خاص: أخباركم – أخبارنا
بلد غني ومواطن فقير
العراق ليس بلداً فقيراً بالموارد، بل بلداً أُفقر سياسياً وإدارياً. المشكلة ليست في غياب النفط، بل في غياب الدولة العادلة التي تحوّل النفط إلى عمل، كهرباء، ماء، مدرسة، مستشفى، وكرامة.
المواطن العراقي يعيش مفارقة قاسية: الدولة تبيع النفط، لكن الناس لا يرون النفط إلا في نشرات الأخبار وأرقام الموازنات. فحين تكون الثروة مركّزة في يد الدولة، وتكون الدولة نفسها مخترقة بالمحاصصة والولاءات والرشوة، يصبح النفط لعنة سياسية لا نعمة وطنية.
أين تذهب أموال النفط؟
أما عن حجم السرقة، فالأرقام المتداولة عن عشرات المليارات ليست مبالغة حين تُقرأ ضمن موازنات هائلة وقطاع نفطي ضخم ومنافذ وإيرادات غير منظورة وصفقات وعقود ومشاريع وهمية. العراق لا ينزف من باب واحد، بل من أبواب كثيرة: النفط، الكهرباء، المنافذ، العقود، المصارف، الجمارك، الرواتب الوهمية، المشاريع المتوقفة، والعمولات التي تسبق أي خدمة عامة.
الفساد يسرق المستقبل
الفساد لم يسرق المال فقط، بل سرق المستقبل. الشاب العراقي لا يبحث عن رفاهية، بل عن تعيين، فرصة، راتب، وبداية حياة. لكن الاقتصاد بقي رهينة الدولة والوظيفة العامة، لا اقتصاد إنتاج وصناعة وزراعة وخدمات. لذلك يعيش جيل واسع بين انتظار الوظيفة الحكومية، أو الهجرة، أو العمل الهش، أو الارتماء في شبكات الزبائنية الحزبية.
والأخطر أن الدولة لم تبنِ اقتصاداً بديلاً عن النفط. فكل ارتفاع في الأسعار يُهدر، وكل هبوط يتحول إلى أزمة رواتب وخدمات. كأن البلد كله موضوع على طاولة مقامرة سياسية: إذا ارتفع النفط انتفخت جيوب الفاسدين، وإذا انخفض النفط دُعي المواطن إلى التقشف والصبر.
المواطن يدفع ثمن السرقة مرتين
في الحياة اليومية، يدفع العراقي ثمن الفساد مرتين: مرة حين تُسرق الأموال العامة، ومرة حين يُجبر على شراء ما كان يجب أن تؤمّنه الدولة. يدفع للمولدة بسبب فشل الكهرباء، ويدفع للطبابة الخاصة بسبب انهيار المستشفى، ويدفع للدروس الخصوصية بسبب ضعف المدرسة، ويدفع الرشوة أو الواسطة ليحصل على حق طبيعي. هكذا يتحول الفساد من ملف قضائي إلى نظام حياة كامل يبتلع راتب المواطن وكرامته.
كردستان: راتب المواطن بين بغداد وأربيل
أما في كردستان، فالصورة أكثر قسوة لأنها تضيف إلى الفساد والمحاصصة أزمة العلاقة المالية بين بغداد وأربيل، وأزمة إدارة داخلية لا تقل إيلاماً. الموظف في الإقليم صار رهينة صراع النفط والموازنة: بغداد تتهم أربيل بعدم الالتزام بتسليم النفط والإيرادات، وأربيل تتهم بغداد بحجب المستحقات والرواتب. النتيجة واحدة: المعلم والموظف والمتقاعد يدفعون الثمن.
اقتطاع الرواتب: تحميل الأزمة لمن لا يملك القرار
لكن الحقيقة لا تقف عند خلاف بغداد وأربيل فقط. حكومة إقليم كردستان نفسها لجأت، خلال سنوات الأزمة، إلى سياسة الاقتطاع من الرواتب والتأخير والتجزئة، فتحوّل الراتب من حق كامل إلى مبلغ ناقص يصل متأخراً، أو لا يصل أصلاً. وقد وردت تقارير عن اقتطاعات تراوحت بين 10 و21 في المئة على عدد من الرواتب، وعن أشهر كاملة غير مدفوعة خلال سنوات حكم الكابينة التاسعة في الإقليم. كما أشارت تقارير أخرى إلى خطط لصرف الرواتب من الإيرادات المحلية مع استقطاع قد يصل إلى 30 في المئة عند تعثر الاتفاق مع بغداد.
هذه ليست إدارة أزمة، بل تحميل الأزمة لمن لا يملك سلطة القرار. فالموظف الكردستاني لم يوقّع عقود النفط، ولم يفاوض الشركات، ولم يقرر كيفية إدارة الإيرادات، ولم يخفِ أرقام المنافذ والضرائب والجمارك. ومع ذلك هو أول من يُعاقَب: راتبه يُقتطع، معيشته تُضغط، ديونه تتراكم، وكرامته تُعلّق بين بيان حكومي وآخر.
الأخطر أن الاقتطاع لا يُقدَّم دائماً كاستقطاع معلن باسم التقشف، بل يظهر أحياناً كراتب ناقص، أو تمويل غير مكتمل، أو “تكيّف مع الوضع”، وكأن حياة الموظف يمكن أن تُدار بمنطق النقص الدائم. وهنا تصبح حكومة الإقليم شريكة مباشرة في المأساة، لا مجرد ضحية لخلافها مع بغداد. فالسلطة التي تقتطع من راتب المعلم والموظف والمتقاعد، بينما لا تقدّم كشفاً كاملاً وشفافاً بالإيرادات النفطية وغير النفطية، لا تستطيع أن تتحدث عن العدالة.
الراتب كأداة إذلال سياسي
أزمة رواتب كردستان تكشف جوهر المرض العراقي: المواطن لا يُعامل كصاحب حق، بل كورقة تفاوض بين سلطتين. الراتب يتحول من حق دستوري ومعيشي إلى أداة ضغط سياسي. وهذا أخطر أنواع الفساد، لأنه لا يسرق المال فقط، بل يسرق الأمان. الموظف الذي لا يعرف متى يقبض راتبه لا يستطيع أن يخطط لإيجار، أو علاج، أو تعليم أولاده، أو حتى مصروف يومي.
النفط يتحول إلى ساحة صراع
وتضاف إلى ذلك مشكلة النفط الكردستاني وخطوط التصدير والعقود والإيرادات، حيث يتحول النفط مرة أخرى من ثروة عامة إلى ساحة صراع بين السلطة الاتحادية وحكومة الإقليم والشركات والأحزاب. وبينما يتفاوض الكبار على البراميل والحصص، يقف المواطن أمام المصرف أو الدائرة أو المدرسة منتظراً راتباً قد يأتي ناقصاً أو متأخراً أو لا يأتي. وقد استؤنفت صادرات نفط الإقليم عبر تركيا بعد توقف طويل، ضمن اتفاق يربط التصدير بشركة سومو وآليات مالية جديدة، لكن المواطن لا يريد أن يسمع فقط عن الاتفاقات؛ يريد أن يرى أثرها في راتبه الكامل لا في راتب مقصوص.
الفساد ليس حادثاً بل بنية حكم
الخلاصة أن الفساد في العراق ليس سرقات متفرقة، بل بنية حكم. هو شبكة تبدأ من النفط والمنافذ والعقود والكهرباء والمصارف والرواتب، وتنتهي عند بيت المواطن: بطالة، فقر، قلق، انقطاع كهرباء، تأخر راتب، اقتطاع راتب، وهجرة. ولهذا لا يكفي اعتقال فاسد هنا أو موظف هناك؛ المطلوب كسر النظام الذي يجعل المال العام غنيمة، والوزارة حصة، والعقد مكافأة حزبية، والوظيفة رشوة انتخابية، والراتب أداة إذلال.
العراق لا يحتاج إلى نفط أكثر بقدر ما يحتاج إلى دولة أكثر. فالثروة موجودة، لكن العدالة غائبة. والمواطن لا يريد شعارات عن “بلد غني”، بل يريد أن يرى هذا الغنى في راتبه، عمله، كهربائه، مدرسته، مستشفاه، وحقه في حياة لا تشبه الانتظار الطويل على باب دولة منهوبة.



