أخباركم – أخبارنا/ أكرم محمود
في المشهد اللبناني المعقّد، لا تبدو المفارقات مجرد وجهات نظر سياسية عابرة، بل تتحول، في الأوقات العصيبة، إلى أسئلة مصيرية تقضّ مضاجع المواطنين، ولا سيما أولئك الذين يدفعون أثمان الحروب والنزوح من لحمهم الحي وبيوتهم وبلداتهم.
واليوم، يقف الشارع اللبناني أمام واحدة من أعقد الهوّات الفكرية والسياسية في تاريخه الحديث، تتلخص في التناقض الصارخ بين خطاب “التحرير والمقاومة” من جهة، والسلوك البراغماتي اللاهث وراء وقف إطلاق نار دائم ومستدام من جهة أخرى، برعاية توازنات دولية وإقليمية جديدة، لعل أبرزها ملامح الاتفاق الإيراني ـ الأميركي الأخير.
هذا التناقض يضعنا أمام سؤال بنيوي لا يمكن الهروب منه: إذا كان الحفاظ على ترسانة السلاح مبرَّراً بحتمية استكمال تحرير الأرض، فمن سيتولى تحرير عشرات القرى الجنوبية التي تقبع تحت الاحتلال أو السيطرة العسكرية المباشرة، في وقت يبدي فيه الحزب وجمهوره ترحيباً حاراً بتهدئة طويلة الأمد؟
الاصطدام العنيف بالجدار الواقعي
لعقود طويلة، شُيّدت السردية السياسية والعسكرية لحزب الله على معادلة واضحة: السلاح هو الأداة الوحيدة القادرة على فرض معادلات الردع وتحرير الأرض، في ظل عجز مؤسسات الدولة اللبنانية الرسمية.
إلا أن المجريات الميدانية الأخيرة، وحجم الدمار غير المسبوق، أحدثا صدمة عميقة في وعي هذه البيئة. فقد تحوّل السلاح، في الحسابات الفعلية للربح والخسارة، من أداة هجومية للتحرير والتقدم، إلى أداة دفاعية غايتها القصوى “الحفاظ على الوجود” السياسي والعسكري داخل التوازنات اللبنانية والإقليمية.
إن السعي الحثيث نحو وقف إطلاق نار مستدام، والترحيب بالتقاطعات الإيرانية ـ الأميركية، يمثلان اعترافاً ضمنياً، وإن كان غير معلن، بأن أدوات القوة التقليدية لم تعد قادرة على مجاراة الآلة العسكرية المقابلة، وأن “السلاح لم يعد يحرّر” بالصيغة القديمة.
هذا الاصطدام بين الشعار الطنان والواقع المرير يولّد حالة من الانفصام داخل الجمهور المستهدف، الذي يجد نفسه مطالباً بالاحتفال بـ”الصمود” فوق أنقاض قراه، بينما تظل أبواب العودة الحقيقية والسيادة الكاملة مرتهنة بقرارات تسقط عليه من فوق رأسه عبر عواصم القرار الدولي.
احتكار القرار وتهميش الدولة
المعضلة الثانية، والتي تزيد المشهد سريالية، تكمن في الإصرار على معادلة متناقضة: “لن نسلّم السلاح، ولن نترك للدولة خيار التفاوض، لكننا سنلتزم بوقف إطلاق النار”.
هذا الثالوث يمثل قمة الارتباك البنيوي. فالحزب، برفضه تسليم سلاحه أو إتاحة الفرصة للدولة اللبنانية كي تقوم بدورها الطبيعي كأصيل في عملية التفاوض الدولي، يحافظ على “الفيتو” الاستراتيجي الخاص به، ضماناً لعدم ذوبانه في مؤسسات الشرعية.
لكن، في المقابل، يدرك الحزب تماماً أن الاستمرار في حرب استنزاف مفتوحة قد يؤدي إلى تآكل تام لبيئته الحاضنة ومؤسساته الخدمية والاجتماعية. والنتيجة الحتمية لهذا الارتباك هي الدخول في حالة من “الستاتيكو” أو المراوحة القاتلة: فلا نحن أمام حرب تحرير عسكرية قادرة على استعادة القرى المحتلة، ولا نحن أمام سلم حقيقي وسيادة ناجزة تسمح للدولة ببناء اقتصادها وإعادة الإعمار استناداً إلى دورها الدستوري.
هذا الاحتكار للقرار يصيب مفهوم “الدولة” في مقتل، ويجعل القرار اللبناني رهينة حسابات تفاوضية خارجية لا تراعي بالضرورة المصلحة الوطنية المباشرة.
عبثية الخطاب الإعلامي وفقدان التوازن
أمام هذه التناقضات الفاضحة، يجد الماكياج الإعلامي والسياسي للحزب نفسه عاجزاً عن تقديم تفسيرات منطقية لجمهوره وللشركاء في الوطن. من هنا تنشأ حالة العبثية والفوضى الإعلامية، إذ يصبح الخطاب مطالباً بالتوفيق بين روايتين يستحيل جمعهما في سياق واحد.
الأولى هي الرواية التعبوية الداخلية، التي تتحدث عن النصر الإلهي، والتفوق الاستراتيجي، والصمود الأسطوري، بهدف الحفاظ على معنويات البيئة ومنع تشتتها.
أما الثانية فهي الرواية البراغماتية الإقليمية، التي تمليها شروط الصفقات الدولية والتوازنات الميدانية، وتفرض القبول بترتيبات أمنية صارمة تضمن صمت السلاح جغرافياً.
وعندما يعجز هذا الخطاب عن سد الفجوة بين الروايتين، يتوسل فوراً الأدوات الأسهل: التخوين، والتهويل الإعلامي، والهروب إلى الأمام، واتهام كل من يطرح سؤالاً منطقياً بالعمالة أو الضعف.
إن هذا السلوك ليس دليلاً على القوة، بل مؤشر على فقدان القدرة الجماعية على التفكير النقدي ومواجهة الحقيقة العارية: القرى لا تزال محتلة، والسلاح قد يوضع في “مستودعات الغموض” بقرار دولي، والجدوى التي من أجلها بُذلت التضحيات باتت موضع تساؤل كبير.
السيادة بين الاحتلال والسلاح
في المحصلة، إن الحيرة التي تكتنف المراقب للمشهد اللبناني هي حيرة مشروعة ومبررة. فالمنطق السياسي يسقط عندما تصبح مصلحة الأوطان تابعة لحسابات المحاور. والضحية الدائمة في هذه المعادلات هم أبناء القرى الحدودية، ومعهم السيادة اللبنانية التي تُنتهك مرتين: مرة من الاحتلال الذي يلتهم الأرض، ومرة من السلاح الذي يصادر قرار الدولة في السلم والحرب دون أن يملك أفقاً زمنياً أو عسكرياً حقيقياً للتحرير.
يبقى السؤال الذي يطرح نفسه على أنقاض هذه المرحلة: إلى متى يمكن لسياسة الهروب إلى الأمام أن تحجب حقيقة أن بناء الدولة والسيادة الكاملة هما الملاذ الوحيد والنهائي لجميع اللبنانيين؟



