السبت, أغسطس 15, 2026
25.2 C
Beirut

من فخّ السلاح إلى فخّ الوصاية: لينين ضد الثرثرة… ولبنان لا يُسلَّم لإيران

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

كتب لي الرفيق عمار عبود، في سياق النقاشات الحامية التي نخوضها حول اتفاق الإطار، وحول إمكان أو عدم إمكان الاتفاق مع إيران لنزع سلاح حزب الله، اقتباسًا للينين من مقالته الشهيرة «العبارة الثورية»، وفيه يهاجم لينين ما سمّاه جرب الثرثرة الثورية؛ أي ذلك المرض الذي يصيب بعض الثوريين حين يردّدون الشعارات الكبيرة في غير موضعها، ويحوّلون الحماسة إلى بديل عن التحليل، واللغة العالية إلى بديل عن قراءة ميزان القوى.

والاقتباس مهم فعلًا، لا لأنه يصلح لتزيين النقاش باسم لينين، بل لأنه يفتح السؤال الحقيقي: هل نحن أمام ثورية لفظية ترفض كل تسوية، أم أمام واقعية زائفة تريد أن تفكّ الاستعصاء السياسي بتسليم الدولة مرة أخرى إلى من صادر قرارها؟

هنا يجب أن يكون النقاش واضحًا، لا ملغزًا. نحن لا نتكلم عن اتفاق واحد، بل عن مسارين مختلفين تمامًا في المعنى والنتيجة.

هناك أولًا اتفاق الإطار، بما يحمله من تعقيدات ومخاطر وشروط قاسية، لكنه يمكن أن يفتح طريقًا لاستعادة الدولة اللبنانية لدورها، ولعودة الجيش اللبناني إلى موقعه الطبيعي، ولتكريس مبدأ حصرية السلاح والقرار السيادي.

وهناك ثانيًا الدعوة إلى التفاهم مع إيران بحجة حلّ الاستعصاء السياسي ونزع سلاح حزب الله. وهذه ليست واقعية، بل استسلام مقنّع. لأن التفاهم مع إيران على لبنان يعني، ببساطة، الاعتراف بأن إيران صاحبة حق في القرار اللبناني، وأن الدولة اللبنانية لا تستطيع استعادة سيادتها إلا بإذن الجهة التي شاركت في مصادرتها.

لينين ضد الثرثرة… لا مع الاستسلام

حين كتب لينين «العبارة الثورية»، لم يكن يهاجم الثورة، ولا الحماسة، ولا الموقف المبدئي. كان يهاجم انفصال الشعار عن الواقع. كان يهاجم الذين يرفعون كلمات صحيحة في المطلق، لكنهم يستخدمونها في لحظة خاطئة، وبلا قدرة مادية على تحويلها إلى سياسة ناجحة.

في ظروف صلح بريست-ليتوفسك، كانت روسيا السوفيتية خارجة من ثورة أكتوبر، والجيش القديم مفككًا، والدولة الجديدة هشة، والاقتصاد منهكًا، والحرب مع ألمانيا قادرة على سحق الثورة الوليدة. في تلك اللحظة رفع بعض البلاشفة اليساريين شعار الحرب الثورية ضد الإمبريالية الألمانية. كان الشعار جميلًا ومبدئيًا ومغرٍيًا، لكنه كان بلا أساس مادي. لذلك اعتبر لينين أن تكراره ليس ثورية، بل ثرثرة ثورية قد تدمّر الثورة نفسها.

لكن الأهم أن لينين، حين قبل صلحًا قاسيًا، لم يسلّم الثورة لألمانيا، ولم يمنحها حق الوصاية على روسيا، ولم يجعلها شريكًا في بناء الدولة السوفيتية. لقد قبل تراجعًا تكتيكيًا لحماية سلطة ناشئة، لا استسلامًا استراتيجيًا يربط مصير الدولة بعدوها.

وهنا يكمن الدرس. لينين لم يكن رجل شعارات فارغة، لكنه أيضًا لم يكن رجل استسلام. كان يعرف الفرق بين تسوية تحفظ إمكانية النهوض، وبين صفقة تكرّس الهزيمة. يعرف الفرق بين تراجع مؤقت لحماية الدولة، وبين تنازل طويل الأمد يجعل الدولة رهينة للخصم.

فكّ الاستعصاء لا يكون بتسليم مفاتيح الدولة

يقول البعض: في ظل الاستعصاء السياسي، لم يعد أمامنا حل سوى التفاهم مع إيران. وهذا الكلام يبدو واقعيًا في ظاهره، لكنه خطير في جوهره. فالاستعصاء السياسي في لبنان لم ينزل من السماء. سببه الأساسي وجود سلاح خارج الدولة، ووجود حزب مسلح يملك حق التعطيل والتهديد، ويربط قرار الحرب والسلم بمشروع إقليمي تقوده إيران.

فكيف نعالج الاستعصاء بتثبيت مصدره؟
كيف نواجه هيمنة إيران بالاعتراف بها؟
كيف نستعيد الدولة عبر التفاهم مع من صادر قرار الدولة؟
كيف ننزع سلاح حزب الله بإعطاء إيران صفة الضامن؟

هذا ليس حلًا. هذا نقلٌ للأزمة من شكل إلى شكل آخر: من سلاح ظاهر في الشارع إلى وصاية ناعمة داخل الدولة. من بندقية معلنة إلى نفوذ مقنّع. من هيمنة عسكرية مباشرة إلى هيمنة سياسية طويلة الأمد.

إن فكّ الاستعصاء السياسي لا يجوز أن يتم باستسلام سياسي. ولا يجوز أن يكون ثمن نزع السلاح هو ربط الدولة اللبنانية بمشروع الهيمنة الإيرانية. لأن الدولة التي تبدأ طريق خلاصها بالتفاوض على سيادتها مع من انتهك هذه السيادة، تولد ناقصة السيادة منذ اللحظة الأولى.

وهنا يأتي كلام الكاتب الدكتور زياد ماجد عن الاستعصاء السياسي، ثم استغرابه ممن يقبلون التفاهم مع إسرائيل ولا يقبلون التفاهم مع إيران. وهذا الاستغراب، برأيي، يقوم على مساواة غير دقيقة بين حالتين مختلفتين جذريًا.

فنحن لا نقارن بين محبة إسرائيل ومحبة إيران، ولا بين عداوة وعداوة، ولا بين طهر دبلوماسي هنا ودنس دبلوماسي هناك. نحن نقارن بين طبيعة تفاهمين مختلفين: تفاهم قد يعيد الملف إلى الدولة والحدود والجيش، وتفاهم قد ينقل القرار اللبناني من الدولة إلى طاولة إقليمية تكون إيران طرفًا مقررًا فيها.

التفاهم مع إسرائيل، إذا جرى في إطار الدولة اللبنانية وبشروط واضحة، يكون تفاهمًا بين دولتين على وقف نار، انسحاب، حدود، أمن، ترتيبات عسكرية، وانتشار الجيش اللبناني. أي أنه، إذا أُحسن استخدامه لبنانيًا، يمكن أن يكون طريقًا لإغلاق جبهة مفتوحة، وإعادة القرار إلى المؤسسات، وسحب الذريعة من السلاح الخارج على الدولة.

أما التفاهم مع إيران على سلاح حزب الله فليس تفاهمًا بين دولتين على حدود مشتركة أو نزاع مباشر. إيران ليست دولة تحتل شبرًا محددًا من الأرض اللبنانية نفاوضها لتنسحب منه. إيران تملك، عبر حزب الله، نفوذًا مسلحًا داخل الدولة اللبنانية نفسها. هي طرف في بنية الأزمة، لا وسيط فوقها. ولذلك فإن التفاهم معها لا يكون تفاهمًا على حدود، بل على السيادة نفسها: من يملك السلاح؟ من يقرر الحرب والسلم؟ من يملك حق التعطيل؟ ومن يحدد شكل الدولة؟

هنا الفرق الذي لا يجوز طمسه.
التفاهم مع إسرائيل، في أفضل احتمالاته، هدفه إخراجها من معادلة الحرب على لبنان وإلزامها بحدود الدولة.
أما التفاهم مع إيران، كما يُطرح، فخطره أنه يُدخلها رسميًا في معادلة القرار اللبناني الداخلي.

بمعنى أوضح: نحن لا نقبل التفاهم مع إسرائيل لأنها صديقة، ولا نرفض التفاهم مع إيران لأنها فقط خصم. نحن نقبل أي مسار يعيد الجيش اللبناني والدولة اللبنانية إلى مركز القرار، ونرفض أي مسار يجعل الدولة اللبنانية تستأذن الخارج كي تستعيد حقها الطبيعي.

إسرائيل عدو خارجي واضح. نتفاهم معها، إن اضطررنا، عبر الدولة، وعلى قاعدة وقف العدوان، وترسيم الحدود، وحماية لبنان، وسحب ذرائع الحرب. أما إيران فهي صاحبة مشروع نفوذ داخل لبنان عبر حزب مسلح. لذلك فإن التفاهم معها حول سلاح هذا الحزب لا ينهي الخطر، بل قد يشرعنه. لا يحرر الدولة، بل يجعل الوصاية بندًا تفاوضيًا معترفًا به.

ومن هنا يكون الرد على الدكتور زياد ماجد واضحًا: الاستعصاء السياسي لا يُحلّ بمساواة ميكانيكية بين إسرائيل وإيران. فالاستعصاء ليس مجرد انسداد تقني يحتاج إلى أي مفتاح، بل هو نتيجة بنية هيمنة مسلحة. فإذا كان مفتاح الحل سيُعطى لإيران، فنحن لا نفك الاستعصاء، بل نسلّم مفتاح الدولة لمن شارك في قفلها.

أما الربط بين كلام زياد ماجد وكلام الرفيق عمار عبود عن لينين، فيفتح المفارقة كاملة: نعم، لينين كان ضد الثرثرة الثورية وضد الشعارات الفارغة. لكنه لم يكن مع تبرير الاستسلام باسم الواقعية. لم يكن مع مساومة تجعل الخصم شريكًا في مصير الثورة. لم يكن مع فكّ الاستعصاء عبر تسليم القرار لمن صنع الاستعصاء.

لذلك، ليست المسألة أن نقول: لماذا تقبلون التفاهم مع إسرائيل وترفضون التفاهم مع إيران؟
السؤال الصحيح هو: أي تفاهم يعيد الدولة إلى الدولة، وأي تفاهم يسلم الدولة إلى الوصاية؟

إذا كان التفاهم مع إسرائيل يهدف إلى وقف عدوانها، وإخراجها من الأرض اللبنانية، وإعادة الجيش إلى الحدود، فهذا تفاهم تفرضه مصلحة الدولة. أما إذا كان التفاهم مع إيران يهدف إلى أخذ إذنها في نزع سلاح حزب لبناني تابع لها، فهذا ليس تفاهمًا وطنيًا، بل اعتراف بأن السيادة اللبنانية لم تعد لبنانية.

وهنا لا يعود الاستغراب في مكانه. الاستغراب الحقيقي هو كيف يمكن لمن يدافع عن الدولة أن يقبل بأن تصبح إيران بوابة الدولة. كيف يمكن لمن يرفض الوصاية أن يمنح الوصي حق إدارة الخروج من وصايته. كيف يمكن لمن يعرف أن حزب الله جزء من مشروع إيران أن يذهب إلى إيران طالبًا منها أن تكون ضامنًا لتحرير لبنان من مشروعها.

التناقض ليس في قبول تفاهم مع إسرائيل ورفض تفاهم مع إيران. التناقض الحقيقي هو أن نرفع شعار السيادة ثم نفاوض إيران عليها. أن نطالب بحصرية السلاح ثم نطلب من الجهة التي سلّحت حزب الله أن تحدد شروط نزع السلاح. أن نريد دولة، لكن من باب الوصاية.

وهذا بالضبط ما يجب رفضه: لا تفاهم مع إسرائيل خارج الدولة، ولا تفاهم مع إيران فوق الدولة. لكن الفارق أن اتفاق الإطار، إذا وُضع في خدمة الجيش والمؤسسات، قد يعيد الدولة إلى القرار؛ أما التفاهم مع إيران حول سلاح حزب الله فقد يجعل الدولة نفسها موضوعًا للتفاوض.

الواقعية الوطنية غير الواقعية الزائفة

الواقعية لا تعني أن نسلّم لبنان لإيران باسم الممكن. الواقعية لا تعني أن نكافئ الجهة التي عطّلت الدولة بمنحها حق المشاركة في إعادة تركيبها. الواقعية لا تعني أن نقول لحزب الله: سلّم سلاحك، لكن عبر طهران وبضمانة طهران وبثمن سياسي تدفعه الدولة اللبنانية لطهران.

هذه ليست واقعية وطنية. هذه واقعية زائفة تنتهي إلى الاستسلام.

الواقعية الوطنية تقول إن موازين القوى صعبة، نعم. وإن حزب الله ما زال قادرًا على التعطيل، نعم. وإن طريق بناء الدولة ليس سهلًا، نعم. لكنها تقول أيضًا إن اللحظة السياسية تغيّرت. فالسلاح الذي قيل إنه يحمي لبنان جرّ عليه الخراب. والحروب التي قيل إنها تردع العدو دمّرت البيوت وهجّرت الناس وأفقرت البلد. والمعادلة التي قيل إنها تحمي السيادة صادرت السيادة من أصلها.

لذلك، لا يجوز أن نستخدم صعوبة اللحظة ذريعة لتسليمها لإيران. ولا يجوز أن نحول ضعف الدولة إلى مبرر لإعطاء الوصاية شرعية جديدة.

قال غرامشي عبارته الشهيرة: «تشاؤم العقل، تفاؤل الإرادة». وهذا بالضبط ما نحتاجه اليوم. أن نرى الواقع كما هو، بلا أوهام، لكن أن لا نستسلم له. أن نعترف بصعوبة المعركة، لكن لا نبيع نتيجتها قبل أن نخوضها. أن نعرف أن الدولة ضعيفة، لكن نعمل على تقويتها، لا على تسليمها لمن أضعفها.

نزع السلاح يجب أن يكون انتصارًا للدولة لا صفقة وصاية

نزع سلاح حزب الله يجب أن يكون نتيجة لاستعادة الدولة، لا نتيجة لاتفاق مع إيران على تقاسم لبنان. يجب أن يكون تنفيذًا للدستور واتفاق الطائف ومنطق الدولة الوطنية وحصرية السلاح، لا بندًا في صفقة إقليمية تعيد إنتاج الوصاية بلباس جديد.

الفارق جوهري.

حين تنزع الدولة السلاح، فهي تعلن أن لا شرعية إلا لجيشها، ولا قرار حرب وسلم إلا لمؤسساتها، ولا أمن إلا تحت سقف القانون.

أما حين يُنزع السلاح بتفاهم مع إيران، فالرسالة تصبح مختلفة: أن لبنان لا يحل أزمته إلا بموافقة من صنع الأزمة. وأن الدولة لا تستعيد قرارها إلا عبر الجهة التي صادرت قرارها. وأن السيادة ليست حقًا لبنانيًا، بل بند تفاوض إقليمي.

وهذا أخطر من السلاح نفسه، لأن السلاح الظاهر يمكن مواجهته سياسيًا وشعبيًا ودستوريًا، أما الوصاية حين تدخل في شكل تفاهمات وضمانات وتسويات، فقد تعيش طويلًا داخل المؤسسات وتحت عناوين الاستقرار.

اتفاق الإطار ليس حبًا بإسرائيل بل حاجة للدولة

أنا مع اتفاق الإطار، لا لأنني أثق بإسرائيل، ولا لأنني أرى في الاتفاق حلًا مثاليًا، ولا لأنني أتجاهل طبيعة الاحتلال والابتزاز والوحشية الإسرائيلية. بل لأنني أرى فيه، إذا أُحسن استخدامه لبنانيًا، فرصة لإعادة وضع الدولة في مركز القرار، ولإخراج ملف السلاح من يد الحزب، ولإعادة الجيش إلى الواجهة، وللقول إن لبنان لا يمكن أن يبقى ساحة حرب مفتوحة باسم مقاومة لم تعد تحمي سوى مشروعها الخاص.

أما الاتفاق مع إيران فشيء آخر تمامًا. لأن إسرائيل، مهما كانت عدوًا ومهما كانت مجرمة، لا نطلب منها أن تكون شريكًا في بناء دولتنا الداخلية. بينما التفاهم مع إيران حول سلاح حزب الله يعني إدخالها مباشرة إلى صلب القرار اللبناني. يعني تحويلها من طرف متهم بالهيمنة إلى طرف معترف به في إدارة الحل. يعني إعطاءها ما لم يعد يجب أن تملكه: حق الكلام باسم لبنان أو باسم طائفة أو باسم سلاح أو باسم تسوية.

لذلك، يجب عدم الخلط. رفض الاتفاق مع إيران لا يعني رفض السياسة. ورفض تسليم الدولة لطهران لا يعني الثرثرة الثورية. بل هو بالضبط الموقف الوطني الواقعي: أن نميّز بين تسوية تخدم استعادة الدولة، وصفقة تكرّس الوصاية عليها.

من يهدد بالحرب الأهلية؟

ثم إن أخطر ما يُطرح في وجه مشروع الدولة هو التلويح بالحرب الأهلية. كأن المطلوب من اللبنانيين أن يقبلوا بالسلاح إلى الأبد لأن صاحبه قد يستخدمه إذا قررت الدولة أن تكون دولة.

لكن السؤال واضح: من يهدد بالحرب الأهلية؟ من يملك السلاح خارج الدولة؟ من استخدم فائض القوة لتعطيل المؤسسات؟ من جرّ لبنان إلى حروب لم يقررها اللبنانيون؟ من صادر قرار السلم والحرب؟ من حوّل الناس إلى رهائن في معادلات إقليمية؟ من أذلّهم وهجّرهم وأفقرهم باسم مقاومة لم تعد تقاوم إلا قيام الدولة؟

الدعوة إلى نزع السلاح ليست دعوة إلى حرب أهلية. الدعوة إلى نزع السلاح هي دعوة إلى إنهاء السبب الدائم للحرب الأهلية. الدولة، عندما تستعيد سلاحها وقرارها، لا تعتدي على أحد. هي تحمي الجميع، بمن فيهم جمهور حزب الله نفسه، من أن يبقى وقودًا في حروب إيران وصفقاتها.

أما الخضوع للتهديد، فمعناه أن يصبح السلاح دستورًا، وأن تصبح الميليشيا فوق الدولة، وأن يتحول الخوف من الحرب إلى أداة أبدية لمنع قيام الدولة.

لا نزع سلاح بإذن من سلّحه

هنا يجب أن يكون الكلام مباشرًا: لا نزع سلاح بإذن من سلّحه. لا سيادة بتوقيع من صادرها. لا دولة بتفاهم مع من بنى دولة داخل الدولة. ولا خلاص للبنان إذا كانت بوابة الخلاص تمر عبر طهران.

قد يقولون إن هذا الكلام صعب. نعم، هو صعب. لكن كل بناء وطني حقيقي يبدأ من رفض التسليم بالهزيمة. قال تشي غيفارا: «لا يمكن للمرء أن يكون متأكدًا من أن لديه شيئًا يعيش من أجله إلا إذا كان مستعدًا للموت من أجله». ولسنا هنا ندعو إلى الموت، بل إلى شجاعة سياسية تقول إن الأوطان لا تُبنى بالخضوع، وإن السيادة ليست تفصيلًا، وإن الدولة ليست ورقة تفاوض.

وقالت روزا لوكسمبورغ إن «الحرية دائمًا هي حرية المختلف في الرأي». وحرية اللبنانيين اليوم تبدأ من حقهم في أن يقولوا لا لمنطق السلاح، ولا لمنطق الوصاية، ولا لمنطق التهويل، ولا لمن يريد أن يحوّل اختلافنا مع حزب مسلح إلى إذن مفتوح لإيران كي تقرر مستقبلنا.

وقال ماركس إن البشر يصنعون تاريخهم، لكنهم لا يصنعونه في ظروف يختارونها بأنفسهم. وهذا صحيح. نحن لا نختار ظروفنا. لا نختار ضعف الدولة، ولا خراب الاقتصاد، ولا وحشية إسرائيل، ولا تمدد إيران، ولا سلاح حزب الله. لكننا نختار موقفنا داخل هذه الظروف. نختار هل نواجه الهيمنة أم نشرعنها. هل نبني الدولة أم نفاوض على حدودها. هل نفك الاستعصاء بالسيادة أم نفكه بالاستسلام.

الجواب لعمار ولزياد: لا تحكونا بالألغاز

لذلك، جوابي لعمار عبود، ولكل رفيق يستعمل لينين في هذا النقاش، وللدكتور زياد ماجد، ولكل من يستغرب رفض الاتفاق مع إيران بحجة قبول التفاهم مع إسرائيل، هو: لا تحكونا بالألغاز. قولوا بوضوح: هل أنتم ضد اتفاق الإطار لأنه يفتح طريق الدولة؟ أم أنتم مع اتفاق مع إيران يعطيها حق إدارة خروجها من لبنان؟ هل تريدون نزع سلاح حزب الله لمصلحة الدولة اللبنانية، أم تريدون نزعًا مضبوطًا بإيقاع طهران وبما يحفظ نفوذها؟

إذا كنتم ضد الثرثرة الثورية، فأول الثرثرة اليوم هي أن نرفع شعار السيادة ثم نفاوض إيران عليها. أول الثرثرة أن نقول نريد نزع سلاح حزب الله، ثم نطلب من طهران أن تكون ضامنًا لهذا النزع. أول الثرثرة أن نخاف من اتفاق إطار قد يعيد الجيش إلى الأرض، ولا نخاف من اتفاق سياسي قد يعيد إيران إلى قلب الدولة لعقود.

وإذا كان الاستعصاء السياسي حقيقيًا، فهذا لا يعني أن نكسره بتسليم الدولة لمن صنع جزءًا كبيرًا منه. فالاستعصاء لا يُفكّ بالاستسلام. ولا تُبنى الدولة بتفاهم يجعلها بحاجة إلى توقيع من طهران كي تصبح دولة.

أنا مع اتفاق الإطار إذا كان طريقًا لبناء الدولة.
أنا مع الجيش اللبناني إذا كان هو أداة الدولة وحامي وحدتها.
أنا مع نزع سلاح حزب الله لأنه شرط قيام الدولة.
وأنا ضد الاتفاق مع إيران لأنه قد يحوّل نزع السلاح من انتصار للدولة إلى صفقة وصاية جديدة.

المعركة اليوم ليست بين من يريد الحرب ومن يريد السلام. المعركة بين من يريد سلام الدولة، ومن يريد سلامًا بإذن إيران. بين من يريد نزع السلاح لبناء وطن، ومن يريد ترتيب السلاح والسلطة بما يضمن استمرار الهيمنة. بين من فهم لينين كمنهج في قراءة الواقع، ومن يستخدمه كاقتباس معلّب لتبرير عكس ما أراد قوله.

لينين كان ضد الثرثرة، نعم.
لكنه لم يكن مع الاستسلام.
كان ضد الانتحار السياسي، نعم.
لكنه لم يكن مع تسليم الدولة لخصمها.
كان مع قراءة الواقع، نعم.
لكنه لم يكن مع تحويل الهزيمة إلى نظرية.

لبنان لا يحتاج إلى بطولة لفظية فارغة. لكنه لا يحتاج أيضًا إلى واقعية جبانة تبيع السيادة باسم فكّ الاستعصاء. لبنان يحتاج إلى دولة، وإلى جيش، وإلى قرار وطني واضح، وإلى خروج نهائي من سلطة السلاح والوصاية.

من فخّ السلاح إلى فخّ الوصاية، هناك من يريد أن ينقل لبنان من قيد إلى قيد.
أما نحن فنريد أن نكسر القيدين معًا: قيد السلاح الخارج عن الدولة، وقيد الهيمنة الإيرانية على القرار اللبناني.

لبنان لا يُسلَّم لإيران.
والدولة لا تُبنى بإذن من الذين دمّروها.
والاستعصاء لا يُفكّ بالاستسلام، بل بإرادة وطنية تعرف أن السيادة لا تُستعاد بالتفاوض عليها مع من صادرها، بل بانتزاعها للدولة، وبالدولة، ومن أجل الدولة.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

ماركس وباكونين: الصراع الذي شقّ الثورة إلى طريقين!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد من الأممية الأولى إلى مؤتمر لاهاي: من كان أقرب...

هالة نهرا ووجدي أبو ذياب في عملٍ إبداعيّ: من سلوفينيا إلى العالم!

أخباركم - أخبارنا تجلببتْ قصيدة «يا ضوء الأضواء» للشاعرة اللبنانية والعربية هالة نهرا، من...

اليسار الفلسطيني أمام مرآة الحقيقة: أزمة المشروع أم أزمة الاستقلال السياسي؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ردّ على مقالة «اليسار الفلسطيني أمام لحظة الحقيقة.. من...

الحجّاج والسفّاح: هل يعيد التاريخ إنتاج وجهي السلطة؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يصعب فهم الحجّاج بن يوسف الثقفي وأبي العباس السفّاح...

More like this

هالة نهرا ووجدي أبو ذياب في عملٍ إبداعيّ: من سلوفينيا إلى العالم!

أخباركم - أخبارنا تجلببتْ قصيدة «يا ضوء الأضواء» للشاعرة اللبنانية والعربية هالة نهرا، من...

من برغز إلى جمال ساطي… حين كانت المقاومة مشروع تحرير وطني لا ذراعاً في مشروع إقليمي

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد يفصل بين ذكرى معركة برغز في الثاني والثالث من...

بين جعجعة نعيم قاسم وردّ نواف سلام… حان وقت قول الحقيقة

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد اتهم الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم السلطة السياسية...