداء للإمبريالية يمكن أن يجمعه مع رجال الدين في مشروع تحرر وطني، انتهى محظورًا وملاحقًا، وسُجن قادته، وتعرض مناضلوه للتعذيب والتشهير، وجرى سحقه تحت سلطة ولاية الفقيه التي لم تكن يومًا مشروع حرية، بل مشروع دولة دينية أمنية مغلقة.

لكن بعد نشر المقالة، اتصل بي الصديق الدكتور كاوا محمود، ولفت نظري إلى نقص سياسي مهم في التقييم. قال، بما معناه، إن استنكار العدوان الخارجي على إيران من قبل قوى إمبريالية لا يكفي وحده، بل يجب أن يرافقه موقف واضح من طبيعة النظام الإيراني في الداخل، ومن قمعه لشعبه، ومن انتهاكاته لحقوق الناس، ومن سياساته التوسعية في المنطقة. فإحدى أسباب هذه الحرب ليست فقط عدوانية إسرائيل والولايات المتحدة، بل أيضًا سياسات النظام الإيراني نفسه، وتدخله في الدول العربية، وتفاخره أو تفاخر رموزه بالسيطرة على عواصم عربية.

وأنا أوافق الدكتور كاوا محمود على هذه الملاحظة. بل أرى أن أهميتها لا تكمن فقط في تصحيح فقرة أو إضافة جملة، بل في إعادة فتح النقاش حول تاريخ اليسار ومستقبله، وحول الأخطاء التي ارتكبناها، أو التي ارتكبتها أحزاب يسارية كثيرة، حين اختزلت السياسة في معادلة ناقصة: كل من يعادي أمريكا يصبح حليفًا، وكل من يرفع شعار فلسطين يصبح فوق النقد، وكل من يصطدم بإسرائيل يصبح تلقائيًا جزءًا من معسكر التحرر.

هذه معادلة قاتلة. فاليسار لا يكون يسارًا إذا عادى الإمبريالية وسكت عن الاستبداد. ولا يكون يسارًا إذا رفض العدوان الخارجي وتجاهل قمع الداخل. ولا يكون يسارًا إذا دافع عن سيادة دولة ما، ثم برر لتلك الدولة سحق شعبها أو تصدير أزماتها إلى شعوب أخرى.

لقد كتب ماركس في مقدمة نقد فلسفة الحق عند هيغل أن “نقد الدين هو الشرط الأول لكل نقد”، ولم يكن يقصد ازدراء إيمان الناس أو احتقار وجدانهم الروحي، بل تحرير السياسة من القداسة، وتحرير الدولة من سلطة الكهنوت، وتحرير الإنسان من تحويل السماء إلى أداة حكم على الأرض. ومن هنا كان خطأ حزب توده مضاعفًا: فهو لم يخطئ فقط حين تحالف مع قوة دينية سياسية، بل حين توهم أن سلطة ترفع شعارات ضد الإمبريالية يمكن أن تكون حاملة لمشروع تحرري، بينما هي في جوهرها سلطة دينية تريد إخضاع المجتمع والسياسة والمرأة والنقابات والأحزاب والعقل لولاية الفقيه.

وفي النص نفسه قال ماركس إن “الدين زفرة المخلوق المضطهد، وقلب عالم بلا قلب، وروح أوضاع بلا روح، إنه أفيون الشعب”. وهذه العبارة لا تعني شتم المتدينين، بل تعني أن الدين حين يتحول إلى عزاء للمقهورين يمكن فهمه اجتماعيًا، أما حين يتحول إلى سلطة سياسية وقانونية وأمنية، فإنه يصبح أداة لإدامة القهر لا لتحرير الإنسان. هنا تحديدًا سقط حزب توده: لم يميز كفاية بين دين الناس بوصفه وجدانًا اجتماعيًا، وبين الإسلام السياسي بوصفه مشروع دولة وقمع وهيمنة.

ومن المقولات الماركسية الأساسية أيضًا أن “تحرر الطبقة العاملة يجب أن يكون من صنع الطبقة العاملة نفسها”. وهذا المبدأ ينسف فكرة انتظار الخلاص من رجال الدين أو من العسكر أو من أنظمة تسمي نفسها معادية للإمبريالية. فالشعب الإيراني لا يتحرر بقصف أمريكي أو إسرائيلي، لكنه لا يتحرر أيضًا بولاية الفقيه. والعمال والكادحون والنساء والشباب والقوميات المضطهدة في إيران لا يحتاجون إلى وصاية إمبريالية خارجية، ولا إلى وصاية دينية داخلية. إنهم يحتاجون إلى حريتهم، وإلى حقهم في تنظيم أنفسهم، والتعبير عن مصالحهم، وبناء دولتهم الديمقراطية.

نعم، يجب رفض العدوان الإسرائيلي ـ الأمريكي على إيران. فهذا عدوان خارجي لا يستهدف تحرير الشعب الإيراني، ولا إقامة الديمقراطية، ولا حماية حقوق الإنسان. لا أمريكا ولا إسرائيل تخوضان الحروب من أجل حرية الشعوب. هذه الحروب تُخاض من أجل المصالح، والهيمنة، وإعادة تشكيل الإقليم، وإضعاف الدول، وفرض خرائط سياسية وأمنية جديدة. ومن الخطأ القاتل أن يظن أحد أن قنابل الخارج يمكن أن تبني ديمقراطية في الداخل.

لكن، في المقابل، لا يجوز أن يتحول رفض العدوان إلى صك براءة للنظام الإيراني. فالنظام الذي قمع النساء، وسحق الانتفاضات، وكمّم الأفواه، وسجن المعارضين، وضيّق على القوميات والتيارات السياسية، ومنع الحياة الديمقراطية، لا يصبح نظامًا تقدميًا لأنه تعرض لهجوم خارجي. والاستبداد لا يكتسب شرعية لأنه يقف في مواجهة عدو أكبر. فالشعوب لا تُخيّر بين قنبلة خارجية وسوط داخلي. الحرية لا تتجزأ.

هنا يستعيد كلام ماركس معناه العميق حين قال إن “النظرية تصبح قوة مادية حين تستولي على الجماهير”. لكن أي نظرية تستولي على الجماهير؟ هل هي نظرية الحرية والعدالة والمساواة، أم نظرية الطاعة والولي والفقيه والحرس والمليشيا؟ حزب توده لم ينتبه كفاية إلى أن الجماهير التي تتحرك ضد الشاه لا يعني بالضرورة أنها تتحرك نحو الاشتراكية أو الديمقراطية. فالحركة الشعبية يمكن أن تُختطف إذا غاب عنها المشروع الطبقي الديمقراطي المستقل، وإذا سلّم اليسار قيادتها لقوة دينية منظمة تعرف ما تريد: السلطة، ثم احتكار السلطة.

وقد كتب ماركس في الثامن عشر من برومير لويس بونابرت أن “الناس يصنعون تاريخهم، لكنهم لا يصنعونه كما يشاؤون، بل في ظروف معطاة وموروثة من الماضي”. هذه المقولة تصلح لفهم مأساة توده. فالحزب تحرك في ظروف قمع الشاه، والحرب الباردة، والخوف من التدخل الإمبريالي، لكنه لم يقرأ التناقضات الملموسة كما يجب. رأى الشاه وأمريكا، ولم يرَ بما يكفي مشروع رجال الدين. رأى العداء للإمبريالية، ولم يرَ أن الاستبداد الديني قادر على سحق العمال واليسار والنساء والمجتمع باسم الله والثورة والمقاومة.

وهنا يصبح موقف الدكتور كاوا محمود أكثر دقة من الموقف الناقص الذي يكتفي بإدانة العدوان. فالموقف الماركسي لا يقف عند سطح الحدث، بل يذهب إلى جذوره. ومن أكثر العبارات المنسوبة إلى التراث الماركسي ـ اللينيني وضوحًا أن “التحليل الملموس للواقع الملموس هو جوهر المنهج الماركسي”. والتحليل الملموس يقول لنا إن العدوان الخارجي مدان، لكن سياسات النظام الإيراني في الداخل والخارج ليست بريئة من دفع البلاد والمنطقة إلى حافة الانفجار.

لقد تدخل النظام الإيراني في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وبنى شبكات نفوذ مسلحة وسياسية، وتعامل مع الدول العربية لا بوصفها دولًا ذات سيادة، بل بوصفها ساحات نفوذ ورسائل ضغط. وفي لبنان تحديدًا، لم يكتفِ النظام الإيراني بدعم حزب الله كحزب سياسي، بل حوّله إلى ذراع عسكرية وأمنية واستراتيجية خارج سلطة الدولة، تُستخدم في حروب لا يقررها اللبنانيون، ولا يدفع ثمنها إلا اللبنانيون.

لقد شنّ حزب الله، باسم “المساندة” و“الدعم”، حروبًا وفتح جبهات وورّط لبنان في مواجهات مدمرة، لا دفاعًا عن قرار وطني لبناني، بل خدمة لمحور إقليمي تقوده إيران. والنتيجة أن لبنان يدفع الثمن من أرضه واقتصاده وأمنه وسيادته ومؤسساته. لا يمكن لأي يساري حقيقي أن يرفض العدوان على إيران ثم يصمت عن تدمير لبنان باسم إيران. ولا يمكن لمن يدافع عن سيادة إيران أن يبرر انتهاك سيادة لبنان والعراق وسوريا واليمن.

وفي التراث الماركسي مقولة شديدة الأهمية تقول إن “الشعب الذي يضطهد شعبًا آخر لا يمكن أن يكون حرًا”. وهذه المقولة تصلح اليوم لمخاطبة كل نظام يرفع شعار التحرر وهو يصادر حرية الآخرين. فإذا كان النظام الإيراني يريد الحرية والسيادة لإيران، فكيف يحق له أن يحول لبنان والعراق وسوريا واليمن إلى ساحات نفوذ؟ وإذا كان يرفض تدخل أمريكا وإسرائيل في شؤونه، فكيف يبرر لنفسه التدخل في شؤون العرب وتشكيل حكوماتهم وتوجيه مليشياتهم وربط قرارهم الوطني بمصالحه الإقليمية؟

الأمر نفسه ينسحب على العراق. فالتدخل الإيراني في تشكيل الحكومات، وفي رعاية قوى مسلحة، وفي التأثير على القرار السياسي، جعل من الدولة العراقية ساحة تنازع بين الإرادة الوطنية ومراكز النفوذ الخارجي. وهذا لا علاقة له بالتحرر الوطني. إنه شكل آخر من أشكال الهيمنة، حتى لو ارتدى لغة المقاومة ومعاداة الإمبريالية.

من هنا، فإن الدرس الحقيقي من تجربة حزب توده لا يقتصر على خطأ التحالف مع الإسلام السياسي بعد الثورة الإيرانية. الدرس الأعمق هو أن اليسار حين يفقد استقلاله الفكري والسياسي يتحول إلى تابع. وحين يختصر العالم في معسكرين، يصبح عاجزًا عن رؤية الشعوب. وحين يجعل العداء لأمريكا معيارًا وحيدًا للحقيقة، يقع في أحضان أنظمة مستبدة لا تقل قسوة على شعوبها.

ماركس لم يكتب لكي نستبدل صنمًا بصنم، ولا لكي نخلع قداسة عن الرأسمال ونمنحها لسلطة دينية أو عسكرية. الماركسية في جوهرها نقد: نقد الاقتصاد، نقد الدولة، نقد الأيديولوجيا، نقد الاستغلال، نقد الاغتراب، ونقد كل سلطة تحول الإنسان إلى تابع. لذلك فإن أي يسار يكف عن النقد باسم “المعركة الكبرى” أو “التناقض الرئيسي” أو “الممانعة” يكون قد تخلى عن جوهره.

لقد ذبح الإسلام السياسي حزب توده، لكنه لم يذبحه فقط بالسجون والمحاكمات والحظر. ذبحه أيضًا حين جرّه إلى وهم التحالف التاريخي، وحين جعله يخلط بين التدين الشعبي بوصفه وجدانًا اجتماعيًا، وبين الإسلام السياسي بوصفه مشروع سلطة وقمع. وهذا الخطأ لم يكن إيرانيًا فقط، بل تكرر في تجارب يسارية عربية كثيرة، حين رأى بعض اليسار في الحركات الدينية “حليفًا موضوعيًا” ضد الإمبريالية، ثم اكتشف أن هذا الحليف لا يؤمن بالتعددية، ولا بالديمقراطية، ولا بحق الاختلاف، ولا بحرية المرأة، ولا باستقلال النقابات، ولا بحرية الفكر.

لهذا تصبح ملاحظة الدكتور كاوا محمود ضرورية. فهي تذكرنا بأن الكتابة السياسية ليست بيانًا مغلقًا، بل مساحة مراجعة ونقاش. وأهمية هذه الكتابات أنها تفتح باب الحوار حول تاريخ ومستقبل اليسار الذي انتمينا إليه، وحول معنى أن نكون يساريين اليوم، بعد كل هذه الهزائم والانكسارات والأوهام.

ليس عيبًا أن تُستدرك المقالة بملاحظة سياسية. العيب أن نرفض الملاحظة لأننا نريد نصًا مكتملًا من أول مرة. والعيب الأكبر أن نكرر أخطاء الماضي لأننا نخاف من الاعتراف بها. لذلك من المفيد أن نتقبل الملاحظات بقلب مفتوح وصدر رحب، لا باعتبارها هجومًا على الكاتب، بل باعتبارها مساهمة في بناء وعي سياسي أكثر دقة ونزاهة.

فاليسار الذي نحتاجه اليوم ليس يسار الشعارات الجاهزة، ولا يسار المحاور، ولا يسار التبرير. نحتاج يسارًا يقول لا للعدوان الخارجي، ولا للاستبداد الداخلي. لا للإمبريالية، ولا لولاية الفقيه. لا لإسرائيل حين تعتدي، ولا لإيران حين تتمدد. لا لأمريكا حين تقصف، ولا لحزب الله حين يصادر الدولة اللبنانية ويورط البلد في حروب الآخرين.

هذا هو الميزان الذي يجب أن يستعيده اليسار: الوطن أولًا، الإنسان أولًا، الحرية أولًا، والدولة الوطنية الديمقراطية أولًا. أما تحويل الشعوب إلى وقود لمحاور إقليمية، أو إلى أوراق تفاوض بين أنظمة، فليس مقاومة ولا تحررًا، بل إعادة إنتاج للاستبداد بلغة مختلفة.

حزب توده، بتاريخه وتضحياته وأخطائه، يبقى مادة ضرورية للنقاش. لا لكي نشمت به، بل لكي نتعلم منه. فالمأساة ليست أن يخطئ حزب في لحظة تاريخية معقدة؛ المأساة أن لا يتعلم اليسار من أخطائه، وأن يظل يبرر للجلاد لأنه يكره جلادًا آخر.

والدرس الذي يجب أن يقال بوضوح هو هذا: لا يكفي أن نستنكر العدوان على إيران. يجب أن نستنكر أيضًا النظام الذي قمع الإيرانيين، وتدخل في شؤون العرب، وحوّل لبنان والعراق وسوريا واليمن إلى ساحات نفوذ. ولا يكفي أن ندافع عن سيادة إيران. يجب أن ندافع، بالقدر نفسه، عن سيادة لبنان والعراق وسوريا واليمن. فحرية الشعوب لا تُقاس بميزان المحاور، بل بميزان الكرامة والحق والسيادة والعدالة.

هكذا فقط يمكن لليسار أن يستعيد معناه: أن يكون ضد الإمبريالية وضد الاستبداد معًا، ضد الاحتلال وضد القمع معًا، ضد العدوان الخارجي وضد سحق الداخل معًا. وما عدا ذلك ليس يسارًا، بل ذاكرة معلقة في هزيمة قديمة لم تتعلم بعد كيف تخرج من ظلها.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

الجنس المباح لدى العلويين!

أخباركم - أخبارنا عن صفحة الفيسبوك للكاتبة السورية علا عباس لم نكن ملزمات كنساء علويات...

النبطية التي كانت المقاومة فيها تحمي الناس… لا تتركهم للعدو

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد إلى الرفاق الأحبة في النبطية، من بقي منهم في المدينة...

حين أبحث في الجريدة الشيوعية عن الشيوعية.. من بائع الصحيفة إلى ملف الـPDF!

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد تصلني من حين إلى آخر صحف الأحزاب الشيوعية بصيغة PDF....

حين يُدفن الجلاد بطلاً: ماذا نقول لضحايا راتكو ملاديتش؟

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد أكثر ما صدمني في مشهد جنازة راتكو ملاديتش لم...

More like this

حين يُدفن الجلاد بطلاً: ماذا نقول لضحايا راتكو ملاديتش؟

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد أكثر ما صدمني في مشهد جنازة راتكو ملاديتش لم...

حادث مأساوي في سنندج وعبد الله مهتدي يعزّي الضحايا

أخباركم - أخبارنا كتب عبد الله مهتدي، سكرتير حزب كومله الكردستاني، عبر صفحته على...

تركيا في قلب إعادة تشكيل الشرق الأوسط: بين إيران وإسرائيل وروسيا والغرب ومستقبل الكرد والعرب

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد لم تعد تركيا مجرد دولة إقليمية تتحرك على هامش صراعات...