أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
لفتني موقف وليد جنبلاط من اتفاق الإطار، حين قال إن اتفاق الهدنة أساس في العلاقات بين الدولة اللبنانية وإسرائيل، وهو جزء لا يتجزأ من اتفاق الطائف، وقد ورد في خطاب القسم وأكّد عليه البيان الوزاري، لكن كبار المفاوضين، ومعهم نخبة المستشارين في بعبدا وثلة الاختصاصيين في السراي، ارتأوا إغفاله، إن لم نقل حذفه.
الكلام، في ظاهره، يبدو اعتراضاً قانونياً وسيادياً على تغييب اتفاقية الهدنة. وهذا اعتراض يمكن نقاشه بهدوء، لأن اتفاقية الهدنة، من حيث المبدأ، تشكّل إطاراً قانونياً قائماً بين لبنان وإسرائيل منذ عام 1949، ويمكن للدولة اللبنانية أن تستند إليها في أي مسار تفاوضي يحفظ حدودها وسيادتها وحقها في استعادة أرضها. لكن المشكلة ليست هنا فقط. المشكلة في التوقيت، وفي التموضع السياسي، وفي المعنى الذي يريد جنبلاط أن يمنحه لهذا الاعتراض.
قلق الزعامة وفقدان الموقع
يبدو أن البيك قلق. يشعر أن موقعه لم يعد كما كان، وأنه لم يعد ذلك الطفل المدلل في النظام اللبناني الذي تقف كل القوى على خاطره، وتنتظر إشاراته، وتُحسب حساباته قبل أي تسوية أو انعطافة. لذلك قرر أن يرفع الصوت، لا من موقع بناء توازن وطني جديد، بل من موقع الالتحاق بجبهة رفض واسعة تضم نبيه بري، وحنا غريب، وحليمة قعقور، وكل الذين يتعاملون مع اتفاق الإطار كأنه نسخة جديدة من 17 أيار، يجب إسقاطها بالشعارات نفسها، وباللغة نفسها، وبالذاكرة نفسها.
هنا تكمن المعضلة. فأن ينتقد جنبلاط تغييب الهدنة شيء، وأن يتحول هذا النقد إلى اصطفاف مع من يريدون إسقاط الاتفاق قبل مناقشته شيء آخر تماماً. هناك فرق بين تصحيح المسار التفاوضي وبين تعطيله. هناك فرق بين أن تقول للدولة: تفاوضي من موقع أقوى، واستندي إلى اتفاقية الهدنة والقرار 1701 والطائف والشرعية الدولية، وبين أن تقول لها: لا تفاوضي، لا تتحركي، لا تذهبي إلى أي إطار، واتركي البلد معلقاً بين الحرب والسلاح والفراغ.
هل يُعقل أن يكون اصطفاف وليد جنبلاط مع هذه القوى؟
السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل يُعقل أن يكون وليد جنبلاط، بكل ما يمثله من ذاكرة سياسية لبنانية، وبكل ما خاضه من معارك في لحظات مفصلية دفاعاً عن التوازن والدولة والعيش المشترك، في الاصطفاف نفسه مع حزب الله، وحركة أمل، والتيار الوطني الحر، والحزب القومي السوري الاجتماعي، وحزب التوحيد العربي، وحركة التوحيد الإسلامي، وحزب التحرير، وسائر القوى التي رفضت اتفاق الإطار أو هاجمته بعنف؟
هل يعقل أن يجد جنبلاط نفسه في الخندق نفسه مع القوى التي تريد عملياً إبقاء لبنان مربوطاً بمنطق السلاح والمحاور، لا بمنطق الدولة والمؤسسات؟ وهل يمكن لملاحظة قانونية صحيحة حول غياب اتفاقية الهدنة أن تتحول إلى جسر سياسي يعبر منه البيك نحو جبهة لا تريد تصحيح الاتفاق، بل إسقاط أي مسار قد ينتهي إلى حصر السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة؟
الأحزاب المؤيدة للاتفاق كانت، بحسب ما تداوله الإعلام، حزب القوات اللبنانية، حزب الكتائب، حزب الوطنيين الأحرار، وحزب الحوار الوطني. في المقابل، ضمّت جبهة الرفض أو النقد الحاد طيفاً واسعاً يبدأ من حزب الله وحركة أمل، ويمر بالتيار الوطني الحر والحزب التقدمي الاشتراكي وتيار المردة والجماعة الإسلامية والحزب القومي السوري الاجتماعي وحركة الشعب والحزب الشيوعي والتنظيم الشعبي الناصري ومواطنون ومواطنات في دولة ولقاء القوى والأحزاب الوطنية وهيئة علماء المسلمين وحزب لنا وحزب التحرير والحزب الديمقراطي اللبناني وتجمع العلماء المسلمين وحزب التوحيد العربي وحزب الاتحاد وحركة التوحيد الإسلامي.
فهل هذا هو الموقع الطبيعي لجنبلاط؟ هل هذه هي الجبهة التي تعبّر عن قراءة مستقبلية للبنان؟ أم أن القلق من فقدان الدور دفعه إلى موقع رمادي، يبدأ بالهدنة وينتهي، شاء أم أبى، بتوفير غطاء سياسي للرافضين لأي مسار يعيد الدولة إلى حدودها ودورها وسيادتها؟
يسار يعيش في ذاكرة 17 أيار
حنا غريب، مثلاً، يتحدث عن إسقاط اتفاق الإطار وكأنه جورج حاوي في مواجهة اتفاق 17 أيار. لكن المشكلة أن بعض هذا اليسار ما زال يعيش في التاريخ ولم يعبر إلى المستقبل. يعتقد أن استعادة مفردات الثمانينيات تكفي لصناعة موقف وطني اليوم، وأن رفع شعار إسقاط الاتفاق يعيد إنتاج بطولات الماضي.
غير أن لبنان اليوم ليس لبنان 1982، والمنطقة ليست المنطقة نفسها، والدولة المنهكة لم تعد تحتمل المزيد من المزايدات، ولا الناس الذين دفعوا أثمان الحروب يريدون أن يبقوا أسرى ذاكرة سياسية تستخدم الماضي كي تمنع ولادة المستقبل.
ترددات جنبلاط وقفزاته السياسية خلال أربعة أشهر
خلال الأشهر الأربعة الأخيرة، لم يظهر موقف وليد جنبلاط كخط سياسي ثابت بقدر ما بدا سلسلة انتقالات محسوبة بين دعم الدولة، والتحذير من نزع السلاح، وانتقاد حزب الله، ثم الاعتراض على اتفاق الإطار من زاوية تغييب اتفاقية الهدنة.
ففي 14 شباط 2026، وفي مقابلة نشرتها جريدة الأنباء الإلكترونية، قال جنبلاط إنه يمنح الجيش اللبناني “ثقة كاملة” في ما يتعلق بملف نزع السلاح، معتبراً أن التقدم الذي يحققه على الأرض “ممتاز”. لكنه في المقابلة نفسها دعا المجتمع الدولي إلى ترك لبنان وشأنه، وإلى دعم الجيش بدلاً من الضغط السياسي عليه، منتقداً الصمت الدولي حيال الاغتيالات والجرائم الإسرائيلية اليومية في لبنان.
بعد أيام، في 21 شباط 2026، عادت الأنباء الإلكترونية لتنشر موقفاً أوضح فيه جنبلاط رفضه لما سماه ترداد أسطوانة نزع السلاح من دون المطالبة بوقف الغطرسة الإسرائيلية وتوفير الدعم اللازم للجيش اللبناني، واضعاً المسألة في سياق استهداف الطائفة الشيعية بالغارات الإسرائيلية واستمرار الاعتداءات على لبنان.
ثم في 30 أيار 2026، نقلت المدن مقابلة جنبلاط مع صحيفة لوموند الفرنسية، حيث بدا أكثر تحفظاً على أي مسار صدامي مع حزب الله، فقال إن تحميل الحزب وحده مسؤولية الحروب غير دقيق، وإن محاولة نزع سلاحه بالقوة قد تقود إلى حرب أهلية جديدة، كما اعتبر أن الدولة اللبنانية لا تملك هامش مناورة حقيقياً في المفاوضات الجارية بواشنطن إلا إذا مارست الولايات المتحدة ضغطاً فعلياً على إسرائيل، وهو أمر وصفه عملياً بأنه أقرب إلى الخيال.
لكن في 11 حزيران 2026، وفي مقابلة مع الجزيرة، قفز جنبلاط إلى خطاب أكثر قسوة تجاه حزب الله، إذ قال إن قرارات الحزب العليا لم تعد نابعة من الداخل اللبناني، بل من إيران، وإن القيادة الحالية للحزب لا تملك “حرية حركة” بل تتلقى الأوامر من طهران. وفي المقابلة نفسها، هاجم الوساطة الأميركية واعتبرها منحازة لإسرائيل، منتقداً البيان الأميركي ـ اللبناني لأنه ركّز على انسحاب الحزب من مناطق وجوده من دون ذكر انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية.
ثم جاءت قفزته الأخيرة بعد توقيع اتفاق الإطار. ففي 27 حزيران 2026، نقلت النشرة عنه قوله إن الغريب في الاتفاق “الثلاثي بالشكل والأحادي في المضمون” هو التغييب الكامل لاتفاقية الهدنة. وفي 28 حزيران 2026، نشرت الأنباء الإلكترونية قراءة موسعة لموقفه، أكدت أنه اعترض على غياب اتفاقية الهدنة عن بنود الاتفاق، لأنها، برأيه، كانت ستمنح لبنان أساساً قانونياً دولياً، وتثبت الحدود الدولية، وتفرض التزامات متبادلة على لبنان وإسرائيل بدلاً من اتفاق يُحمّل لبنان وحده معظم الالتزامات.
هذه السلسلة من المواقف تكشف نمطاً جنبلاطياً مألوفاً: يقترب من منطق الدولة حين يتحدث عن ثقة الجيش وحصر السلاح، ثم يتراجع حين يقترب الاستحقاق من لحظة التنفيذ، فيحذّر من الحرب الأهلية ومن استهداف البيئة الشيعية، ثم يعود فيرفع السقف ضد حزب الله باعتباره جزءاً من القرار الإيراني، قبل أن يقفز مجدداً إلى موقع الاعتراض على اتفاق الإطار من بوابة اتفاقية الهدنة.
قد يسمي البعض ذلك براغماتية سياسية، لكن في لحظة لبنانية مصيرية كهذه يبدو الأمر أقرب إلى قلق الزعامة التي لا تريد أن تخسر أي ضفة: لا تريد أن تكون ضد الدولة علناً، ولا تريد أن تتحمل كلفة الذهاب معها حتى النهاية؛ لا تريد الدفاع عن سلاح حزب الله، لكنها لا تريد أيضاً أن تكون في الجبهة السياسية التي تدفع جدياً نحو نزعه؛ ولا تريد إسقاط أي مسار تفاوضي باسم المقاومة، لكنها تفتح الباب أمام الذين يستخدمون اعتراضها على الهدنة لإسقاط الاتفاق كله.
هنا تصبح الهدنة عند جنبلاط ملاحظة قانونية صحيحة في الشكل، لكنها في السياسة تتحول إلى منصة قفز جديدة بين المواقع، لا إلى برنامج واضح لبناء الدولة وحصر قرار الحرب والسلم بيدها.
جنبلاط عند عين التينة: من ملاحظة الهدنة إلى ظلّ بري
لا يمكن قراءة موقف وليد جنبلاط من اتفاق الإطار بمعزل عن موقف نبيه بري. فجنبلاط لم يطلق اعتراضه في فراغ، ولم يكن وحده في رفع مسألة تغييب اتفاقية الهدنة.
ففي 21 نيسان 2026، وبعد لقائه بري في عين التينة، دعا جنبلاط إلى العودة لاتفاق هدنة 1949 مع إسرائيل ولكن بصيغة جديدة، أي أن فكرة الهدنة كانت قد طُرحت أصلاً من قلب عين التينة، لا من خارجها. ثم بعد توقيع اتفاق واشنطن في 26 حزيران، عاد جنبلاط وسأل عن التغييب الكامل لاتفاقية الهدنة عن بنود الاتفاق، فجاءه اتصال من بري شاكراً له موقفه، في إشارة سياسية واضحة إلى أن المختارة وعين التينة التقتا هذه المرة عند نقطة الاعتراض نفسها.
لكن الفارق أن بري ذهب أبعد بكثير من ملاحظة جنبلاط القانونية. فهو لم يكتف بالقول إن اتفاقية الهدنة غائبة، بل وصف اتفاق الإطار بأنه “إملاءات”، وقال إنه “أسوأ بعشر مرات من اتفاق 17 أيار”، وإنه “لن يُنفذ”، معتبراً أن الاتفاق لا يملك مقومات النجاح ولا التطبيق.
كما ربط بري موقفه بفكرة أن الفرصة الواقعية الوحيدة لانتزاع حقوق لبنان وإلزام إسرائيل بالانسحاب الكامل تكمن في المسار الأميركي ـ الإيراني، لا في تفاوض لبناني منفرد مع إسرائيل وفق الشروط الأميركية والإسرائيلية. وهنا يصبح اعتراضه ليس فقط على نص الاتفاق، بل على فلسفته السياسية كلها: أي فصل الملف اللبناني عن التوازنات الإقليمية، وسحب ورقة لبنان من بازار التفاوض الإيراني ـ الأميركي.
من هنا يظهر جنبلاط كأنه لحق ببري أكثر مما قاد موقفاً مستقلاً. صحيح أن ملاحظته حول الهدنة صحيحة من حيث الشكل، وصحيح أن أي اتفاق لا يستحضر اتفاقية 1949 يفقد ورقة قانونية يمكن أن يستفيد منها لبنان، لكن توقيت الموقف وطريقة تلقّف بري له جعلا الاعتراض الجنبلاطي جزءاً من جبهة أوسع هدفها الفعلي تجميد اتفاق الإطار أو إسقاطه.
فالبيك لا يقول صراحة إنه يريد إسقاط الاتفاق كما يقول بري أو حنا غريب، لكنه يمنح هذا الاعتراض غطاءً سياسياً ناعماً: يبدأ من الهدنة، وينتهي عملياً عند تعطيل المسار الذي كان يفترض أن يعيد قرار الجنوب والحدود والسلاح إلى الدولة.
المفارقة أن بري، رغم اعتراضه العالي، يحاول أن يحافظ على موقع رجل المؤسسة: يرفض الاتفاق، لكنه يقول إن المواجهة ستكون من داخل المؤسسات، ويحذر من الفتنة، ويعتبر الجيش خطاً أحمر. أما جنبلاط، فيتقدم خطوة ويتراجع خطوة؛ ينتقد تغييب الهدنة، لكنه لا يقدّم بديلاً واضحاً لمسار الدولة، يلمّح إلى الخلل، لكنه لا يحسم موقعه بين الدولة وجبهة الرفض.
بهذا المعنى، يصبح موقفه أقرب إلى ظلّ موقف بري: أقل صدامية في اللغة، لكنه يخدم في السياسة النتيجة نفسها، أي رفع الغطاء المعنوي عن اتفاق الإطار ودفعه إلى منطقة الشك والشلل قبل أن يبدأ.
الهدنة بين الورقة السيادية والذريعة السياسية
هنا جوهر المسألة: إذا كان اعتراض جنبلاط على تغييب الهدنة هدفه تقوية موقع الدولة في التفاوض، فهو اعتراض ضروري ومفيد. أما إذا كان اعتراضه جسراً للالتحاق بموقف بري الرافض للاتفاق من جذوره، فهذا يعني أن الهدنة تحولت من ورقة سيادية بيد الدولة إلى ورقة سياسية بيد قوى تريد إبقاء لبنان مربوطاً بمسار التفاوض الأميركي ـ الإيراني، لا بمؤسساته الدستورية.
وبين هذين الخيارين يقف جنبلاط مرة أخرى في مكانه المفضل: لا يريد خسارة بري، ولا يريد الظهور كمدافع عن سلاح حزب الله، ولا يريد في الوقت نفسه أن يتحمل كلفة الذهاب مع الدولة إلى النهاية.
أما جنبلاط، فهو أذكى من أن لا يعرف ذلك. يعرف أن اتفاق الهدنة مهم، ويعرف أن استحضاره في أي مسار تفاوضي يعطي لبنان ورقة قانونية وسيادية مهمة. لكنه يعرف أيضاً أن البلد لا يستطيع البقاء أسير معادلة السلاح خارج الدولة. ويعرف أن الدولة لا تُبنى إذا ظل قرار الحرب والسلم خارج مؤسساتها.
لذلك يبدو موقفه مزدوجاً: يعترض باسم الهدنة، لكنه يقترب سياسياً من جبهة تريد عملياً إبقاء الوضع كما هو، أي لا دولة كاملة السيادة، ولا سلاح تحت سلطة الدولة، ولا قرار وطني مستقل.
والأخطر أن تحويل اتفاق الهدنة إلى ذريعة لإسقاط اتفاق الإطار قد يؤدي إلى النتيجة المعاكسة تماماً. فبدل أن تكون الهدنة أداة لتعزيز موقع الدولة، تصبح أداة لتعطيلها. وبدل أن تكون مرجعية قانونية في يد لبنان، تتحول إلى شعار في بازار الاصطفافات الداخلية.
وهذا ما يجب الانتباه إليه جيداً: المطلوب ليس حذف الهدنة ولا القفز فوقها، بل إدخالها في مسار تفاوضي تقوده الدولة وحدها، لا السلاح، ولا المحاور، ولا الخوف من هذا الطرف أو ذاك.
الدولة أولاً لا العجز باسم السيادة
من حق جنبلاط أن يقلق من اتفاق لا يلحظ الهدنة بوضوح. ومن حق أي لبناني أن يسأل عن الضمانات، وعن الانسحاب، وعن السيادة، وعن مصير الجنوب، وعن موقع الدولة والجيش. لكن ليس من حق أحد أن يستخدم هذه الأسئلة كي يعيد لبنان إلى مربّع العجز. وليس من حق من عاش طويلاً على التوازنات أن يكتشف فجأة أن الدولة يجب أن تبقى مشلولة لأن الاتفاق لا يعجبه، أو لأن لحظة التسوية لم تمر من تحت شرفته السياسية.
نعم، يجب تصحيح اتفاق الإطار حيث يجب تصحيحه. نعم، يجب أن تكون اتفاقية الهدنة حاضرة كمرجعية قانونية وسيادية. نعم، يجب ألا يُفرض على لبنان أي مسار ينتقص من سيادته أو يحوّل الجنوب إلى منطقة اختبار أمني.
لكن نعم أيضاً، يجب ألا نسمح لمنطق إسقاط الدولة باسم مقاومة الاتفاقات أن ينتصر من جديد. فالمعركة الحقيقية ليست بين من يريد السيادة ومن يريد التنازل، بل بين من يريد دولة تفاوض وتقرر وتحمي، وبين من يريد إبقاء لبنان رهينة سلاح ومحاور وذكريات قديمة.
من متحف 17 أيار إلى سؤال الدولة
وليد جنبلاط قرأ الثغرة، لكنه قرأها بعين القلق لا بعين المستقبل. واليسار الذي يصفق لإسقاط الاتفاق يكرر خطأه القديم: يهرب إلى الماضي كلما طرق المستقبل باب الدولة. أما لبنان، فلم يعد يملك ترف هذا الهروب.
لقد دفع لبنان ما يكفي من الدم والخراب، وحان الوقت أن تخرج السياسة اللبنانية من متحف 17 أيار إلى سؤال الدولة: كيف نستعيد الأرض؟ كيف نحمي الجنوب؟ كيف نحصر السلاح؟ وكيف نجعل قرار الحرب والسلم لبنانياً لا إيرانياً ولا إسرائيلياً ولا أميركياً؟
هنا فقط يصبح استحضار الهدنة موقفاً وطنياً. أما استخدامها لإسقاط أي محاولة لبناء مسار جديد، فليس سوى قلق سياسي متنكر بلغة السيادة.



