أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
هناك أحزاب لا نتعرف إليها من برامجها فقط، ولا من بياناتها، ولا من أسماء قادتها في الكتب، بل من شيء أعمق: من صورتها في وجدان الناس، من دم شهدائها، من قصائد شعرائها، من أغانيها، من تلك الذاكرة التي تتحول فيها السياسة إلى حياة، والحزب إلى سيرة وطن.
هكذا عرفت الحزب الشيوعي العراقي.
لم أعرفه أولاً كتنظيم سياسي عابر في تاريخ العراق، بل عرفته من خلال أسماء بدت لي، منذ البداية، أكبر من الألقاب والمناصب. عرفته من خلال فهد، وسلام عادل، ثم عزيز محمد، القائد الكردي الذي أعطى للحزب بعداً عراقياً لا يختصر العراق في قومية واحدة، ثم من خلال حميد مجيد موسى، أبو داوود، الذي مثّل مرحلة أخرى من تاريخ الحزب، مرحلة الانتقال من السرية والمنافي والجبال إلى العلن وأسئلة الدولة والحياة السياسية الجديدة.
كان الحزب الشيوعي العراقي، بالنسبة إلينا، مدرسة في معنى أن يكون الإنسان منحازاً للفقراء، للعمال، للفلاحين، للمثقفين، للنساء، للمقموعين، وللعراق بوصفه وطناً لا مزرعة للطغاة، ولا غنيمة للعسكر، ولا سوقاً للطائفية.
فهد… الاسم الذي صار تأسيساً
حين يُذكر فهد، لا يُذكر فقط كأول قائد كبير للحزب الشيوعي العراقي، بل كرمز للتأسيس الصلب. فهد، يوسف سلمان يوسف، لم يكن مجرد اسم حركي، بل صار معنى كاملاً: أن تؤمن بفكرة إلى حد أن تدفع حياتك ثمناً لها.
كان فهد من ذلك الجيل الذي فهم الشيوعية لا بوصفها شعاراً مستورداً، بل بوصفها جواباً عراقياً على الظلم العراقي: ظلم الإقطاع، وظلم الاستعمار، وظلم الطبقات المحرومة، وظلم الدولة التي تريد الناس رعايا لا مواطنين. لذلك لم يكن فهد مؤسس حزب فقط، بل كان مؤسساً لذاكرة كاملة من الصلابة والوعي والانحياز.
في فهد تعرّفنا إلى الشيوعي الذي لا يساوم على الفكرة حين تصبح الفكرة كرامة الناس. تعرّفنا إلى معنى أن يكون الحزب أداة لتحرير الإنسان، لا سلطة فوق الإنسان. ومنذ المشنقة التي صعد إليها فهد، لم يعد اسمه مجرد اسم في تاريخ العراق، بل صار حجراً أول في بناء الذاكرة الشيوعية العربية كلها.
سلام عادل… حين صار الجسد وثيقة
ثم جاء سلام عادل.
وسلام عادل ليس اسماً يمكن المرور عليه بهدوء. هو حسين أحمد الرضي، لكنه في الذاكرة صار سلام عادل، وكأن الاسم وحده كان نقيضاً لكل ما حلّ به: سلام في وجه العنف، وعدل في وجه القسوة، وإنسان في وجه الوحشية.
في سلام عادل لا نستحضر قائداً حزبياً فقط، بل نستحضر مأساة العراق حين يلتقي الحقد السياسي بالتعذيب، وحين تتحول السلطة إلى آلة لسحق الجسد لأنها تخاف من الفكرة. لقد أرادوا أن يكسروا سلام عادل بالجسد، لكنهم جعلوا منه واحداً من أكثر رموز الحزب حضوراً في الوجدان.
هو من تلك الشخصيات التي لا تُقرأ سيرتها كخبر تاريخي، بل كجرح مفتوح. كان دمه يقول إن الحزب الشيوعي العراقي لم يكن حزب مقاعد ولا حزب مساومات، بل حزب دفع من قادته وكوادره وأعضائه أثماناً هائلة، لأن العراق نفسه كان يدفع دائماً ثمن أحلامه الكبرى.
عزيز محمد… كردي في قيادة حزب عراقي
بعد فهد وسلام عادل، تعرّفنا إلى عزيز محمد.
كان لعزيز محمد وقع خاص في الذاكرة، ليس فقط لأنه قاد الحزب في مرحلة طويلة ومعقدة، بل لأنه كان قائداً كردياً على رأس حزب عراقي. وهذه ليست تفصيلاً عادياً في بلد مثل العراق، حيث حاولت الأنظمة المتعاقبة أن تجعل القومية سلاحاً ضد المواطنة، وأن تجعل الانتماء القومي حاجزاً أمام المشروع الوطني.
وجود عزيز محمد في قيادة الحزب كان يقول إن العراق لا يكتمل إلا بكرده وعربه، بتركمانه وآشورييه وكل مكوناته. كان يقول إن الشيوعية، حين تكون عراقية حقاً، لا تلغي الهويات، بل تحررها من الاستغلال القومي والطائفي. وكان يقول إن الحزب، في أفضل صوره، يمكن أن يكون بيتاً لفكرة العراق المتعدد، لا عراق المركز القامع ولا عراق الهويات المتقاتلة.
عزيز محمد قاد الحزب في زمن شديد الصعوبة: زمن الانقلابات، والقمع، والتحالفات المرة، والانكسارات، والعمل السري، والجبال، والمنافي. قد يُختلف في تقييم مراحله وخياراته، لكن حضوره يبقى جزءاً من ذاكرة حزب حمل أثقال العراق وأخطائه وأحلامه في آن واحد.
القضية الكردية… حين سبق الحزب زمنه ودفع الثمن
ومن بين أكثر ما جعل الحزب الشيوعي العراقي متقدماً في تجربته الوطنية موقفه من القضية الكردية. لم يتعامل الحزب مع الكرد كملحق بالمسألة العراقية، ولا كرقم في معادلة السلطة، بل كقضية شعب له حقه القومي والسياسي والإنساني. لقد كان الحزب، في هذا المعنى، سابقاً لكثير من قوى اليسار والقومية معاً، حين اعترف مبكراً بحق الشعب الكردي في تقرير مصيره، ورأى أن وحدة العراق لا تكون بالقسر، ولا بالسلاسل، ولا بإنكار الحقوق، بل بالاتحاد الحر، والديمقراطية، والاعتراف المتبادل.
وهذا لم يكن انطباعاً عاطفياً أو موقفاً عابراً، بل هو ثابت موثق في أدبيات الحزب ووثائقه. ففي التقرير السياسي للمؤتمر الوطني العاشر، أكد الحزب أنه كان ولا يزال وسيبقى مؤمناً بحق تقرير المصير للشعب الكردي ولكل الشعوب، مشيراً إلى أن هذا المبدأ تُرجم في ظروف العراق الملموسة من الدفاع عن الحكم الذاتي، إلى الحكم الذاتي الحقيقي، وصولاً إلى الفيدرالية لإقليم كردستان. كما أكد التقرير السياسي للمؤتمر الوطني التاسع أن الحزب يرى في الفيدرالية الحل الديمقراطي للقضية القومية الكردية في ظروف العراق الملموسة، بما يجعل وحدة العراق قائمة على الإرادة الحرة والاتحاد الطوعي لا على الإكراه. وفي التقرير السياسي للمؤتمر الوطني الحادي عشر، عاد الحزب ليؤكد الموقف نفسه، رابطاً احترام إرادة الشعب الكردي بحقوقه القومية المشروعة وبناء عراق ديمقراطي اتحادي موحد.
لم يكن هذا الموقف بلا ثمن؛ فقد دفع الحزب ثمنه سياسياً وتنظيمياً وأمنياً، لأنه وقف في وجه الشوفينية القومية، ورفض اختزال العراق في هوية واحدة، وساند نضال الكرد في زمن كان الاعتراف بحقوقهم يُعدّ تهمة. لذلك كان وجود قائد كردي مثل عزيز محمد على رأس الحزب امتداداً طبيعياً لهذا الخيار، لا تفصيلاً عابراً: فالحزب الذي آمن بعراق عربي كردي، ديمقراطي ومتعدد، كان يدرك أن الوطنية الحقيقية لا تُبنى على إنكار قومية من قوميات العراق، بل على الاعتراف بها شريكاً كاملاً في الوطن والمصير.
عزيز محمد ومصالحة الإخوة الأعداء
ولأن عزيز محمد كان كردياً وعراقياً وشيوعياً في آن واحد، لم يكن حضوره في المسألة الكردية حضوراً رمزياً فقط. في الذاكرة السياسية الكردية والعراقية يرد اسمه أيضاً في سياق محاولات رأب الصدع بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني بعد الاقتتال الداخلي الذي عُرف بحرب الإخوة، أو حرب البراكوژي، في تسعينيات القرن الماضي.
لقد كانت تلك الحرب جرحاً كردياً داخلياً هائلاً. لم تكن مجرد صراع بين حزبين على السلطة والنفوذ، بل كانت مأساة سياسية وأخلاقية داخل البيت الكردي نفسه. سالت فيها دماء كردية بيد كردية، وتحوّلت الجغرافيا التي كان يفترض أن تكون ملاذاً للمطاردين من الدكتاتورية إلى ساحة اقتتال بين رفاق الأمس وحلفاء القضية الواحدة. في تلك اللحظة، كان صوت عزيز محمد مهماً لأنه لم يكن صوت طرف يريد مكسباً، بل صوت رجل يعرف معنى أن تدفع الشعوب الصغيرة ثمن انقسامات قياداتها.
تشير الدراسات التي تناولت مفاوضات السلام بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني بين عامي 1994 و1998 إلى أن مبادرة عزيز محمد لعبت دوراً في دفع الطرفين إلى تبادل مقترحات السلام قبل أن تصل التسوية لاحقاً إلى محطة اتفاق واشنطن عام 1998. صحيح أن الاتفاق النهائي احتاج إلى تدخلات إقليمية ودولية، وأن الولايات المتحدة لعبت دوراً حاسماً في رعاية اتفاق واشنطن، لكن ما يهمنا هنا هو المعنى السياسي والأخلاقي لمبادرة عزيز محمد: رجل شيوعي كردي عراقي يحاول أن يوقف نزيف الكرد بين الحزبين الكبيرين، وأن يعيد القضية الكردية من منطق الغلبة الحزبية إلى منطق المصير المشترك.
هذا الدور ينسجم مع جوهر موقف الحزب الشيوعي العراقي من القضية الكردية. فالحزب الذي دافع عن حق الكرد في تقرير المصير لا يمكنه أن يقف متفرجاً على اقتتال كردي داخلي يهدد هذا الحق نفسه. وعزيز محمد، بما مثله من تقاطع بين الشيوعية والعراقية والكردية، كان مؤهلاً لأن يفهم أن القضية العادلة قد تُشوَّه بأيدي أصحابها إذا تحولت إلى سلطة حزبية مغلقة، وأن التحرر القومي لا يكتمل إذا لم يتحرر أيضاً من منطق الاقتتال الداخلي.
هكذا يصبح عزيز محمد، في هذه الزاوية من التاريخ، أكثر من سكرتير سابق للحزب الشيوعي العراقي. يصبح شاهداً على صعوبة أن تكون كردياً وعراقياً في زمن الانقسامات، وشيوعياً في زمن القوميات الجريحة، ووطنياً في زمن تتقاتل فيه الرايات التي يفترض أن تواجه الاستبداد معاً. ومن هنا تأتي أهمية استحضاره لا كاسم من الماضي، بل كجسر بين فكرة العراق المتعدد وفكرة كردستان التي لا تنتصر على نفسها إلا بالمصالحة.
من المنافي إلى الجبل… قرار العودة وحمل السلاح
لم يصل الحزب الشيوعي العراقي إلى الكفاح المسلح بوصفه خياراً رومانسياً أو نزعة عسكرية، بل وصل إليه مدفوعاً بوحشية النظام البعثي وانسداد إمكان العمل العلني والسلمي. فبعد انهيار الجبهة الوطنية مع حزب البعث، وتصاعد حملات القمع والتصفية ضد الشيوعيين منذ أواخر السبعينيات، وجد آلاف الرفيقات والرفاق أنفسهم بين المنافي، والسجون، والعمل السري، والجبال. وهكذا بدأت المجموعات الأولى من الأنصار الشيوعيين بالتوجه إلى كردستان في أواخر عام 1978 وبدايات عام 1979، وتشكلت أولى القواعد الأنصارية في مناطق مثل حلبجة وبهدينان وهركي وكَوسته عام 1979، في سياق انتقال الحزب من موقع الشريك المخدوع في الجبهة الوطنية إلى موقع المعارض المسلح للنظام الدكتاتوري.
لكن البداية العملية سبقت القرار الرسمي. فقد بدأت مفارز الحزب تتشكل وتتحرك في الجبل منذ عام 1979، بينما جاء القرار الرسمي بتبني الكفاح المسلح كأسلوب رئيسي في النضال في أوائل تشرين الثاني/نوفمبر 1981، في اجتماع للجنة المركزية للحزب. عندها تحولت العودة إلى الداخل، والالتحاق بجبال كردستان، وحمل السلاح، إلى خيار سياسي وتنظيمي معلن من أجل إسقاط النظام الدكتاتوري. ومنذ تلك اللحظة لم تعد كردستان مجرد ملجأ للمطاردين، بل صارت ساحة نضال عراقي مشترك، حمل فيها الشيوعيون السلاح إلى جانب قوى معارضة أخرى، لا دفاعاً عن حزبهم فقط، بل دفاعاً عن حق العراقيين في حياة بلا بعث، بلا مخابرات، بلا إعدامات، وبلا دولة تأكل أبناءها.
الأنصار الشيوعيون… حين صار الرفيق فدائياً في الجبل
ولحركة الأنصار الشيوعيين في كردستان مكان خاص في القلب والذاكرة. لم تكن حركة الأنصار مجرد فصل عسكري في تاريخ الحزب، بل كانت لحظة وجدانية كبرى، لحظة صار فيها الرفيق فدائياً، يحمل بندقيته لا ليصير قاتلاً، بل ليمنع القاتل من ابتلاع العراق كله. كان الأنصار أبناء المدن والقرى والجامعات والمصانع والمنافي، صعدوا إلى الجبل بأجساد متعبة وقلوب مفتوحة، يحملون معهم الجريدة والمنشور، الأغنية والرسالة، صورة الحبيبة، ووصية الأم، ورفاقاً رحلوا في السجون أو على أعواد المشانق.
كان النصير الشيوعي مقاتلاً من نوع آخر. في حقيبته خبز قليل وكتاب، في جيبه رسالة لم تصل، وفي ذاكرته أسماء الشهداء. لم يكن الجبل بالنسبة إليه مكاناً للبطولة الفارغة، بل امتحاناً يومياً للمعنى: برد، وجوع، ومطاردة، وخوف، ورفاق يسقطون، ورفاق يدفنون رفاقهم بصمت كي لا تسمعهم الدوريات. هناك لم تكن الشيوعية درساً نظرياً في كتاب، بل صارت ناراً صغيرة في ليلة ثلجية، وحراسة في ممر خطر، وقطعة خبز تُقسم بين أكثر من يد، ورفيقاً يرفض أن يترك رفيقه الجريح خلفه.
في حركة الأنصار رأينا أجمل ما في الحزب وأقساه معاً. رأينا شباباً تركوا الحياة العادية، وذهبوا إلى احتمالات الموت لأنهم لم يريدوا أن يعيشوا تحت حذاء الدكتاتور. رأينا نساءً ورجالاً يرفعون معنى الرفقة إلى مقام القداسة الإنسانية، لا قداسة الشعارات. رأينا عراقاً مصغراً في الجبل: عرباً وكرداً، مسلمين ومسيحيين، أبناء جنوب وشمال، يساريين وحالمين، تجمعهم فكرة واحدة هي أن صدام لا يمكن أن يكون قدر العراق، وأن البعث لا يمكن أن يكون نهاية التاريخ.
لهذا كانت حركة الأنصار أكبر من البندقية. كانت بندقية، نعم، لكنها كانت أيضاً أغنية طريق، وذاكرة من نار، ودرساً في أن السياسة حين تُمنع من الكلام قد تصعد إلى الجبل. كانت إعلاناً أن الحزب الذي طورد في المدن لم يمت، وأن الرفاق الذين خرجوا إلى المنافي عادوا إلى الداخل بطريقة أخرى: عادوا من بوابة كردستان، من الثلج والوديان والممرات، ليقولوا إن العراق ليس للنظام وحده، وإن الخوف ليس أقوى من الفكرة.
وحين نتذكر الأنصار، لا نتذكرهم كأبطال من حجر. نتذكرهم كبشر كانوا يخافون ويحبون ويشتاقون ويتعبون، لكنهم رغم ذلك بقوا. وهذه هي البطولة الحقيقية: لا أن لا تخاف، بل أن تعرف الخوف وتذهب. لا أن لا تحب الحياة، بل أن تحبها إلى درجة أن تقاتل كي لا تُهان. الأنصار الشيوعيون كانوا أبناء الحياة، ولذلك حملوا السلاح ضد نظام الموت.
بشتاشان… الجرح الذي هزّ ضميرنا
لكن مأساة الحزب الشيوعي العراقي بلغت واحدة من أكثر لحظاتها قسوة في بشتاشان. هناك، في جبال كردستان، لم يكن الشيوعيون يقاتلون ضد الشعب الكردي، بل كانوا يقاتلون الدكتاتورية البعثية، ويحملون في فكرهم ووثائقهم ودمهم حق الكرد في تقرير المصير. لذلك كانت بشتاشان أكثر من معركة، وأكثر من مجزرة؛ كانت جرحاً أخلاقياً عميقاً في ذاكرة كل من عرف معنى أن يُقتل الذين دافعوا عن حرية الكرد على يد قوة كردية حزبية، لا على يد الشعب الكردي الذي أحبوه ودافعوا عن حقوقه.
في وثائق ومواد منشورة على موقع الحزب الشيوعي العراقي، ترد بشتاشان بوصفها محطة دموية مؤلمة. ففي الأول من أيار عام 1983، وفي قرية بشتاشان الواقعة عند سفح جبل قنديل، وقع هجوم قوات الاتحاد الوطني الكردستاني على مقرات الحزب الشيوعي العراقي، ومعه مقرات قوى أخرى، وكانت النتيجة خسائر بشرية ومادية كبيرة، واستشهاد كوكبة من المناضلين والمناضلات من ذوي الخبرات السياسية والعلمية والتقنية. وفي مادة أخرى عن دور الأجهزة الأمنية في تخريب الحركة الأنصارية، يرد أن هجوم الاتحاد الوطني الكردستاني على مقرات الحزب الشيوعي في بشتاشان أدى إلى استشهاد أكثر من خمسة وستين رفيقة ورفيقاً من الأنصار، وأن ما عُرف لاحقاً ببشتاشان الثانية كلّف الحزب والحركة الأنصارية خسائر جديدة، إذ استشهد عدد آخر من أفضل الكوادر الحزبية والأنصارية التي لا تُعوّض.
هزّت بشتاشان ضميرنا لأنها لم تكن مجرد خسارة عسكرية في الجبل، بل كانت مفارقة موجعة: الشيوعيون الذين حملوا السلاح ضد صدام، والذين دافعوا عن حق الشعب الكردي في تقرير مصيره، والذين رأوا في كردستان فضاءً للنضال المشترك ضد الاستبداد، وجدوا أنفسهم يُقتلون في صراع كردي ـ كردي وعراقي ـ كردي معقد، على يد قوة كان يفترض أن تكون في الخندق نفسه ضد الدكتاتورية. لذلك لا يجوز أن تُقرأ بشتاشان كحادثة عابرة، ولا أن تُستخدم لإدانة الشعب الكردي، بل يجب أن تُقرأ كجريمة سياسية وأخلاقية بحق الشيوعيين، وبحق فكرة التحالف الوطني نفسها، وبحق القضية الكردية التي لا يحق لأحد أن يلطخها بدماء من دافعوا عنها.
إن مأساة بشتاشان لا تلغي موقف الحزب من حقوق الكرد، بل تؤكد نبل ذلك الموقف وقسوته في آن واحد. فالحزب لم يتراجع عن حق الشعب الكردي في تقرير مصيره بسبب الدم الذي دفعه، ولم يحوّل الجرح إلى حقد قومي، ولم يسقط في الانتقام من قضية عادلة بسبب جريمة ارتكبتها قوة سياسية. وهذه، ربما، واحدة من أعلى درجات الأخلاق السياسية: أن تميّز بين الشعب وقياداته، بين القضية العادلة والممارسات الخاطئة، بين حق الكرد في الحرية وبين جريمة قتل الشيوعيين في بشتاشان.
لهذا تبقى بشتاشان في وجداننا جرحاً لا يُنسى. جرحاً لأن الشيوعيين قُتلوا هناك وهم يحملون حلم عراق حر، ديمقراطي، عربي كردي، متعدد، لا مكان فيه للطغيان ولا للشوفينية. وجرحاً لأن دمهم سال في الأرض التي أرادوها مساحة تحرر، لا ساحة تصفية. وجرحاً لأن الوردة الحمراء التي تحدث عنها سعدي يوسف بين الناصرية والشمال، قُطعت هناك مرة أخرى، لكنها لم تمت.
حميد مجيد موسى… أبو داوود وأسئلة المرحلة الجديدة
ثم جاء حميد مجيد موسى، أبو داوود.
معه دخل الحزب مرحلة أخرى؛ مرحلة عراق ما بعد الدكتاتورية، وما بعد الاحتلال، وما بعد انفجار الطائفية، وما بعد انهيار الدولة القديمة وولادة دولة مأزومة. لم تكن تلك المرحلة سهلة على أي حزب، فكيف بحزب خرج من عقود القمع والملاحقة والمنافي والجبال ليجد نفسه أمام عراق جديد، لكنه مطوّق بالمحاصصة والسلاح والفساد والطائفية؟
أبو داوود لم يكن مجرد قائد تنظيمي، بل كان واحداً من وجوه الحزب في زمن الأسئلة الصعبة: كيف يبقى الشيوعي شيوعياً في عراق تحكمه الطوائف؟ كيف يدافع عن الدولة دون أن يبرر الاحتلال؟ كيف يرفض الدكتاتورية دون أن يقع في فخ النظام البديل القائم على المحاصصة؟ كيف يحافظ على معنى اليسار في بلد تتنازعه الميليشيات ورجال الدين ورجال المال؟
في أبو داوود نرى مرحلة الحزب التي حاولت أن تعبر من ذاكرة الدم إلى السياسة اليومية، ومن السرية إلى العلن، ومن الجبل إلى البرلمان، ومن الحلم الثوري إلى سؤال الممكن. وهي مرحلة تحتاج إلى قراءة نقدية هادئة، لكنها تبقى جزءاً من تاريخ الحزب ومن ذاكرة اليسار العراقي.
سعدي يوسف… حين صار الشعر قاعدة أمام الله والطبقات
لكن الحزب الشيوعي العراقي لم يسكن ذاكرتنا عبر قادته فقط. سكنها أيضاً عبر الشعر.
شاعرياً وأدبياً، تعلقنا بسعدي يوسف ومظفر النواب. لم يكونا مجرد شاعرين عراقيين كبيرين، بل كانا جزءاً من تلك الروح التي جعلت العراق يتكلم شعراً حين تضيق السياسة، ويصرخ شعراً حين تخون العواصم، ويبكي شعراً حين يُقتل أبناؤه.
في قصيدة سعدي يوسف للمؤتمر التاسع للحزب الشيوعي العراقي، نقرأ ما يشبه صلاة شيوعية عراقية، لا بالمعنى الديني، بل بالمعنى الوجداني العميق. يقول سعدي:
“من قبلِ أن نأتي القواعد،
كنتَ قاعدةً أمامَ اللهِ والطبقاتِ”
هنا يبلغ الشعر ذروته. الحزب ليس مقراً، ولا لجنة، ولا بياناً. الحزب “قاعدة أمام الله والطبقات”. أي أنه يقف أمام المطلق وأمام الناس. أمام الضمير وأمام الكادحين. أمام التاريخ وأمام الذين لا يملكون إلا تعبهم.
وفي القصيدة نفسها يتحرك العراق بين الناصرية والشمال، بين البردي والبنادق، بين الوردة الحمراء والتكوين، بين الخلايا والمواقف والقواعد. إنها ليست قصيدة مدح حزبي عابر، بل قصيدة عن حزب خرج من الطين والماء والوشم والرصاصة والجريدة والمنشور الأزرق.
سعدي لا يكتب الحزب كهيكل تنظيمي، بل ككائن عراقي يمشي “مقروح الأقدام”، يحمل ما حمله الأسلاف، ويعيد الدورة الصماء، ويبحث عن وردة حمراء تطلع “بين الناصرية والشمال”. هذه الصورة وحدها تختصر معنى الحزب الشيوعي العراقي: جنوب وشمال، فقراء ومناضلون، رصاص ومنشور، وردة ودم، ذاكرة وهوية.
لقد جعل سعدي يوسف من الحزب صورة شعرية للعراق الممكن: عراق لا ينقسم بين قومياته، ولا يختصر في طائفة، ولا يركع لعسكر، ولا يموت رغم قتله المتكرر في الخلايا والمواقف والقواعد.
مظفر النواب… الشتيمة حين تصبح ضميراً
أما مظفر النواب، فقد أسرنا بطريقة أخرى.
إذا كان سعدي يوسف قد أخذنا إلى العمق الهادئ، إلى البردي والوشم والوردة، فإن مظفر أخذنا إلى الصرخة. إلى اللغة التي لا تستأذن أحداً. إلى القصيدة التي لا تضع عطراً على الجثة، بل تفتح الجرح وتصرخ في وجه الجميع.
في قصيدته الشهيرة عن القدس، لم يكن مظفر يشتم من أجل الشتيمة. كان يشتم لأن اللغة المهذبة لم تعد قادرة على وصف الهزيمة. كان يقول، بغضبه العاري، إن فلسطين لم تُبع فقط من الأعداء، بل من حكام وشعارات ومؤتمرات وأكاذيب. لذلك جاءت عبارته الصادمة:
“القدس عروس عروبتكم”
ثم جاء السؤال الجارح، الفاضح، الذي لا يزال حتى اليوم أقوى من كثير من الخطب السياسية. مظفر لم يكن يكتب قصيدة عن القدس وحدها، بل كان يكتب محاكمة كاملة للعالم العربي: للحكام، وللمثقفين المتواطئين، وللثوريين الكتبة، وللجمهور المهزوم الذي يكابر.
في مظفر النواب تعلّمنا أن الشعر يمكن أن يكون محكمة. وأن القصيدة يمكن أن تكون فضيحة. وأن الشتيمة، حين تخرج من قلب موجوع ووعي ثوري، لا تكون انحطاطاً لغوياً، بل تكون أحياناً آخر ما تبقى من الشرف في زمن صار فيه الكلام النظيف غطاءً للجريمة.
مظفر كان عراقياً إلى حد الفضيحة، عربياً إلى حد الغضب، شيوعياً بالمعنى الوجداني للانحياز إلى المظلومين. كان صوته يشبه طعنة في صدر الهزيمة، ولذلك بقي حياً فينا، لا لأنه كان هادئاً، بل لأنه لم يهادن.
فرقة الطريق… حين غنّى الحزب للناس
ولم يكن الحزب الشيوعي العراقي شعراً فقط، بل كان أغنية أيضاً.
فرقة الطريق كانت جزءاً من ذاكرتنا اليسارية. لم تكن مجرد فرقة غنائية، بل صوتاً جماعياً، صوت الرفاق حين يتحولون إلى نشيد، وصوت العراق حين يغني لفقرائه ومناضليه ونسائه وقراه ومدنه.
أغانٍ مثل “بنت الديرة” و”أعود” لم تكن مجرد أغانٍ جميلة، بل كانت جزءاً من ذلك العالم الذي صنعته الثقافة الشيوعية العراقية: عالم فيه حنين، وفيه وطن، وفيه ناس عاديون، وفيه نساء يشبهن الأرض، وفيه عودة دائمة إلى العراق رغم المنافي والمجازر والخيبات.
فرقة الطريق جعلت السياسة أقل جفافاً، وجعلت الالتزام أكثر إنسانية. فالحزب الذي يغني لا يموت بسهولة. الحزب الذي يملك شهداء وشعراء وأغاني يبقى في الذاكرة حتى حين يتراجع في السياسة. لأن الأغنية تصل إلى أماكن لا تصلها البيانات، واللحن يحفظ ما تنساه المؤتمرات.
لقد كانت فرقة الطريق، في وجداننا، طريقاً فعلاً: طريقاً إلى العراق، إلى اليسار، إلى الرفاق، إلى تلك الرومانسية الثورية التي لا نخجل منها حتى لو كبرنا واكتشفنا أن الأحزاب تخطئ، وأن القيادات تتعب، وأن التنظيمات تشيخ. تبقى الأغنية قادرة على إعادة الفكرة إلى شبابها الأول.
حزب من دم وشعر وأغنية
لهذا كله، لا يمكنني أن أكتب عن الحزب الشيوعي العراقي كمن يكتب عن حزب عادي. إنه حزب أخطأ وأصاب، تقدم وتراجع، قاوم وتردد، دفع أثماناً هائلة وارتكب خيارات تحتاج إلى نقد. لكنه في النهاية ليس مجرد مؤسسة سياسية. إنه ذاكرة عراقية كاملة.
فيه فهد، شهيد التأسيس والمشنقة.
وفيه سلام عادل، الجسد الذي أرادوا سحقه فتحول إلى أسطورة.
وفيه عزيز محمد، القائد الكردي الذي حمل فكرة العراق المتعدد في قيادة حزب وطني، وسعى إلى إطفاء نار الاقتتال الكردي ـ الكردي حين صارت كردستان تنزف من داخلها.
وفيه حركة الأنصار، حيث صار الرفيق فدائياً في الجبل، وحيث اختلطت البندقية بالجريدة، والرصاصة بالأغنية، والخوف بالشجاعة.
وفيه بشتاشان، الجرح الذي لا يندمل، حيث قُتل شيوعيون دافعوا عن حق الكرد في الحرية على يد قوة كردية حزبية، فكان الدم سؤالاً أخلاقياً لا يزال مفتوحاً.
وفيه أبو داوود، الذي واجه أسئلة مرحلة عراقية جديدة بكل تعقيداتها.
وفيه سعدي يوسف، الذي جعل الحزب “قاعدة أمام الله والطبقات”.
وفيه مظفر النواب، الذي جعل القصيدة سكيناً في وجه الهزيمة.
وفيه فرقة الطريق، التي جعلت اليسار أغنية تمشي بين الناس.
هذا الحزب ليس بريئاً من النقد، ولا يجب أن يكون فوق المراجعة. فالحب الحقيقي للأحزاب الثورية لا يكون بتقديسها، بل بقراءتها، ومساءلتها، وإنقاذ جوهرها من أخطائها. لكن من الظلم أيضاً أن نقرأ الحزب الشيوعي العراقي كتنظيم سياسي فقط، وننسى أنه كان مدرسة ثقافية ووجدانية وأخلاقية لأجيال كاملة.
لقد عرفنا العراق من خلاله بطريقة مختلفة. عرفناه عراق الفقراء لا عراق القصور. عراق الشعراء لا عراق الجلادين. عراق الناصرية والشمال. عراق الوردة الحمراء التي تطلع من التكوين. عراق القدس حين تصرخ في قصيدة مظفر. عراق الأغنية حين تقول إن الطريق لا ينتهي.
الخاتمة: الوردة الحمراء بين الناصرية والشمال
ربما تغير الزمن. وربما شاخت الأحزاب. وربما صار اليسار أضعف مما كان. وربما دخلت التنظيمات في حسابات وخسارات وتحالفات ومراجعات. لكن ما لا يموت هو تلك اللحظة الأولى التي جعلتنا نحب الفكرة.
الفكرة التي تقول إن العراق أكبر من جلاديه.
وإن الفقراء ليسوا هامش التاريخ بل قلبه.
وإن الحزب، أي حزب، لا قيمة له إن لم يكن قاعدة أمام الناس والطبقات.
وإن القضية الكردية لا تُحل بالإنكار ولا بالشوفينية، بل بالاعتراف والحرية والاتحاد الطوعي.
وإن الأنصار الشيوعيين لم يصعدوا إلى الجبل حباً بالموت، بل حباً بحياة لا يحق للطغاة أن يصادروها.
وإن بشتاشان يجب أن تبقى جرحاً مفتوحاً في الضمير، لا لإدانة شعب، بل لإدانة الجريمة، ولحماية فكرة التحرر من أن تقتل أبناءها.
وإن القصيدة يمكن أن تكون بندقية.
وإن الأغنية يمكن أن تكون منشوراً.
وإن الوردة الحمراء، مهما قُطعت أعضاؤها، تستطيع أن تطلع من جديد بين الناصرية والشمال.
هكذا عرفنا الحزب الشيوعي العراقي: لا من دفتر تنظيمي بارد، بل من فهد وسلام عادل وعزيز محمد وأبو داوود، ومن سعدي يوسف ومظفر النواب، ومن فرقة الطريق، ومن أغنية بنت الديرة، ومن وعد العودة.
عرفناه حزباً من دم وشعر وأغنية.
وحين يكون الحزب كذلك، فإنه حتى إذا خسر معركة، لا يخرج من الذاكرة.



