أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
اتصل بي صديق مقرّب من وليد بك جنبلاط بعد نشر مقالتي أمس عنه، وكان واضحاً من كلامه أن ما يقال في العلن ليس كل ما يدور في الكواليس. سألته مباشرة: ما به البيك؟ ولماذا هذا التوتر السياسي في موقفه الأخير؟
قال لي، بما معناه، إن هاجس جنبلاط الأساسي اليوم ليس الدفاع عن حزب الله ولا تغطية سلاحه، بل الخوف من أن تكون بعض القوى اللبنانية، وخصوصاً القوات اللبنانية والكتائب وحلفاءهما، ذاهبة تحت عناوين الفيدرالية واللامركزية الموسعة وشعارات السيادة إلى دفع البلد نحو شكل من أشكال التقسيم السياسي أو الطائفي.
وأضاف أن البيك لا يعتقد أن كل الشيعة ضد الحل، بل يرى أن الرئيس نبيه بري “ماشي بالحل”، وأن ملف سلاح حزب الله يحتاج إلى صبر وحكمة وطولة بال، لا إلى صدام داخلي أو استفزاز طائفي قد يفجّر البلد.
هذا الكلام، إن صحّ أنه يعبّر عن مزاج جنبلاطي قريب، يفسّر الكثير من الترددات الأخيرة في موقف وليد جنبلاط. فالرجل لا يتحرك فقط من موقع قراءة بند قانوني في اتفاق إطار، ولا من موقع اعتراض تقني على تغييب اتفاقية الهدنة، بل من موقع خوف تاريخي قديم: خوف الجبل، وخوف الأقليات، وخوف الانزلاق إلى مواجهة أهلية إذا جرى تحويل معركة بناء الدولة إلى معركة كسر طائفة.
أولاً: جنبلاط لا يثق بالفيدرالية اللبنانية
في خلفية هذا الكلام، هناك عقدة جنبلاطية ثابتة تجاه كل خطاب فيدرالي أو تقسيمي. فجنبلاط، ابن تجربة الحرب الأهلية والجبل وذاكرة 1860 و1983، يعرف أن الفيدرالية في لبنان لا تأتي عادة كلغة إدارية بريئة، بل كقناع لطموحات طائفية.
لذلك، حين يسمع كلاماً عن فيدرالية أو كانتونات أو لامركزية منفلتة من أي مشروع وطني جامع، فهو لا يقرأه كإصلاح للنظام، بل كإعلان مبكر عن تفكيك البلد.
هنا يمكن فهم اتهامه الضمني للقوات والكتائب وحلفائهما بأنهم، في نظره أو في نظر بيئته السياسية، يدفعون البلد إلى التقسيم تحت شعارات حديثة. هو لا يريد أن يعطيهم ورقة يستعملونها للقول إن الحل الوحيد مع سلاح حزب الله هو الفصل بين اللبنانيين، ولا يريد في الوقت نفسه أن يبدو كمن يلتحق بخطاب حزب الله.
لذلك يختار منطقة رمادية: يهاجم حزب الله حيناً، ويحذّر خصومه حيناً آخر، ثم يعود إلى قاموس “الصبر والحكمة” حين يقترب النقاش من لحظة الانفجار.
ثانياً: نبيه بري في الحساب الجنبلاطي
الجملة الأهم في الاتصال هي: “نبيه بري ماشي بالحل”. وهذه ليست تفصيلاً عابراً. في السياسة اللبنانية، بري ليس مجرد رئيس لمجلس النواب، بل هو المعبر الشيعي الأبرز القادر على التفاوض مع الداخل والخارج، ومع حزب الله، ومع الدولة، ومع الأميركيين والعرب، من دون أن يظهر كمن يسلّم الطائفة الشيعية أو يكسرها.
لهذا يرى جنبلاط، أو بعض المحيطين به، أن أي حل جدي لسلاح حزب الله لا يمكن أن يبدأ بإلغاء بري أو استفزازه، بل بالمرور عبره. وقد ظهر في الأسابيع الأخيرة أن بري يربط أي بحث في ترتيبات الجنوب أو انسحاب حزب الله من جنوب الليطاني بالتزامات إسرائيلية مقابلة. كما عبّر عن رفضه لاتفاق الإطار بصيغته الحالية، معتبراً أنه لا يحفظ حقوق لبنان ولا يملك مقومات التنفيذ.
كذلك تلقى جنبلاط اتصالاً من بري بعد موقفه من تغييب اتفاقية الهدنة، في إشارة إلى وجود تقاطع بين الرجلين حول ضرورة عدم تمرير أي اتفاق يشعر جزء من اللبنانيين، وخصوصاً الشيعة، بأنه إملاء أو استهداف.
من هنا، تصبح عبارة “بري ماشي بالحل” محاولة للتمييز بين الشيعة كطائفة سياسية واجتماعية وبين حزب الله كقوة مسلحة مرتبطة عضوياً بإيران. وهذا تمييز ضروري، لأن أخطر خطأ يمكن أن ترتكبه قوى السيادة هو تحويل معركة نزع السلاح إلى معركة ضد الشيعة. عندها لا يعود السلاح عبئاً على الطائفة، بل يتحول إلى درعها النفسي والسياسي.
ثالثاً: أين المشكلة إذن؟
المشكلة أن هذا المنطق، رغم وجاهته في منع الحرب الأهلية، يحمل خطراً آخر: أن يتحول “الصبر والحكمة وطولة البال” إلى اسم آخر لتأجيل الدولة.
اللبنانيون سمعوا هذه اللغة منذ عام 2005. قيل لهم إن السلاح يحتاج إلى حوار، ثم إلى استراتيجية دفاعية، ثم إلى ظروف إقليمية، ثم إلى توافق داخلي، ثم إلى توقيت مناسب. وفي كل مرة كان الوقت يمر، كانت الدولة تضعف، وكان حزب الله يراكم قوة أكبر، وكانت إيران ترسّخ نفوذها أكثر.
لذلك، لا يجوز أن تتحول الحكمة إلى استسلام. ولا يجوز أن يصبح الخوف من التقسيم سبباً لترك السلاح خارج الدولة. فالسلاح نفسه هو أحد أكبر عوامل التقسيم الفعلي في لبنان. أي بلد يعيش بسلاحين، وقرارين، وجيشين، وخارجيتين، وحربين، هو بلد مقسّم عملياً ولو بقي موحداً على الخريطة.
إذا كان جنبلاط يخاف من فيدرالية القوات والكتائب، فعليه أيضاً أن يرى أن فيدرالية السلاح قائمة فعلاً: منطقة قرارها عند حزب الله، وحربها عند حزب الله، وسلمها عند حزب الله، وتمويلها عند إيران، ودولتها الرسمية في بيروت.
هذه ليست فيدرالية دستورية، بل فيدرالية أمر واقع أخطر من أي نص.
رابعاً: بين السيادة والحرب الأهلية
صحيح أن الدعوة إلى نزع سلاح حزب الله لا يجب أن تتحول إلى خطاب كراهية ضد الشيعة. وصحيح أن أي حل يجب أن يمر عبر ضمانات سياسية ووطنية تمنع عزل الشيعة أو إذلالهم. وصحيح أيضاً أن نبيه بري، بما يمثله من موقع تفاوضي، قد يكون ممراً ضرورياً لأي تسوية.
لكن الصحيح أيضاً أن الدولة لا تُبنى إلى ما لا نهاية بالانتظار.
المطلوب ليس حرباً أهلية، ولا انتحاراً سياسياً، ولا استفزازاً طائفياً. المطلوب أن تعود الدولة إلى كونها الدولة: صاحبة قرار الحرب والسلم، صاحبة الجيش الواحد، صاحبة الحدود، وصاحبة التفاوض.
أما أن نبقى أسرى الخوف من التقسيم كي نقبل بتقسيم مقنّع فرضه السلاح، فهذه معادلة لا تنقذ لبنان، بل تؤجل انفجاره.
خامساً: قراءة في موقف جنبلاط
ما يكشفه الاتصال أن جنبلاط لا يزال يفكر بعقلية “حماية التوازنات” لا بعقلية “الحسم”. وهذه مدرسة سياسية لها جذورها في تجربته. هو لا يغامر بالجبل، ولا يذهب إلى معركة لا يعرف خواتيمها، ولا يثق كثيراً بشعارات خصومه المسيحيين حين تقترب من الفيدرالية، ولا يريد كسر الجسر مع بري.
لكنه في الوقت نفسه يعرف، ويقول أحياناً بوضوح، إن حزب الله لم يعد قراراً لبنانياً خالصاً، وإن ارتباطه بإيران صار عبئاً على البلد.
هنا التناقض الجنبلاطي: هو يرى المشكلة، لكنه يخاف من طريقة حلها. يرى خطر حزب الله، لكنه يخاف من خطاب خصوم حزب الله. يريد الدولة، لكنه لا يريد أن تذهب معركة الدولة إلى فتنة. يريد تسوية، لكنه يعرف أن التسوية مع السلاح ليست سهلة، وأن كل تأخير يعطي السلاح وقتاً إضافياً.
الخلاصة: لا تقسيم ولا سلاح خارج الدولة
ما قاله الصديق المقرّب من جنبلاط يفتح نافذة مهمة على كواليس المختارة: هاجس التقسيم حاضر، والخوف من الفيدرالية حاضر، والرهان على بري حاضر، والتمييز بين الشيعة وحزب الله حاضر، والدعوة إلى الصبر حاضرة.
لكن هذا كله لا يلغي السؤال المركزي: كم يستطيع لبنان أن يصبر أكثر؟
نعم، لا يجوز أن تُخاض معركة السلاح بلغة طائفية أو تقسيمية. ونعم، يجب التمييز بين الطائفة الشيعية وبين مشروع حزب الله الإيراني. ونعم، أي حل يحتاج إلى بري وإلى ضمانات وإلى تدرّج.
لكن نعم أيضاً، وبالقوة نفسها، لا يمكن أن يبقى السلاح خارج الدولة باسم الحكمة. فالحكمة التي لا تنتهي إلى دولة تصبح إدارة للأزمة، لا حلاً لها.
لبنان لا يحتاج إلى فيدرالية طوائف، ولا إلى دولة داخل الدولة. يحتاج إلى عقد وطني جديد تحت سقف الطائف والدستور، يعيد القرار العسكري والأمني إلى الدولة وحدها، ويحمي كل الطوائف من بعضها ومن أوهام قادتها، ويمنع أن يتحول الخوف من التقسيم إلى ذريعة لقبول التقسيم المسلح القائم فعلاً.



