الثلاثاء, يوليو 14, 2026
31.9 C
Beirut

اتصال من الرفيق دونالد ترامب!

نشرت في

أخباركم – اخبارنا/ مسعود محمد

اتصل بي الرفيق دونالد ترامب على غير موعد. كان صوته مرتبكًا قليلًا، كمن خرج للتوّ من اجتماع طويل مع تجار النفط، أو من جلسة تفاوضية لا يعرف فيها إن كان يبيع سلامًا، أم يشتري وقتًا، أم يلمّع هزيمة.

قال لي:
ـ مسعود، لماذا تعارض اتفاقي مع إيران؟

قلت له:
ـ رفيق دونالد، يبدو أنك اتصلت بالشخص الخطأ. أنا لا يعنيني اتفاقك مع إيران لا من قريب ولا من بعيد. اتفاقك شأنك، تجارتك شأنك، حساباتك شأنك، صفقاتك شأنك. أنت تفاوض طهران كما يفاوض التاجر تاجرًا آخر على سعر برميل، أو ممرّ بحري، أو صورة انتصار معلّبة تصلح لحملة انتخابية. أما نحن، فقضيتنا أعمق من اتفاقك، وأقدم من مكالمتك، وأكبر من طاولتك.

صمت قليلًا، فقلت له قبل أن يسألني سؤالًا آخر:

أنا يا دونالد لا أفاوض على إيران مع من يراها خريطة نفوذ أو سوقًا أو ورقة ضغط. أنا اتفقت منذ زمن مع القادة الكبار: عبد الرحمن قاسملو، وصادق شرفكندي، وفؤاد سلطاني، على أن نكمل الطريق الذي قُطع بالرصاص والغدر. اتفقنا أن ديمقراطية إيران ليست بندًا في اتفاق نووي، ولا هامشًا في صفقة أميركية، ولا جملة في بيان دبلوماسي؛ بل هي دماء ناس دفعوا حياتهم ثمنًا كي لا تبقى الشعوب رهائن العمائم والبنادق والسجون.

وقلت له أيضًا:

أنا اتفقت مع مهسا أميني، لا في قاعة تفاوض، بل في ذلك الصمت الذي أعقب جريمتها، حين تحوّل شعر امرأة إلى راية، وحين صار جسدها المقهور مرآة لبلد كامل. اتفقت معها أن نساء إيران لا يحتجن إلى إذن من وليّ فقيه، ولا إلى رحمة شرطة أخلاق، ولا إلى اتفاق بين واشنطن وطهران كي يخرجن من العبودية. حرية المرأة الإيرانية ليست تفصيلًا اجتماعيًا، بل قلب المعركة كلها. فمن يضع قيدًا على امرأة، يضع قيدًا على وطن.

ثم قلت له:

وفي لبنان، يا رفيق دونالد، أنا اتفقت مع جورج حاوي وسمير قصير على ما هو أوضح من كل بياناتكم الغامضة: أن نبني حكمًا وطنيًا ديمقراطيًا، وأن نجعل من لبنان بلدًا سيدًا لا ساحة، وطنًا لا صندوق بريد، دولة لا ملحقًا أمنيًا، وجمهورية لا محطة انتظار بين طهران وتل أبيب وواشنطن. اتفقنا أن حرية لبنان من حرية سوريا، وأن سقوط الاستبداد هناك ليس شأنًا خارجيًا، بل شرط من شروط تنفسنا هنا.

ضحك ترامب وقال:

ـ لكنني أصنع اتفاقًا كبيرًا.

قلت له:

ـ أنت تصنع اتفاقًا مع نظام يتفاخر بأنه يحتل أربع عواصم عربية. أنت تفاوض من يعتبر بيروت ودمشق وبغداد وصنعاء خرائط نفوذ في جيبه. أنت ترى في ذلك نظامًا يمكن ضبطه باتفاق، ونحن نراه مشروع ابتلاع كامل للمنطقة. أنت تريد منه أن يوقّع لك ورقة، ونحن نريد أن يكفّ يده عن رقاب الشعوب. أنت تريد أن يمر النفط بسلام، ونحن نريد أن يمر الإنسان بسلام. الفرق بيننا بسيط: أنت تبحث عن صفقة، ونحن نبحث عن حرية.

قلت له أيضًا:

لا تخلط الأمور يا دونالد. أنت لك تجارتك مع إيران، ونحن لنا قضيتنا ضدها. أنت تحاسبها حين تزعج مصالحك، وتصالحها حين تخدم مصالحك. أما نحن فنواجهها لأنها قتلت، وخطفت، وموّلت، واحتلت، وسلّحت الميليشيات، وكسرت الدول، وحوّلت العواصم إلى ساحات بريد عسكري. أنت قد تنام مطمئنًا إذا ضمنت النفط والمضائق والصواريخ، أما نحن فلا ننام لأن في بلادنا دولة مخطوفة، وقرارًا مصادرًا، وحدودًا مفتوحة للوصاية، وشعوبًا تُساق إلى الحروب باسم مقاومة لم تعد تقاوم إلا فكرة الدولة.

قال لي:

ـ إذًا أنت لا تثق باتفاقي؟

قلت له:

ـ أنا لا أثق باتفاق لا يرى الشعوب. لا أثق باتفاق يتحدث عن اليورانيوم وينسى السجون. لا أثق باتفاق يحسب أجهزة الطرد المركزي ولا يحسب النساء المقتولات، ولا المنفيين، ولا المختطفين، ولا المدن التي ابتلعتها الميليشيات. لا أثق باتفاق يريد تهدئة النظام بدل تحرير الناس من النظام.

ثم أضفت له، كي لا يلتبس عليه الأمر:

أنا لا أعارض اتفاقك لأنني أحب الحرب، بل لأنني أعرف أن سلام التجار قد يكون أخطر من حرب الجنرالات. الحرب تقتل بصوت مرتفع، أما الصفقات فتخنق الشعوب بهدوء. أنت تريد أن تقول للعالم إنك روّضت إيران، بينما إيران تريد أن تقول لأتباعها إنها روّضتك. وفي الحالتين، يدفع اللبناني والسوري والعراقي واليمني والإيراني ثمن المسرحية.

يا رفيق دونالد، لا تتعب نفسك في إقناعي. اتصل بخامنئي، اتصل بالوسطاء، اتصل بتجار النفط، اتصل بمن يبيعون الأوطان على خرائط الفنادق. أما أنا، فقد أجبتك بوضوح: رقمي ليس في دفتر الصفقات، بل في دفتر الذين لم يساوموا على الحرية.

نحن لم ننتظر اتصالك كي نحدد موقفنا. قبل أن تفكر أنت بالاتفاق مع إيران، كنا قد اتفقنا مع الشهداء. وقبل أن تفاوض أنت على حدود نفوذها، كنا قد قررنا أن نقاتل سياسيًا وفكريًا وأخلاقيًا كي تنتهي هذه الوصاية السوداء على شعوب المنطقة.

ولهذا يا دونالد، لا تسألني مرة أخرى لماذا أعارض اتفاقك. اسأل دستورك أولًا، واسأل إعلان استقلالك: ألم تقولوا إن للإنسان حقًا غير قابل للتصرّف في الحياة والحرية والسعي إلى السعادة؟ ألم يقل دستوركم إن لا أحد يُحرم من الحياة أو الحرية أو الملكية إلا وفق القانون؟ إذًا يحق لنا ما يحق لك. يحق للإيراني أن يعيش حرًا كما يعيش الأميركي حرًا، ويحق للمرأة الإيرانية أن تكسر قيدها كما تفخر نساء بلادك بحريتهن، ويحق للبناني أن تكون له دولة لا مزرعة، وسيادة لا وصاية، ورئيس لا موظف عند الوليّ الفقيه.

أما صفقاتك، فخذها إلى فنادقك ومؤتمراتك وخرائط نفوذك. نحن لا نضع توقيعنا إلا حيث يقف الشهداء. نحن لا نفاوض على الحرية، لأن الحرية ليست بندًا في اتفاق، ولا ملحقًا في صفقة، ولا هدية من رئيس أميركي لنظام إيراني. الحرية حقّ يولد مع الإنسان، ومن يسلبها يصبح عدوًا، ولو صافحته كل عواصم العالم.

وقد قال أحمد شوقي:

وللحرية الحمراء بابٌ
بكلِّ يدٍ مضرَّجةٍ يُدَقُّ

فإن أردت يا دونالد أن تفهم لماذا لا يعنينا اتفاقك، فافهم أولًا أن باب حريتنا لا يُفتح بمفتاحك، ولا يُغلق بخاتم خامنئي. نحن نطرقه بأيدينا، بدمنا، بذاكرتنا، وبأسماء من سبقونا: قاسملو، شرفكندي، فؤاد سلطاني، مهسا أميني، جورج حاوي، سمير قصير، وكل من عرف أن الشعوب لا تُحرَّر بالصفقات، بل بالإرادة.

أنت لك إيران التي تفاوضها على النفط والمضائق واليورانيوم.

ونحن لنا إيران التي نحلم بها حرّة، ديمقراطية، بلا مشانق، بلا حجاب قسري، بلا سجون، بلا حرس ثوري، وبلا عواصم عربية محتلة باسم الثورة.

أنت لك تجارتك.

ونحن لنا الحرية.

وما بين تجارتك وحريتنا، سنختار دائمًا ما اختاره الشهداء.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

فاروق باباميري… عندما يكبر المناضل ولا يشيخ

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هناك رجال يكبرون في العمر، لكنهم لا يكبرون على...

حين يتحول اليسار إلى حارس لأيديولوجيا الدولة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة نقدية في افتتاحية جريدة «صوت الشعب» التونسية نشرت جريدة...

معركة مضيق هرمز في صحافة صباح اليوم: واشنطن توسّع ضرباتها وإيران تنقل الرد إلى القواعد الأميركية في المنطقة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة مقارنة في الصحافة الأميركية والغربية والإيرانية والعربية الصادرة...

صراع إرادات في هرمز: أميركا والعالم بوجه البلطجة الإيرانية

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح وعندنا التدخل الإيراني عبر أتباعه يستهدف عنوان : الأرض...

More like this

معركة مضيق هرمز في صحافة صباح اليوم: واشنطن توسّع ضرباتها وإيران تنقل الرد إلى القواعد الأميركية في المنطقة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة مقارنة في الصحافة الأميركية والغربية والإيرانية والعربية الصادرة...

صراع إرادات في هرمز: أميركا والعالم بوجه البلطجة الإيرانية

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح وعندنا التدخل الإيراني عبر أتباعه يستهدف عنوان : الأرض...

مضيق هرمز يشعل الإقليم: تقرير ميداني وتقدير موقف حول المواجهة الأميركية–الإيرانية واتساع الضربات إلى الدول العربية

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد نطاق التقرير يغطي هذا التقرير التطورات العسكرية والسياسية التي...