أخباركم – أخبارنا/ حسين قاسم
يكاد تاريخ لبنان الحديث يثبت قاعدةً واحدةً تكررت طوال أكثر من نصف قرن، وهي أن القوى الخارجية كانت تفرض عناصر الصراع على البلاد، وهي نفسها التي كانت تقرر موعد إنهائه. أما اللبنانيون، فلم يكن دورهم، في معظم الأحيان، سوى إدارة الخسائر التي خلّفتها تلك التحولات الدولية والإقليمية.
بدأت الحلقة الأولى بعد هزيمة الجيوش العربية في حرب حزيران عام 1967، حين اتُّخذ القرار العربي والإقليمي بنقل جزء من الصراع مع إسرائيل إلى الأراضي اللبنانية. ثم جاء اتفاق القاهرة عام 1969 ليمنح العمل الفدائي الفلسطيني شرعية داخل لبنان، فانطلقت العمليات العسكرية من الجنوب، واتسع الوجود الفلسطيني تدريجياً حتى أصبح عاملاً أساسياً في الحياة اللبنانية، على حساب سلطة الدولة ومؤسساتها.
وكانت الاشتباكات التي وقعت بين الجيش اللبناني والفصائل الفلسطينية قبل اندلاع الحرب الأهلية مؤشراً مبكراً إلى أن الدولة بدأت تفقد احتكارها للسلاح، قبل أن تنفجر الحرب عام 1975، فيتحول الوجود الفلسطيني إلى واقع يشمل معظم الأراضي اللبنانية.
غير أن هذا العنصر الخارجي لم يبدأ بالتراجع بفعل التوازنات الداخلية، بل بفعل دخول عنصر خارجي جديد. ففي عام 1976 دخل الجيش السوري إلى لبنان بضوء أخضر أميركي وإسرائيلي، تحت شعار وقف الحرب الأهلية، فيما كانت الحسابات الإقليمية والدولية أوسع بكثير من مجرد إنهاء الاقتتال الداخلي، إذ هدفت أيضاً إلى الإمساك بالورقة الفلسطينية.
ثم جاء الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، فوصل الجيش الإسرائيلي إلى بيروت، وانتهى الوجود العسكري والسياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية بخروج قواتها من العاصمة. وهكذا، فإن العنصر الخارجي الذي دخل بعد عام 1967 لم يخرج إلا بعدما فرض عنصر خارجي آخر معادلةً جديدة.
غير أن الاحتلال الإسرائيلي نفسه ولّد مقاومةً لبنانية هدفت إلى إنهائه. وبعد انسحاب إسرائيل من معظم الأراضي اللبنانية عام 1985، وما سبقه من تطورات أطاحت باتفاق 17 أيار، استمرت حرب الاستنزاف فيتحرر لبنان وينسحب جيش الاحتلال من الجنوب والبقاع الغربي عام 2000، وبذلك انتهى أحد أخطر الأدوار الخارجية التي عرفها لبنان، نظراً إلى ما مثلته الأطماع الإسرائيلية تاريخياً، ولا سيما أن الانسحاب تم من دون اتفاق سياسي أو أمني يمس السيادة اللبنانية.
أما الوجود السوري، الذي حظي بغطاء دولي وإقليمي منذ عام 1976، فلم ينتهِ هو الآخر إلا عندما تبدلت الإرادات الدولية بعد عام 2003، مع صدور القرارات الاممية المطالبة بانسحاب القوات الأجنبية، ثم تعزز هذا المسار عقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005، فخرج الجيش السوري من لبنان، منهياً هيمنةً امتدت نحو ثلاثة عقود.
لكن خروج سوريا لم يؤدِّ إلى استعادة الدولة اللبنانية كامل سلطتها، بل تزامن مع صعود النفوذ الإيراني عبر حزب الله، حتى بات مسؤولون إيرانيون يعلنون صراحة أن نفوذ طهران بلغ شواطئ البحر المتوسط وحدود إسرائيل، وأن القرار الاستراتيجي في لبنان أصبح جزءاً من مشروعها الإقليمي.
واستمر هذا الواقع حتى اندلاع حرب غزة في السابع من تشرين الأول 2023، ودخول حزب الله في المواجهة. ومنذ تلك اللحظة بدأت تتبلور إرادة دولية وإقليمية جديدة عنوانها تقليص النفوذ الإيراني في المنطقة، سواء في غزة أو لبنان أو غيرهما.
لذلك، فإن السؤال المطروح اليوم لا يتعلق فقط بتقييم أي اتفاق سياسي أو أمني، سواء صدر عن واشنطن أو غيرها، بل بفهم الحركة الأعمق للتاريخ. فكما أن المجتمع الدولي كان، في مراحل مختلفة، هو الذي سمح بقيام نفوذ خارجي في لبنان، فإنه يبدو اليوم هو نفسه الذي يتجه إلى إنهاء هذا النفوذ.
ويبقى العامل اللبناني مؤثراً، لكن تأثيره لا يكمن غالباً في منع التحولات الكبرى أو فرضها، بل في تحديد حجم الخسائر المترتبة عليها. فالخروج قد يكون منظماً وأقل كلفة، وقد يكون دموياً ومكلفاً، تبعاً لقدرة اللبنانيين على إدارة المرحلة.
وإذا كانت المراحل السابقة قد شهدت خروج قوات أجنبية من لبنان، فإن المرحلة الراهنة أكثر تعقيداً، لأن السلاح الموجود اليوم هو في أيدي لبنانيين، وإن كان مرتبطاً بمشروع إقليمي. وهذه الخصوصية تجعل الانتقال إلى مرحلة جديدة أكثر صعوبةً وحساسية.
وهنا تكمن المسؤولية الوطنية الحقيقية. فإذا كانت الإرادات الدولية هي التي أدخلت معظم اللاعبين الخارجيين إلى لبنان، وهي التي ساهمت في إخراجهم تباعاً، فإن الفرصة المتاحة اليوم أمام اللبنانيين تتمثل في ألا يتحولوا مرة أخرى إلى مجرد متفرجين على تبدل الموازين، بل أن يستثمروا هذه اللحظة لإعادة بناء الدولة واستعادة احتكارها للقرار والسلاح.
غير أن تحميل اللبنانيين وحدهم مسؤولية هذه المهمة قد ينطوي على قدر من التعجيز. فالقوى الدولية التي وفرت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، البيئة التي سمحت بتنامي الدور الإيراني في المنطقة، واستفادت منه في مراحل مختلفة، وغضّت الطرف عن صعود حزب الله وتعاظم نفوذه، تقع عليها أيضاً مسؤولية المساهمة في إيجاد مخرج واقعي لهذه المعضلة المستعصية.
وفي المقابل، يبقى على حزب الله أن يدرك حجم المتغيرات التي يشهدها الإقليم، وأن يبني على مقتضاها، لأن قراءة التحولات في وقتها تبقى أقل كلفة من تجاهلها والاّ سيواجه مصير ما سبقه.
لقد أدخل الخارج اللاعبين إلى لبنان، ويبدو أنه اليوم يتولى إخراجهم أيضاً. أما الفرصة التاريخية أمام اللبنانيين، فهي أن تكون هذه المرة الأولى التي لا يقتصر فيها التغيير على تبدل اللاعبين، بل يمتد إلى استعادة الدولة وقرارها الحُر والمستقل.



