الثلاثاء, يوليو 14, 2026
31.9 C
Beirut

عبد الحكيم بشار إلى مجلس الشعب السوري: حين تُكافأ الشبهات بدل أن تُحاسَب!

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

ليس تفصيلاً عادياً أن يصل عبد الحكيم بشار إلى مجلس الشعب السوري في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ سوريا. فالمسألة لا تتعلق باسم كردي يضاف إلى لائحة تمثيل شكلي، ولا بطبيب وسياسي قديم يعود إلى الواجهة من باب “المشاركة الوطنية”، بل تتعلق بسؤال أكبر وأخطر: من يملك حق تمثيل الناس؟ ومن يقرر أن تتحول الشخصيات المثقلة بالاتهامات والملفات الرمادية إلى وجوه رسمية في دولة يفترض أنها تبحث عن بداية جديدة؟

لطالما امتاز الحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي، في علاقته بامتداداته السورية، بسياسة رعاية الزعامات المطيعة أكثر من رعاية الحياة الديمقراطية الحقيقية داخل الحركة الكردية. لم يكن دعمه لبعض الشخصيات مبنياً دائماً على معيار النزاهة أو الكفاءة أو المحاسبة، بل على معيار الولاء السياسي، والقدرة على خدمة خط إقليمي معين، وضبط القرار الكردي السوري ضمن سقف أربيل. في هذا السياق تحديداً، يصبح دعم عبد الحكيم بشار استثنائياً، لا لأنه صاحب تجربة استثنائية في بناء المؤسسات، بل لأنه نموذج واضح لسياسي ظل يتحرك بين المواقع رغم كل ما يلاحقه من اتهامات وأسئلة وشبهات.

صحيح أن عبد الحكيم بشار لم يُحاكَم قضائياً في ملف فساد معلن، وصحيح أن غياب الحكم القضائي يفرض الحذر في التوصيف القانوني، لكن السياسة ليست محكمة فقط. السياسة أيضاً ذاكرة عامة، وانطباع جماعي، وتراكم اتهامات، وسيرة سلطة داخل حزب، وشهادات وملفات لا يجوز دفنها تحت عنوان “لا يوجد حكم قضائي”. ففي الحياة العامة، لا يكفي أن يقول السياسي إنه غير مُدان؛ عليه أيضاً أن يجيب: لماذا كل هذا الدخان حول اسمه؟ ولماذا كل هذه الروايات؟ ولماذا كل هذه الملفات التي تعود كلما عاد الرجل إلى الواجهة؟

ملف عبد الحكيم بشار لا يبدأ من مجلس الشعب السوري، بل من بنية حزبية كردية عانت طويلاً من غياب الشفافية. فالرجل، الذي صعد داخل الحزب الديمقراطي الكردستاني ـ سوريا، وارتبط اسمه بالمجلس الوطني الكردي والائتلاف السوري، لم يكن يوماً شخصية توافقية جامعة. كان، في نظر خصومه وكثير من منتقديه، جزءاً من طبقة سياسية كردية تقليدية أعادت إنتاج الزعامة القديمة بلباس معارض، ورفعت شعارات الديمقراطية في الإعلام، بينما بقيت عاجزة عن ممارستها داخل بيتها الحزبي.

أخطر ما في هذه التجربة أن بشار لم يُقدَّم فقط كسياسي كردي، بل كواجهة لمشروع سياسي كامل أراد الحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي أن يزرعه داخل الساحة الكردية السورية. هنا يصبح السؤال مشروعاً: هل كان المطلوب بناء تمثيل كردي مستقل في سوريا، أم إنتاج نخب تابعة تدور في فلك أربيل، وتُستخدم عند الحاجة في صراعات النفوذ الكردية والسورية والإقليمية؟

في السنوات الأخيرة، خرجت إلى العلن اتهامات تتعلق بأموال الحزب الديمقراطي الكردستاني ـ سوريا، وبالتحقيق مع قيادات حزبية حول مصير أموال ومصاريف ونفوذ مالي وتنظيمي. وقد ورد اسم عبد الحكيم بشار ضمن ما تداولته تقارير إعلامية عن أسماء قيل إنها دُعيت أو خضعت للاستجواب في سياق ملف أموال الحزب. هذه ليست إدانة قضائية، لكنها ليست أمراً يمكن المرور عليه وكأنه تفصيل عابر. فحين يرد اسم قيادي تاريخي في سياق اتهامات تخص المال الحزبي، يصبح من حق الرأي العام أن يسأل: أين ذهبت الأموال؟ من كان يديرها؟ من كان يراقبها؟ ومن استفاد سياسياً من غياب المحاسبة؟

والأكثر خطورة أن ملف المال لا يبدو منفصلاً عن ملف النفوذ. فالمال السياسي في الأحزاب المغلقة لا يكون مجرد أرقام في صندوق، بل يتحول إلى أداة ولاء، وإسكات، وتجنيد، وترتيب مواقع، وصناعة زعامات. من هنا تبدو قضية عبد الحكيم بشار أكبر من شخصه. إنها قضية نظام حزبي كامل يقوم على الزبائنية: من يقترب من مركز الدعم يُرفَع، ومن يعترض يُهمَّش، ومن يطالب بالمحاسبة يصبح عدواً أو خائناً أو تابعاً للخصوم.

ثم هناك الملف الأكثر سواداً في الذاكرة الكردية السورية: قضية الضباط الكرد الثمانية المفقودين. هذا الملف لا يجوز التعامل معه كحادثة من الماضي. ثمانية ضباط كرد انشقوا عن النظام السوري واختفوا في ظروف غامضة أثناء محاولة التوجه إلى إقليم كردستان. في هذا الملف وردت أسماء وجهات ووساطات، ووردت مسؤولية سياسية للجهة التي نسقت أو أوحت أو فتحت الطريق أو أوصلت الرسائل. وقد ارتبط اسم البارتي، واسم عبد الحكيم بشار بوصفه رئيساً للحزب في تلك المرحلة، بأسئلة موجعة لم تحصل حتى اليوم على جواب شفاف.

حتى لو لم نقل إن الرجل مسؤول جنائياً، فالسؤال السياسي باقٍ: ماذا فعلت القيادة الحزبية لكشف الحقيقة؟ من حمى هؤلاء الضباط؟ من ضمن طريقهم؟ من تواصل معهم؟ من سهّل؟ من نفى؟ ومن سكت بعد اختفائهم؟ إن دماء الناس ومصائرهم ليست تفصيلاً في دفتر الحسابات الحزبية. وعندما يختفي ضباط انشقوا في لحظة خطيرة من تاريخ سوريا، ثم تبقى الحقيقة ضائعة، فإن كل من كان في موقع القرار أو الوساطة أو العلم يصبح معنياً بالمساءلة السياسية والأخلاقية.

لذلك فإن وصول عبد الحكيم بشار إلى مجلس الشعب السوري ليس مجرد تعيين سياسي، بل رسالة سيئة لكل من ينتظر سوريا جديدة. الرسالة تقول إن الوجوه القديمة قادرة على النجاة، وإن الملفات الرمادية لا تمنع الصعود، وإن من تحوم حوله الشبهات يمكن أن يتحول إلى “ممثل للشعب” طالما أن خلفه مظلة سياسية إقليمية قوية.

أي شعب سيمثله عبد الحكيم بشار؟ هل سيمثل الكرد الذين يطالبون بالحقيقة والشفافية؟ أم سيمثل طبقة حزبية اعتادت أن تتحدث باسمهم من الفنادق والمؤتمرات؟ هل سيمثل السوريين الباحثين عن دولة قانون؟ أم سيمثل منطق المحاصصة الجديد الذي يستبدل رجال النظام القديم برجال شبكات المعارضة التقليدية؟ وهل يكفي أن يكون المرء كردياً حتى يصبح ممثلاً شرعياً للكرد، حتى لو كانت حوله كل هذه الأسئلة؟

إن الحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي يتحمل مسؤولية سياسية في تصدير هذه النماذج ودعمها. فبدلاً من مساعدة الحركة الكردية السورية على إنتاج قيادة ديمقراطية شفافة، جرى غالباً دعم الشخصيات الأكثر قابلية للضبط السياسي. وبدلاً من حماية التعدد الكردي، جرى التعامل مع الساحة السورية كملحق نفوذ. وبدلاً من فتح ملفات المال والقرار والمصير، جرى تغطية كثير من الأسئلة باسم “المصلحة القومية”.

لكن المصلحة القومية لا تُبنى على التستر. لا قضية كردية تنتصر بوجوه ملوثة بالشبهات. لا ديمقراطية تُبنى بأحزاب لا تمارس الديمقراطية في داخلها. ولا تمثيل حقيقياً يولد من غرف الترتيب السياسي المغلقة. فالشعوب لا تحتاج إلى أوصياء، بل إلى مؤسسات. ولا تحتاج إلى زعامات أبدية، بل إلى محاسبة. ولا تحتاج إلى من يتحدث باسمها ثم يهرب من أبسط سؤال: من أين لك هذا الموقع؟ ومن أعطاك حق التمثيل؟

قد يقول البعض إن عبارة “لا دخان بلا نار” لا تصلح دليلاً قضائياً. هذا صحيح. لكنها تصلح سياسياً كبداية سؤال. فعندما يتكرر الدخان من أكثر من جهة، وحول أكثر من ملف، وعلى مدى سنوات، يصبح تجاهله نوعاً من التواطؤ. ليس المطلوب إصدار حكم قضائي من الصحافة أو الرأي العام، بل المطلوب منع تحويل غياب المحاكمة إلى شهادة براءة سياسية. فكم من ملفات في منطقتنا لم تصل إلى القضاء لأن القضاء ضعيف، أو لأن الحماية السياسية أقوى من الحقيقة؟

عبد الحكيم بشار اليوم أمام امتحان علني. إن كان يعتبر نفسه بريئاً من كل ما يُثار حوله، فليطالب هو قبل غيره بفتح الملفات. فليطالب بتحقيق شفاف في أموال الحزب. فليطالب بكشف كل ما يتعلق بقضية الضباط الكرد الثمانية. فليشرح للرأي العام طبيعة علاقته ببنية الدعم الكردستاني العراقي. فليقل للناس كيف صعد، ومن دعمه، ولماذا ظل حاضراً رغم كل الفشل السياسي الذي رافق المجلس الوطني الكردي والائتلاف والمعارضة الرسمية.

أما أن يدخل مجلس الشعب السوري وكأن شيئاً لم يكن، فهذا إهانة للذاكرة. إهانة لمن سألوا ولم يحصلوا على جواب. إهانة لعائلات تنتظر الحقيقة. إهانة لناخبين لم يُستشاروا فعلياً. وإهانة لفكرة الدولة الجديدة نفسها.

المشكلة ليست في عبد الحكيم بشار وحده. المشكلة في نظام كامل يكافئ الولاء، ويعاقب الشفافية، ويدفن الملفات، ثم يعيد تدوير الوجوه ذاتها بوصفها “ممثلة للشعب”. وإذا كانت سوريا الجديدة ستبدأ بتبييض هذه النماذج، فهي تخاطر بأن تولد وهي تحمل أمراض القديم: المحاصصة، الزبائنية، الحماية الخارجية، وغياب المحاسبة.

لهذا يجب أن يقال بوضوح: تعيين عبد الحكيم بشار في مجلس الشعب السوري ليس انتصاراً للتمثيل الكردي، بل اختبار خطير لمعنى التمثيل نفسه. فالكرد لا يحتاجون إلى واجهات مدعومة من الخارج، والسوريون لا يحتاجون إلى إعادة تدوير سياسيين تحيط بهم الشبهات. ما يحتاجه الجميع هو دولة تسأل قبل أن تعيّن، وتحاسب قبل أن تكافئ، وتفتح الملفات بدل أن تغلقها باسم التوازنات.

لا أحد يطلب إدانة الرجل بلا محكمة. لكن من حق الناس أن ترفض منطق الترفيع السياسي قبل التوضيح. ومن حق الرأي العام أن يقول: من تحوم حوله كل هذه الأسئلة لا يدخل مجلس الشعب من الباب العريض قبل أن يجيب عليها. فالبرلمان ليس ملجأ للتهرب من المساءلة، بل يجب أن يكون مكاناً لمن لا يخشى المساءلة.

وفي النهاية، لا قيمة لأي “سوريا جديدة” إذا كانت ستبدأ بتدوير شبكات قديمة. ولا قيمة لأي تمثيل كردي إذا كان مجرد حصة تعطى لمن يملك علاقة أقوى بالمركز الإقليمي لا بمن يملك ثقة الناس. أما عبد الحكيم بشار، فقصته اليوم لم تعد قصة شخص واحد، بل قصة سؤال كبير: هل نحن أمام دولة تبني شرعيتها على المحاسبة، أم أمام سلطة جديدة تفتح أبوابها لكل من يملك مظلة، ولو كان محاطاً بالدخان؟

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

فاروق باباميري… عندما يكبر المناضل ولا يشيخ

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هناك رجال يكبرون في العمر، لكنهم لا يكبرون على...

حين يتحول اليسار إلى حارس لأيديولوجيا الدولة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة نقدية في افتتاحية جريدة «صوت الشعب» التونسية نشرت جريدة...

معركة مضيق هرمز في صحافة صباح اليوم: واشنطن توسّع ضرباتها وإيران تنقل الرد إلى القواعد الأميركية في المنطقة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة مقارنة في الصحافة الأميركية والغربية والإيرانية والعربية الصادرة...

صراع إرادات في هرمز: أميركا والعالم بوجه البلطجة الإيرانية

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح وعندنا التدخل الإيراني عبر أتباعه يستهدف عنوان : الأرض...

More like this

معركة مضيق هرمز في صحافة صباح اليوم: واشنطن توسّع ضرباتها وإيران تنقل الرد إلى القواعد الأميركية في المنطقة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة مقارنة في الصحافة الأميركية والغربية والإيرانية والعربية الصادرة...

صراع إرادات في هرمز: أميركا والعالم بوجه البلطجة الإيرانية

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح وعندنا التدخل الإيراني عبر أتباعه يستهدف عنوان : الأرض...

مضيق هرمز يشعل الإقليم: تقرير ميداني وتقدير موقف حول المواجهة الأميركية–الإيرانية واتساع الضربات إلى الدول العربية

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد نطاق التقرير يغطي هذا التقرير التطورات العسكرية والسياسية التي...