أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
لا يمكن قراءة اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل بوصفه تفصيلاً دبلوماسياً عابراً أو مجرد ترتيب أمني على الحدود. جوهره أعمق من ذلك: إنه يضع لبنان أمام السؤال المؤجل منذ عقود: هل يمكن أن تقوم دولة فعلية بوجود سلاح خارجها يقرر الحرب والسلم ويجعل البلاد رهينة حسابات إقليمية؟
لقد أكد الاتفاق، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أن المشكلة اللبنانية لم تعد محصورة في الاحتلال الإسرائيلي والخروقات والاعتداءات، بل في غياب احتكار الدولة لقرارها وسيادتها. فلا سيادة مع سلاحين، ولا دولة مع جيشين، ولا أمن مستدام مع حزب يمتلك قدرة جرّ البلاد إلى حرب لا يقررها اللبنانيون ولا يملكون وقفها.
سلاح حزب الله خارج الشرعية
سلاح حزب الله فقد شرعيته الوطنية لأنه تجاوز وظيفة الدفاع، إن وُجدت يوماً، إلى وظيفة السيطرة على القرار. لم يعد سلاحاً في مواجهة إسرائيل فقط، بل صار عاملاً يعطل قيام الدولة، ويمنح إسرائيل الذرائع، ويربط لبنان بمحور خارجي، ويفرض على اللبنانيين دفع أثمان حروب لا يستشارون فيها.
وهنا يجب أن يكون الموقف واضحاً: المطالبة بنزع سلاح حزب الله ليست دعوة إلى حرب أهلية، ولا استهدافاً لطائفة، ولا خدمة لإسرائيل. إنها شرط لبناء الدولة. فالدولة التي لا تحتكر السلاح ليست دولة، بل سلطة ناقصة فوق أرض تتقاسمها قوى الأمر الواقع.
نزع السلاح يعني كسر هيمنة إيران
إن نزع سلاح حزب الله لا يعني فقط إنهاء ازدواجية السلاح داخل لبنان، بل يعني أيضاً كسر واحدة من أخطر أدوات الهيمنة الإيرانية في المنطقة. فإيران لم تسيطر على لبنان عبر الجغرافيا ولا عبر الدولة، بل عبر ميليشيا مسلحة امتلكت قرار الحرب والسلم، وحوّلت لبنان إلى ورقة في مفاوضاتها وصراعاتها. لذلك فإن استعادة الدولة اللبنانية لسلاحها وقرارها ستكون ضربة سياسية كبرى لمشروع الميليشيات، لأنها تعلن أن زمن استخدام العواصم العربية كساحات نفوذ قد بدأ يتراجع. وإذا نجح لبنان في إنهاء شرعية السلاح الخارج عن الدولة، فإن ذلك سيفتح الباب أمام نقاش أوسع في العراق أيضاً حول ضرورة نزع سلاح الميليشيات وحصر القوة بيد الدولة. فالمعادلة واحدة من بيروت إلى بغداد: لا وطن حرّ مع سلاح تابع للخارج، ولا دولة حقيقية مع ميليشيات أقوى من مؤسساتها، ولا سيادة ما دام القرار الوطني مرهوناً بمحور إقليمي يستخدم الشعوب وقوداً لحروبه.
بين الاحتلال والسلاح غير الشرعي
في المقابل، لا يعني ذلك تبرئة إسرائيل أو القبول بأي احتلال أو خرق للسيادة اللبنانية. المطلوب انسحاب إسرائيلي كامل ووقف الاعتداءات واحترام الحدود. لكن قوة الموقف اللبناني تبدأ من الداخل: من جيش واحد، وقرار واحد، وسلطة واحدة. عندها يصبح أي اعتداء إسرائيلي اعتداءً على دولة مكتملة الشرعية، لا على ساحة مفتوحة يتحرك فيها حزب مسلح خارج المؤسسات.
اتفاق الإطار يعيد الاعتبار إلى الجيش اللبناني بوصفه الأداة الشرعية الوحيدة لحماية الحدود وبسط سلطة الدولة. لكن الجيش لا يستطيع أداء دوره إذا بقي محكوماً بمعادلة التعايش مع سلاح موازٍ. لا يجوز أن نحمل الجيش مسؤولية السيادة ثم نحرمه من القرار. ولا يجوز أن نطلب منه حماية لبنان بينما قرار الحرب في يد غيره.
المطلوب اليوم انتقال سياسي واضح من منطق “المقاومة فوق الدولة” إلى منطق “الدولة فوق الجميع”. وهذا ليس انقلاباً على اتفاق الطائف، بل عودة إليه. فالطائف نص على بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها وحل الميليشيات، ولم يمنح أي حزب حق الاحتفاظ بسلاح مستقل إلى الأبد.
الخوف من الفتنة لا يبرر استمرار السلاح. على العكس، السلاح الذي يفرض بقاءه بالتهديد هو سبب دائم للفتنة. السلم الأهلي لا يُحمى بالخضوع للأمر الواقع، بل بقيام دولة عادلة وقوية تحتكر القوة وتحمي جميع مواطنيها بلا تمييز.
لبنان لا يحتاج إلى حرب داخلية، بل إلى قرار وطني شجاع: تسليم السلاح للدولة، دعم الجيش، استعادة القرار السيادي، وفتح مسار سياسي يدمج الجميع تحت سقف الدستور لا تحت ظل البنادق.
إن الرد الحقيقي على إسرائيل ليس بالمغامرات العسكرية ولا بالشعارات، بل ببناء دولة قوية. والرد الحقيقي على إيران ليس بالخطاب العدائي فقط، بل بتحرير لبنان من وظيفة الساحة ومنعه من أن يكون ورقة تفاوض في حروب الآخرين.
اتفاق الإطار ليس نهاية الطريق، بل بداية امتحان الدولة. فإما أن يتحول إلى فرصة لاستعادة لبنان قراره وبناء سلطة شرعية واحدة، وإما أن يبقى مجرد محطة جديدة في مسلسل التسويات المؤجلة.
اليوم لم يعد السؤال هل سلاح حزب الله شرعياً أم لا. التجربة أجابت، والدستور أجاب، والدمار أجاب. السؤال الحقيقي هو: هل تملك الدولة اللبنانية الشجاعة لتكون دولة، وهل يملك اللبنانيون الجرأة للالتفاف حولها قبل أن يخسروا ما تبقى من وطنهم؟



