الثلاثاء, يوليو 14, 2026
31.9 C
Beirut

الحزب الشيوعي الصيني بعد 105 أعوام: ماركسية الواقع، إرث ماو، وسؤال البقاء بعد سقوط السوفيات

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

مدخل: تجربة لا تُقرأ بالانبهار ولا بالعداء

حين نتأمل تجربة الحزب الشيوعي الصيني بعد مئة وخمسة أعوام على تأسيسه، لا نكون أمام تاريخ حزب فقط، بل أمام مختبر سياسي وفكري هائل اختبر قدرة الماركسية على الانتقال من النظرية إلى الدولة، ومن الشعار إلى الاقتصاد، ومن الثورة إلى إدارة مجتمع يضم أكثر من مليار إنسان. هذه التجربة لا يمكن اختصارها في صورة واحدة: ليست اشتراكية نقية كما يتمنى أنصارها، وليست رأسمالية عادية كما يقول خصومها، وليست تكراراً للتجربة السوفياتية التي سبقتها ثم انهارت. إنها تجربة مركبة، عميقة، مليئة بالإنجازات والتناقضات، وتستحق قراءة نقدية لا تقع في التبجيل ولا في الشيطنة.

لقد قال ماركس إن الفلاسفة اكتفوا بتفسير العالم، بينما المطلوب تغييره. وهذه العبارة تصلح مفتاحاً لفهم التجربة الصينية كلها. فالحزب الشيوعي الصيني لم يتعامل مع الماركسية باعتبارها نصاً مقدساً محفوظاً في الكتب، بل باعتبارها أداة لتغيير واقع محدد: واقع بلد زراعي واسع، مهزوم، مفكك، خاضع للنفوذ الأجنبي، ومثقل بالفقر والتجزئة. ومن هنا بدأت خصوصية التجربة: لم تكن الصين نسخة عن أوروبا، ولم تكن قادرة على استنساخ الطريق الروسي حرفياً، فكان عليها أن تصنع طريقها الخاص.

أولاً: الصين قبل الثورة.. بلد يبحث عن أداة للخلاص

في بدايات القرن العشرين، كانت الصين تعيش واحدة من أعقد لحظاتها التاريخية. الدولة الإمبراطورية القديمة انهارت، السلطة المركزية ضعفت، أمراء الحرب تقاسموا النفوذ، القوى الأجنبية فرضت امتيازاتها، واليابان صعدت كقوة عدوانية في شرق آسيا. لم تكن المسألة مجرد فقر اقتصادي، بل كانت أزمة وجود وطني. الصين كانت تبحث عن جواب لسؤال مزدوج: كيف تتحرر من الهيمنة الأجنبية؟ وكيف تبني دولة حديثة قادرة على إنقاذ المجتمع من التخلف والانقسام؟

من هنا لم يظهر الحزب الشيوعي الصيني كترف فكري أو كنخبة أيديولوجية معزولة، بل كاستجابة تاريخية لأزمة عميقة. فالماركسية وصلت إلى الصين في لحظة كان فيها الجيل الجديد يبحث عن معنى جديد للتحرر. لم تعد الإصلاحات الجزئية تكفي، ولم تعد الوطنية التقليدية قادرة على مواجهة الاستعمار والتجزئة. كان لا بد من فكرة تربط بين التحرر الوطني والتحرر الاجتماعي، بين بناء الدولة وتغيير المجتمع، بين الاستقلال السياسي وإنهاء علاقات الفقر والإقطاع.

ثانياً: ماركسية على أرض غير أوروبية

السؤال النظري الكبير الذي واجه الشيوعيين الصينيين منذ البداية كان واضحاً: كيف يمكن تطبيق الماركسية في بلد لم يكن صناعياً بالمعنى الأوروبي، ولم تكن فيه طبقة عاملة واسعة كالتي تحدث عنها ماركس في أوروبا الغربية؟ هنا تكمن أهمية التجربة الصينية. فقد كان على الحزب أن يقرأ الواقع لا أن يفرض عليه قوالب جاهزة.

الماركسية في الصين لم تنتصر لأنها نُقلت كما هي، بل لأنها أُعيد إنتاجها داخل شروط صينية. ولذلك ظهرت فكرة “تصيين الماركسية”، أي تحويلها من نظرية عامة إلى منهج عمل مرتبط بالأرض والفلاحين والحرب الوطنية وبناء الدولة. ماو تسي تونغ عبّر عن هذا المعنى حين قال: “لا حق في الكلام لمن لا يحقق في الواقع”. هذه الجملة تلخص جوهر المنهج الماوي: لا ثورة من دون معرفة ملموسة بالمجتمع، ولا سياسة صحيحة من دون فهم التناقضات الحية على الأرض.

ثالثاً: ماو والفلاحون.. حين خرجت الثورة من الريف

مع ماو، اتخذت الثورة الصينية مساراً خاصاً. ففي حين ركزت الماركسية الكلاسيكية على الطبقة العاملة الصناعية، رأى ماو أن الصين، بوصفها بلداً زراعياً واسعاً، لا يمكن أن تنتصر فيها الثورة من دون الفلاحين. لم يكن الفلاح الصيني في نظره كتلة هامشية، بل قوة تاريخية كامنة قادرة على حمل الثورة إذا امتلكت التنظيم والوعي والقيادة.

هنا ظهرت عبقرية التجربة الصينية في مرحلتها الأولى: الثورة لم تنتظر اكتمال الشروط الأوروبية، بل صنعت شروطها من داخل الواقع الصيني. القواعد الريفية، حرب الشعب الطويلة، الجمع بين التحرر الوطني والتحول الاجتماعي، كلها جعلت من الثورة الصينية نموذجاً مختلفاً. لقد أدرك ماو أن الطريق إلى بكين لا يمر بالضرورة عبر المصانع الكبرى وحدها، بل عبر القرى والجبال والفلاحين الذين عاشوا قروناً من الإذلال والجوع.

رابعاً: من الثورة إلى الدولة.. إنجاز التوحيد وبناء السيادة

إعلان قيام جمهورية الصين الشعبية عام 1949 لم يكن مجرد انتصار حزب على خصومه، بل كان نهاية مرحلة كاملة من الانقسام والضعف الوطني. لقد استعادت الصين وحدتها، وبنت دولة مركزية قوية، وبدأت عملية واسعة لتغيير البنية الاجتماعية. الإصلاح الزراعي، محاربة الأمية، توسيع التعليم، بناء الصحة العامة، تعزيز مكانة المرأة، وإقامة اقتصاد موجه، كلها كانت أجزاء من مشروع كبير هدفه إخراج الصين من موقع البلد التابع إلى موقع الدولة المستقلة.

من منظور تاريخي، لا يمكن إنكار أن ماو أعاد للصين كرامة الدولة. قبل الثورة، كانت الصين ساحة لتدخلات الخارج وصراعات الداخل. بعد الثورة، أصبحت دولة تملك قرارها، حتى لو بقيت فقيرة ومحاصرة. وهنا يجب التمييز بين الفقر كشرط موروث وبين السيادة كإنجاز سياسي. الصين الماوية لم تكن غنية، لكنها لم تعد بلداً مكسور الإرادة.

خامساً: أخطاء ماو.. حين تصطدم الإرادة الثورية بالواقع

غير أن تجربة ماو لم تكن بلا كلفة. فالقفزة الكبرى إلى الأمام حملت قدراً هائلاً من الإرادوية، أي الاعتقاد بأن الحماسة السياسية قادرة وحدها على تجاوز حدود الاقتصاد والزراعة والإنتاج. كانت النتيجة كارثية على المجتمع، وأدت إلى أزمات إنسانية واقتصادية عميقة. كما أن الثورة الثقافية، رغم أنها رفعت شعار مقاومة البيروقراطية ومنع عودة الامتيازات الطبقية، تحولت إلى صراع واسع وفوضى سياسية عطلت مؤسسات الدولة والمجتمع وأحدثت جروحاً عميقة.

هنا تظهر أهمية النقد الماركسي نفسه. فالماركسية لا تعني تمجيد القيادة، ولا تحويل التاريخ إلى أسطورة، بل قراءة التناقضات. وماو كان قائداً مؤسساً، لكنه لم يكن فوق النقد. لقد بنى الدولة ووحّد البلاد وحررها من التبعية، لكنه ارتكب أيضاً أخطاء جسيمة حين غلبت السياسة التعبوية على الحساب الاقتصادي، وحين تحولت مكافحة البيروقراطية إلى اضطراب عام في مؤسسات الدولة.

سادساً: لماذا تقدم السوفيات أسرع في البداية؟

لفهم التجربة الصينية بعمق، لا بد من مقارنتها بالتجربة السوفياتية. فقد تقدم الاتحاد السوفياتي في التصنيع والتكنولوجيا والعسكرة أسرع من الصين في المراحل الأولى لأسباب واضحة. أولاً، ورث السوفيات قاعدة صناعية أكبر نسبياً من الصين، خصوصاً في المدن الروسية الكبرى. صحيح أن روسيا القيصرية كانت متأخرة قياساً بأوروبا الغربية، لكنها لم تكن في وضع الصين الزراعية المفككة نفسها. كان لديها طبقة عاملة أوسع، سكك حديد، مراكز صناعية، خبرات هندسية وعسكرية، وجهاز دولة مركزي سابق يمكن إعادة استخدامه بعد الثورة.

ثانياً، الثورة الروسية قامت في بلد إمبراطوري واسع يمتلك موارد طبيعية ضخمة وبنية عسكرية وإدارية موروثة. أما الصين فكانت خارجة من حرب أهلية طويلة، واحتلال ياباني، وتفكك داخلي، ودمار اجتماعي واسع. لذلك كان على الصين أن تبني الدولة والصناعة والجيش والتعليم والإدارة في وقت واحد تقريباً، ومن قاعدة أكثر فقراً وتشتتاً.

ثالثاً، اختار الاتحاد السوفياتي نموذج التصنيع القسري والمركزي السريع، مع تعبئة هائلة للموارد البشرية والطبيعية، وتركيز شديد على الصناعات الثقيلة والسلاح. هذا النموذج أعطى نتائج سريعة في بناء القوة الصناعية والعسكرية، لكنه حمل في داخله ثمناً اجتماعياً وسياسياً باهظاً: قمع واسع، بيروقراطية ضخمة، ضعف في الاستهلاك المدني، وتصلب اقتصادي لاحق.

رابعاً، استفاد الاتحاد السوفياتي بعد الحرب العالمية الثانية من تحوله إلى قوة منتصرة، ومن سيطرته على فضاء واسع في أوروبا الشرقية، ومن مكانته كقطب عالمي في مواجهة الولايات المتحدة. أما الصين فقد بقيت مدة طويلة أفقر، وأكثر عزلة، ومضطرة إلى خوض حروب وصراعات حدودية وسياسية معقدة، بما في ذلك القطيعة السوفياتية الصينية لاحقاً.

لذلك تقدم السوفيات أسرع لأنهم امتلكوا قاعدة أولية أفضل، ودولة مركزية أقدم، ونموذج تصنيع شديد القسوة، وظروفاً جيوسياسية جعلتهم قطباً عالمياً مبكراً. لكن سرعة التقدم لم تكن دليلاً على صلابة دائمة. فقد كان في النموذج السوفياتي عنصر قوة هائل، لكنه حمل أيضاً بذور الجمود والانهيار.

سابعاً: لماذا سقط الاتحاد السوفياتي ولم تسقط الصين؟

السؤال الأهم ليس لماذا تقدم السوفيات أسرع، بل لماذا سقطوا بينما بقيت الصين واقفة. هنا تظهر الفوارق العميقة بين التجربتين.

أولاً، الحزب الشيوعي الصيني امتلك قدرة أعلى على التعلم من الأخطاء. بعد وفاة ماو، لم ينهار الحزب، ولم يقدس كل المرحلة السابقة، ولم يلغها بالكامل. اعترف بالأخطاء، لكنه حافظ على الشرعية التاريخية للثورة. أما في الاتحاد السوفياتي، فقد تحولت عملية النقد في مراحل لاحقة إلى هز للشرعية نفسها، حتى بدا النظام كأنه يقطع جذوره بيده.

ثانياً، الصين غيّرت الاقتصاد من دون أن تفكك الدولة. هذه نقطة حاسمة. دنغ شياو بينغ فتح الباب أمام السوق والاستثمار والمبادرة الخاصة، لكنه لم يترك الحزب يفقد السيطرة السياسية. أما الاتحاد السوفياتي في مرحلة غورباتشوف، فقد حاول فتح السياسة والاقتصاد معاً وبسرعة، فاهتزت الدولة، وتفكك الحزب، وانفجرت القوميات، وضاعت السيطرة على مسار الإصلاح.

ثالثاً، الإصلاح الصيني كان تدريجياً وتجريبياً. لم تقل الصين إنها تملك وصفة نهائية. جربت المناطق الاقتصادية الخاصة، اختبرت السياسات، وسعت الناجح منها وتراجعت عن الفاشل. أما الإصلاح السوفياتي فجاء متأخراً، مرتبكاً، واصطدم ببنية بيروقراطية متصلبة واقتصاد منهك ومجتمع فقد الثقة بالنظام.

رابعاً، الصين ربطت شرعية الحزب بالإنجاز الملموس: تحسين المعيشة، النمو، البنية التحتية، إخراج الناس من الفقر، وتعزيز المكانة الوطنية. المواطن الصيني لم يُطلب منه فقط الإيمان بالشعار، بل رأى تغيراً فعلياً في حياته. أما في الاتحاد السوفياتي المتأخر، فقد تراجعت القدرة على تلبية حاجات الناس، وظهرت الفجوة بين الخطاب والواقع، وبين القوة العسكرية وضعف الحياة اليومية.

خامساً، الحزب الصيني فهم مبكراً خطورة الانفصال عن المجتمع وخطورة تحلل التنظيم. لذلك حافظ على مركزية الحزب، وراقب الجيش، وضبط الدولة، ومنع نشوء ازدواجية سلطة. بينما في الاتحاد السوفياتي، أدى تفكك مركز القرار إلى انفصال الجمهوريات، وتراجع سلطة الحزب، وتحول الجيش والأجهزة والإدارات إلى مراكز قوة مترددة أو متصارعة.

سادساً، الصين لم تتعامل مع السوق باعتباره عقيدة بديلة، بل أداة تحت رقابة الدولة. مقولة دنغ الشهيرة عن أن لون القط لا يهم ما دام يصطاد الفئران تعبّر عن هذا التحول العملي. كان المعنى واضحاً: ليست المسألة في الاسم، بل في النتيجة. لكن الفرق أن الصين استخدمت السوق من داخل دولة قوية، بينما انفتح الاتحاد السوفياتي على الإصلاح وهو يفقد ثقته بنفسه وبمؤسساته.

لهذه الأسباب بقيت الصين ولم يسقط الاتحاد السوفياتي فقط بسبب مؤامرة خارجية أو ضغط غربي، بل لأن النموذج السوفياتي عجز عن تجديد نفسه، بينما استطاعت الصين أن تجدد أدواتها من دون أن تفكك مركزها السياسي.

ثامناً: دنغ شياو بينغ.. إنقاذ الاشتراكية بالسوق أم فتح الباب للرأسمالية؟

مع دنغ شياو بينغ، دخلت الصين مرحلة جديدة. لم يعد السؤال: كيف ننتصر في الثورة؟ بل أصبح: كيف نمنع الثورة من التحول إلى فقر دائم؟ لقد رأى دنغ أن الاشتراكية لا يمكن أن تبقى شعاراً إذا عجزت عن تطوير قوى الإنتاج. فالفقر، في نظره، ليس اشتراكية. ومن هنا بدأت سياسة الإصلاح والانفتاح: مناطق اقتصادية خاصة، تشجيع الاستثمار، إدخال آليات السوق، تطوير الصناعة، والانخراط في الاقتصاد العالمي.

هذه المرحلة هي الأكثر إثارة للجدل في التجربة الصينية. فمن جهة، نقلت الصين من الفقر الواسع إلى النمو السريع، ومن الاقتصاد المغلق إلى موقع مركزي في التجارة العالمية. ومن جهة أخرى، أدخلت تناقضات جديدة: فوارق طبقية، ثراء خاص، تفاوت بين المدن والأرياف، ضغط على العمال، وصعود منطق الربح داخل مجتمع يقوده حزب شيوعي.

من منظور ماركسي نقدي، يمكن القول إن الصين استخدمت الرأسمالية كرافعة لتطوير قوى الإنتاج، لكنها لم تسمح لها، على الأقل سياسياً، بأن تتحول إلى سلطة مستقلة فوق الدولة. هذه هي المعادلة الصينية المعقدة: سوق واسع، لكن تحت رقابة حزب قوي؛ رأسمال خاص، لكن ضمن حدود تضعها الدولة؛ انفتاح على العالم، لكن من دون التنازل عن مركزية القرار الوطني.

تاسعاً: الإنجاز الاجتماعي.. مئات الملايين خارج الفقر

لا يمكن تقييم التجربة الصينية من دون الوقوف أمام التحول الاجتماعي الهائل الذي شهدته البلاد. فقد انتقلت الصين خلال عقود قليلة من بلد فقير زراعي إلى قوة صناعية كبرى. توسعت المدن، تطورت البنية التحتية، نشأت طبقة وسطى واسعة، وخرج مئات الملايين من دائرة الفقر. هذه ليست تفصيلاً دعائياً، بل واحدة من أكبر عمليات التحول الاجتماعي في التاريخ الحديث.

لكن الإنجاز لا يلغي السؤال. فالعدالة لا تقاس فقط بالخروج من الفقر المدقع، بل أيضاً بتوزيع الثروة، وكرامة العمل، والمساواة بين المناطق، وحقوق العمال، والقدرة على منع تحوّل النمو إلى عبء اجتماعي وبيئي. وهنا تواجه الصين امتحاناً دائماً: كيف تحافظ على النمو من دون أن تسمح للرأسمال بأن يعيد إنتاج الفوارق الطبقية التي قامت الثورة أصلاً ضدها؟

عاشراً: القيادة الحالية.. من بناء الداخل إلى إعادة رسم الموقع العالمي

في المرحلة الحالية، لم تعد الصين تكتفي بأنها ورشة العالم أو قوة اقتصادية صاعدة، بل باتت تقدم نفسها كقوة كبرى تسعى إلى إعادة توازن النظام الدولي. مبادرة الحزام والطريق، الاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة، الذكاء الاصطناعي، الطاقة، الصناعات العسكرية، الفضاء، والبنى التحتية العابرة للقارات، كلها تعكس انتقال الصين من الدفاع عن موقعها إلى محاولة صياغة موقع عالمي جديد.

تطرح القيادة الحالية فكرة “النهضة العظيمة للأمة الصينية”، وهي عبارة تكشف أن المشروع لم يعد اقتصادياً فقط، بل حضاري واستراتيجي أيضاً. الصين تريد إنهاء آثار قرن الإذلال، واستعادة مكانتها التاريخية، وكسر احتكار الغرب لتعريف الحداثة والتقدم. لكنها في الوقت نفسه تواجه تحديات كبرى: شيخوخة السكان، تباطؤ النمو، البطالة بين الشباب، أزمة العقارات، التوتر مع الولايات المتحدة، ملف تايوان، وأسئلة الحريات والرقابة والمشاركة السياسية.

حادي عشر: الاشتراكية ذات الخصائص الصينية أم رأسمالية الدولة؟

أكثر سؤال يلاحق التجربة الصينية اليوم هو: هل هي اشتراكية ذات خصائص صينية، أم رأسمالية دولة يقودها حزب شيوعي؟ الجواب ليس سهلاً. من يقول إنها رأسمالية كاملة يتجاهل دور الدولة الهائل، والتخطيط، وملكية القطاعات الاستراتيجية، وقدرة الحزب على ضبط الرأسمال. ومن يقول إنها اشتراكية مكتملة يتجاهل الفوارق الطبقية، السوق الواسعة، الثروة الخاصة، وعلاقات العمل غير المتساوية.

الأدق أن الصين تعيش صيغة انتقالية خاصة: دولة يقودها حزب شيوعي، تستخدم السوق لتطوير قوى الإنتاج، وتحاول منع الرأسمال من السيطرة السياسية الكاملة. لكن هذا التوازن ليس مضموناً إلى الأبد. فكلما توسعت السوق، توسعت معها مصالح طبقية جديدة. وكلما زادت قوة الرأسمال، زادت حاجة الحزب إلى ضبطه. وهنا يكمن التناقض البنيوي في التجربة الصينية: كيف تستخدم أدوات الرأسمالية من دون أن تصبح أسيراً لمنطقها؟

ثاني عشر: مقولات فكرية لفهم التجربة

يمكن قراءة التجربة الصينية من خلال ثلاث مقولات كبرى. الأولى لماركس: تغيير العالم لا تفسيره فقط. وهذه تفسر لماذا لم تبق الماركسية في الصين نظرية جامدة، بل تحولت إلى حزب وجيش ودولة واقتصاد.

الثانية لماو: لا حق في الكلام لمن لا يحقق في الواقع. وهذه تفسر لماذا لم تنجح الثورة الصينية إلا حين خرجت من الكتب إلى القرى والجبال والفلاحين، وحين فهمت أن الثورة لا تصنعها النصوص بل الناس داخل شروطهم الملموسة.

الثالثة لدنغ: لا يهم لون القط ما دام يصطاد الفئران. وهذه تفسر التحول العملي بعد ماو، حين وضعت القيادة الصينية النتائج الاقتصادية والاجتماعية فوق النقاء اللفظي للشعارات.

لكن هذه المقولات الثلاث تكشف أيضاً التوتر الداخلي في التجربة: ماركس يمنحها الأفق التحرري، ماو يمنحها الجذر الثوري والوطني، ودنغ يمنحها البراغماتية الاقتصادية. أما القيادة الحالية فتحاول جمع هذه العناصر كلها في مشروع دولة كبرى تريد أن تكون اشتراكية في خطابها، قوية في دولتها، رأسمالية جزئياً في أدواتها، ومنافسة للغرب في موقعها العالمي.

ثالث عشر: ما الذي أبقى الصين واقفة؟

الذي أبقى الصين واقفة لم يكن عاملاً واحداً، بل مجموعة عناصر متداخلة. أولها أن الحزب لم يسمح بانهيار الدولة. ثانيها أنه مارس نقداً جزئياً للماضي من دون أن يدمر شرعيته التاريخية. ثالثها أنه ربط بقاءه بتحسين حياة الناس لا بالشعار وحده. رابعها أنه أدخل السوق تدريجياً لا دفعة واحدة. خامسها أنه حافظ على الجيش تحت قيادة الحزب. سادسها أنه جعل الوطنية الصينية جزءاً من شرعيته، بحيث لم يعد الحزب مجرد حزب أيديولوجي، بل حامل مشروع قومي صيني واسع.

هذه النقطة الأخيرة شديدة الأهمية. فالحزب الشيوعي الصيني لم يبق لأنه شيوعي فقط، بل لأنه قدم نفسه كأداة نهضة وطنية. لقد ربط بين الاشتراكية والكرامة الصينية، بين التنمية واستعادة المكانة، بين الحزب والدولة والأمة. بينما فقد الاتحاد السوفياتي في مراحله الأخيرة القدرة على إنتاج سردية جامعة تقنع الناس بأن بقاء النظام يعني مستقبلاً أفضل.

رابع عشر: النقد الضروري للتجربة الصينية

مع ذلك، لا يجوز تحويل التجربة الصينية إلى أسطورة. فهناك أسئلة حقيقية حول الحريات السياسية، الرقابة، حقوق العمال، الفوارق الاجتماعية، دور المجتمع المدني، علاقة الحزب بالدولة، وحدود المشاركة الشعبية. كما أن النجاح الاقتصادي لا يلغي الحاجة إلى مساءلة السلطة. فالماركسية في جوهرها ليست تمجيداً للدولة، بل نقد لعلاقات السيطرة والاستغلال. وإذا تحولت الدولة إلى غاية بذاتها، فقد تفقد الاشتراكية معناها التحرري.

التجربة الصينية عظيمة لأنها أنقذت بلداً ضخماً من الفقر والتفكك، لكنها إشكالية لأنها لم تحل نهائياً سؤال العلاقة بين الاشتراكية والديمقراطية، ولا سؤال السوق والعدالة، ولا سؤال الحزب والمجتمع. ولهذا يجب أن تُقرأ كمسار مفتوح، لا كنهاية للتاريخ.

خاتمة: الصين كسؤال مفتوح في الفكر اليساري العالمي

بعد مئة وخمسة أعوام، يقف الحزب الشيوعي الصيني كواحد من أكثر الظواهر السياسية تأثيراً في التاريخ الحديث. بدأ حزباً صغيراً في بلد ممزق، ثم قاد ثورة، وبنى دولة، وخاض تجارب قاسية، وارتكب أخطاء جسيمة، ثم عاد ليقود واحدة من أكبر عمليات التنمية والتحول الاجتماعي في العالم.

من منظور ماركسي، قوة التجربة الصينية أنها تعاملت مع النظرية كمنهج لا كتعويذة. ومن منظور ماوي، أهميتها أنها جعلت الجماهير الريفية قوة تاريخية لا هامشاً منسياً. ومن منظور دنغ، بقاؤها ارتبط بقدرتها على الاعتراف بأن الاشتراكية الفقيرة والعاجزة لا تستطيع أن تقنع مجتمعاً كاملاً بالمستقبل. أما في القيادة الحالية، فإن الصين تحاول تحويل هذا الإرث كله إلى مشروع قوة عالمية.

لقد تقدم السوفيات أسرع لأنهم امتلكوا قاعدة صناعية وإدارية أقوى ونموذج تعبئة مركزي شديد القسوة، لكنهم سقطوا لأنهم عجزوا عن تجديد نظامهم من دون تفكيكه. أما الصين فتأخرت في البداية، لكنها بقيت لأنها أصلحت اقتصادها من دون أن تهدم دولتها، وفتحت السوق من دون أن تترك الحزب يفقد السيطرة، وربطت شرعيتها بالإنجاز الوطني والاجتماعي لا بالخطاب وحده.

هكذا تبدو الصين اليوم سؤالاً مفتوحاً أمام اليسار العالمي: هل تمثل طريقاً جديداً إلى الاشتراكية، أم نموذجاً لرأسمالية دولة منضبطة، أم مرحلة انتقالية طويلة لم تقل كلمتها الأخيرة بعد؟ الأكيد أنها غيّرت مصير أمة، وفرضت على العالم أن يعيد التفكير في معنى التنمية، والسيادة، والاشتراكية، ودور الدولة، وحدود الهيمنة الغربية.

إن تجربة الحزب الشيوعي الصيني لا تمنح جواباً نهائياً، لكنها تفرض سؤالاً كبيراً: هل يمكن بناء قوة عظمى خارج النموذج الليبرالي الغربي، ومن دون التخلي الكامل عن الأفق الاشتراكي؟ هذا هو السؤال الذي يجعل الصين، بعد 105 أعوام، ليست مجرد دولة صاعدة، بل مختبراً تاريخياً لمستقبل العالم.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

فاروق باباميري… عندما يكبر المناضل ولا يشيخ

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هناك رجال يكبرون في العمر، لكنهم لا يكبرون على...

حين يتحول اليسار إلى حارس لأيديولوجيا الدولة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة نقدية في افتتاحية جريدة «صوت الشعب» التونسية نشرت جريدة...

معركة مضيق هرمز في صحافة صباح اليوم: واشنطن توسّع ضرباتها وإيران تنقل الرد إلى القواعد الأميركية في المنطقة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة مقارنة في الصحافة الأميركية والغربية والإيرانية والعربية الصادرة...

صراع إرادات في هرمز: أميركا والعالم بوجه البلطجة الإيرانية

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح وعندنا التدخل الإيراني عبر أتباعه يستهدف عنوان : الأرض...

More like this

معركة مضيق هرمز في صحافة صباح اليوم: واشنطن توسّع ضرباتها وإيران تنقل الرد إلى القواعد الأميركية في المنطقة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة مقارنة في الصحافة الأميركية والغربية والإيرانية والعربية الصادرة...

صراع إرادات في هرمز: أميركا والعالم بوجه البلطجة الإيرانية

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح وعندنا التدخل الإيراني عبر أتباعه يستهدف عنوان : الأرض...

مضيق هرمز يشعل الإقليم: تقرير ميداني وتقدير موقف حول المواجهة الأميركية–الإيرانية واتساع الضربات إلى الدول العربية

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد نطاق التقرير يغطي هذا التقرير التطورات العسكرية والسياسية التي...