أخباركم – اخبارنا/ مسعود محمد
لم تكن مأساة غزة، ولا خراب الجنوب اللبناني، ولا اهتزاز صورة إيران وأذرعها في المنطقة، نتيجة طريقٍ حقيقي نحو تحرير فلسطين، بل نتيجة مشروع سياسي ـ عسكري استخدم فلسطين شعاراً، واستخدم دماء الناس وقوداً، ثم تركهم تحت الركام، في المخيمات، وفي القرى المهدّمة، بينما بقي القرار الحقيقي في مكان آخر.
منذ سنوات طويلة، باع ما يُسمّى “محور المقاومة” لجمهوره فكرة كبرى: أن السلاح خارج الدولة هو طريق التحرير، وأن الميليشيا أصدق من المؤسسة، وأن القرار الإقليمي أهم من المصلحة الوطنية، وأن الموت اليوم هو ثمن النصر غداً. لكن كل حرب خاضها هذا المحور كشفت العكس تماماً: لا فلسطين تحررت، ولا غزة حُميت، ولا الجنوب اللبناني حُصّن، ولا إيران اقتربت من القدس. الذي حدث أن المجتمعات دُفعت إلى الكارثة، فيما بقيت القيادات تتقن لغة البيانات والانتصارات الكلامية.
تنظيمات تعيش على الأوهام: بنية المحور كأيديولوجيا مغلقة
لا يمكن فهم مكوّنات “المحور” بوصفها مجرد تنظيمات عسكرية أو أحزاب عقائدية متفرقة، بل بوصفها بنية أيديولوجية مغلقة تعيش على إنتاج الوهم وإدارته. فهي لا تكتفي بتضليل جمهورها في لحظة سياسية محددة، بل تبني عالماً رمزياً كاملاً يحلّ محل الواقع: عالمٌ تصبح فيه الهزيمة “نصراً استراتيجياً”، والخراب “ثمناً طبيعياً”، والجوع “صموداً”، وغياب الدولة “تحرراً من التبعية”، والسلاح الخارج عن الشرعية “ضمانة وطنية”. هنا لا يعود الوهم خطأً في التقدير، بل يصبح ضرورة بنيوية لبقاء التنظيم نفسه.
في هذا المعنى، تبدو هذه التنظيمات قريبة مما وصفه كارل ماركس عند حديثه عن الأيديولوجيا بوصفها وعياً مقلوباً للعالم: لا ترى الواقع كما هو، بل كما تحتاج السلطة إلى تمثيله كي تبرر استمرارها. غير أن المسألة هنا أكثر قسوة، لأن الأيديولوجيا لا تكتفي بتجميل الواقع، بل تعيد تسمية الكارثة نفسها. فحين تُدمَّر المدن، لا يُسمح للناس بأن يروا الدمار بوصفه فشلاً سياسياً أو عسكرياً، بل يُطلب منهم أن يروه كجزء من مسار طويل نحو نصر غامض. بهذا تصبح اللغة نفسها أداة سيطرة: الكلمات لا تشرح الواقع، بل تخدّره.
وقد أشار أنطونيو غرامشي إلى أن الهيمنة لا تقوم بالقوة وحدها، بل بإنتاج قبول اجتماعي وثقافي يجعل الخاضعين يتبنون لغة المسيطرين. وهذا ما تفعله مكوّنات المحور: فهي لا تفرض السلاح فقط، بل تفرض قاموساً كاملاً للتفكير. من يعترض على الحرب يُتهم بالخيانة، ومن يسأل عن الثمن يُتهم بالعمالة، ومن يطالب بالدولة يُصوَّر كعدو للمقاومة. هكذا لا يكتفي المحور بالسيطرة على القرار العسكري، بل يسعى إلى السيطرة على المعنى ذاته: ما هو النصر؟ ما هي الخيانة؟ من هو الوطني؟ ومن يملك حق الكلام باسم فلسطين أو الأمة أو الطائفة؟
ومن زاوية بنيوية، تقوم هذه التنظيمات على أربع ركائز مترابطة: عدو دائم، ووعد مؤجل، وجماعة خائفة، وقيادة فوق المحاسبة. العدو الدائم يمنحها مبرر الوجود. الوعد المؤجل يمنع جمهورها من مساءلتها الآن. الجماعة الخائفة تبحث عن حماية رمزية داخل التنظيم. أما القيادة فوق المحاسبة فتدير كل ذلك باسم السرية، والمقاومة، والظروف الاستثنائية. لذلك لا تستطيع هذه التنظيمات أن تعيش داخل دولة طبيعية، لأن الدولة تعني القانون والرقابة والمؤسسات، بينما هي تحتاج إلى الاستثناء الدائم كي تبقى أعلى من القانون.
هنا يمكن استحضار كارل شميت، الذي رأى أن جوهر السلطة السيادية يظهر في القدرة على إعلان حالة الاستثناء. لكن مكوّنات المحور لا تعلن الاستثناء مؤقتاً، بل تحوّله إلى نمط حياة دائم. الحرب دائمة، التعبئة دائمة، الخطر دائم، المؤامرة دائمة، وبالتالي فإن المحاسبة مؤجلة دائماً. كل سؤال داخلي يصبح ترفاً، وكل اعتراض يصبح خيانة، وكل مطالبة بالخبز أو الراتب أو الكهرباء تصبح تفصيلاً صغيراً أمام “المعركة المصيرية”. هكذا تتحول حالة الطوارئ إلى أداة حكم، وتتحول المقاومة من فعل تحرر إلى سلطة استثنائية لا تنتهي.
ومن منظور إريك فروم في تحليله للهروب من الحرية، يمكن القول إن جمهور هذه التنظيمات يُدفع أحياناً إلى استبدال الحرية بالأمان الرمزي. فحين تنهار الدولة، ويشعر الإنسان بالخوف والعجز، يأتي التنظيم المسلح ليقدم له هوية جاهزة، وعدواً واضحاً، وقيادة حاسمة، وسردية كبرى تفسر كل شيء. لكن ثمن هذا الأمان الرمزي باهظ: يتنازل الفرد عن حقه في السؤال، وعن استقلاله الأخلاقي، وعن مواطنته، ليصبح جزءاً من كتلة مصفّقة تنتظر النصر القادم، حتى لو كان واقعها اليوم فقراً ونزوحاً وخراباً.
أما حنة أرندت، في تحليلها للأنظمة الشمولية، فقد بيّنت كيف تتحول الأيديولوجيا إلى منطق مغلق يفسر العالم كله من فرضية واحدة، ولا يسمح للواقع بأن يكذبه. وهذا ينطبق بوضوح على خطاب المحور: كل حدث، مهما كان كارثياً، يُعاد إدخاله في السردية نفسها. إذا قُتل الناس فهذا دليل على شراسة العدو. إذا دُمّرت المدن فهذا دليل على أهمية المعركة. إذا فشلت الخطة فهذا لأن المؤامرة أكبر. وإذا سقط الحلفاء فهذا لأن النصر يحتاج إلى تضحيات أكثر. لا توجد واقعة قادرة على كسر الأيديولوجيا، لأن الأيديولوجيا سبقت الواقع وابتلعته.
بهذا المعنى، لا يعيش المحور على القوة فقط، بل على اقتصاد كامل للوهم. هو يحتاج دائماً إلى إنتاج رموز وتعويضات معنوية: الشهادة تعوض غياب الحياة، الصمود يعوض غياب الانتصار، القداسة تعوض غياب الشرعية، والعدو الخارجي يعوض غياب الإنجاز الداخلي. وكلما كبرت الكارثة، احتاج الخطاب إلى جرعة أكبر من الأسطورة. لذلك نرى بعد كل حرب، وبعد كل دمار، عملية تعبئة لغوية ضخمة لإقناع الناس بأن ما جرى لم يكن هزيمة، بل مرحلة جديدة في طريق النصر.
وفي خلفية هذه البنية، هناك تحويل خطير للمجتمع إلى مادة خام للمشروع الأيديولوجي. الإنسان ليس غاية السياسة، بل وقودها. المدينة ليست مكاناً للحياة، بل ساحة محتملة للمعركة. الدولة ليست عقداً بين المواطنين، بل عائق أمام السلاح. الاقتصاد ليس مجالاً للرفاه، بل خزان تمويل للمحور. وحتى فلسطين، القضية العادلة، لا تُعامل كقضية شعب يريد الحرية والدولة والحياة، بل كرمز تعبوي قابل للاستخدام في أكثر من ساحة.
لذلك فإن أزمة هذه التنظيمات ليست فقط في خياراتها العسكرية، بل في بنيتها الفكرية نفسها. إنها تنظيمات لا تستطيع أن تتصالح مع الحياة الطبيعية، لأن الحياة الطبيعية تفضحها. المدرسة والمستشفى والبلدية والبرلمان والقضاء والصحافة الحرة والنقابة المستقلة كلها مؤسسات تكشف حدود الشعارات. أما التنظيم العقائدي المسلح فيحتاج إلى الضجيج الدائم كي يغطي عجزه عن بناء دولة، وإلى الخطر الدائم كي يغطي عجزه عن إنتاج مستقبل.
غزة: من وعد التحرير إلى مدينة تحت الركام
قدّمت حماس، بقيادة يحيى السنوار ومنظومتها العسكرية والسياسية، نفسها كعنوان لتحرير فلسطين. لكن النتيجة الفعلية بعد حرب غزة كانت كارثة إنسانية غير مسبوقة. فبحسب تقارير أممية، بلغ عدد القتلى الفلسطينيين المبلّغ عنهم في غزة حتى نهاية كانون الأول/ديسمبر 2025 أكثر من 71 ألف قتيل، إضافة إلى أكثر من 171 ألف جريح، فيما استمرت الخسائر بعد إعلان وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر 2025، إذ تحدثت أوتشا في حزيران/يونيو 2026 عن أكثر من ألف قتيل وأكثر من ثلاثة آلاف جريح منذ إعلان ذلك الاتفاق وحده.
هذه الأرقام ليست تفصيلاً إحصائياً. إنها تكشف المعنى العاري للكذبة: أن تنظيماً يرفع شعار تحرير فلسطين انتهى به الأمر إلى ترك الفلسطينيين وسط مقبرة مفتوحة. ليست المسألة هنا في حق الفلسطينيين بالمقاومة، فهذا حق سياسي وأخلاقي لا يُلغيه أحد. المشكلة في تحويل المقاومة إلى قرار مغلق بيد تنظيم، ثم تحويل شعب كامل إلى درع سياسي لحسابات لا يملك حق مناقشتها.
تحرير فلسطين لا يكون بأن تُدمَّر غزة، ولا بأن يصبح الفلسطيني محاصراً بين القصف والجوع والنزوح، ولا بأن تتحول القضية من مشروع وطني تحرري إلى ورقة إقليمية في يد طهران وأذرعها. المقاومة التي لا تستطيع حماية مجتمعها تتحول من فعل تحرر إلى سلطة فوق المجتمع. وحين يصبح الناس مجرد “كلفة” في حساب التنظيم، لا تعود المقاومة دفاعاً عن الإنسان، بل استهلاكاً له.
لقد انتهت أسطورة “المحور يحمي فلسطين” أمام أبسط سؤال: أين الحماية؟ أين التحرير؟ أين الدولة؟ أين الأفق السياسي؟ ما معنى أن ترفع شعار القدس ثم تترك غزة بلا ماء ولا كهرباء ولا مستشفيات ولا بيوت؟ وما معنى أن تُعلن النصر فوق جغرافيا مدمرة وسكان يبحثون عن خيمة ودواء ولقمة خبز؟
الجنوب اللبناني: وعد الجليل انتهى بقرى مدمّرة وناس مهجّرين
في لبنان، لم يكن المشهد مختلفاً. حزب الله وعد جمهوره طويلاً بمعادلات الردع، وبالقدرة على اقتحام الجليل، وبأن سلاحه يحمي لبنان. لكن عند الامتحان، لم يدخل الجليل، بل دخل الخراب إلى الجنوب. لم تُحمَ القرى الحدودية، بل تهجّر أهلها وتعرضت بلداتهم لتدمير واسع، وباتت عودة كثيرين مشروطة بما تبقى من بيوت وطرقات وأمان.
الأرقام هنا لا تقل قسوة عن اللغة. فقد قُدّرت حاجات التعافي وإعادة الإعمار في لبنان بعد حرب 2023-2024 بنحو 11 مليار دولار، وقدّرت الكلفة الاقتصادية الإجمالية بنحو 14 مليار دولار، بينها 6.8 مليارات دولار أضراراً مادية مباشرة، و4.6 مليارات دولار أضراراً في قطاع السكن وحده. كما أشارت تقديرات أممية وإنمائية إلى أن الحرب حتى نهاية 2024 أثّرت في أكثر من 90 ألف منشأة، بينها أكثر من 23 ألف منشأة دُمّرت بالكامل، وأن نحو 64 ألف مبنى، بما يعادل أكثر من 229 ألف وحدة سكنية وغير سكنية، تضررت أو دُمّرت في محافظات الجنوب والنبطية والبقاع وبعلبك الهرمل وبيروت وجبل لبنان.
ولم تتوقف الكلفة عند ذلك. في موجة القتال الأحدث، تحدثت تقارير صحافية عن نحو مليون لبناني اضطروا إلى الفرار، وعن نحو 90 ألف وحدة سكنية دُمّرت كلياً أو جزئياً، فيما عاد نحو 400 ألف شخص فقط إلى مناطقهم مع بقاء كثيرين عاجزين عن العودة لأن بيوتهم لم تعد صالحة للسكن.
هذه ليست “بيئة مقاومة” تعيش انتصاراً. هذه بيئة تدفع ثمن قرار لا تملكه. فحين تُدمّر قرية لبنانية، ويُهجّر أهل الجنوب، ويُربط مصير لبنان بساحات أخرى، يصبح السؤال مشروعاً: هل هذا سلاح تحرير أم سلاح جرّ البلد إلى حروب لا يملك قرارها ولا يعرف نهايتها؟
الأخطر أن حزب الله لم يخض حرباً بقرار الدولة اللبنانية، ولا وفق مصلحة وطنية لبنانية جامعة، بل وفق وظيفة إقليمية داخل محور تقوده إيران. وهذا جوهر المشكلة البنيوية: السلاح لا يكتفي بأن يكون خارج الدولة، بل يصبح دولة فوق الدولة. يقرر الحرب، ثم يطلب من الدولة أن تدفن الضحايا، وأن تستجدي الإعمار، وأن تتحمل الانهيار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.
كان الحزب يروّج طويلاً لفكرة “وحدة الساحات”، لكن وحدة الساحات عملياً عنت وحدة الخراب: غزة تُدمَّر، الجنوب يُدمَّر، العراق يُستنزف بالميليشيات، اليمن يُزج في صراعات لا تنتهي، وسوريا تحولت لسنوات إلى ممر ومقبرة ونظام حماية للمحور. أما فلسطين، التي يفترض أنها العنوان، فبقيت أبعد ما تكون عن التحرير.
إيران: ليست ذاهبة إلى القدس بل تبحث عن نفوذها
إيران لا تقاتل من أجل تحرير فلسطين بقدر ما تستخدم فلسطين كأداة في صراعها على الدور والنفوذ. هذا ليس تحليلاً عاطفياً، بل ما تؤكده بنية “محور المقاومة” نفسه: شبكة حلفاء ووكلاء بنتها طهران لعقود لمواجهة النفوذ الأميركي والإسرائيلي وتوسيع حضورها الإقليمي، وتشمل حزب الله وميليشيات عراقية والحوثيين وعلاقات مع حماس وفصائل أخرى.
إيران لا تريد تحرير فلسطين بقرار فلسطيني مستقل، بل تريد فلسطين داخل منظومتها. تريد القضية كراية تعبئة، وكورقة تفاوض، وكوسيلة ضغط. لذلك تتحرك حين يخدمها التحرك، وتتراجع حين تصبح الكلفة على نظامها مباشرة. ترفع شعار القدس، لكنها تفاوض على العقوبات والنفوذ والملفات النووية والأمنية. تتحدث عن الأمة، لكنها تدير حروباً بالوكالة كي لا تدفع الثمن كاملاً على أرضها.
من منظور بنيوي، إيران لا تدير “مقاومة” بقدر ما تدير شبكة نفوذ. والفرق كبير بين مقاومة وطنية تنبع من شعبها وتُحاسَب أمامه، وبين شبكة عابرة للحدود تستخدم قضايا الشعوب كأوراق في صراع إقليمي. في الأولى يكون الشعب هو الغاية. في الثانية يصبح الشعب مساحة عمليات.
وحين تتعرض أذرعها لضربات قاسية، تنكشف الحقيقة: المحور ليس قوة تحرير، بل شبكة نفوذ قابلة للانكماش والتوسع حسب موازين القوة. فإذا ارتفعت الكلفة على طهران، صار الانضباط أولوية. وإذا كانت الكلفة على غزة أو الجنوب أو العراق أو اليمن، صار “الصمود” هو اللغة الجاهزة لتبرير النزيف.
المقاومة حين تنفصل عن الشعب تصبح سلطة فوقه
الفارق كبير بين مقاومة وطنية تنبع من شعبها، وتحمي مجتمعها، وتخضع لمشروع سياسي واضح، وبين ميليشيا تحتكر قرار الحرب والسلم ثم تطلب من الناس التصفيق للنتائج مهما كانت كارثية. المقاومة الحقيقية لا تعتبر الناس خسائر جانبية. لا تختبئ خلف المدنيين. لا تلغي الدولة. لا تصادر القرار الوطني. لا تجعل المجتمع رهينة لسلاحها وخياراتها.
ما فعله المحور هو أنه حوّل فلسطين من قضية تحرر إلى عقيدة تعبئة. صار من يعترض على الكارثة متهماً بالخيانة، ومن يسأل عن الثمن متهماً بالعمالة، ومن يطالب بالدولة متهماً بالتطبيع. بهذا المعنى، لم يعد شعار التحرير مشروعاً سياسياً، بل وسيلة قمع داخلية تُستخدم لإسكات المجتمعات العربية قبل مواجهة إسرائيل.
في غزة، كل نقد لحماس يُقدَّم كخدمة لإسرائيل. في لبنان، كل نقد لحزب الله يُقدَّم كطعن بالمقاومة. في العراق، كل نقد للميليشيات يُقدَّم كاستهداف للمذهب أو للممانعة. وفي إيران، كل اعتراض على كلفة المغامرات الخارجية يُقدَّم كخيانة للثورة. هكذا يصبح شعار فلسطين أداة لضرب الفلسطيني واللبناني والعراقي والإيراني معاً.
هذا هو جوهر الهيمنة كما فهمها غرامشي: أن تجعل الناس يتكلمون بلغة من يهيمن عليهم. أن يخاف الضحية من تسمية جلاده. أن يتردد المواطن في سؤال التنظيم عن الخراب، لأن التنظيم نجح مسبقاً في احتكار معنى الوطنية والشرف والمقاومة.
الكذبة الكبرى: النصر بلا شعب وبلا دولة
أخطر ما في خطاب المحور أنه اخترع تعريفاً مزيفاً للنصر. النصر عنده ليس حماية الناس، ولا تحرير الأرض، ولا بناء الدولة، ولا تحسين حياة المجتمع. النصر عنده هو بقاء التنظيم. إذا بقيت القيادة حية فهو نصر. إذا خرج الناطق العسكري ببيان فهو نصر. إذا أُطلقت صواريخ ثم دُمّرت المدن فهو نصر. إذا عاد الناس إلى ركام بيوتهم فهو “صمود”. وإذا ماتوا، صاروا “شهداء” في خدمة سردية لا تنتهي.
لكن الشعوب لا تعيش بالبيانات. الفلسطيني يريد حرية وكرامة ودولة وحياة. اللبناني يريد دولة وحدوداً آمنة واقتصاداً لا ينهار كلما قررت ميليشيا فتح جبهة. العراقي يريد وطناً لا تتحكم به جماعات مسلحة مرتبطة بالخارج. والإيراني نفسه يريد أن تُصرف ثروات بلده على حياته لا على ميليشيات المنطقة.
تحرير فلسطين لا يمكن أن يكون مشروعاً إيرانياً، ولا قراراً حمساوياً مغلقاً، ولا وعداً حزبياً باقتحام الجليل ثم ترك الجنوب مهدماً. تحرير فلسطين لا يكون بتدمير الفلسطينيين، ولا بتهجير اللبنانيين، ولا بتفكيك الدول العربية، ولا بتقديس السلاح خارج الدولة.
في النهاية، مكوّنات المحور لا تعيش على مشروع تحرير فعلي، بل على تأجيله المستمر. تؤجل الدولة باسم المقاومة، وتؤجل الحرية باسم المعركة، وتؤجل المحاسبة باسم الدم، وتؤجل حياة الناس باسم الوعد الكبير. ولذلك فهي ليست فقط تنظيمات مسلحة، بل آلات أيديولوجية لإنتاج المعنى المقلوب: تجعل الهزيمة قابلة للاحتفال، والخراب قابلاً للتبرير، والموت قابلاً للتسويق، بينما يبقى الإنسان، الذي يفترض أن تكون فلسطين وكل القضايا من أجله، آخر ما تفكر فيه.
فلسطين أكبر من المحور
فلسطين قضية عادلة، لكن المحور ليس عدالة فلسطين. فلسطين قضية شعب يريد الحرية، لا قضية أنظمة وميليشيات تبحث عن شرعية. فلسطين لا تحتاج إلى تجار دم، ولا إلى خطابات انتصار فوق الأنقاض، ولا إلى قادة يحسبون الخراب إنجازاً. تحتاج إلى مشروع وطني عقلاني، إلى وحدة فلسطينية حقيقية، إلى سند عربي ودولي، وإلى سياسة تعرف كيف تحمي الناس لا كيف تستهلكهم.
لقد سقطت كذبة “تحرير فلسطين” كما يبيعها المحور. سقطت في غزة تحت الركام، وسقطت في الجنوب اللبناني بين القرى المدمرة، وسقطت في عجز إيران عن تقديم شيء سوى الشعارات والوكلاء. أما فلسطين الحقيقية، فلسطين الشعب والحق والحرية، فهي أكبر من حماس، وأكبر من حزب الله، وأكبر من إيران، وأكبر من كل محور جعل من التحرير لافتة ومن الإنسان وقوداً.



