الثلاثاء, سبتمبر 8, 2026
32.4 C
Beirut

هيجان أنصار حزب الله بعد اتفاق الإطار: حين يرتعب السلاح من الدولة والإعمار معًا!

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

مقدمة: صراخ ما بعد الهزيمة

بعد توقيع اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، لم يكن ردّ فعل حزب الله وجمهوره مجرد اعتراض سياسي طبيعي على وثيقة قابلة للنقاش، بل بدا كحالة هيجان كامل على السوشال ميديا: صراخ، تخوين، تهويل، تهديد مبطن، واتهام لكل من يرى في الاتفاق فرصة لإعادة الدولة إلى الجنوب بأنه يسلّم لبنان لإسرائيل. لكن خلف هذا الضجيج، توجد حقيقة واحدة يحاول الحزب الهروب منها: الاتفاق، بكل ملاحظاته ومخاطره، وضع سلاح حزب الله في قلب السؤال الوطني، لا بوصفه “سلاح مقاومة”، بل بوصفه العقدة الأساسية التي تمنع الدولة من استعادة سيادتها، وتمنع الجنوب من العودة إلى أهله، وتمنع الإعمار من أن يبدأ بجدية.

أمثلة من هيجان السوشال ميديا

الأمثلة المتداولة على السوشال ميديا تكشف حجم الارتباك. بعض الخطاب القريب من بيئة حزب الله وصف الاتفاق بأنه “استسلام” و“تنازل عن السيادة”. آخرون رددوا أنه “اتفاق إذلال” و“حرمان لأهل الجنوب من العودة إلى أرضهم”. وانتشرت مقاطع وصور لاحتجاجات في بيروت، بينها إحراق إطارات في الشوارع رفضًا للاتفاق. وذهب قسم من الخطاب إلى اتهام الدولة بأنها “تشرعن الاحتلال” فقط لأنها قبلت بمبدأ انتشار الجيش اللبناني ونزع سلاح الجماعات غير التابعة للدولة. هذه ليست لغة نقاش سياسي، بل لغة ذعر من فكرة بسيطة: أن يدخل الجيش إلى حيث كان الحزب يريد أن يبقى وحده.

الاتفاق يضرب رواية الحزب في الصميم

الاتفاق، بحسب ما أُعلن، يقوم على انسحاب إسرائيلي تدريجي من مناطق محددة، وانتشار الجيش اللبناني، ونزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة. هذه العبارة وحدها كانت كافية لإشعال غضب بيئة الحزب، لأنها تضرب أساس الرواية التي بناها حزب الله طوال عقود: أن الدولة عاجزة، وأن الجيش لا يكفي، وأن السلاح فوق الدولة هو الضمانة الوحيدة. فجأة، يأتي نص سياسي واضح ليقول إن السيادة لا تُستعاد بالمليشيا، بل بالجيش. وإن الأرض لا تعود إلى لبنان كي تبقى تحت سلطة حزب، بل كي تعود إلى سلطة الدولة اللبنانية.

الخوف الحقيقي: ليس من إسرائيل بل من الدولة

من هنا نفهم الهيجان. ليس غضب أنصار حزب الله غضبًا على السيادة كما يدّعون، بل خوف من عودة السيادة إلى أصحابها الشرعيين. هم لا يثورون لأن إسرائيل ستنسحب من مناطق لبنانية، بل لأن هذا الانسحاب مشروط بأن يدخل الجيش اللبناني مكانها، لا أن يدخل حزب الله. هم لا يخافون من الاحتلال فقط، بل يخافون أكثر من الدولة إذا قررت أخيرًا أن تكون دولة.

من أعطى إسرائيل الذريعة؟

يقول حزب الله إن الاتفاق يربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاحه، وهذا صحيح من حيث المعنى السياسي. لكن السؤال الأهم: من الذي أعطى إسرائيل هذه الذريعة أصلًا؟ من الذي جعل الحدود اللبنانية ورقة في يد إيران؟ من الذي قرر فتح الجبهة ثم دفع الجنوب وأهله ثمن المغامرة؟ من الذي أعاد إسرائيل إلى قلب الجنوب بحجة تحريره؟ ومن الذي جعل بقاء السلاح خارج الدولة سببًا دائمًا لبقاء لبنان تحت التهديد؟

الحزب يريد من اللبنانيين أن يصدقوا معادلة مستحيلة: أن سلاحه يحمي السيادة، بينما هذا السلاح نفسه صار البند الأول في أي تفاوض على السيادة. يريدهم أن يصدقوا أن الدولة تخون عندما تفاوض لانسحاب إسرائيل، وأن الحزب يقاوم عندما يمنح إسرائيل سببًا للبقاء. يريدهم أن يصفقوا لسلاح لم يحررهم من الحرب، بل جعل الحرب مقيمة في بيوتهم، في قراهم، في أرزاقهم، وفي مستقبل أبنائهم.

الحرب الأهلية: من يهدد بها فعلًا؟

الأخطر في ردود الفعل أن خطاب الحزب وأنصاره بعد الاتفاق لم يكن خطابًا وطنيًا جامعًا، بل خطاب تهويل داخلي. عاد التلويح بالحرب الأهلية، وعادت لغة التخوين، وعاد منطق أن أي مساس بالسلاح هو مساس بطائفة، لا بمليشيا. وهذه هي أخطر لعبة مارسها حزب الله: تحويل سلاح سياسي ـ عسكري مرتبط بمحور إقليمي إلى قضية أهلية داخلية، وكأن اللبنانيين مطالبون بالاختيار بين الخضوع للسلاح أو الدخول في الفتنة.

لكن الحقيقة يجب أن تُقال بوضوح: من يهدد بالحرب الأهلية ليس من يطالب بالدولة، بل من يضع سلاحه في وجه الدولة. من يهدد السلم الأهلي ليس من يقول إن الجيش يجب أن ينتشر، بل من يقول إن الجيش لا يحق له أن يقترب من سلاح الحزب. من يهين الناس ليس من يطلب حصرية السلاح بيد المؤسسات، بل من يحتفظ بسلاحه فوق رؤوس اللبنانيين، يقرر الحرب عنهم، ويفرض نتائجها عليهم، ثم يطلب منهم الصمت باسم المقاومة.

دعوتنا ليست إلى حرب أهلية. دعوتنا إلى الدولة كي تلعب دورها في حماية البلد والسلم الأهلي. دعوتنا إلى جيش واحد، قرار واحد، سلطة واحدة، وسيادة واحدة. لا نريد اقتتالًا بين اللبنانيين، بل نريد منع السلاح غير الشرعي من جرّ اللبنانيين إلى اقتتال دائم مع أنفسهم ومع العالم. الدولة ليست مشروع حرب؛ الدولة هي الطريق الوحيد لمنع الحرب.

البند 13: نقد ضروري ونتيجة طبيعية للهزيمة

أما محاولة حزب الله تصوير الاتفاق كأنه انتصار إسرائيلي صرف، فهي هروب من السؤال الحقيقي. نعم، في الاتفاق ثغرات خطيرة. نعم، يجب رفض أي بند يمنع لبنان أو ضحايا الحرب من ملاحقة جرائم إسرائيل أو المطالبة بالعدالة. ونعم، البند 13 مرفوض إذا فُهم على أنه تقييد لحق لبنان في ملاحقة جرائم الحرب أو منع الضحايا من اللجوء إلى المحافل القانونية الدولية. لا يجوز أن يتحول أي اتفاق إلى عفو سياسي أو قانوني عن قتل المدنيين وتدمير البيوت والقرى واستهداف الصحافيين والمسعفين.

لكن يجب قول الحقيقة كاملة: البند 13 ليس تفصيلًا نزل من السماء، بل هو النتيجة الطبيعية للهزيمة الميدانية والسياسية التي تسبب بها حزب الله. عندما يفتح حزب مسلح حربًا خارج قرار الدولة، ثم يعجز عن حماية الأرض والناس، ثم يجرّ البلد إلى دمار واسع، تكون النتيجة أن يذهب لبنان إلى التفاوض من موقع ضعف لا من موقع قوة. هذه ليست مسؤولية الدولة التي تحاول وقف النزيف، بل مسؤولية من صادر قرار الحرب والسلم، ورفع الشعارات الكبرى، ثم ترك اللبنانيين أمام شروط قاسية وثغرات مهينة.

نقد البند 13 لا يعني الدفاع عن سلاح حزب الله. هنا يجب أن يكون موقفنا واضحًا ومزدوجًا: نرفض أي تفريط بحقوق الضحايا، ونرفض في الوقت نفسه أن يستخدم حزب الله هذا البند ذريعة لإبقاء سلاحه. بعد نزع السلاح، وعودة الجيش، وتثبيت سلطة الدولة، يصبح دعم الإعمار ممكنًا وضروريًا، ويصبح واجبًا على الدولة اللبنانية والمجتمع الدولي والعرب أن يفتحوا باب إعادة بناء الجنوب وتعويض الناس. أما بقاء السلاح، فمعناه أن الإعمار نفسه سيبقى رهينة الحرب المقبلة، وأن كل بيت يُبنى اليوم قد يتهدم غدًا بقرار لا يتخذه اللبنانيون.

الإعمار لا يكون تحت سلطة المليشيا

الإعمار لا يكون تحت سلطة المليشيا. الإعمار يحتاج إلى دولة، إلى ضمانات، إلى استقرار، إلى جيش واحد، وإلى قرار حرب وسلم بيد المؤسسات. لا يمكن أن يطلب حزب الله من العالم أن يمول إعادة بناء ما يهدمه سلاحه كل مرة، ثم يترك السلاح نفسه حرًا ليعيد إنتاج الكارثة. الإعمار الحقيقي يبدأ عندما تنتهي وظيفة السلاح غير الشرعي، وعندما يعرف الجنوبي أن بيته لن يتحول مرة أخرى إلى متراس في حرب إقليمية لا رأي له فيها.

لا احتلال إسرائيلي ولا وصاية إيرانية

المشكلة أن حزب الله لا يريد هذا التمييز. يريد أن يحتكر العداء لإسرائيل كي يحتكر لبنان. يريد أن يقول للبنانيين: إما أنا، وإما إسرائيل. بينما الحقيقة أن لبنان لا يكون حرًا لا تحت الاحتلال الإسرائيلي، ولا تحت الوصاية الإيرانية، ولا تحت سلاح حزب الله. لبنان يكون حرًا عندما تكون الدولة وحدها صاحبة القرار، وعندما يكون الجيش وحده صاحب السلاح، وعندما لا يستطيع أي حزب أن يختطف البلد باسم فلسطين أو باسم الطائفة أو باسم المحور.

جمهور الحزب أمام الحقيقة الصعبة

اتفاق الإطار كشف أيضًا حجم الأزمة داخل جمهور الحزب. فالهيجان على السوشال ميديا ليس دليل قوة فقط، بل دليل ارتباك. الجمهور الذي قيل له سنوات إن السلاح يحمي لبنان، يكتشف اليوم أن العالم كله يتعامل مع هذا السلاح كشرط لأي انسحاب وأي استقرار. الجمهور الذي قيل له إن إيران حامية لبنان، يكتشف أن لبنان صار ورقة ضمن تفاهمات وحروب ومساومات أكبر منه. والجمهور الذي قيل له إن المقاومة فوق النقاش، يجد نفسه أمام نص سياسي يقول إن مستقبل الجنوب مرتبط بإنهاء السلاح غير الشرعي.

لهذا يصرخون. لأنهم يعرفون أن النقاش لم يعد بين “مقاومة” و“خيانة”، بل بين دولة ومليشيا. بين جيش وحزب. بين لبنان يريد أن يعيش، ومحور يريد أن يستعمله. بين شعب يريد العودة إلى بيته، وسلاح يريد البقاء فوق البيت ولو تهدم البيت.

الموقف الوطني المطلوب

إن اللحظة خطيرة، لكنها أيضًا كاشفة. المطلوب اليوم ليس التصفيق الأعمى للاتفاق، ولا الانجرار خلف تهديدات حزب الله. المطلوب موقف وطني مستقل: نرفض الاحتلال الإسرائيلي، نرفض أي تفريط بحقوق الضحايا، نرفض أي وصاية خارجية، ونرفض في الوقت نفسه أن يبقى لبنان رهينة سلاح غير شرعي. لا سيادة مع الاحتلال، ولا سيادة مع المليشيا. لا دولة مع إسرائيل فوق أرضنا، ولا دولة مع حزب الله فوق دولتنا.

خاتمة: الخوف يجب أن ينتقل إلى السلاح

الهيجان الذي يملأ صفحات أنصار الحزب اليوم هو محاولة أخيرة لفرض الخوف على اللبنانيين. لكن الخوف يجب أن ينتقل من الناس إلى السلاح. على السلاح أن يخاف من الدولة، لا على الدولة أن تخاف من السلاح. وعلى اللبنانيين أن يقولوا بوضوح: كفى. كفى حروبًا بالوكالة. كفى تهجيرًا باسم المقاومة. كفى إذلالًا للناس باسم الكرامة. كفى تحويل الجنوب إلى صندوق بريد إيراني. وكفى مطالبة اللبنانيين بأن يموتوا كي تبقى معادلة حزب الله حية.

لبنان لا يُستعاد بالهيجان، بل بالسيادة. والسيادة لا تكون شعارًا في بيان حزب، بل سلطة فعلية للجيش والدولة على كل الأرض. والإعمار لا يبدأ بالخطب ولا بالإطارات المحروقة ولا بالتهديد، بل يبدأ عندما يصبح السلاح في يد الجيش وحده، وعندما تعود الدولة إلى الجنوب، وعندما يصبح اللبناني مواطنًا لا رهينة في حرب الآخرين.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

الجنس المباح لدى العلويين!

أخباركم - أخبارنا عن صفحة الفيسبوك للكاتبة السورية علا عباس لم نكن ملزمات كنساء علويات...

النبطية التي كانت المقاومة فيها تحمي الناس… لا تتركهم للعدو

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد إلى الرفاق الأحبة في النبطية، من بقي منهم في المدينة...

حين أبحث في الجريدة الشيوعية عن الشيوعية.. من بائع الصحيفة إلى ملف الـPDF!

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد تصلني من حين إلى آخر صحف الأحزاب الشيوعية بصيغة PDF....

حين يُدفن الجلاد بطلاً: ماذا نقول لضحايا راتكو ملاديتش؟

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد أكثر ما صدمني في مشهد جنازة راتكو ملاديتش لم...

More like this

نداء النبطية الثاني: أرسلوا الجيش فوراً إلى النبطية .. أنقذوا عاصمة جبل عامل وحاضرته التاريخية

أخباركم - أخبارنا دعوة إلى التوقيع سيُصار إلى نشر هذا النداء مرفقاً بأسماء الموقّعين اليوم...

نداء من النائب فراس حمدان لإنقاذ النبطية .. بعد علي الطاهر هل تكون عاصمة جبل عامل وإقليم التفاح التاليين؟

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد وجّه النائب فراس حمدان نداءً عاجلاً إلى الجيش اللبناني ورئاسة...

عيترون التي يبكيها رفاقنا: حين يُمحى الحجر ويبقى تاريخ المقاومة

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد يتداول رفاق يساريون وشيوعيون منذ أيام مقطعاً مصوراً من عيترون....