الثلاثاء, يوليو 14, 2026
31.9 C
Beirut

خامنئي… الجنازة التي لا تستطيع غسل وجه الدكتاتور!

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

مقدمة: ليس ولياً بل دكتاتوراً

تريد إيران الرسمية أن تقنعنا اليوم أنها تودّع قديساً، أو “ولياً” كما يسميه نظامه، وأن الجثمان المسجّى في طهران هو جثمان رجلٍ فوق السياسة وفوق الحساب. تريد أن تصنع من جنازته طقساً مذهبياً ضخماً، ومن صورته أيقونة أخيرة لنظامٍ عاش على القداسة المصطنعة والخوف المنظم. لكن الحقيقة أبسط وأقسى من كل هذا المسرح: علي خامنئي لم يكن قديساً، بل كان دكتاتوراً حكم إيران بالحديد والنار، وطالب الشعب الإيراني بالموت له في ندائه الشهير: “الموت للدكتاتور”.

لم يكن هذا الشعار مجرد غضب عابر في شارع مضطرب، بل خلاصة تجربة شعب مع نظام أعدم وقتل وسجن وقمع وأفقر. شعار “الموت للدكتاتور” لم يكن دعوة إلى قتل شخص، بل حكماً سياسياً وأخلاقياً على منظومة كاملة جعلت من المرشد فوق القانون، ومن الحرس الثوري فوق الدولة، ومن المحكمة الثورية أداة عقاب، ومن الدين غطاءً للطغيان.

خامنئي، الذي يحاول نظامه اليوم دفنه كرمز مقدس، هو نفسه الرجل الذي رعى مشروعاً إقليمياً تفاخر بوصول نفوذه إلى أربع عواصم عربية: بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء. وهو الدكتاتور الذي تاجر بقضية فلسطين، لا ليحررها، بل ليحكم بها الإيرانيين، وليبتز بها العرب، وليبني تحت اسمها شبكة ميليشيات وساحات نفوذ.

رفع شعار القدس، لكنه أنفق ثروات الإيرانيين في حروب الوكالة، وترك المواطن الإيراني يواجه الفقر والتضخم والخوف والسجن. جعل فلسطين سلعة سياسية في سوق النفوذ، بينما كان الشعب الإيراني يسأل عن الخبز، والحرية، والكرامة، والدواء، والمستقبل.

جنازة الحاكم لا تمحو ذاكرة الضحايا

يحاول النظام الإيراني تحويل جنازة خامنئي إلى استفتاء أخير على شرعيته. يريد أن يقول للعالم إن الشعب يودّع قائده، وإن الجمهورية الإسلامية ما زالت متماسكة، وإن صورة المرشد ما زالت قادرة على جمع الناس حولها.

لكن الأنظمة القمعية تستطيع تنظيم الجنازات، ولا تستطيع تنظيم ذاكرة الناس. تستطيع أن تحشد الموظفين، والباسيج، والحرس، ورجال الدين، والمنتفعين، لكنها لا تستطيع أن تمحو أسماء من أُعدموا، ولا وجوه النساء اللواتي قُتلن لأنهن رفضن الخضوع، ولا دماء الطلاب في الجامعات، ولا صرخات العمال، ولا أمهات الضحايا، ولا آلاف الإيرانيين الذين تعلموا أن الخوف لا يصنع وطناً.

خامنئي لم يكن مجرد رجل دين في رأس الدولة. كان رأس منظومة حكم كاملة: دولة أمنية بثوب ديني، واقتصاد تحت قبضة الحرس الثوري، وقضاء مسيّس، وإعلام دعائي، وانتخابات محكومة مسبقاً بسقف الولي الفقيه.

لقد حكم إيران بعقلية أن الشعب قاصر، وأن المرشد وصيّ، وأن الاعتراض خيانة، وأن المعارضة مؤامرة، وأن المرأة التي تخلع حجابها خطر على النظام أكثر من الفساد والجوع والانهيار.

من “الموت لأميركا” إلى “الموت للدكتاتور”

لأكثر من أربعة عقود، حاول النظام الإيراني أن يصادر غضب الناس ويوجهه إلى الخارج. أرادهم أن يهتفوا ضد أميركا، وضد إسرائيل، وضد “الأعداء”، كي لا يسألوا عن العدو الداخلي: عن الفساد، والشرطة الدينية، والسجون، والمشانق، وتسلط الحرس الثوري، ونهب الثروة، وإذلال المواطن.

لكن الشارع الإيراني قلب المعادلة. قال إن العدو ليس دائماً خارج الحدود. قال إن من يطلق النار على المتظاهرين ليس جندياً أجنبياً، بل جهاز أمني تابع للنظام. قال إن من يسجن النساء ليس احتلالاً خارجياً، بل سلطة داخلية. قال إن من يجوع الشعب ليس فقط العقوبات، بل دولة تنفق على الميليشيات وتترك شعبها يطحنه التضخم.

لذلك صار شعار “الموت للدكتاتور” لحظة وعي سياسي. إنه نزع للقداسة عن الحاكم، وكسر لصورة الولي، وإعلان بأن الشعب لم يعد يصدق أن المرشد ظل الله على الأرض. إنه يقول ببساطة: لا قداسة لمن يحكم بالسجن، ولا ولاية لمن يواجه شعبه بالمشانق.

سجل الإعدامات: دولة تحكم بالموت

لا يمكن قراءة عهد خامنئي من خلال خطب الجنازة، بل من خلال سجل الإعدامات الطويل. فإيران في عهده بقيت من أكثر دول العالم تنفيذاً لعقوبة الإعدام، وغالباً الثانية عالمياً بعد الصين التي لا تنشر أرقامها الكاملة.

في السنوات الأخيرة بلغ هذا السجل مستوى مرعباً. نفذت إيران مئات الإعدامات سنوياً، ثم ارتفع الرقم إلى مستويات غير مسبوقة، حتى باتت منظمات حقوقية تتحدث عن آلاف الإعدامات في فترة قصيرة، وعن استخدام متزايد لعقوبة الموت كأداة ترهيب سياسي واجتماعي.

هذا السجل وحده يكفي لإدانة مرحلة كاملة. فالإعدام في إيران لم يكن أداة قانونية عادية، بل وسيلة حكم وترهيب. تُستخدم تهم فضفاضة مثل “الحرابة”، و”الإفساد في الأرض”، و”البغي”، و”التآمر على الأمن القومي” لإسكات المعارضين، والمتظاهرين، والنشطاء، وأبناء الأقليات القومية والدينية.

ومن أبرز الأسماء التي بقيت رمزاً لهذا النهج: نويد أفكاري، المصارع الذي أُعدم عام 2020 بعد اتهامات مرتبطة باحتجاجات 2018 وسط انتقادات حقوقية واسعة للمحاكمة والاعترافات؛ روح الله زم، الصحافي والمعارض الذي أُعدم عام 2020 بعد استدراجه من الخارج ومحاكمته؛ محسن شكاري، أول متظاهر معروف يُعدم على خلفية انتفاضة مهسا أميني في كانون الأول/ديسمبر 2022؛ مجيد رضا رهنورد الذي أُعدم علناً بعد أيام؛ ومحمد مهدي كرمي وسيد محمد حسيني اللذان أُعدما في 2023 في سياق ملفات الاحتجاجات.

هذه الأسماء ليست استثناءات، بل عناوين في سياسة رعب طويلة.

الانتفاضات التي قُمعت بالرصاص

منذ تولي خامنئي موقع المرشد عام 1989، لم تتوقف إيران عن إنتاج موجات اعتراض كبرى. في عام 1999، خرجت احتجاجات طلابية وواجهها النظام بالقمع. في 2009، فجّرت الحركة الخضراء أكبر تحدٍّ سياسي للنظام بعد انتخابات مثيرة للجدل، فقوبلت بالرصاص والاعتقالات والمحاكمات الجماعية.

في 2017 و2018، انفجر الغضب الاجتماعي ضد الفقر والفساد والغلاء، وبدأ الشارع يهتف ضد أصل النظام لا ضد حكومة بعينها.

ثم جاءت انتفاضة تشرين الثاني/نوفمبر 2019 بعد رفع أسعار الوقود. واجه النظام الشارع بعنف شديد، وسقط مئات القتلى وفق منظمات حقوقية، بينما تحدثت تقارير أخرى عن أرقام أعلى بكثير. كانت تلك الانتفاضة لحظة فاصلة لأنها كشفت استعداد النظام لاستخدام أقصى درجات العنف ضد شعب يطالب بلقمة عيشه.

وفي 2022، تحولت وفاة جينا/مهسا أميني، الشابة الكردية البالغة 22 عاماً، بعد توقيفها من شرطة الأخلاق بسبب الحجاب، إلى شرارة انتفاضة “المرأة، الحياة، الحرية”. خرجت النساء في المقدمة، وخرج معهن الطلاب والعمال والأقليات والشباب، فواجههم النظام بالرصاص والاعتقال وقطع الإنترنت.

هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات. إنها جثث، وبيوت، وأمهات، وآباء، وشوارع حفظت أسماء أبنائها. إنها ذاكرة شعب يعرف أن النظام الذي يودع خامنئي اليوم بالبكاء هو نفسه النظام الذي دفن أبناءه بلا عدالة.

الجوع كأداة حكم

لم يكن القمع في عهد خامنئي أمنياً فقط، بل كان اقتصادياً أيضاً. فإيران بلد غني بالنفط والغاز والمعادن والطاقات البشرية، لكن ملايين الإيرانيين يعيشون تحت ضغط الفقر، والتضخم، وانهيار العملة، والبطالة، وهجرة الكفاءات.

هذا ليس رقماً اقتصادياً بارداً، بل إدانة سياسية. كيف يمكن لبلد يملك هذه الثروات أن يجوع شعبه؟ كيف يمكن لنظام يتفاخر بنفوذه في أربع عواصم أن يعجز عن تأمين كرامة مواطنيه في طهران ومشهد والأهواز وكرمانشاه وزاهدان؟ كيف يمكن لسلطة تصرف على الميليشيات والسلاح والدعاية أن تقول للفقراء إن الجوع سببه الخارج فقط؟

الحقيقة أن الجوع في إيران لم يكن نتيجة العقوبات وحدها. كان نتيجة فساد داخلي، وهيمنة الحرس الثوري على مفاصل الاقتصاد، وتغليب المشروع الإقليمي على معيشة الناس، وقمع النقابات، وتخوين المطالب الاجتماعية.

العامل الذي يطالب براتبه يصبح متهماً. المعلم الذي يحتج يصبح هدفاً للأمن. المتقاعد الذي يصرخ من الغلاء يُترك وحيداً أمام دولة لا تسمع إلا صوت الطاعة.

المعارضة بين السجن والمنفى والتصفية

في عهد خامنئي، لم يُسمح للمعارضة بأن تكون جزءاً طبيعياً من السياسة. كل معارض كان يُدفع إلى واحد من ثلاثة مصائر: السجن، أو المنفى، أو الاغتيال الرمزي أو الجسدي.

بعد الحركة الخضراء، وُضع مير حسين موسوي ومهدي كروبي وزهرا رهنورد منذ شباط/فبراير 2011 تحت الإقامة الجبرية من دون محاكمة عادلة، رغم أنهم خرجوا من داخل تاريخ الجمهورية الإسلامية نفسها، لا من خارجها. كانت الرسالة واضحة: حتى المعارضة الإصلاحية التي ولدت داخل النظام لا مكان لها إذا اقتربت من سؤال السلطة الحقيقية.

أما المعارضة في الخارج، فذاكرتها مليئة بالدم. من أبرز الملفات اغتيال قادة كرد إيرانيين في مطعم ميكونوس في برلين عام 1992، ومنهم صادق شرفكندي وفتاح عبدلي وهمايون أردلان ونوري دهكردي. وقد خلص القضاء الألماني في القضية إلى تورط أجهزة إيرانية ومسؤوليات عليا في النظام، ما جعل القضية واحدة من أهم الشواهد على امتداد يد النظام إلى معارضيه خارج الحدود.

كما بقي ملف الاغتيالات المتسلسلة في التسعينيات شاهداً على علاقة النظام بالمثقفين والمعارضين. داريوش فروهر وزوجته بروانه فروهر، ومحمد مختاري، ومحمد جعفر بوينده، وغيرهم، صاروا أسماء في سجل دولة تخاف من الكلمة بقدر خوفها من الشارع.

النظام الذي لا يحتمل مقالاً، ولا محامياً، ولا شاعراً، ولا ناشطاً، لا يستطيع أن يدعي القداسة عند موت زعيمه.

نساء كسرن الخوف فحاول النظام كسرهن

كانت النساء في عهد خامنئي في قلب المواجهة مع الدولة الدينية. الحجاب الإجباري لم يكن مجرد قانون لباس، بل إعلان سيطرة السلطة على جسد المرأة. لذلك كان شعار “المرأة، الحياة، الحرية” أخطر على النظام من أي برنامج سياسي، لأنه ضرب أساس الوصاية نفسها.

مهسا أميني لم تكن زعيمة حزب، لكنها صارت زعيمة رمزية لثورة كرامة. ندا آغا سلطان، التي قُتلت في احتجاجات 2009، تحولت إلى صورة عالمية لقمع الحركة الخضراء. نرجس محمدي، الحائزة جائزة نوبل للسلام، عرفت السجن والملاحقة بسبب دفاعها عن حقوق الإنسان ومناهضتها الإعدام. نسرين ستوده، المحامية الشجاعة، دافعت عن النساء الرافضات للحجاب الإجباري وعن سجناء الرأي فلاحقها النظام وسجنها.

سبيده قليان، الناشطة العمالية، دفعت ثمن ربطها بين الحرية والعدالة الاجتماعية. أما بخشان عزيزي، ووریشه مرادي، وشريفة محمدي، فقد ذكرت منظمات حقوقية أنهن واجهن أحكاماً قاسية بينها أحكام بالإعدام على خلفية نشاط حقوقي أو سياسي في محاكمات تثير اعتراضات واسعة.

إن النظام الذي يخاف من امرأة تخلع الحجاب، ومن محامية تدافع عن سجين، ومن ناشطة تطالب بحق عامل، ومن أم تسأل عن ابنها، هو نظام يعرف أن شرعيته هشة.

لذلك كان قمع النساء في عهد خامنئي قمعاً تأسيسياً لا هامشياً. فالمرأة الإيرانية لم تسأل فقط: من يحكم؟ بل سألت: من يملك جسدي؟ من يقرر لباسي؟ من يسجنني إذا تكلمت؟ ومن يقتلني إذا رفضت الخضوع؟

فلسطين كقناع للهيمنة

أخطر ما فعله خامنئي أنه حوّل فلسطين من قضية تحرر إلى أداة نفوذ. لم يتعامل معها كحق شعب في الحرية والدولة، بل كذريعة لبناء محور سياسي وعسكري يخدم بقاء النظام الإيراني وتوسعه.

باسم فلسطين، تدخلت إيران في لبنان والعراق وسوريا واليمن. وباسم فلسطين، جرى تسليح الميليشيات وربط المجتمعات العربية بصراعات لا تنتهي. وباسم فلسطين، طُلب من الإيراني الجائع أن يصمت، ومن العربي المنهك أن يصدق أن خراب بلده طريق إلى القدس.

لكن النتيجة كانت واضحة: لا فلسطين تحررت، ولا الشعوب ارتاحت، ولا إيران صارت نموذجاً للعدالة. ما حدث أن فلسطين تحولت في خطاب خامنئي إلى رخصة سياسية للقمع الداخلي والتمدد الخارجي.

كل من ينتقد الفقر في إيران يُتهم بخدمة العدو. كل من يرفض نفوذ الميليشيات في لبنان أو العراق أو اليمن يُتهم بخيانة القدس. هكذا تحولت القضية الأعدل إلى قناع لأكثر السياسات ظلماً.

لبنان وغزة في خدمة طهران: حين تتحوّل القضايا إلى أوراق نفوذ

استخدم خامنئي لبنان وغزة كمساحتين متقدمتين في معركة إيران الإقليمية، لا كقضيتين وطنيتين مستقلتين. ففي لبنان، تحوّل سلاح حزب الله من شعار “مقاومة” إلى أداة نفوذ إيرانية عطّلت قيام الدولة، وقيّدت القرار اللبناني، وجعلت الجنوب ورقة ضغط تُفتح وتُغلق وفق حسابات طهران لا وفق مصلحة اللبنانيين. وفي غزة، وجدت إيران في حماس، ولا سيما في خط يحيى السنوار، فرصة لتحويل المأساة الفلسطينية إلى جزء من “وحدة الساحات”، حيث تُستعمل دماء الفلسطينيين لرفع كلفة الصراع على إسرائيل والغرب، بينما تبقى إيران غالباً خلف خطوط النار، تفاوض وتساوم وتراكم أوراق القوة. هكذا لم تكن فلسطين ولا لبنان بالنسبة لخامنئي سوى عمق استراتيجي لنظام يبحث عن البقاء والنفوذ، يرفع راية القدس، لكنه يترك غزة تحت الركام، والجنوب اللبناني تحت النار، والدولتين معلّقتين بين السلاح والخراب.

أربع عواصم… وأمة إيرانية مخنوقة

تفاخر النظام يوماً بنفوذه في بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء. لكنه لم يسأل: ماذا ربح الإيراني العادي من هذا النفوذ؟ هل حصل على عمل؟ هل تحسنت عملته؟ هل توقفت شرطة الأخلاق؟ هل خرج السجناء؟ هل توقفت الإعدامات؟ هل انتهى الفقر؟ هل صار المواطن الإيراني حراً؟

لقد تمدد خامنئي خارج الحدود بقدر ما اختنق الداخل. صنع نفوذاً إقليمياً واسعاً، لكنه صنع في المقابل دولة متعبة، وشعباً غاضباً، واقتصاداً مأزوماً، ومجتمعاً يفتش عن الهواء.

في الخارج رايات وميليشيات وخطب عن المقاومة، وفي الداخل نساء مطاردات، وشباب مقتولون، وعمال جائعون، ومعارضون في السجون، ومشانق لا تتوقف.

الأرقام لا تموت مع الحاكم

قد ينجح النظام في تنظيم جنازة ضخمة لخامنئي، لكنه لا يستطيع دفن الأرقام معه. لا يستطيع دفن آلاف الإعدامات، ولا مئات قتلى 2019، ولا ضحايا انتفاضة مهسا أميني، ولا آلاف المعتقلين، ولا النساء اللواتي واجهن السجن والجلد والتهديد بالإعدام، ولا المعارضين الذين عاشوا بين الإقامة الجبرية والمنفى والاغتيال.

لا يستطيع النظام أن يمحو أن عهد خامنئي كان عهد الحرس الثوري، والمحاكم الثورية، وشرطة الأخلاق، والسجون، والمشانق، وقطع الإنترنت، وتخوين الناس في وطنهم.

ولا يستطيع أن يحوّل الدكتاتور إلى وليّ بمجرد أن يلف جثمانه بالرايات ويحيط جنازته بالهتافات.

ضحايا عهد خامنئي: أرقام لا تدفنها الجنازة

يصعب تقديم رقم نهائي شامل لضحايا نظام خامنئي، لأن السلطة الإيرانية لا تنشر سجلات شفافة عن الإعدامات والقتل في الشوارع والاعتقالات السياسية، لكن الأرقام التي وثقتها منظمات حقوقية دولية وإيرانية تكفي وحدها لرسم صورة مرعبة. ففي ملف الإعدامات، قالت منظمة العفو الدولية في تقريرها العالمي عن أحكام الإعدام والتنفيذ لعام 2025 إن إيران نفذت ما لا يقل عن 2,159 إعداماً في عام 2025 وحده، وهو الرقم الأعلى الذي تسجله المنظمة لإيران منذ عقود، فيما ذكرت منظمة Iran Human Rights بالتعاون مع منظمة Together Against the Death Penalty / ECPM في تقريرهما السنوي الثامن عشر عن عقوبة الإعدام في إيران أن عدد الإعدامات الموثقة عام 2025 بلغ ما لا يقل عن 1,639 إعداماً، بزيادة 68% عن عام 2024 الذي سجلتا فيه 975 إعداماً، وهو أعلى رقم موثق في إيران منذ عام 1989. وفي قمع انتفاضة تشرين الثاني/نوفمبر 2019، وثقت منظمة العفو الدولية في تقريرها “Iran: Details of 321 deaths in crackdown on November 2019 protests” أسماء 321 رجلاً وامرأة وطفلاً قالت إن قوات الأمن قتلتهم خلال الاحتجاجات، بينما نقلت وكالة رويترز، في تقريرها المنشور في كانون الأول/ديسمبر 2019 عن ثلاثة مصادر إيرانية، أن عدد القتلى بلغ نحو 1,500 شخص خلال أقل من أسبوعين. وفي انتفاضة “المرأة، الحياة، الحرية” التي اندلعت بعد مقتل جينا/مهسا أميني عام 2022، أعلنت منظمة Iran Human Rights في تقريرها الصادر في 15 أيلول/سبتمبر 2023 أنها وثقت مقتل 551 محتجاً، بينهم 68 طفلاً و49 امرأة، إضافة إلى 22 وفاة مشبوهة أو حالات انتحار مرتبطة بالقمع. كما خلصت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة حول إيران في تقريرها لعام 2024 إلى أن الانتهاكات الواسعة والمنهجية ضد النساء والفتيات والمحتجين خلال انتفاضة 2022 ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية، وشملت القتل، والسجن، والتعذيب، والاغتصاب، والعنف الجنسي، والاختفاء القسري، والاضطهاد القائم على النوع الاجتماعي. أما الاعتقالات، فتبقى أرقامها أقل شفافية، لكن تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية مثل هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية تحدثت عن أكثر من 20 ألف معتقل خلال احتجاجات 2022 وحدها، إضافة إلى آلاف المعتقلين في موجات 2009 و2017 و2018 و2019، وبينهم طلاب، وعمّال، وصحافيون، ومحامون، ونساء رافضات للحجاب الإجباري، ونشطاء كرد وبلوش وعرب وبهائيون ومعارضون سياسيون. لذلك لا يمكن اختصار ضحايا عهد خامنئي في رقم واحد؛ فهم آلاف المعدومين، ومئات القتلى في الشوارع، وعشرات الآلاف من المعتقلين، وملايين الإيرانيين الذين عاشوا تحت الخوف والفقر والقمع في دولة حوّلت الإعدام إلى سياسة، والسجن إلى مؤسسة، والجوع إلى وسيلة إخضاع.

خاتمة: ليست جنازة قديس بل محاكمة ذاكرة

هذه ليست جنازة قديس. إنها جنازة دكتاتور أراد أن يكون فوق الشعب، فطارده الشعب بشعار “الموت للدكتاتور”. إنها لحظة يحاول فيها النظام أن يكتب نهاية مقدسة لرجل حكم بالخوف، بينما تكتب ذاكرة الإيرانيين نهاية أخرى: نهاية رجل أعدم، وقمع، وجوّع، وسجن، وتاجر بفلسطين، وبدد ثروات بلده في عواصم الآخرين.

قد يودعه النظام بالبكاء، لكن كثيراً من الإيرانيين يودعونه بالحقيقة. والحقيقة أن خامنئي لم يكن أباً للأمة، بل حارساً لسجنها الكبير. لم يكن ولياً، بل رأس سلطة جعلت من الدين سلاحاً، ومن الدولة سجناً، ومن الإعدام لغة حكم.

لذلك يبقى الشعار أقوى من الجنازة، والذاكرة أقوى من الدعاية، والضحايا أقوى من صورة المرشد على الجدران:

الموت للدكتاتور… لا كنداء انتقام، بل كإعلان أن زمن تقديس الطغاة يجب أن ينتهي.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

فاروق باباميري… عندما يكبر المناضل ولا يشيخ

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هناك رجال يكبرون في العمر، لكنهم لا يكبرون على...

حين يتحول اليسار إلى حارس لأيديولوجيا الدولة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة نقدية في افتتاحية جريدة «صوت الشعب» التونسية نشرت جريدة...

معركة مضيق هرمز في صحافة صباح اليوم: واشنطن توسّع ضرباتها وإيران تنقل الرد إلى القواعد الأميركية في المنطقة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة مقارنة في الصحافة الأميركية والغربية والإيرانية والعربية الصادرة...

صراع إرادات في هرمز: أميركا والعالم بوجه البلطجة الإيرانية

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح وعندنا التدخل الإيراني عبر أتباعه يستهدف عنوان : الأرض...

More like this

جبهة النضال الشعبي في الذكرى الـ59 لانطلاقتها: تجديد المشروع الوطني وإنهاء الاحتلال وتعزيز الوحدة والديمقراطية

أخباركم - أخبارنا رام الله – أكدت اللجنة المركزية لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني أن...

رحيل ليندسي غراهام: صقرُ الحروب الذي رأى الشرق الأوسط من بوابة إسرائيل ومواجهة إيران

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد رحل السيناتور الجمهوري الأميركي ليندسي غراهام عن واحد وسبعين...

الشيوعي العراقي يدعو إلى جبهة شعبية واسعة: هل اقتربت لحظة كسر منظومة المحاصصة؟

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد في بيان سياسي مطوّل نشرته صحيفة طريق الشعب، اليومية...