الثلاثاء, يوليو 14, 2026
31.9 C
Beirut

مأساة الحركة الكردية في سوريا: قرارٌ مستعار وتمثيلٌ ناقص!

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

قضية عادلة وحركة مأزومة

ليست مأساة الحركة الكردية الكردستانية السورية في ضعف القضية، بل في الطريقة التي أُديرت بها هذه القضية لعقود. فالقضية الكردية في سوريا قضية شعب حُرم من حقوقه، وتعرّض للتهميش والإنكار والتلاعب الديمغرافي والسياسي، لكن الحركة التي حملت هذه القضية وجدت نفسها، في معظم محطاتها، أسيرة ثلاثة أثقال قاتلة: ثقل النظام السوري وأجهزته، وثقل الصراع بين المراكز الكردية الكبرى في العراق وقنديل، وثقل الجغرافيا السورية المفتوحة التي لا تمنح السياسة الكردية هامش المناورة نفسه الذي منحته جبال كردستان العراق أو جبال قنديل.

كان الأكراد في سوريا أصحاب مظلومية حقيقية. لم يكن الأمر اختراعاً سياسياً ولا نزوة حزبية. فسياسات الإحصاء الاستثنائي، والحرمان من الجنسية، ومراقبة النشاط السياسي، ومنع التعبير القومي، جعلت الوجود الكردي في سوريا محكوماً بمعادلة قاسية: شعب موجود فعلياً، لكنه منقوص الاعتراف دستورياً وسياسياً. غير أن عدالة القضية لا تعني بالضرورة سلامة الأدوات التي حملتها. وهنا تبدأ المأساة.

فالحركة الكردية السورية لم تنشأ في فضاء حر، بل داخل دولة أمنية عرفت كيف تدير التناقضات، وتشتري الوقت، وتخلق الانقسامات، وتحوّل الأحزاب إلى ملفات داخل الأدراج. لذلك بقيت الحركة، في جزء كبير منها، عاجزة عن التحول إلى مشروع وطني كردي سوري مستقل. كانت تميل مرة نحو أربيل، ومرة نحو السليمانية، ومرة نحو قنديل، ومرة نحو دمشق، ومرة نحو الخارج، بينما بقي الشارع الكردي يدفع ثمن هذه التبعية المركبة.

بين أربيل والسليمانية وقنديل

لم تكن الأحزاب الكردية السورية ضحية حزب كردي عراقي واحد، بل ضحية لعبة كردستانية أوسع شارك فيها، بدرجات مختلفة، كلٌّ من الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني. فكما مدّ الديمقراطي الكردستاني نفوذه عبر علاقاته مع بعض أحزاب المجلس الوطني الكردي وخط أربيل، فعل الاتحاد الوطني الشيء نفسه عبر صلاته التاريخية والسياسية مع قوى وشخصيات كردية سورية أخرى، مستفيداً من موقع السليمانية ومن شبكة علاقاته الإقليمية. وهكذا لم تعد الساحة الكردية السورية ساحة مستقلة تماماً، بل تحولت في مراحل كثيرة إلى امتداد لصراعات كردستان العراق نفسها: أربيل هنا، والسليمانية هناك، وقنديل فوقهما كقوة عقائدية وعسكرية ثالثة.

المأساة أن هذه التدخلات لم تنتج مشروعاً كردياً سورياً موحداً، بل زادت الأحزاب انقساماً وتبعثر القرار بينها. فكل طرف خارجي كان يبحث عن نفوذ لا عن وحدة الصف الكردي السوري، وكل حزب محلي كان يحاول الاحتماء بمرجعية خارجية بدل بناء شرعية داخلية من الشارع الكردي السوري نفسه. لذلك بقيت الحركة الكردية السورية عالقة بين ثلاثة مراكز ضغط: الديمقراطي الكردستاني في أربيل، والاتحاد الوطني في السليمانية، وحزب العمال الكردستاني في قنديل. وبين هذه المراكز الثلاثة ضاعت خصوصية كرد سوريا، وتحولت قضيتهم العادلة إلى ورقة في صراعات الآخرين.

قنديل لا تشبه الجزيرة السورية

هناك فارق حاسم بين تجربة حزب العمال الكردستاني وتجربة الأكراد في سوريا: الجغرافيا. فحزب العمال بنى جزءاً كبيراً من قوته على الجبل، على الحدود الصعبة، على الممرات الوعرة، وعلى القدرة على الاختفاء والمناورة. أما مناطق الجزيرة وكوباني وعفرين فهي، في معظمها، مناطق مكشوفة وسهلة نسبياً، لا تمنح حركة مسلحة طويلة النفس المزايا نفسها التي تمنحها الجبال.

هذه ليست تفصيلاً عسكرياً، بل مسألة سياسية. فالأرض السهلة تجعل أي مشروع عسكري عرضة للضغط من كل الجهات: من تركيا شمالاً، من دمشق جنوباً، من الفصائل المسلحة، ومن التوازنات الدولية. لذلك كان من الخطأ تحويل الجغرافيا الكردية السورية إلى نسخة متخيلة من قنديل. ما يصلح في الجبل لا يصلح بالضرورة في السهل. وما يمكن حمايته عبر حرب عصابات طويلة في منطقة جبلية قد يتحول إلى عبء قاتل في منطقة مفتوحة، مأهولة، متداخلة عربياً وكردياً وسريانياً وآشورياً.

ولهذا بدت الحركة الكردية السورية، كلما اندفعت نحو الخيار العسكري، كأنها تعوّض نقص الجغرافيا بزيادة الأيديولوجيا. لكنها في السياسة، كما في الحرب، لا تكفي الإرادة وحدها. الجغرافيا ليست ديكوراً؛ إنها جزء من ميزان القوة.

النظام السوري: هندسة الانقسام لا إدارة الحقوق

عرف نظام الأسد كيف يتعامل مع الحركة الكردية: لا يعترف بها كقضية وطنية، ولا يسحقها بالكامل دائماً، بل يديرها كملف أمني. وهذا هو جوهر الطريقة الأسدية: تحويل المسألة السياسية إلى ملف مخابراتي، وتحويل القيادات إلى قنوات، وتحويل الأحزاب إلى خرائط نفوذ ومراقبة.

في هذا السياق يبرز اسم اللواء محمد منصورة، بوصفه واحداً من أبرز الوجوه الأمنية التي ارتبط اسمها بملف الجزيرة السورية والأحزاب الكردية. لم يكن حضوره مجرد حضور إداري عابر، بل كان جزءاً من منظومة أمنية عرفت كيف تمسك بتفاصيل المنطقة: العشائر، الأحزاب، الخلافات، الشخصيات، قنوات الاتصال، وخرائط الولاء. كان كثيرون ينظرون إليه بوصفه حاكم المنطقة الفعلي، لا بالمعنى الرسمي فقط، بل بالمعنى الأمني والسياسي الذي جعل المرور عبر بوابة الأجهزة جزءاً من حياة العمل الحزبي.

المسألة هنا لا تتعلق بشخص منصورة وحده، بل بمنظومة كاملة. فالنظام لم يكن يريد حركة كردية مستقلة، بل حركة مضبوطة. كان يسمح بهوامش محدودة، يفتح نافذة لهذا الحزب، ويغلق باباً على ذاك، يقرّب وجهاً ويقصي آخر، يترك خلافاً صغيراً يكبر، ثم يتدخل كحَكَم أمني. وبذلك تحوّلت بعض القيادات، مع الزمن، إلى كائنات سياسية معتادة على السؤال قبل الفعل: ماذا تريد دمشق؟ ماذا يسمح الفرع؟ أين الخط الأحمر؟ ومن يرضى عنه الضابط؟

هنا تكمن واحدة من أخطر مآسي السياسة الكردية السورية: لم تكن كل القيادات نتاج الشارع، بل كان بعضها نتاج العلاقة مع السلطة. ومن اعتاد أن يأخذ الإشارة من الأمن لا يستطيع بسهولة أن يتحول إلى قائد شعب حر.

أحزاب كثيرة وقرار قليل

كثرة الأحزاب الكردية السورية لم تكن علامة عافية سياسية دائماً. أحياناً كانت علامة شلل. الحزب ينقسم إلى حزبين، ثم ينقسم الحزبان إلى ثلاثة، وتتحول الأسماء إلى لافتات أكثر مما هي مشاريع. لا برامج اقتصادية واضحة، لا رؤية سورية جامعة، لا استراتيجية تفاوضية ثابتة، ولا مؤسسة تمثيلية قادرة على إلزام الجميع.

وهذا الانقسام لم يكن بريئاً دائماً. بعضه نتاج خلافات فكرية وتنظيمية حقيقية، وبعضه نتاج تدخلات إقليمية، وبعضه ثمرة مباشرة لسياسة النظام في تفتيت المجتمع السياسي الكردي. فالسلطة الأمنية في سوريا فهمت باكراً أن الحركة المنقسمة لا تحتاج إلى قمع دائم؛ يكفي أن تُترك لتأكل نفسها، وأن تُدار خلافاتها من الخلف.

بعد عام 2011، ظهر هذا العطب بشكل أوضح. صار المشهد الكردي السوري محكوماً بثنائية قاسية: حزب الاتحاد الديمقراطي، بما يملكه من قوة عسكرية وتنظيمية وإدارة فعلية في مناطق واسعة، والمجلس الوطني الكردي، بما يملكه من امتدادات سياسية وعلاقات مع أربيل والمعارضة السورية. لكن هذه الثنائية لم تنتج وحدة كردية، بل كرست ازدواجية قاتلة: قوة على الأرض بلا اعتراف سياسي كافٍ، وتمثيل سياسي خارجي بلا قدرة فعلية على الأرض.

قوة السلاح وضعف السياسة

نجح حزب الاتحاد الديمقراطي وقوات سوريا الديمقراطية في بناء قوة عسكرية مؤثرة، خصوصاً في الحرب ضد تنظيم داعش، مستفيدين من الدعم الأميركي ومن انهيار سلطة النظام في مناطق واسعة. لكن القوة العسكرية لم تتحول تلقائياً إلى شرعية سياسية شاملة. فتركيا رأت في وحدات حماية الشعب امتداداً لحزب العمال الكردستاني، بينما تعامل الغرب معها غالباً كشريك عسكري ضد داعش أكثر مما تعامل معها كمشروع سياسي دائم.

هذه المفارقة صنعت مأزقاً عميقاً: السلاح حمى مناطق، لكنه استجلب أيضاً حروباً وتدخلات. الإدارة الذاتية بنت مؤسسات، لكنها بقيت معلقة بين واشنطن وموسكو ودمشق وأنقرة. التجربة العسكرية وفرت حضوراً قوياً، لكنها لم تنجح في بناء إجماع كردي داخلي، ولا في إنتاج عقد سياسي سوري يطمئن العرب والسريان والآشوريين وبقية المكونات.

لقد امتلكت الحركة، في لحظة ما، قوة السلاح أكثر مما امتلكت قوة السياسة. وهذا خلل خطير، لأن السلاح بلا مشروع وطني جامع يتحول من وسيلة حماية إلى عبء تفاوضي. وحين تصبح البندقية هي اللغة الأولى، تتراجع السياسة إلى المرتبة الثانية، ويصبح القرار رهينة الميدان لا رهين المصلحة التاريخية للشعب.

أربيل والسليمانية: حين يصبح الخارج مرآة للانقسام الداخلي

لم يكن تدخل الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني في الشأن الكردي السوري مجرد دعم أخوي أو تضامن قومي. في كثير من المراحل، كان امتداداً لمعادلات النفوذ داخل كردستان العراق نفسها. فكل حزب عراقي حاول أن يجد له امتداداً أو حليفاً أو قناة تأثير داخل الساحة الكردية السورية، كما لو أن هذه الساحة مساحة نفوذ إضافية لا قضية مستقلة تحتاج إلى قرار مستقل.

الحزب الديمقراطي الكردستاني حاول أن يرعى خطاً قريباً من أربيل، خصوصاً عبر علاقته بالمجلس الوطني الكردي. والاتحاد الوطني الكردستاني، بحكم تاريخه وعلاقاته وموقع السليمانية، لم يكن بعيداً عن محاولات التأثير في شخصيات وقوى أخرى. أما حزب العمال الكردستاني فدخل من باب مختلف: باب التنظيم العقائدي والانضباط الحزبي والقوة العسكرية. وهكذا وجد الكرد السوريون أنفسهم أمام ثلاث وصايات متنافسة: وصاية أربيل، وصاية السليمانية، ووصاية قنديل.

والأخطر أن هذه الوصايات لم تكن دائماً متفقة في أهدافها. فالديمقراطي الكردستاني له حساباته مع تركيا، والاتحاد الوطني له حساباته مع إيران وبغداد والسليمانية، وحزب العمال له حساباته العابرة للحدود مع تركيا وسوريا والعراق وإيران. أما الكرد السوريون، فكان المطلوب منهم أن يتحملوا نتائج هذه الحسابات على أرضهم، في مدنهم وقراهم ومخيماتهم ومعابرهم وحدودهم.

من يخدم من؟

السؤال الجوهري هنا ليس: من دعم الكرد السوريين؟ بل: من استخدمهم؟ فالدعم الحقيقي يبني قراراً مستقلاً، أما الاستخدام فيخلق تبعية. الدعم الحقيقي يوحّد، أما الاستخدام فيقسّم. الدعم الحقيقي يرفع مستوى التنظيم والتمثيل، أما الاستخدام فيحوّل الأحزاب إلى مكاتب ارتباط.

ما جرى أن القضية الكردية السورية تحولت، في مراحل كثيرة، إلى مادة تفاوض بيد الآخرين. تستخدمها أربيل حين تحتاج إلى ورقة، وتستخدمها السليمانية حين تريد حضوراً، وتستخدمها قنديل حين تريد عمقاً، وتستخدمها دمشق حين تريد الضغط على تركيا أو المعارضة، وتستخدمها واشنطن حين تريد مقاتلين ضد داعش، وتستخدمها موسكو حين تريد مقايضة مع أنقرة ودمشق. أما الشعب الكردي السوري، صاحب القضية، فظل في كثير من الأحيان آخر من يُسأل عن مصيره.

هذه ليست مأساة خارجية فقط، بل مأساة داخلية أيضاً. لأن الخارج لا يستطيع أن يلعب بساحة موحدة وصلبة. الخارج يدخل من شقوق الداخل. وكلما تكاثرت الشقوق، تكاثرت الأيدي التي تعبث بها.

القيادات التي اعتادت الأوامر

من أخطر ما تركه النظام السوري في جسد الحركة الكردية هو نمط القيادة الخائفة أو الانتهازية أو المنتظرة للتعليمات. فسنوات طويلة من العمل تحت أعين الأمن خلقت جيلاً من السياسيين الذين أتقنوا فن البقاء أكثر مما أتقنوا فن القيادة. بعضهم عرف كيف يحضر الاجتماعات، ويصدر البيانات، ويتحدث باسم الشعب، لكنه لم يعرف كيف يبني مؤسسة حقيقية أو يخوض مواجهة سياسية مستقلة.

كان كثيرون يتوددون إلى الضابط طمعاً بمكسب مؤقت: ترخيص غير معلن، غض نظر، سفر، حماية، إطلاق سراح، موقع حزبي، أو إبعاد خصم. وهكذا تحولت السياسة من فعل تحرر إلى إدارة علاقات مع السلطة. ومن يدخل السياسة من باب الرضا الأمني يصعب عليه أن يغادرها من باب الاستقلال الوطني.

لهذا لم يكن غريباً أن تبدو الحركة، في لحظات كثيرة، عاجزة عن اتخاذ قرار تاريخي. فهي لم تكن فقط منقسمة تنظيمياً، بل مقيّدة نفسياً. هناك فرق بين حزب يعمل في السر دفاعاً عن شعبه، وحزب يتعلم أن يبقى حياً عبر مساومات صغيرة مع جهاز أمني كبير. الأول يصنع حرية، والثاني يصنع عادة الخضوع.

بين المشروع القومي والمشروع السوري

واحدة من أكبر نقاط الضعف في الحركة الكردية السورية أنها لم تحسم علاقتها بين البعد القومي الكردي والبعد الوطني السوري. فهي أحياناً تتحدث كلغة قومية عابرة للحدود، وأحياناً كلغة حقوق مواطنة داخل سوريا، وأحياناً كلغة إدارة ذاتية، وأحياناً كلغة فيدرالية، وأحياناً كلغة تحالف عسكري مع الخارج. هذا التردد جعل الآخرين يخافون منها أو يشككون بها أو يستخدمون غموضها ضدها.

المشكلة ليست في المطالبة بالحقوق القومية. هذه حقوق مشروعة. المشكلة في عدم تحويل هذه الحقوق إلى مشروع سياسي واضح داخل سوريا. فالكرد السوريون لا يستطيعون العيش خارج الجغرافيا السورية، ولا يستطيعون تجاهل عمقهم القومي الكردستاني. لكن الجمع بين الأمرين يحتاج إلى قيادة ناضجة تقول بوضوح: نحن جزء من الشعب الكردي قومياً، وجزء من سوريا سياسياً، ونريد حقوقاً دستورية لا مغامرات عسكرية، وشراكة وطنية لا عزلة، وكرامة قومية لا تبعية لمحاور خارجية.

هذا الخط كان يمكن أن يحمي القضية أكثر من الاندفاع خلف أوهام القوة أو انتظار رضا العواصم. فالحقوق لا تُصان فقط بالسلاح، بل تُصان أيضاً بالشرعية، والتحالفات الداخلية، والوضوح السياسي، وبناء الثقة مع بقية المكونات.

الشارع الكردي أكبر من أحزابه

رغم كل ذلك، يبقى الشارع الكردي السوري أكبر من أحزابه. ففي داخل المجتمع الكردي هناك وعي، وذاكرة، وشعور عميق بالظلم، ورغبة في الحياة والاستقرار والكرامة. المشكلة أن هذا الشارع لم يجد دائماً قيادة تليق بتضحياته. وجد أحزاباً كثيرة، لكنه لم يجد مشروعاً واحداً. وجد شعارات قومية، لكنه لم يجد مؤسسة تمثيلية جامعة. وجد بنادق، لكنه لم يجد ضمانات. وجد وعوداً من الخارج، لكنه لم يجد عقداً سياسياً يحميه من تقلبات الخارج.

لقد دفع الكرد السوريون ثمناً باهظاً: تهجير، خوف، انقسام، صراع داخلي، ضغط تركي، ابتزاز من النظام، تردد أميركي، وخصومات كردية ـ كردية لا تنتهي. ومع ذلك، ما زالت قضيتهم حية لأنها ليست ملكاً للأحزاب. القضية أقدم من القيادات، وأعمق من التنظيمات، وأكبر من المراكز التي حاولت استخدامها.

التمثيل الكردي الناقص في مجلس الشعب الجديد

كل هذا الانقسام انعكس في النهاية على التمثيل الكردي داخل مجلس الشعب الجديد. فبدل أن يدخل الكرد إلى المجلس ككتلة سياسية واضحة، تحمل برنامجاً موحداً ومطالب دستورية محددة، دخلوا بصورة مشتتة لا تعكس حجم القضية ولا عمق المظلومية ولا الوزن السياسي والديمغرافي للكرد في سوريا.

تتحدث المعطيات المنشورة عن مجلس مؤلف من 210 مقاعد، وعن 11 نائباً كردياً فقط، أي ما يقارب 5.2 في المئة من إجمالي المجلس. وهذه النسبة، حتى لو اختلفت التقديرات حول الوزن الديمغرافي والسياسي للكرد، تبقى تمثيلاً ناقصاً ومحدوداً إذا قيست بحجم القضية الكردية السورية وبمطالب القوى الكردية التي تحدثت عن ضرورة تمثيل أوسع وأكثر عدالة.

وتضم اللائحة الكردية المتداولة: رنكين عبدو، محمد سيدو، سعيد شيخ زادة عن عفرين، عمر غريبو عن السفيرة، فرهاد شاهين عن كوباني، أحمد مراد عن ديرك، كيم إبراهيم ورضوان سيدو عن قامشلو، فصلة يوسف وعبد الحكيم بشار ومصطفى عبدي عن الحسكة. ومن بين هذه الأسماء، برز عبد الحكيم بشار ومصطفى عبدي ضمن قائمة الرئيس المعيّنة، بينما وصل آخرون عبر الدوائر الانتخابية.

سياسياً، لا توجد قاعدة رسمية دقيقة تسمح بتقسيم كل هؤلاء النواب بشكل قاطع بين المجلس الوطني الكردي وقسد أو الإدارة الذاتية، لذلك لا يجوز اختراع تصنيف حزبي لكل اسم. لكن الواضح أن حضور عبد الحكيم بشار يميل إلى خط المجلس الوطني الكردي، في حين أن قوى قريبة من الإدارة الذاتية وقسد عبّرت عن اعتراضات على آلية التمثيل وحجم الحضور الكردي. وهذا وحده يكشف أن النتيجة النهائية لم تكن ثمرة توافق كردي جامع، بل ثمرة انقسام كردي طويل جعل التمثيل البرلماني محدوداً ومشتتاً وغير قادر على التعبير عن الإرادة الكردية السورية ككتلة سياسية موحدة.

من التبعية إلى المقعد الناقص

هنا تظهر النتيجة المباشرة لكل ما سبق: أحزاب مرتبطة بالخارج، وقيادات اعتادت التبعية، وصراع بين المجلس الوطني وقسد، وتدخلات أربيل والسليمانية وقنديل، كلها انتهت إلى تمثيل كردي ناقص داخل مجلس يفترض أن يؤسس لسوريا جديدة لا أن يعيد إنتاج التهميش بصيغة انتقالية مختلفة.

فالخلل ليس في الرقم وحده، بل في المعنى السياسي لهذا الرقم. حين تكون القضية كبيرة والتمثيل صغيراً، وحين يكون الشعب حاضراً في الجغرافيا والتاريخ والتضحيات لكنه غائب عن القرار، فهذا يعني أن الحركة التي تكلمت باسمه لم تنجح في تحويل المظلومية إلى قوة تفاوضية موحدة. لقد دخل الكرد إلى المجلس، لكنهم لم يدخلوا كقضية موحدة. دخلوا كأسماء، لا ككتلة. دخلوا كمقاعد، لا كمشروع.

مهام النواب الكرد في مجلس الشعب

هذا التمثيل الناقص لا يعفي النواب الكرد من مسؤوليتهم، بل يضاعفها. فالمطلوب منهم ليس الاكتفاء بصورة المقعد ولا تحويل المجلس إلى منصة خطابات عامة، بل العمل ككتلة ضغط واضحة من أجل تثبيت الحقوق القومية والدستورية للكرد، وإعادة ملف المجردين من الجنسية وتعويض المتضررين إلى الواجهة، والدفاع عن الاعتراف باللغة والثقافة الكردية، والمطالبة بإدارة محلية عادلة تحفظ خصوصية المناطق الكردية ضمن وحدة سوريا.

كما أن المطلوب منهم فتح ملف عفرين وسري كانيه وكري سبي والمهجرين والانتهاكات والتغيير الديمغرافي، والدفع نحو قانون انتخابات أكثر عدالة يمنع تكرار هذا التمثيل الهزيل. وعليهم كذلك أن يخرجوا من منطق الولاء الحزبي الضيق، سواء للمجلس الوطني أو لقسد أو لأي مركز خارجي، وأن يتصرفوا كنواب عن شعب كردي سوري لا كمندوبين عن محاور.

المقعد الذي لا يتحول إلى مشروع حقوقي واضح يصبح مجرد ديكور، والتمثيل الذي لا يرفع صوت الناس يتحول إلى مشاركة شكلية في تهميشهم. لذلك فإن الامتحان الحقيقي أمام النواب الكرد في مجلس الشعب الجديد ليس عددهم فقط، بل قدرتهم على تحويل هذا العدد المحدود إلى موقف سياسي واضح، وبرنامج عمل جدي، وصوت لا يساوم على حقوق الكرد ولا يعزلها عن مشروع وطني سوري أوسع.

الخلاصة: مأساة القرار المستعار

مأساة الحركة الكردية في سوريا هي مأساة القرار المستعار. قرار يُستعار من دمشق حيناً، ومن أربيل حيناً، ومن السليمانية حيناً، ومن قنديل حيناً، ومن واشنطن وموسكو حيناً آخر. وكل قرار مستعار له ثمن، وغالباً ما يدفعه الناس العاديون لا القيادات.

لقد عرف النظام السوري كيف يقسمهم، وعرفت القوى الكردية الإقليمية كيف تستخدم انقساماتهم، وعرفت القوى الدولية كيف توظف حاجتهم إلى الحماية. أما الحركة نفسها، فلم تعرف دائماً كيف تحمي استقلالها، ولا كيف تنتج مركز قرار كردياً سورياً واضحاً، ولا كيف توازن بين الهوية القومية والانتماء السوري، ولا كيف تحول المظلومية إلى مشروع سياسي قابل للحياة.

القضية الكردية في سوريا عادلة، لكن العدالة وحدها لا تكفي. تحتاج القضية إلى قيادة لا تنتظر الإشارة من الأمن، ولا التعليمات من الجبل، ولا الرضا من أربيل أو السليمانية، ولا الوعود من واشنطن. تحتاج إلى قيادة تنطلق من الأرض نفسها، من قامشلو وعامودا وعفرين وكوباني والحسكة، من الناس لا من المحاور، من المصلحة الكردية السورية لا من حسابات الآخرين.

حينها فقط يمكن للحركة الكردية السورية أن تخرج من مأزقها التاريخي: لا أن تكون ذيلاً للنظام، ولا ورقة بيد أربيل، ولا امتداداً للسليمانية، ولا فرعاً من قنديل، بل حركة سياسية ناضجة تحمل قضية شعبها داخل سوريا، وباسم سوريا المستقبل، لا باسم خرائط الآخرين.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

فاروق باباميري… عندما يكبر المناضل ولا يشيخ

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هناك رجال يكبرون في العمر، لكنهم لا يكبرون على...

حين يتحول اليسار إلى حارس لأيديولوجيا الدولة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة نقدية في افتتاحية جريدة «صوت الشعب» التونسية نشرت جريدة...

معركة مضيق هرمز في صحافة صباح اليوم: واشنطن توسّع ضرباتها وإيران تنقل الرد إلى القواعد الأميركية في المنطقة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة مقارنة في الصحافة الأميركية والغربية والإيرانية والعربية الصادرة...

صراع إرادات في هرمز: أميركا والعالم بوجه البلطجة الإيرانية

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح وعندنا التدخل الإيراني عبر أتباعه يستهدف عنوان : الأرض...

More like this

معركة مضيق هرمز في صحافة صباح اليوم: واشنطن توسّع ضرباتها وإيران تنقل الرد إلى القواعد الأميركية في المنطقة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة مقارنة في الصحافة الأميركية والغربية والإيرانية والعربية الصادرة...

صراع إرادات في هرمز: أميركا والعالم بوجه البلطجة الإيرانية

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح وعندنا التدخل الإيراني عبر أتباعه يستهدف عنوان : الأرض...

مضيق هرمز يشعل الإقليم: تقرير ميداني وتقدير موقف حول المواجهة الأميركية–الإيرانية واتساع الضربات إلى الدول العربية

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد نطاق التقرير يغطي هذا التقرير التطورات العسكرية والسياسية التي...