أخباركم – أخبارنا
بين حق الاعتراض وضعف الحجة في نقاش اتفاق الإطار
في النقاش اللبناني الدائر حول اتفاق الإطار، برز سؤال قديم جديد: هل يكفي أن يرفض المواطن اتفاقاً أو قراراً سياسياً، أم يصبح ملزماً بتقديم بديل واضح ومكتمل؟
ضمن هذا السياق، يقول علي إن من أكثر الأسئلة المطروحة في لبنان: “إذا كنت ضد هذا الخيار، فما البديل؟” ثم يرفض منطق السؤال من أساسه، لأنه يرى أن المواطن ليس حكومة ولا برلماناً ولا جهازاً تنفيذياً، وليس صاحب سلطة قرار. دوره، بحسب منطقه، أن يقول إن القرار خاطئ أو فاشل أو غير قابل للتطبيق. أما من أخذ القرار، ومن يملك السلطة والأجهزة والموارد، فهو المسؤول عن إيجاد البدائل وتحمل نتائجها. ويذهب علي أبعد من ذلك حين يعتبر أن سؤال “ما البديل؟” قد يتحول إلى منطق قمعي أو تهكمي، كأنه يقول للناس: إذا لم يكن لديكم حل جاهز، فاصمتوا واتركوا السلطة تفعل ما تريد.
في المقابل، يرد عمار بمنطق مختلف. هو لا يقول إن من لا يملك بديلاً يكون بالضرورة مخطئاً. بل يفرّق بين صحة الاعتراض من جهة، وقوة الحجة من جهة أخرى. فالمواطن قد يكون محقاً في رفض اقتراح ما، لكن غياب البديل يجعل موقفه الإقناعي أضعف مما لو امتلك بديلاً قابلاً للتطبيق. لذلك يرى عمار أن من حق الطرف الآخر أن يضغط على المعترض بسبب غياب البديل، لا لأنه يثبت خطأه، بل لأنه يكشف نقطة ضعف في حجته. وبحسب منطقه، فإن قول المواطن “ليس من واجبي أن أقدم بديلاً” لا يلغي هذه الثغرة، بل عليه أن يقبل بأن موقفه قد يكون أقل إقناعاً في النقاش العام.
الحقيقة أن الموقفين يحتويان على جزء من الصواب وجزء من الخلل.
علي محق حين يقول إن المواطن ليس مطالباً بأن يحل محل الدولة. فالدولة لا تأخذ شرعيتها من مطالبة الناس بالسكوت، بل من قدرتها على إدارة المخاطر، ووضع السياسات، وتقديم البدائل، وتحمل المسؤولية. المواطن العادي لا يملك ملفات التفاوض، ولا الخرائط الأمنية، ولا المعطيات العسكرية، ولا إمكانات الدولة، ولا صلاحية القرار. لذلك لا يجوز أن يُقال له: إما أن تقدم خطة كاملة بديلة، أو تفقد حقك في الاعتراض. هذا منطق غير ديمقراطي، لأنه يحوّل المواطنة من حق في الرقابة والمحاسبة إلى امتحان تقني مستحيل.
في هذا المعنى، يستطيع المواطن أن يقول إن اتفاق الإطار ناقص، أو خطير، أو غير عادل، أو غير قابل للتنفيذ، حتى لو لم يكن لديه بديل نهائي. يستطيع أن يعترض على بند يراه مجحفاً، أو على غياب ضمانات، أو على إعطاء إسرائيل قدرة على ربط الانسحاب بشروط مفتوحة، أو على طريقة إدارة السلطة اللبنانية للملف. فالاعتراض هنا ليس ترفاً، بل وظيفة سياسية طبيعية للمواطن، خصوصاً في بلد دفع ثمناً هائلاً للحرب والنزوح والدمار.
لكن عمار محق أيضاً في نقطة أساسية: في النقاش السياسي، لا يكفي دائماً أن تقول “هذا خطأ” ثم تتوقف. فالاعتراض حق، لكنه لا يتحول تلقائياً إلى موقف مقنع أو ناضج. هناك فرق بين الحق في الكلام وقوة الكلام. من حقك أن ترفض، لكن من حق الآخرين أن يسألوك: رفضك يأخذنا إلى أين؟ هل ترفض الاتفاق لأنك تريد اتفاقاً أفضل؟ أم لأنك ترفض مبدأ التفاوض؟ هل تعترض على التوقيت؟ على الضمانات؟ على آلية التنفيذ؟ على نزع السلاح؟ على إبقاء الانسحاب مشروطاً؟ أم على كل ذلك معاً؟
هنا يصبح سؤال البديل مشروعاً، لا بوصفه وسيلة لإسكات المواطن، بل بوصفه اختباراً لجدية الموقف. فإذا قال مواطن: “أنا أرفض اتفاق الإطار لأنه لا يضمن انسحاباً إسرائيلياً فورياً”، فهذا اعتراض واضح يمكن مناقشته. وإذا قال: “أنا أقبل بمبدأ حصر السلاح بيد الدولة، لكن أرفض أن يتم ذلك تحت ضغط إسرائيلي أو من دون ضمانات دولية”، فهذا موقف أكثر تحديداً. أما إذا قال فقط: “أنا ضد الاتفاق”، ثم رفض أي سؤال إضافي بحجة أنه ليس في السلطة، فهنا يصبح موقفه ناقصاً من الناحية الحجاجية، حتى لو بقي حقه في الرفض قائماً.
المشكلة إذن ليست في سؤال “ما البديل؟” بحد ذاته، بل في طريقة استخدامه. عندما تستخدمه السلطة أو أنصارها لإسكات الناس، يصبح سؤالاً قمعياً. كأن يقال للمواطن: “لا تنتقد لأنك لا تملك خطة.” هذا باطل. أما عندما يستخدمه طرف في النقاش ليطلب توضيحاً للموقف، فهو سؤال مشروع. الفارق كبير بين سؤال يريد إلغاء الاعتراض، وسؤال يريد فهم الاعتراض.
ثمة نقطة إضافية لا بد من توضيحها هنا: يجب التفريق بين المواطن العادي، وبين المواطن الذي يتحول إلى فاعل في النقاش العام. فالمواطن العادي، في حياته اليومية، غير مطالب بأن يحمل خطة إنقاذ وطنية في جيبه كي يحق له الاعتراض. يكفي أن يشعر أن القرار يهدد أمنه أو مستقبله أو كرامته أو سيادة بلده حتى يكون اعتراضه مشروعاً. لكن الكاتب، أو الناشط، أو السياسي، أو صاحب الرأي المؤثر، حين يدخل المجال العام ويخاطب الناس ويحاول توجيه النقاش، يصبح مطالباً بمستوى أعلى من المسؤولية الحجاجية. ليس مطلوباً منه أن يكتب اتفاقاً بديلاً أو أن يتصرف كوزير خارجية، لكنه مطالب بأن يوضح شروطه ومعاييره: ما الذي يرفضه تحديداً؟ ما الحد الأدنى المقبول؟ أين يرى الخطر؟ وأي مسار عام يراه أقل كلفة على البلد؟ هنا لا يكون سؤال البديل قمعاً، بل يصبح جزءاً من اختبار جدية الخطاب العام.
فالرفض المسؤول لا يعني امتلاك الحل الكامل، بل يعني امتلاك معيار واضح للحكم. قد يقول المواطن: أرفض الاتفاق لأنه لا يضمن الانسحاب، أو لأنه يربط السيادة اللبنانية بإرادة إسرائيلية، أو لأنه لا يشرح كيف ستُحصر القوة بيد الدولة من دون انفجار داخلي، أو لأنه يتجاهل ملف الإعمار والنازحين. هذا النوع من الرفض لا يقدم خطة كاملة، لكنه يقدم معياراً سياسياً وأخلاقياً للنقاش. أما الرفض المطلق، غير المحدد، فيبقى صرخة مشروعة، لكنه لا يكفي وحده لبناء موقف قادر على إقناع الآخرين أو التأثير في القرار العام.
في موضوع اتفاق الإطار تحديداً، يظهر هذا الفارق بوضوح. فهناك من يرفض الاتفاق لأنه يعتبره رضوخاً لشروط خارجية أو إسرائيلية، وهناك من يؤيده لأنه يرى فيه أول مسار جدي لإعادة الدولة إلى الجنوب، وإنهاء ازدواجية السلاح، وفتح باب الإعمار وعودة النازحين. وبين هذين الموقفين توجد مساحة واسعة للنقاش: هل الاتفاق يضع الدولة على سكة استعادة السيادة، أم يضع لبنان تحت ضغط خارجي جديد؟ هل نزع سلاح حزب الله يجب أن يكون شرطاً للانسحاب، أم نتيجة لمسار لبناني داخلي؟ هل تستطيع الدولة تنفيذ الاتفاق من دون انقسام داخلي؟ وهل رفض الاتفاق يعني العودة إلى الحرب، أم البحث عن صيغة أفضل؟
هنا لا يكفي موقف علي وحده، ولا يكفي موقف عمار وحده. علي يحمي حق المواطن في الاعتراض، وهذا ضروري. وعمار يذكّر بأن الاعتراض يصبح أقوى عندما يحدد صاحبه البديل أو على الأقل شروط البديل، وهذا صحيح أيضاً. المواطن ليس مطالباً بأن يكتب اتفاقاً دولياً بديلاً، لكنه مطالب، إذا أراد التأثير في الرأي العام، بأن يوضح معيار رفضه. هل يرفض لأن الاتفاق لا يحمي السيادة؟ فليقل ما الحد الأدنى المقبول لحماية السيادة. هل يرفض لأنه يخشى الفتنة الداخلية؟ فليقل كيف يمكن حصر السلاح بيد الدولة من دون حرب أهلية. هل يرفض لأنه يرى أن إسرائيل تستغل ضعف لبنان؟ فليقل ما الضمانات التي يجب أن تُطلب قبل التنفيذ. ليس مطلوباً منه أن يكون وزير خارجية، لكن مطلوب منه أن يكون واضحاً.
بالمقابل، لا يجوز للسلطة أن تختبئ خلف ضعف بدائل المواطنين. فالمسؤولية النهائية ليست عند المواطن، بل عند من يحكم ويتفاوض ويوقّع. من يملك السلطة لا يستطيع أن يقول للناس: “أعطوني بديلاً أو اصمتوا.” واجبه أن يشرح لماذا اختار هذا الطريق، ما مخاطره، ما ضماناته، ما كلفته، ما خطة التنفيذ، وما الذي سيحدث إذا فشل. السلطة لا تُحاسَب فقط على نواياها، بل على نتائج قراراتها.
الخلاصة أن المواطن غير مطالب بإيجاد الحل الكامل. هذا واجب الدولة. لكنه، إذا أراد أن يكون اعتراضه مؤثراً لا مجرد صرخة، يحتاج إلى أكثر من الرفض. يحتاج إلى تحديد سبب الرفض، ومعيار القبول، والحد الأدنى من البديل السياسي أو الأخلاقي أو العملي. لذلك، علي محق في رفض إسكات المواطن بحجة غياب البديل، وعمار محق في القول إن غياب البديل يضعف قوة الحجة. الحق في الاعتراض لا يحتاج إلى شهادة اختصاص، لكن الإقناع يحتاج إلى وضوح ومسؤولية.
في السياسة، ليس كل من لا يملك بديلاً مخطئاً، وليس كل من يملك بديلاً مصيباً. لكن المواطن الأقوى هو الذي لا يكتفي بأن يقول “لا”، بل يشرح: لا لماذا، لا لأي ثمن، ولا باسم أي تصور للدولة. أما الدولة الأقوى فهي التي لا تخاف من اعتراض الناس، بل تجيبهم بخطة واضحة لا بشعار ولا بسؤال تهكمي.



