أخباركم – أخبارنا/ أكرم محمود
يمرّ المشهد السياسي والأمني في العراق بمنعطف بالغ الحساسية، في ظل حملة واسعة ومكثفة تستهدف شبكات الفساد والجريمة المنظمة داخل مؤسسات الدولة وخارجها. ولم تعد هذه الحملة تُقرأ، في الأوساط السياسية والتحليلية، بوصفها مجرد إجراءات قضائية أو إدارية عابرة، بل كعملية جراحية عميقة تحاول تفكيك منظومة نفوذ متشابكة، امتدت خلال السنوات الماضية بين المال السياسي، والتهريب، والمخدرات، والسلاح المنفلت.
ما يجعل هذه الحملة مختلفة عن سابقاتها أنها طالت، بحسب ما يتداول في المشهد العراقي، رؤوساً وازنة داخل دهاليز الحكم، وفتحت ملفات كانت لسنوات طويلة محصّنة بفعل المحاصصة السياسية، والغطاء الحزبي، والنفوذ الإقليمي. لذلك تبدو المعركة اليوم أكبر من مجرد ملاحقة فاسدين أفراد، إذ تمسّ بنية كاملة من الاقتصاد الموازي الذي نما على هامش الدولة، ثم تمدّد داخلها حتى كاد يصبح دولة داخل الدولة.
في القراءة السياسية الأوسع، لا يمكن فصل هذه الجرأة الرسمية عن التحولات الإقليمية الأخيرة. فالحرب التي شهدتها المنطقة أضعفت موقع النظام الإيراني وأربكت حسابات أذرعه المحلية، وقلّصت هامش الحركة أمام الفصائل المرتبطة به. هذا التراجع في الهيبة والنفوذ أتاح لبغداد فرصة نادرة للتحرك في ملفات كانت سابقاً مؤجلة أو محرّمة، بسبب ثقل السلاح وضغط الحلفاء الإقليميين وتشابك المصالح داخل مؤسسات الدولة.
لقد أظهر الواقع العراقي أن الفساد لم يكن مجرد سرقة للمال العام، بل كان جزءاً من منظومة سلطة متكاملة. فالمال المنهوب كان يُستخدم لشراء الولاءات، وتمويل الشبكات السياسية، وبناء إمبراطوريات حزبية، فيما كانت الحدود المفتوحة والميليشيات المسلحة تؤمّن الغطاء لعمليات التهريب وتجارة المخدرات وغسل الأموال. ومن هنا يصبح ضرب الفساد المالي متلازماً مع ضرب اقتصاد المخدرات، لأن المصدرين يصبّان في الخزان نفسه: خزان الدولة الموازية.
في مقدمة هذه الملفات برزت الضربة الموجهة إلى شبكات تهريب وتجارة المخدرات في جنوب العراق، ولا سيما في المناطق القريبة من الحدود الشرقية. وقد شكّل الإعلان عن الإطاحة بأحد أبرز تجار المخدرات المعروف بلقب “أبو شيخة” في قضاء العزير بمحافظة ميسان مؤشراً واضحاً إلى أن الأجهزة الأمنية بدأت تقترب من خطوط كانت تُعدّ آمنة. فهذه الشبكات لم تكن تعمل بمعزل عن منظومة حماية واسعة، بل ارتبطت، وفق كثير من المعطيات المتداولة، بتسهيلات لوجستية وسياسية وأمنية مكّنتها من تحويل المخدرات، وخصوصاً الكريستال ميث، إلى مصدر تمويل سريع خارج الرقابة المصرفية والقانونية.
وبالتوازي مع هذا المسار الأمني، انتقلت الحملة إلى قلب المنظومة الإدارية والمالية، حيث فتح ملف الفساد في قطاع النفط وغيره من القطاعات الباب أمام سلسلة توقيفات وتحقيقات واسعة. وقد شكّل توقيف عدنان الجميلي، وكيل وزارة النفط ومدير مصفى بيجي السابق، محطة مفصلية في هذا السياق، بعدما جرى الحديث عن ضبط مبالغ مالية ضخمة مرتبطة بالتحقيقات معه، وصلت إلى عشرات المليارات من الدنانير وملايين الدولارات.
الأخطر في هذا الملف أن التحقيقات لم تبقَ محصورة في اسم واحد، بل امتدت لتكشف شبكة واسعة من المسؤولين والنواب والشخصيات السياسية والإدارية. ووفق ما جرى تداوله، فقد شملت الإجراءات أسماء بارزة، من بينها النائب مثنى السامرائي، رئيس تحالف عزم، والنواب زياد الجنابي وبهاء النوري ومحمد الكربولي وعالية نصيف وحسن الخفاجي، إضافة إلى محافظ صلاح الدين الأسبق ومدير صحتها الحالي رائد الجبوري، والنائب السابق محمد الصيهود، وإبراهيم الصميدعي، ووكيل وزارة النفط لشؤون التوزيع علي معارج.
إن تنوع هذه الأسماء وتعدد مواقعها السياسية والإدارية يكشفان أن الحملة لا تستهدف هامش الفساد فقط، بل تقترب من قلب منظومة المحاصصة التي وفّرت، طوال سنوات، الحماية المتبادلة بين المال والسياسة والسلاح. فالفساد في العراق لم يكن يعمل كحالات فردية متفرقة، بل كشبكة مصالح عابرة للكتل، قادرة على تعطيل القانون، وتدوير النفوذ، وحماية المتورطين، وتوزيع الحصص وفق ميزان القوة داخل الدولة وخارجها.
من هنا تبدو معركة المخدرات ومعركة الفساد وجهين لمعركة واحدة. فالأولى تضرب مصادر التمويل النقدي السريع، والثانية تضرب القنوات الرسمية التي شرعنت النهب ووفّرت الغطاء الإداري والقانوني للصفقات المشبوهة. وبينهما يقف السلاح المنفلت بوصفه أداة الحماية والترهيب، وحلقة الوصل بين السوق السوداء والمؤسسات الرسمية.
لقد عاش العراق طويلاً تحت وطأة شبكة مركبة: فساد إداري يمنح العقود والمناصب، ومخدرات تملأ الخزائن الموازية، وميليشيات تحمي الطرق والمعابر، ونفوذ إقليمي يوفّر الغطاء السياسي. ومع اهتزاز موقع الراعي الإقليمي لهذه المنظومة، بدأت حلقات الحماية تضيق، وبدأت أسماء كانت تعتقد أنها فوق المساءلة تخرج إلى العلن.
لكن نجاح هذه الحملة لا يُقاس فقط بعدد الاعتقالات أو حجم الأموال المضبوطة، بل بقدرة الدولة على تحويلها إلى مسار قضائي وسياسي مستمر، لا إلى موجة إعلامية عابرة أو تصفية حسابات بين مراكز نفوذ. فالعراق لا يحتاج إلى حملة مؤقتة، بل إلى قرار وطني واضح بتجفيف منابع الدولة الموازية، واستعادة الحدود، وتحرير المؤسسات من قبضة المحاصصة، وربط السلاح بالقانون وحده.
إن ما يجري اليوم، إذا استُكمل بجدية وشفافية، قد يشكل بداية مرحلة جديدة في العراق: مرحلة استعادة السيادة من شبكات المال الحرام، وتحرير القرار الوطني من الفساد والسلاح والارتهان الخارجي. أما إذا توقفت الحملة عند حدود معينة، أو تحولت إلى أداة انتقائية، فإن المنظومة ستعيد إنتاج نفسها بأسماء جديدة وواجهات مختلفة.
العراق يقف اليوم أمام فرصة نادرة. فإما أن تتحول هذه اللحظة إلى بداية تفكيك حقيقي لشبكات الوهم التي حكمت المال والسياسة والسلاح، وإما أن تضيع كما ضاعت فرص كثيرة قبلها. غير أن المؤكد أن ما كان مخفياً بدأ ينكشف، وأن الدولة، ولو متأخرة، بدأت تقترب من المناطق التي صُنعت فيها إمبراطوريات الفساد والمخدرات على حساب دم العراقيين وكرامتهم ومستقبلهم



