السبت, أغسطس 15, 2026
27.4 C
Beirut

نبيه بري: حارس النظام الذي أكل الدولة باسم الجنوب والطائفة

نشرت في

أخباركم – أخبارنا

ليس نبيه بري مجرد رئيس مجلس نواب طال بقاؤه في السلطة. هو أحد أكثر رموز النظام اللبناني قدرة على تحويل الموقع الدستوري إلى ماكينة نفوذ، وتحويل الطائفة إلى رصيد تفاوضي، وتحويل الجنوب إلى عنوان سياسي دائم تُرفع باسمه الشعارات، بينما بقي أهله أسرى الفقر، والزبائنية، والهجرة، والحروب المتكررة.

منذ عام 1992، يجلس بري على رأس البرلمان اللبناني، أي على رأس المؤسسة التي يفترض بها أن تراقب الحكومات، وتفتح الملفات، وتحاسب الوزراء، وتشرّع لبناء دولة عادلة. لكن الحصيلة الفعلية كانت عكس ذلك تقريباً: برلمان يُعطَّل عند الحاجة، ويُفعَّل عند تقاسم الحصص، ويسكت غالباً أمام منظومة فساد ومحاصصة أكلت لبنان من داخله.

في تقرير صندوق النقد الدولي حول الحوكمة والفساد في لبنان، الصادر في 15 نيسان/أبريل 2026، ورد أن لبنان سجّل في مسح الموازنة المفتوحة لعام 2023 درجات متدنية جداً: 17 من 100 في الشفافية، و0 من 100 في المشاركة العامة، و21 من 100 في الرقابة على الموازنة. هذه الأرقام لا تصف خللاً إدارياً عابراً، بل دولة تُدار من خلف الستار، حيث الموازنة والإنفاق والرقابة ليست أدوات مواطنة، بل أدوات في يد طبقة سياسية عاشت طويلاً على الغموض.

بري بين صورة “رجل التسويات” وحقيقة تعطيل الدولة

في الخارج، كثيراً ما قُدّم بري بصفته “الرجل العملي”، أو الوسيط الضروري، أو بوابة التفاوض مع الثنائي الشيعي. في لحظات الحرب والهدنة والتفاوض، يعود اسمه بوصفه ممراً إلزامياً بين حزب الله، والدولة اللبنانية، والوسطاء الدوليين. وذكرت وكالة رويترز، في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، أن بري لعب دوراً محورياً كوسيط في اتفاق وقف إطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل، وأن المبعوث الأميركي آموس هوكستين عقد معه اجتماعات متعددة في هذا السياق.

لكن هذه الصورة الخارجية تخفي وجهاً داخلياً أكثر قسوة: الرجل الذي يتقن التفاوض باسم الدولة لم يبنِ دولة. والرجل الذي يُستدعى عند الأزمات بوصفه ممراً إجبارياً، هو نفسه جزء من النظام الذي أنتج الأزمات. هنا يصبح السؤال مشروعاً: هل كان بري وسيطاً لحماية لبنان، أم حارساً لتوازنات تمنع ولادة دولة حقيقية؟

أما العبارة المتداولة سياسياً بأن الأميركيين ينظرون إليه وكأنه “رجلهم” أو “ممرهم الضروري”، فهي لا تحتاج إلى تحويلها إلى اقتباس حرفي غير مثبت؛ فالأدق أن نقول إن الأداء الأميركي المتكرر، من ملف الحدود البحرية إلى وقف إطلاق النار، تعامل مع بري كرقم لا يمكن تجاوزه في إدارة التوازن مع حزب الله. وهذه هي المشكلة بحد ذاتها: أن يتحول رئيس مجلس النواب من رئيس سلطة تشريعية إلى معبر تفاوضي بين الخارج والسلاح.

مجلس الجنوب: الجنوب كخزان سياسي لا كمشروع إنمائي

رفع بري، ومعه حركة أمل، شعار الجنوب طويلاً. الجنوب كان دائماً في الخطاب: محرومية، مقاومة، إعادة إعمار، تعويضات، صمود. لكن السؤال الذي لا يمكن الهروب منه: ماذا بقي للجنوب بعد عقود من الإمساك السياسي به؟

المشكلة ليست فقط في سوء الخدمات أو ضعف التنمية، بل في تحويل الجنوب إلى رأسمال سياسي دائم. كل حرب تتحول إلى فرصة جديدة للخطاب. كل دمار يتحول إلى مناسبة لإعادة إنتاج الزعامة. كل تعويض أو وظيفة أو ترخيص أو مساعدة يصبح جزءاً من شبكة الولاء. هكذا لا يعود الجنوب منطقة مواطنين، بل يتحول إلى دفتر انتخابي مفتوح، تُكتب فيه أسماء الناس حسب قربهم وبعدهم عن الزعيم والحركة والمكتب والواسطة.

ومن هنا تأتي رمزية مجلس الجنوب. فالمجلس الذي وُجد نظرياً لتعويض المتضررين وإنماء المناطق الجنوبية، تحول في الوعي الشعبي والانتقادات السياسية إلى أحد عناوين الزبائنية والمحاصصة. ليست المسألة أن الجنوب أُهمل فقط، بل أن إعماره استُخدم سياسياً: الدولة تدفع، الزعيم يوزّع، المواطن يشكر، والولاء يتجدد.

وفي تصريح سياسي لافت، قال النائب ميشال معوض، بحسب تقرير LBCI في 2 آذار/مارس 2023، إن بري “أستاذ في ممارسات الفساد”، واتهمه بأنه شريك أساسي في المحاصصة منذ عام 1992، وتحدث عن ملفات الكهرباء والمازوت وإعمار الجنوب ومجلس الجنوب. هذا تصريح من خصم سياسي، لا حكم قضائي، لكنه يعكس صورة واسعة الانتشار في الوعي اللبناني المعارض عن موقع بري داخل منظومة المحاصصة.

علي حسن خليل: عندما تصل العقوبات إلى قلب الدائرة السياسية

لا يمكن الحديث عن شبكة بري من دون التوقف عند علي حسن خليل، أحد أبرز رجالات حركة أمل والمقربين من بري، ووزير المالية السابق. في 8 أيلول/سبتمبر 2020، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على خليل، إلى جانب يوسف فنيانوس، وقالت إنهما قدما دعماً مادياً لحزب الله وانخرطا في الفساد.

الأهم أن بيان الخزانة الأميركية لم يكتفِ باتهامات عامة، بل قال إن خليل، بصفته وزيراً للمالية، استخدم موقعه لمحاولة تخفيف القيود المالية الأميركية على حزب الله، وسعى إلى نقل أموال بطريقة تتفادى إنفاذ العقوبات. كما اتهمه البيان بأنه رفض، في أواخر عام 2019، توقيع شيكات مستحقة لموردي الدولة في محاولة لطلب عمولات.

هذه ليست تهمة صحافية عابرة، بل بيان رسمي صادر عن وزارة الخزانة الأميركية بتاريخ 8 أيلول/سبتمبر 2020. وبغض النظر عن الموقف السياسي من العقوبات الأميركية، فإن وجود شخصية بهذا القرب من بري في قلب اتهامات تتعلق بالفساد وتسهيل مصالح حزب الله يكشف طبيعة النظام الذي أحاط به بري نفسه: وزارة مالية، حركة حزبية، تحالف مع حزب مسلح، ومال عام يتحول إلى ورقة نفوذ.

أمل وحزب الله: فساد الزبائنية تحت حماية السلاح

حركة أمل ليست حزباً خارج السلطة حتى يدّعي بري براءته من الانهيار. الحركة كانت جزءاً من الحكومات منذ الثمانينيات، وبري نفسه أحد أعمدة النظام بعد الطائف. لذلك، عندما انهار لبنان مالياً، لا يستطيع بري أن يتحدث كمن يراقب من بعيد. هو من بنى هذا النظام، وشارك في هندسته، واستفاد من توازناته.

في برقية دبلوماسية أميركية منشورة عبر ويكيليكس بتاريخ 2004، ورد تقييم قاسٍ لحركة أمل يتحدث عن فسادها وضعف قيادة بري، وأن ذلك ساهم في زيادة قوة حزب الله داخل البيئة الشيعية. أهمية هذا التقييم أنه يربط بين الفساد السياسي وتراجع أمل أمام حزب الله: عندما تتحول الحركة إلى جهاز زبائني، يملأ حزب الله الفراغ بخطاب “المقاومة” والتنظيم والسلاح.

هكذا ساهم بري، من حيث يدري أو لا يدري، في صناعة المعادلة التي خنقت الدولة: أمل تمسك بمفاتيح الزبائنية والبرلمان والحصص، وحزب الله يمسك بالسلاح والقرار الأمني، والنتيجة دولة رهينة بين فساد سياسي ووصاية عسكرية.

وفي تقرير تشاتام هاوس الصادر في 30 حزيران/يونيو 2021 بعنوان “كيف يمسك حزب الله بالدولة اللبنانية”، ورد أن تحالف حزب الله مع حركة أمل مهم جداً لأن زعيم أمل، نبيه بري، هو رئيس مجلس النواب منذ عام 1992. كما أشار التقرير إلى أن البرلمان، في سياق الأزمة المالية التي انفجرت عام 2019، ردّ على مطالب التدقيق الجنائي في مصرف لبنان بقرار غير ملزم، أي بإجراء مخفف بدل تشريع واضح يفرض التدقيق. وهذه نقطة جوهرية: عندما تكون السلطة التشريعية في يد رجل المنظومة، تتحول الرقابة إلى شكل بلا مضمون.

انسحاق بري أمام حزب الله: شريك الدولة الذي صار غطاءً للسلاح

من أخطر ما في تجربة نبيه بري أنه لم يبقَ مجرد حليف لحزب الله، بل تحوّل مع الوقت إلى الغطاء السياسي الأكثر ثباتاً لسلاحه داخل مؤسسات الدولة. فالرجل الذي يفترض أنه رئيس مجلس النواب، أي رأس سلطة دستورية تمثل الدولة والقانون، قبل عملياً بأن تكون الدولة نفسها محكومة بسقف السلاح. لم يواجه حزب الله حين صادر قرار الحرب والسلم، ولم يفتح معركة وطنية جدية لاستعادة القرار الأمني، ولم يستخدم موقعه النيابي لحماية الدستور من سلطة الأمر الواقع.

بل فعل العكس: وفّر لحزب الله شرعية داخلية، وحوّل التحالف معه إلى قاعدة حكم، وترك حركة أمل تتراجع من حركة سياسية شيعية ذات تاريخ مستقل إلى ظلّ ملحق بمعادلة “الثنائي الشيعي”. وقد وصفت تقارير سياسية عدة هذا التحالف بأنه تبادل مصالح واضح: أمل تمنح حزب الله الغطاء داخل البرلمان والحكومة والإدارة، وحزب الله يمنح بري حماية ميزان القوة الذي أبقاه في موقعه لعقود. هكذا لم يعد بري زعيم الطائفة في مواجهة تغوّل السلاح، بل صار شاهداً على انسحاق السياسة أمام الميليشيا، وحارساً لزواج غير مقدس بين الفساد والسلاح.

البرلمان الذي لم يحاسب

أخطر ما في تجربة بري ليس أنه زعيم حركة سياسية فقط، بل أنه رئيس مجلس النواب. أي أنه كان في الموقع الدستوري الأول للمساءلة. ومع ذلك، لم يتحول البرلمان في عهده إلى سلطة رقابية حقيقية. لم نرَ محاسبة جدية لمنظومة الكهرباء التي ابتلعت المليارات. لم نرَ فتحاً حقيقياً لملفات الهدر. لم نرَ إصلاحاً بنيوياً يمنع الانهيار. بل رأينا مؤسسة تُدار غالباً بمنطق التسويات، وتأجيل الجلسات، والتحكم بالإيقاع السياسي حسب المصلحة.

تقرير تشاتام هاوس حول الفساد في لبنان، الصادر في 29 حزيران/يونيو 2021، وصف المشكلة من زاوية أوسع: قوانين مكافحة الفساد وُضعت غالباً لإرضاء المانحين لا لمحاربة الفساد فعلياً، ومع استمرار السلطة بيد النخب نفسها يصبح تطبيق الإصلاحات غير مضمون. كما وصف غياب الإرادة السياسية لدى أعلى مستويات السلطة بأنه عائق أساسي أمام الشفافية والحكم الرشيد.

وهذا الكلام ينطبق مباشرة على حقبة بري. فمن يترأس البرلمان منذ أكثر من ثلاثة عقود لا يستطيع أن يقول إن المشكلة في “الآخرين” فقط. الصمت هنا مشاركة، والتعطيل مشاركة، وتغطية المحاصصة مشاركة.

من بيروت إلى المرفأ: رجال أمل في ملفات المساءلة

بعد انفجار مرفأ بيروت في 4 آب/أغسطس 2020، وُجهت اتهامات قضائية إلى عدد من المسؤولين السابقين، بينهم علي حسن خليل وغازي زعيتر، وهما من الشخصيات المرتبطة بحركة أمل. وذكرت وكالة رويترز، في 11 كانون الأول/ديسمبر 2020، أن القاضي فادي صوان وجّه اتهامات بالإهمال إلى مسؤولين بينهم خليل وزعيتر، وأن خليل يُعد من كبار معاوني بري.

لا يعني ذلك حكماً قضائياً نهائياً بالإدانة، لكنه يكشف مرة أخرى أن الحلقة السياسية المحيطة ببري لم تكن هامشية في أهم ملفات المساءلة الوطنية. في بلد طبيعي، كان هذا وحده كافياً لفتح نقاش وطني حول المسؤولية السياسية. أما في لبنان، فكل ملف يصطدم بجدار الحصانات والطوائف والتهديد بالتوازنات.

وزارة المالية كقلعة سياسية

أحد أبرز وجوه نفوذ بري تمثل في الإصرار على وزارة المالية كحصة شيعية ثابتة. في أزمة تشكيل حكومة مصطفى أديب عام 2020، أشارت وكالة رويترز، في 13 أيلول/سبتمبر 2020، إلى أن بري أصر على بقاء وزارة المالية تحت سيطرة الطائفة الشيعية، في وقت كانت فرنسا تدفع نحو حكومة اختصاصيين وإصلاحات لوقف الانهيار.

هنا تظهر عقلية النظام بوضوح: لا وزارة باعتبارها أداة خدمة عامة، بل موقع طائفي للتوقيع والتحكم والتعطيل. وزارة المالية في دولة منهارة ليست تفصيلاً؛ هي قلب القرار المالي. والإصرار على احتكارها يعني عملياً الإمساك بمفتاح الخزينة، وبحق التوقيع، وبقدرة المنظومة على التفاوض أو التعطيل.

اتفاق كاريش: حين تحوّل النفط والغاز إلى تسوية سياسية

لا يمكن فصل مسار بري عن ملف ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل. ففي 1 تشرين الأول/أكتوبر 2022، ذكرت وكالة رويترز أن بري وصف مسودة الاتفاق الأميركي لترسيم الحدود البحرية بأنها “إيجابية”، مع قوله إنها تحتاج إلى دراسة قبل الرد النهائي. وفي 27 تشرين الأول/أكتوبر 2022، وُقّع الاتفاق رسمياً بصورة منفصلة بين لبنان وإسرائيل بوساطة أميركية، بحسب دراسة معهد IDSA الصادرة في 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2022.

سياسياً، قُدّم الاتفاق يومها كإنجاز تاريخي يفتح باب التنقيب للبنان. لكن جوهر المشكلة أن الاتفاق رسّخ عملياً بقاء حقل كاريش تحت السيطرة الإسرائيلية. وذكرت رويترز، في 6 تشرين الأول/أكتوبر 2022، أن كاريش يقع جنوب الخط 23 وسيبقى تحت السيطرة الإسرائيلية وفق الموقف الإسرائيلي، فيما حصل لبنان على حقوقه في حقل قانا، مع آلية تعويض أو تفاهم تجاري مع إسرائيل عبر الشركة المشغلة في حال امتداد الحقل عبر الحدود.

هنا يبدأ الاعتراض السيادي الحقيقي. فلبنان الذي كان يعيش أسوأ انهيار مالي في تاريخه، والذي كان بحاجة إلى كل ورقة قوة في ملف الغاز والنفط، قَبِلَ بتسوية أبقت كاريش عملياً لإسرائيل وعلّقت آماله على قانا، وهو حقل لم يتحول حتى الآن إلى خلاص اقتصادي. والأسوأ أن حزب الله، الذي هدد ورفع السقف وقدم نفسه حامياً للثروة البحرية، انتهى عملياً إلى تغطية اتفاق يمنح إسرائيل حق استخراج الغاز من كاريش، بينما اكتفى لبنان بوعد استثماري مؤجل.

من هذه الزاوية، يصبح اتفاق كاريش نموذجاً مكثفاً لطريقة إدارة بري وحلفائه للدولة: ضجيج سيادي في العلن، تفاوض تحت سقف الأميركي في الواقع، ثم تسوية تُباع للبنانيين كإنجاز. وإذا كان البعض يعتبر أن الاتفاق كان أفضل الممكن في ميزان القوى، فإن السؤال يبقى: من الذي أوصل لبنان إلى ميزان قوى يجعله يفاوض على ثروته من موقع الانهيار؟ ومن الذي أدار الدولة طوال ثلاثة عقود حتى صار الغاز نفسه جزءاً من بازار سياسي لا من استراتيجية وطنية؟

إن القول إن اتفاق كاريش فرّط بالغاز والنفط ليس توصيفاً قانونياً نهائياً بقدر ما هو اتهام سياسي قائم على نتيجة واضحة: إسرائيل بدأت من موقع السيطرة على كاريش، وخرجت من الاتفاق محتفظة به؛ أما لبنان فخرج بوعد قانا، وبخطاب انتصار، وبطبقة سياسية تبيع الوهم كما باعت قبله الكهرباء والإعمار والودائع.

الشيعة المغتربون وأموالهم المنهوبة: من خزّان الاغتراب إلى ضحايا الانهيار

أما الجرح الأعمق فهو جرح الشيعة المغتربين، وخصوصاً أبناء الجنوب والبقاع وأفريقيا والخليج وأوروبا، الذين أفنوا أعمارهم في العمل والتحويلات، وأرسلوا أموالهم إلى لبنان على ثقة بأن المصارف والدولة والزعماء يحفظون تعبهم وعرقهم ومستقبل أولادهم. هؤلاء لم يكونوا مجرد مغتربين؛ كانوا أحد أعمدة بقاء الجنوب وبيوته وجامعاته وزواجه ومشاريعه الصغيرة. لكن عندما انهار النظام المالي بعد عام 2019، اكتشفوا أن أموالهم تبخرت في شبكة مصرفية ـ سياسية ـ مالية حكمتها المنظومة نفسها التي كان بري أحد أعمدتها.

لذلك، حين يطالب الشيعة المغتربون اليوم بأموالهم المنهوبة، فهم لا يخاطبون المصارف وحدها، بل يخاطبون أيضاً من أمسك باسمهم بالسلطة لعقود. يسألون بري: أين ذهبت ودائعنا؟ أين تعب غربتنا؟ أين أموال الجنوب التي حُوّلت إلى لبنان لتبني بيوتاً ومستقبلاً فإذا بها تتحول إلى أرقام محجوزة خلف أبواب المصارف؟ إن مأساة المغتربين الشيعة تكشف زيف الخطاب كله: زعيم يرفع اسم الجنوب والطائفة، لكنه لم يحمِ أموال أبنائها، ولم يحاسب من نهب ودائعهم، ولم يجعل البرلمان ساحة لاسترجاع حقوقهم، بل تركهم يواجهون وحدهم أكبر عملية سطو مقنّعة في تاريخ لبنان الحديث.

الجنوب الذي لم يُبنَ

لو كان خطاب بري عن الجنوب صادقاً في نتائجه، لكان الجنوب اليوم نموذجاً في التنمية: بنى تحتية، جامعات، مستشفيات، فرص عمل، زراعة حديثة، حماية اجتماعية، ومؤسسات محلية قوية. لكن ما حدث أن الجنوب بقي رهينة ثلاثية قاتلة: الحرب، الزبائنية، والهجرة.

أُعيد إعمار الحجر مرات، لكن لم تُبنَ دولة. وُزعت التعويضات، لكن لم تُبنَ اقتصاديات محلية مستقلة. رُفعت صور الزعماء والشهداء، لكن لم يُرفع المواطن من حاجته إلى الواسطة. وهكذا صار الجنوب، باسم مقاومة إسرائيل وباسم الحرمان، منطقة مستنزفة سياسياً: يدفع الثمن في الحرب، ويُستخدم في السلم، ثم يُطلب منه أن يصمت لأن “المرحلة خطيرة”.

بري ليس هامشاً في الفساد اللبناني بل أحد أعمدته

لا يمكن اختزال فساد لبنان بشخص واحد، ولا يمكن إعفاء بقية الزعماء من مسؤولياتهم. لكن بري حالة خاصة لأنه جمع بين طول البقاء، عمق النفوذ، رئاسة مؤسسة رقابية، زعامة حزبية، شبكة خدمات، تحالف مع قوة مسلحة، وقدرة دائمة على تعطيل الاستحقاقات.

خصوم بري يتهمونه منذ سنوات بأنه أحد رموز الفساد السياسي في لبنان. والتقارير الدولية لا تقول إن بري وحده هو الفساد، لكنها تقول إن لبنان غارق في منظومة غياب مساءلة وشفافية، وإن السلطة نفسها التي قادت البلد إلى الانهيار هي التي تُمسك بمفاتيح الإصلاح. وبري، بحكم موقعه منذ عام 1992، ليس شاهداً خارجياً على هذه المنظومة، بل أحد أعمدتها.

الأهم من التصريحات هو أن الواقع يدعم السؤال: ماذا فعل بري لبناء دولة؟ أين الإصلاحات التي قادها؟ أين المؤسسات التي حماها؟ أين الرقابة التي فعّلها؟ أين الجنوب الذي وعد به؟ أين البرلمان الذي جعله سلطة محاسبة لا غرفة انتظار للتسويات؟

الخلاصة: زعيم الطائفة أم شاهد على خرابها؟

نبيه بري قدّم نفسه طويلاً كحامي الشيعة في النظام اللبناني، وكصوت الجنوب، وكضمانة في التسويات. لكن الحصيلة تقول شيئاً آخر: الطائفة لم تتحول في عهده إلى قوة مواطنة داخل دولة عادلة، بل إلى كتلة تفاوضية بين حركة زبائنية وحزب مسلح. والجنوب لم يتحول إلى نموذج إنمائي، بل إلى خزان سياسي وحربي. والدولة لم تقوَ، بل ضعفت. والبرلمان لم يحاسب، بل ساهم في تدوير النظام.

قد يعرف بري كيف يفاوض الأميركيين، وكيف يطمئن حزب الله، وكيف يمسك خيوط اللعبة اللبنانية. لكنه لم يقدم للبنان ما يصنع دولة. لم يقدم سوى مدرسة طويلة في إدارة المحاصصة: وجبات فساد، رعاية زبائنية، تعطيل محاسبة، توزيع نفوذ تحت شعار الطائفة والجنوب، وتسويات كبرى تُباع للناس كإنجازات بينما يخرج لبنان منها أضعف مما دخل.

والسؤال اليوم لم يعد: ماذا يريد بري؟ بل: كم بقي من لبنان بعد كل هؤلاء الذين حكموا باسمه، نهبوا باسمه، عطّلوه باسمه، ثم طالبوا الناس بالصبر باسم المصلحة الوطنية؟

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

ماركس وباكونين: الصراع الذي شقّ الثورة إلى طريقين!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد من الأممية الأولى إلى مؤتمر لاهاي: من كان أقرب...

هالة نهرا ووجدي أبو ذياب في عملٍ إبداعيّ: من سلوفينيا إلى العالم!

أخباركم - أخبارنا تجلببتْ قصيدة «يا ضوء الأضواء» للشاعرة اللبنانية والعربية هالة نهرا، من...

اليسار الفلسطيني أمام مرآة الحقيقة: أزمة المشروع أم أزمة الاستقلال السياسي؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ردّ على مقالة «اليسار الفلسطيني أمام لحظة الحقيقة.. من...

الحجّاج والسفّاح: هل يعيد التاريخ إنتاج وجهي السلطة؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يصعب فهم الحجّاج بن يوسف الثقفي وأبي العباس السفّاح...

More like this

من فيصل وبوتو إلى مكة: هل وُلدت المظلة النووية السعودية في السبعينيات وتستعد إسرائيل اليوم لمواجهتها؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هناك سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه قد يكون مفتاحاً...

نحو شرق أوسط جديد!

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح على مدى الأشهر التي تلت كارثة طوفان الأقصى، زعم...

سلسلة تعيينات باسم خامنئي: هل بدأت عملية إعادة بناء السلطة من داخل السلطة ام نفذ انقلاب ابيض؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ما جرى في إيران خلال الأيام الأخيرة من تعيينات...