الأحد, أغسطس 16, 2026
31.3 C
Beirut

محور المقاومة أمام مرآته: مكافحة التجسس مخترقة، ومكافحة الفساد متهمة، وحزب الله تحت سؤال العمالة!

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

كتب الإعلامي حنا صالح جملة مكثفة تختصر، بسخرية سوداء، حجم التآكل الداخلي الذي أصاب ما يُسمّى “محور المقاومة”: “في إيران طلع رئيس لجنة مكافحة التجسس عميلاً للموساد الإسرائيلي، وفي العراق طلع رئيس لجنة مكافحة الفساد حرامي”. ليست الجملة مجرد نكتة سياسية عابرة، بل مفتاح لقراءة أعمق: ماذا يبقى من محورٍ بنى صورته على الأمن والطهارة والمقاومة، فإذا بأجهزته الأمنية تُخترق، ولجانه الرقابية تُتهم، وميليشياته التي ادّعت امتلاك أسرار الحرب تسقط قياداتها تباعاً بضربات لا يمكن تفسيرها من دون فتح ملفات الاختراق والعمالة والفساد الأمني؟

في الحالة الإيرانية، لم يأتِ الكلام عن الاختراق من خصوم النظام وحدهم. الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد سبق أن صرّح بأن أعلى مسؤول عن مكافحة التجسس الإسرائيلي داخل وزارة الاستخبارات الإيرانية كان هو نفسه عميلاً لإسرائيل. وقد نقلت إيران إنترناشيونال هذا التصريح في تقرير منشور في تشرين الأول/أكتوبر 2021، وفيه قال أحمدي نجاد إن الجهاز المكلّف بمواجهة الاختراق الإسرائيلي كان مخترقاً من الداخل. بصرف النظر عن توظيف أحمدي نجاد السياسي لهذا الكلام في صراعاته مع أجنحة النظام، فإن مجرد صدور هذا الاتهام من رئيس إيراني سابق يكشف أن أزمة الاختراق لم تعد دعاية خارجية، بل صارت جزءاً من الشك الداخلي في بنية النظام الأمني الإيراني نفسه.

هذه المفارقة تضرب قلب الرواية الإيرانية. فالنظام الذي بنى هيبته على أنه دولة أجهزة، وحرس ثوري، واستخبارات، وشبكات أمنية عابرة للحدود، وجد نفسه أمام اغتيالات داخل العمق الإيراني، وتسريبات، واختراقات نووية وأمنية، واتهامات من داخله بأن الموساد لم يكن يقف خارج الجدار فقط، بل ربما دخل إلى غرف القرار نفسها. هنا لا يعود السؤال عن قوة إسرائيل وحدها، بل عن هشاشة بنية نظام مغلق، يكثر فيه الشك، وتتصارع فيه الأجهزة، وتتحول فيه السرية إلى غطاء لا يحمي الأمن بقدر ما يحمي الفشل.

أما في العراق، فإن الجملة الثانية في كلام حنا صالح تلامس عصباً مكشوفاً في نظام ما بعد 2003. البلد الذي أُنهك باسم المحاصصة، والذي قُدمت فيه مكافحة الفساد دائماً كشعار رسمي، وجد نفسه أمام حملات اعتقال طالت نواباً ومسؤولين وشخصيات متصلة بملفات فساد. وكالة أسوشيتد برس نشرت في حزيران/يونيو 2026 تقريراً عن حملة عراقية واسعة طالت عشرات السياسيين والمسؤولين، بينهم نواب حاليون، ضمن ملفات تتعلق بالفساد وإساءة استخدام موارد الدولة. ومع أن التحقيقات القضائية هي وحدها التي تفصل في المسؤوليات النهائية، فإن المعنى السياسي للحملة واضح: الفساد لم يعد هامشاً في الدولة العراقية، بل صار جزءاً من هندسة السلطة نفسها.

المشكلة في العراق ليست أن هناك فاسدين فقط، بل أن الفساد صار نظاماً موازياً للدولة. أحزاب تمسك بالوزارات كأنها إقطاعيات. ميليشيات تقترب من المنافذ والعقود والتهريب. كتل سياسية تتحدث عن الإصلاح وهي جزء من شبكة الحماية. لذلك تصبح مفارقة “رئيس مكافحة الفساد المتهم بالفساد” أكثر من حادثة فردية؛ إنها صورة عن دولة أُفرغت من معناها، حيث من يفترض به أن يراقب يتحول أحياناً إلى جزء من السوق، ومن يفترض به أن يحاسب يصبح بحاجة إلى من يحاسبه.

هنا تظهر وحدة المرض بين طهران وبغداد وبيروت. في إيران، جهاز مكافحة التجسس يُتّهم بأنه مخترق. في العراق، مؤسسات مكافحة الفساد تصطدم بشبكات سياسية عميقة. في لبنان، حزب الله، الذي قدّم نفسه لعقود على أنه التنظيم الأكثر انضباطاً وسرية وقدرة على حماية بنيته، وجد نفسه أمام سلسلة اغتيالات واختراقات فتحت الباب على سؤال مرعب بالنسبة لجمهوره قبل خصومه: من أين دخلت إسرائيل؟ وكيف عرفت؟ ومن سهّل؟ ومن أهمل؟ ومن خان؟

اغتيال حسن نصرالله لم يكن حادثة أمنية عادية في بنية حزب الله. وكالة رويترز نشرت في 28 أيلول/سبتمبر 2024 تقريراً قالت فيه إن مقتله كشف عمق الاختراق الإسرائيلي للحزب، وإن إسرائيل وجّهت ضربات قاسية إلى هيكل القيادة والسيطرة. كما نقلت رويترز عن الجيش الإسرائيلي أنه قتل ثمانية من أصل تسعة من كبار القادة العسكريين في حزب الله في تلك المرحلة. هذا الرقم وحده، حتى لو قُرئ في سياق حرب مفتوحة، لا يمكن التعامل معه كخسارة ميدانية تقليدية فقط. إنه مؤشر على انكشاف أمني واسع، وعلى قدرة استخبارية وصلت إلى مستويات حساسة داخل الحزب.

الأمر لم يتوقف عند الاغتيالات. تفجير أجهزة “البيجر” وأجهزة الاتصال اللاسلكية شكّل ضربة غير مسبوقة في تاريخ الحروب الأمنية الحديثة. رويترز نشرت في أيلول/سبتمبر 2024 أن الهجومين أدّيا إلى مقتل 39 شخصاً وجرح أكثر من 3400، ونقلت عن مصادر أمنية غربية أن الموساد قاد العملية. كما تحدثت تقارير رويترز عن زرع مواد متفجرة في آلاف الأجهزة التي وصلت إلى حزب الله قبل أشهر من تفجيرها. هذا النوع من العمليات لا ينجح بضربة جوية فقط، بل يحتاج إلى معرفة بسلاسل التوريد، وبطرق الشراء، وبآليات التوزيع، وبالثقة الداخلية، وبمستوى استخدام الأجهزة داخل التنظيم.

لذلك فإن “كمية الاغتيالات” في صفوف حزب الله لا تفتح فقط ملف الخسارة العسكرية، بل تفتح ملف العمالة بأوسع معانيه. والعمالة هنا لا تعني بالضرورة دائماً الصورة التقليدية لعميل يجلس في غرفة مظلمة ويسلم الخرائط. قد تكون العمالة شخصاً. وقد تكون شبكة. وقد تكون فساداً مالياً فتح باب الاختراق. وقد تكون مقاولاً أو وسيطاً أو مورّداً. وقد تكون ثغرة تقنية. وقد تكون غروراً تنظيمياً جعل الحزب يعتقد أنه فوق الاختراق. لكن النتيجة واحدة: جهاز أمني كان يقول للناس إنه يعرف كل شيء، فإذا به يكتشف أن عدوه يعرف عنه أكثر مما يعرف هو عن نفسه.

الأخطر أن محور المقاومة يتعامل مع هذه الانهيارات بمنطق الإنكار. كل اختراق يصبح “بطولة مؤجلة”. كل اغتيال يتحول إلى “انتصار معنوي”. كل فضيحة فساد تُفسّر بأنها “استهداف سياسي”. كل اعتراض داخلي يُرمى بتهمة خدمة العدو. هكذا يُغلق باب المحاسبة، وتتحول القداسة السياسية إلى مقبرة للحقيقة. فلا أحد يسأل: لماذا اخترقوا؟ من قصّر؟ من استفاد؟ من قبض؟ من سهّل؟ من غطّى؟ ومن كذب على الجمهور طوال السنوات الماضية؟

هذا المحور عاش طويلاً على اتهام الآخرين بالعمالة. في لبنان، كل من طالب بالدولة صار عميلاً. كل من رفض السلاح صار مشروع فتنة. كل من انتقد إيران صار صهيونياً. في العراق، كل من رفض الميليشيات اتُّهم بخدمة أميركا. في إيران، كل معارض صار جزءاً من مؤامرة أجنبية. لكن حين تكبر الاختراقات داخل الأجهزة نفسها، وحين تسقط القيادات في غرفها وملاجئها وخطوط اتصالها، يصبح الاتهام بحاجة إلى إعادة توجيه: هل كان العدو في الخارج فقط، أم أن بنية المحور نفسها صارت منتجة للثغرات والعملاء والفاسدين؟

إن فساد العراق واختراق إيران وضربات حزب الله ليست ملفات منفصلة. إنها أعراض مرض واحد: سلطة بلا رقابة، وسلاح فوق الدولة، وأجهزة فوق القانون، وأحزاب فوق المحاسبة. عندما يغيب القضاء المستقل، ويُستبدل الولاء بالكفاءة، وتصبح الشعارات أهم من المؤسسات، يصبح الاختراق نتيجة طبيعية. وعندما تتحول المقاومة إلى امتياز سياسي ومالي وأمني، فإن أول ما يُقاوَم فعلياً هو الحقيقة.

ما قاله حنا صالح مؤلم لأنه يختصر انهيار الأسطورة في صورتين: من يحارب التجسس صار متهماً بالتجسس، ومن يحارب الفساد صار متهماً بالفساد. وبين الصورتين تقف صورة ثالثة لا تقل خطورة: حزب الله الذي كان يفاخر بأمنه الحديدي يجد نفسه أمام اغتيالات نوعية وانفجارات في أجهزة الاتصال وثغرات في سلاسل التوريد. هذه ليست تفاصيل تقنية، بل أسئلة سياسية وأخلاقية وأمنية تذهب إلى قلب شرعية المحور كله.

اليوم، لا يواجه محور المقاومة خصومه فقط. يواجه مرآته. وفي هذه المرآة لا تظهر صورة المنتصر ولا صورة الطاهر ولا صورة الحصن الأمني المنيع. تظهر صورة محور مخترق، مرتبك، فاسد، ومأزوم. محور يرفع شعار السيادة فيما يحوّل الدول إلى ساحات. يرفع شعار المقاومة فيما يعجز عن حماية قياداته. يرفع شعار مكافحة الفساد فيما تغرق بيئاته السياسية في النهب والمحاصصة. يرفع شعار الأمن فيما العدو يدخل من ثغراته الداخلية قبل حدوده الخارجية.

لهذا لم تعد المسألة أن نسأل: من خان محور المقاومة؟ السؤال الأعمق والأقسى هو: ماذا بقي من هذا المحور بعدما خانته أجهزته، وفضحته لجانه، وكشفت اغتيالاته أن العطب لم يكن على الحدود فقط، بل في الداخل، في البنية، في المال، في الأمن، وفي الوهم الكبير الذي باعه للناس باسم المقاومة؟

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

من بقرة بني إسرائيل إلى مفاوضات لبنان: حين يصبح الشرط مدخلاً لشرط جديد

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ثمة قصص دينية لا تبقى حبيسة زمنها، بل تتحول...

اسم غامض في رواية نعيم قاسم السياسية: هل قال موشي يائير ما نُسب إليه؟

أخباركم - أخبارنا/ فاطمة حوحو في زمن انتشار وسائل التواصل الإجتماعي وموقع صحافتها المشكك بها، يمكن...

ممل الشيخ نعيم!

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح التكرار والإنكار والغربة عن الواقع سمات خطبه المملة. سلفه...

ماركس وباكونين: الصراع الذي شقّ الثورة إلى طريقين!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد من الأممية الأولى إلى مؤتمر لاهاي: من كان أقرب...

More like this

ممل الشيخ نعيم!

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح التكرار والإنكار والغربة عن الواقع سمات خطبه المملة. سلفه...

من فيصل وبوتو إلى مكة: هل وُلدت المظلة النووية السعودية في السبعينيات وتستعد إسرائيل اليوم لمواجهتها؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هناك سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه قد يكون مفتاحاً...

نحو شرق أوسط جديد!

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح على مدى الأشهر التي تلت كارثة طوفان الأقصى، زعم...