الثلاثاء, يوليو 14, 2026
31.9 C
Beirut

رودولف هيكل بين الدولة والدويلة: هل يريد حزب الله قائداً للجيش فوق الرئيس؟

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

لم يكن كلام النائب السابق نواف الموسوي على قناة “المنار” مجرد تصريح عابر في سجال سياسي. كان، في جوهره، رسالة سياسية وأمنية خطيرة، لا يمكن قراءتها إلا في سياق محاولة حزب الله إعادة تثبيت معادلة قديمة: الدولة شكل، والسلاح قرار، والمؤسسات أدوات يجب تطويعها عند الحاجة.

حين يقول الموسوي إن الرئيس جوزاف عون “هو من يريد الحرب الأهلية”، وإنه “يضغط على قائد الجيش رودولف هيكل ليستقيل”، ثم يضيف أن قائد الجيش يرفض ذلك، فنحن أمام سؤال كبير لا يجوز الهروب منه: هل يتحدث الموسوي دفاعاً عن قائد الجيش، أم يوجه إليه رسالة سياسية؟ وهل يريد تقديم رودولف هيكل بوصفه قائداً عسكرياً مستقلاً عن السلطة الدستورية، أم بوصفه مركز قوة يمكن استخدامه في مواجهة رئيس الجمهورية؟

في الدولة الطبيعية، قائد الجيش يخضع للسلطة السياسية الشرعية، لا للمنابر الحزبية. لا يحتاج إلى شهادة حسن سلوك من حزب مسلح، ولا إلى دفاع من نائب سابق في حزب يملك ترسانة خارج قرار الدولة. لذلك يصبح السؤال مشروعاً: لماذا يتبرع نواف الموسوي بالدفاع عن قائد الجيش؟ ومن كلّفه الحديث باسمه؟ وهل يعرف شيئاً عن علاقة سياسية أو أمنية بين الحزب وهيكل؟ أم أن الهدف هو الإيحاء بأن قائد الجيش يقف في مكان آخر غير المكان الطبيعي للمؤسسة العسكرية، أي تحت سقف الدستور ورئاسة الجمهورية والحكومة؟

الأخطر في كلام الموسوي أنه لا يكتفي بمهاجمة الرئيس. هو يضع قائد الجيش في مواجهة ضمنية مع رئيس الجمهورية. وهذه ليست تفصيلاً. في بلد خرج من حروب أهلية وانقلابات مقنّعة واغتيالات وتعطيل مؤسسات، يصبح الكلام عن رئيس يضغط على قائد الجيش، وعن قائد يرفض، محاولة لصناعة ثنائية خطيرة: رئيس يريد شيئاً، وقائد جيش يقاومه. أليست هذه، في معناها السياسي، دعوة إلى التمرد على القرار الدستوري؟ أليست محاولة لتصوير المؤسسة العسكرية كأنها سلطة مستقلة لا تخضع لرأس الدولة؟

لا يمكن فصل هذا الكلام عن موقف حزب الله من اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل. حين يقول الموسوي إن الاتفاق “متل قلته”، فهو لا يعلّق فقط على اتفاق سياسي. هو يحاول طمأنة جمهور الحزب بأن شيئاً لم يتغير، وأن الدولة مهما وقّعت ومهما تفاوضت ومهما حاولت استعادة قرارها، فإن القرار الحقيقي لا يزال في مكان آخر. أي أن الحزب يقول لجمهوره: لا تخافوا من الدولة، لا تخافوا من الرئيس، لا تخافوا من واشنطن، لا تخافوا من الاتفاق، فنحن ما زلنا قادرين على تعطيل كل شيء.

هذه ليست طمأنة. هذه إهانة للدولة.

فإذا كان اتفاق الإطار “متل قلته”، فلماذا كل هذا الهلع؟ ولماذا هذا الهجوم على الرئيس؟ ولماذا إدخال قائد الجيش في المعركة؟ ولماذا تصوير أي محاولة لاستعادة القرار الوطني كأنها مشروع حرب أهلية؟

الحقيقة أن من يلوّح بالحرب الأهلية ليس من يدعو إلى بناء الدولة، بل من يملك سلاحاً خارج الدولة. من يهدد السلم الأهلي ليس من يطالب بحصر السلاح بيد الجيش، بل من يستخدم السلاح أو ظله أو ذاكرته لإخضاع الناس والمؤسسات. ومن يهين الجيش ليس من يطالبه بأن يكون جيش الدولة، بل من يريد تحويله إلى شاهد زور على سلاح آخر، وقرار آخر، ومرجعية أخرى.

من حق اللبنانيين أن يسألوا اليوم: هل رودولف هيكل قائد للجيش اللبناني أم مشروع وديعة سياسية لحزب الله؟ هل هو جزء من مؤسسة وطنية يجب أن تحمي الدستور، أم أن الحزب يحاول تقديمه كقائد قابل للتوظيف في لحظة صدام مع رئاسة الجمهورية؟ وهل يريد حزب الله من قائد الجيش أن يكون حارساً للدولة، أم صمام أمان لسلاحه؟

نحن لا نملك دليلاً على أن هيكل جزء من مشروع انقلاب، ولا يجوز اتهامه من دون دليل. لكن كلام نواف الموسوي يضع قائد الجيش نفسه أمام مسؤولية واضحة: الصمت لم يعد كافياً. على قيادة الجيش أن تؤكد، بلا مواربة، أن المؤسسة العسكرية ليست طرفاً في لعبة حزب الله، وليست في مواجهة رئيس الجمهورية، وليست أداة ضغط على السلطة الشرعية، وليست ممراً إلى القصر الجمهوري عبر الفوضى أو الانقلاب السياسي.

المطلوب من قائد الجيش اليوم ليس فقط إدارة المؤسسة العسكرية. المطلوب منه أن يحسم موقعه: مع الدولة أو مع من يريدون الدولة واجهة؟ مع الدستور أو مع من يريدون استخدام الجيش لتغطية السلاح؟ مع الجمهورية أو مع مشروع تحويل المؤسسة العسكرية إلى ورقة في يد الحزب؟

أما حزب الله، فليتوقف عن بيع اللبنانيين وهم “التفاهم”. أي تفاهم يمكن أن يحصل مع حزب يرى أن اتفاق الدولة “متل قلته”، وأن رئيس الجمهورية خطر، وأن قائد الجيش يمكن أن يصبح ورقة ضغط في وجه الرئاسة؟ أي تفاهم مع حزب لا يعترف فعلياً بسيادة الدولة إلا عندما تخدم مصالحه، ولا يعترف بالجيش إلا عندما لا يقترب من سلاحه؟

المعادلة بسيطة: لا دولة مع سلاحين، ولا جمهورية مع قرارين، ولا جيش وطني إذا تحوّل قائده إلى عنوان يلوّح به حزب مسلح في وجه رئيس الجمهورية.

لبنان لا يحتاج إلى قائد جيش يحبه حزب الله. لبنان يحتاج إلى قائد جيش يخافه الخارجون على الدولة. يحتاج إلى مؤسسة عسكرية لا تأخذ شرعيتها من “المنار”، ولا من نواف الموسوي، ولا من أي حزب، بل من الدستور والناس والدم الذي دفعه اللبنانيون ثمناً لمحاولة بناء وطن.

لذلك، السؤال اليوم ليس فقط: ماذا يريد نواف الموسوي؟

السؤال الأخطر: ماذا يريد حزب الله من رودولف هيكل؟

والسؤال الأكثر خطورة: هل سيبقى قائد الجيش صامتاً أمام محاولة وضع اسمه في معركة الحزب ضد الرئيس والدولة؟

لبنان أمام لحظة فرز حقيقية. إما دولة واحدة، ورئيس واحد، وجيش واحد، وسلاح واحد. وإما دويلة تبتلع الدولة، وتستخدم لغة الحرب الأهلية كلما اقتربت الجمهورية من استعادة نفسها.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

فاروق باباميري… عندما يكبر المناضل ولا يشيخ

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هناك رجال يكبرون في العمر، لكنهم لا يكبرون على...

حين يتحول اليسار إلى حارس لأيديولوجيا الدولة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة نقدية في افتتاحية جريدة «صوت الشعب» التونسية نشرت جريدة...

معركة مضيق هرمز في صحافة صباح اليوم: واشنطن توسّع ضرباتها وإيران تنقل الرد إلى القواعد الأميركية في المنطقة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة مقارنة في الصحافة الأميركية والغربية والإيرانية والعربية الصادرة...

صراع إرادات في هرمز: أميركا والعالم بوجه البلطجة الإيرانية

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح وعندنا التدخل الإيراني عبر أتباعه يستهدف عنوان : الأرض...

More like this

الشيوعي اللبناني يحشد دعماً أوروبياً في بروكسل: لقاءات مع أحزاب يسارية لمساندة لبنان وفلسطين ورفض اتفاق الإطار!

أخباركم – أخبارنا واصل الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني، الرفيق حنا غريب، برنامج لقاءاته السياسية...

لبنان بين خرائط إسرائيل وأوراق إيران: جنبلاط وجعجع وسؤال الهدنة والدولة المهددة

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد حين تصبح الهدنة مرآة للخوف اللبناني ليس السجال بين وليد...

دموع التماسيح على جثمان خامنئي!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد لم تكن دموع قيادة حزب الله أمام جثمان خامنئي...