أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
منذ فترة، تدور بيني وبين الكاتب السياسي الدكتور زياد ماجد مجموعة من النقاشات حول مفاهيم سياسية أساسية، تبدأ من فكرة “الخط الثالث اليساري”، الذي أراه شخصيًا، في بعض تمظهراته، تبريرًا “لايت” للممانعة، ولا تنتهي عند دفاعه المستميت عن فكرة التفاهم مع إيران من أجل نزع سلاح حزب الله، متجاهلًا، برأيي، الثمن السياسي الخطير الذي قد ينتج عن ذلك: تكريس هيمنة إيران، وهيمنة ميليشياتها، وإعطاؤها دورًا تفاوضيًا في تقرير مستقبل لبنان والمنطقة.
كل ذلك يأتي مغلفًا بخطاب الدفاع عن فلسطين، وبإدانة إجرام إسرائيل، وكأننا لا نعلم كم هي إسرائيل مجرمة، وكم ارتكبت وترتكب من جرائم. لكن معرفة إجرام إسرائيل لا تعني الصمت عن إجرام إيران وميليشياتها، ولا تعني قبول أن يصبح لبنان ساحة تفاوض بين الأميركي والإيراني، ولا أن يُختصر مصير الدولة اللبنانية بمعادلة: إما إسرائيل وإما حزب الله. بالنسبة لنا، صار الإيراني والإسرائيلي وسلاح الحزب، في أثرهم على لبنان، وجوهًا مختلفة للخراب نفسه، وإن اختلفت الشعارات والرايات.
أمس احتدم النقاش من جديد بعدما كتب الدكتور زياد ماجد:
“ ملخّص نصّ الاتفاق “الإطار” بين لبنان ودولة الإبادة وردّ حزب الله عليه: لا انسحاب جدّياً قبل نزع السلاح، ولا نزع جدّياً للسلاح قبل الانسحاب.
في انتظار حلّ هذه المعضلة التي لا حلّ لها – بمعزل عن كل مكابرة من السلطة اللبنانية ومن الحزب ومن إسرائيل – إلا باتفاق نهائي إيراني أميركي يُلزم جميع “الحلفاء”، الأمل الوحيد هو في الحدّ من انتهاكات إسرائيل لوقف إطلاق النار، وفي لجم حملات التشاتم والتخوين اللبنانية الداخلية التي قد لا تبقى بعيدة عن نزق الشارع/الشوارع.”
فكان ردي واضحًا ومباشرًا:
“ الحل بجيش لبناني يضرب رجله بالأرض وينزع السلاح ولتكن حربا مرة وللأبد ..”
فردّ عليّ بسؤال:
“ Massoud Fawzy Mohamed حرب أهلية قصدك؟”
فأجبته:
“ Ziad Majed تثبيت الأمن والدولة وإلغاء مليشيا متمردة على الدولة وتسببت بخراب البلد مهمة الأجهزة الأمنية حفظ الأمن .. ليش نحن مش عايشين حرب هلق بدكم تسموها اهلية وتخوفوا الناس من ان تفرض الدولة سلطتها والنظام وتنظروا لاستمرار تدخل الإيراني وبقاء سلطة السلاح انتم احرار لكم دينكم ولنا ديننا وسنناقشكم ضمن قواعد الإحترام”
فجاء رده متهكمًا:
“ Massoud Fawzy Mohamed أحسنت! ومنيحة نون الجماعة و”أنتم”، وغير ذلك من زجل ما إلو علاقة بالاستعصاء الحالي. وبأي حال، بانتظار تطبيق الحلّ اللي عم تتفضّل تطرحو، على أساس أنو حل جديد ما تعلّمنا استحالتو بعد كل التجارب من ال2000 لليوم، وما صار في ضرورة نفكّر بطرق تانية للوصول لحصر السلاح غير بحرب أهلية، الشي الوحيد اللي رح يخلص إذا صارت هو ما تبقّى من أمل ببناء دولة. بالتوفيق بأي حال”
فكان ردي الأخير:
“ Ziad Majed من ال ٢٠٠٠ إلى اليوم يلي مارس القتل والاغتيال بما فيهم اغتيال رفيقك سمير قصير هو هذا السلاح الإيراني الذي تريد ان تفاوض راعيه لم يستخدم احد غيرهم السلاح ودمروا البلد عدة مرات وهلق بدك تعطيهم امتياز التفاوض معهم ليش؟ حتى تسلمهم البلد .. ركز معي وقلي سبب دفاعك المستغرب عن إيران بدل ما تناقشني بحرف النون .. اعذرني لغتي العربية شوي محدودة”
هذا هو النقاش كما حصل. وأنا أصر على تسميته نقاشًا لا سجالًا، لأن الخلاف الفكري والسياسي، مهما احتد، يجب أن يبقى ضمن قواعد الاحترام، خصوصًا عندما يكون مع شخص نقدّر تجربته وموقعه وكتاباته. لكن التقدير الشخصي لا يعني إسقاط حق النقاش، ولا يعني السكوت عن أفكار أراها خطيرة، خصوصًا عندما تصدر عن كاتب يساري وديمقراطي عُرف بمواجهة حزب الله وبنقد منظومة السلاح والهيمنة.
سألني بعض الأصدقاء المشتركين عن سبب هذا النقاش. وجوابي واضح: لأن المسألة لم تعد مجرد اختلاف عابر في قراءة سياسية، بل محاولة لتمرير فكرة خطيرة بسلاسة، هي فكرة القبول بمسار إيراني ـ أميركي، أو ما يشبه “مسار إسلام آباد”، وكأن هذا المسار إنقاذ للبنان، بينما هو، في جوهره، قد يتحول إلى تبرير جديد لهيمنة السلاح، وإلى اعتراف ضمني بأن إيران هي صاحبة الحق في التفاوض على لبنان، وأن سلاح حزب الله ليس قضية لبنانية داخلية، بل ورقة إقليمية لا تُحل إلا على طاولة الكبار.
هنا يكمن الخطر.
فحين نقول إن نزع السلاح لا يتم إلا باتفاق إيراني ـ أميركي، فنحن، من حيث ندري أو لا ندري، ننقل السيادة من بيروت إلى طهران وواشنطن. وحين نقول إن الجيش لا يستطيع، وإن الدولة لا تستطيع، وإن المواجهة تعني حربًا أهلية، فنحن نمنح السلاح حق الفيتو على الدولة، ونحوّل الخوف من الحرب إلى أداة دائمة لمنع قيام الدولة.
نعم، الحرب الأهلية خطر. ونعم، الدم اللبناني ليس لعبة. ونعم، لا أحد عاقلًا يدعو إلى الخراب. لكن من يهدد بالحرب الأهلية غير حزب الله؟ ومن يملك السلاح الذي يهدد استقرار الدولة والناس غير حزب الله؟ ومن أذل اللبنانيين وهجّرهم ودمّر بيوتهم وقراهم ومدنهم بسبب استخدامه للسلاح خارج قرار الدولة غير هذا السلاح؟ دعوتنا ليست إلى حرب أهلية، بل إلى الدولة كي تلعب دورها في حماية البلد والسلم الأهلي، لأن السلم الأهلي لا يُحمى بالخضوع لسلاح الميليشيا، بل باستعادة سلطة القانون والمؤسسات. ألسنا نعيش حربًا مستمرة منذ سنوات؟ أليست الدولة مخطوفة؟ أليس قرار الحرب والسلم خارج المؤسسات؟ أليست الحدود والاقتصاد والسياسة والرئاسة والحكومة والبرلمان معلقة على مشيئة السلاح؟ أليست الاغتيالات السياسية، من رفيق الحريري إلى سمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني ولقمان سليم وغيرهم، جزءًا من حرب مفتوحة على فكرة الدولة؟
فلماذا يصبح فرض سلطة الدولة حربًا أهلية، ولا يكون استمرار سلطة الميليشيا حربًا دائمة على المجتمع والدولة والناس؟
هذه هي نقطة الخلاف الأساسية بين يسارين.
هناك يسار يواجه حزب الله لكنه لا يقطع نهائيًا مع منطق الممانعة. يسار يرفض فائض السلاح، لكنه يخشى تسمية إيران كقوة احتلال سياسي غير مباشر. يسار يدين الحزب، لكنه يعود عند كل منعطف إلى القول إن الحل لا يكون إلا بالتفاهم مع راعيه. يسار يعرف حجم الكارثة، لكنه يخاف من الذهاب إلى الخلاصة الأخيرة، فيبقى في منطقة رمادية: لا هو مع الحزب، ولا هو مع إسقاط منطق الحزب بالكامل.
وهناك يسار آخر خرج من أسر هذه المنطقة الرمادية. يسار لم يعد يرى في الممانعة إلا قناعًا للهيمنة. يسار عاد إلى الإطار الوطني الأوسع، إلى فكرة الدولة لا المحور، إلى السيادة لا الساحات، إلى الجيش لا الميليشيا، إلى المواطن لا الرعية، إلى لبنان لا وظيفة لبنان في حروب الآخرين.
هذا اليسار لا يبرئ إسرائيل، ولا يخفف من إجرامها، ولا يتخلى عن فلسطين، لكنه يرفض أن تتحول فلسطين إلى جواز مرور لكل استبداد، وإلى غطاء لكل سلاح، وإلى حجة لإلغاء الدولة. الدفاع عن فلسطين لا يكون بتسليم بيروت لطهران. ومواجهة إسرائيل لا تكون بتحويل لبنان إلى مخزن صواريخ وخرائط موت. والعداء للصهيونية لا يعني القبول بالوصاية الإيرانية.
من هنا أرى أن دفاع الدكتور زياد ماجد عن التفاهم مع إيران لنزع سلاح حزب الله يحمل تناقضًا عميقًا. فهو، من جهة، يعرف خطر السلاح، ويعرف دور حزب الله في تعطيل الدولة، ويعرف تاريخ الاغتيالات والتهديد والقمع السياسي. لكنه، من جهة أخرى، يقترح أن نذهب إلى راعي هذا السلاح كي نفاوضه عليه. أي أننا، بدل أن نعيد القضية إلى الدولة اللبنانية، نمنح إيران امتياز الاعتراف بها كطرف شرعي في تقرير مصير لبنان.
وهنا لا يعود النقاش حول حرف النون، ولا حول “أنتم” و”نحن”، ولا حول أسلوب سجالي. المسألة أبعد من ذلك. المسألة هي: هل لبنان دولة ذات سيادة أم ورقة في دفتر المفاوضات الإيرانية؟ هل الجيش اللبناني مؤسسة وطنية مطلوب منها حماية الداخل وفرض القانون، أم مجرد شاهد على توازنات السلاح؟ هل نزع السلاح مهمة وطنية لبنانية، أم ملف إقليمي مؤجل إلى حين نضوج صفقة بين طهران وواشنطن؟
إن أخطر ما في بعض طروحات “الخط الثالث” أنها تبدو عقلانية وهادئة ومتوازنة، لكنها عمليًا قد تنتهي إلى تثبيت الواقع القائم. فهي لا تقول إنها مع حزب الله، لكنها ترفض المواجهة معه. لا تقول إنها مع إيران، لكنها تعتبر أن لا حل إلا معها. لا تقول إنها ضد الدولة، لكنها تخاف من أن تمارس الدولة سلطتها. لا تقول إنها مع بقاء السلاح، لكنها تضع شروطًا لنزعه تجعل نزعه مستحيلًا.
وهذا، بالنسبة لي، هو التبرير “اللايت” للممانعة.
هو ليس ممانعة صريحة. ليس خطاب تخوين. ليس لغة محور. لكنه خطاب يضع الدولة دائمًا في خانة العاجز، والسلاح في خانة الأمر الواقع، وإيران في خانة الطرف الذي لا يمكن تجاوزه. وهكذا يصبح الخوف من الحرب سببًا لتأبيد الحرب، ويصبح انتظار التسوية سببًا لتأبيد الخضوع، ويصبح العقل السياسي غطاءً لاستمرار المأساة.
أنا لا أقول إن الطريق سهل. ولا أقول إن نزع السلاح قرار تقني. ولا أقول إن المواجهة بلا أثمان. لكنني أقول إن الدولة التي لا تملك قرار السلم والحرب ليست دولة. والجيش الذي لا يستطيع فرض سيادة الدولة على كامل أراضيها يبقى محاصرًا في وظيفته. والسياسة التي تخاف من تسمية السلاح غير الشرعي باسمه تتحول إلى إدارة للانهيار لا مشروعًا للخلاص.
في مواجهة هذا الواقع، لا بد من العودة إلى وضوح سمير قصير. سمير الذي لم يكن يمارس خطابًا انفعاليًا، بل كان يرى أن الحرية لا تُنتزع من فوق، وأن الوضوح لا يعود إلا حين يعود الناس إلى الفعل العام. لذلك يبقى شعاره حاضرًا اليوم أكثر من أي وقت:
عودوا للشارع يعود لكم الوضوح.
نعم، عودوا للشارع، لا بمعنى الفوضى، بل بمعنى السياسة. عودوا إلى الشارع كمساحة مواطنة، كمساحة رفض، كمساحة ضغط على الدولة كي تكون دولة، وعلى الجيش كي يكون جيش الدولة، وعلى السلطة كي لا تختبئ خلف الخوف، وعلى المثقفين كي لا يهربوا إلى رماديات قاتلة.
عودوا للشارع كي لا يبقى الكلام عن الدولة مجرد مقالات وندوات. عودوا للشارع كي لا يصبح نزع السلاح موضوعًا مؤجلًا إلى طاولة إيرانية ـ أميركية. عودوا للشارع كي نقول إن لبنان ليس ساحة، وليس صندوق بريد، وليس جبهة مفروضة، وليس ملحقًا بأي محور.
الخلاف مع الدكتور زياد ماجد، إذن، ليس شخصيًا. وأكرر ثانية وثالثة ورابعة: هناك تقدير شخصي واحترام لتجربته وكتابته. لكن التقدير لا يلغي النقاش، والاحترام لا يعني الصمت، والصداقة السياسية لا تعني تمرير أفكار نراها خطيرة.
السؤال الذي أطرحه عليه وعلى كل من يفكر بهذه الطريقة هو: هل تعبتم من المواجهة؟ أم اختلطت الأمور إلى درجة صار فيها الخوف من المواجهة أقوى من الإيمان بالدولة؟ هل صارت إيران، بنفوذها وميليشياتها، شرًا مقبولًا لأنها ترفع راية فلسطين؟ وهل المطلوب أن نقبل بسلاح دمّر البلد لأنه يزعم مواجهة إسرائيل؟
بالنسبة لنا، انتهت هذه المعادلة.
لا إسرائيل تبرر إيران، ولا إيران تبرر حزب الله، ولا حزب الله يبرر سلاحه بفلسطين، ولا فلسطين تُختزل بقرار ميليشيا لبنانية مرتبطة بمحور إقليمي. لبنان يحتاج إلى دولة. والدولة تحتاج إلى جيش واحد. والجيش الواحد يحتاج إلى قرار سياسي واضح. والقرار السياسي الواضح يحتاج إلى يسار لا يواجه نصف مواجهة، ولا يقطع نصف قطيعة، ولا يبقى في منتصف الطريق بين الدولة والمحور.
نحن أمام خيارين لا ثالث لهما: إما دولة تستعيد قرارها، أو استمرار الانهيار تحت سلطة السلاح. وكل محاولة لاختراع منطقة وسطى بينهما لن تكون إلا تمديدًا لعمر الكارثة.
لذلك كان النقاش، وسيستمر النقاش. لا بهدف الشتيمة، ولا بهدف التخوين، بل بهدف منع تمرير فكرة خطيرة تقول للبنانيين: انتظروا الصفقة، انتظروا إيران، انتظروا الأميركي، انتظروا أن يرضى السلاح عنكم.
أما نحن فنقول: لا ننتظر إلا الدولة. ولا نراهن إلا على اللبنانيين. وإذا كان لا بد من مواجهة سياسية ووطنية كبرى، فلتكن. وإذا كان لا بد من أن يضرب الجيش اللبناني رجله بالأرض دفاعًا عن الدولة، فليفعل. لأن بقاء السلاح ليس سلمًا، بل حرب مؤجلة. وبقاء إيران في قلب القرار اللبناني ليس حماية، بل احتلال سياسي مقنّع. وبقاء الخوف حاكمًا للنقاش العام ليس حكمة، بل استسلام.
لقد خرج بعض اليسار من إطار الممانعة وعاد إلى الإطار الوطني الأوسع، على طريقة سمير قصير، وعلى طريقة كل من فهم أن الحرية لا تتجزأ، وأن السيادة لا تُدار بالتقسيط، وأن الدولة لا تُبنى فوق سلاح خارجها.
أما اليسار الذي يواجه دون أن يقطع، وينتقد دون أن يحسم، ويخاف من الخلاصة، فسيبقى، مهما حسنت نواياه، يفتح نافذة خلفية لعودة الممانعة باسم العقلانية.
وهذا ما لا يجوز السكوت عنه.



