الثلاثاء, يوليو 14, 2026
31.9 C
Beirut

التدخل السوري الذي قصده ترامب في لبنان… هل بدأ بزيارة الشيباني؟

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ حسين قاسم

لم يكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يقصد، في ما بدا من تصريحاته، دعوة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى تدخل عسكري في لبنان لنزع سلاح حزب الله. بل قال إنه أبلغ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنه سيطلب من الرئيس السوري المساعدة في إيجاد حل. وهذه العبارة، في ظاهرها، لا تعني تدخلاً عسكرياً، خلافاً لما أوحت به بعض أوساط محور الممانعة، التي سارعت إلى الترويج لسيناريو التدخل السوري بهدف تخويف بيئتها الشعبية، وتبرير استمرار تمسكها بالسلاح، وإحراج خصومها السياسيين، ولا سيما القوى السيادية.

لكن، إذا لم يكن المقصود تدخلاً عسكرياً، فهل بدأ شكل آخر من التدخل السياسي والدبلوماسي مع زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان؟

فلو كانت الزيارة بروتوكولية بحتة، لاكتفى الوزير السوري بلقاء رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ووزير الخارجية، وفق الأعراف الدبلوماسية بين دولتين مستقلتين. غير أن برنامج الزيارة تجاوز هذا الإطار، بما يوحي بأن دمشق أرادت توجيه رسائل سياسية تتجاوز المجاملات الرسمية، في ضوء التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط. والرسالة، وفق هذا المنظور، لا تتمثل بالضرورة في تدخل عسكري، بل في رسم معالم دور سوري جديد ضمن التوازنات الإقليمية المتشكلة، وإبلاغ مختلف القوى اللبنانية والإقليمية بأن دمشق أصبحت جزءاً من ترتيبات المرحلة المقبلة.

أولاً: اقتصرت لقاءات الوزير السوري على قوى سياسية وقفت إلى جانب المعارضة السورية خلال سنوات الحرب، فيما غابت عنها القوى التي كانت حليفة للنظام السوري السابق. ويمكن قراءة هذا الخيار باعتباره رسالة مفادها أن سوريا الجديدة تنظر إلى هؤلاء بوصفهم شركاء وحلفاء، وأنها لن تقف متفرجة إذا تعرضوا لضغوط أو استهداف سياسي أو أمني. وبالترجمة اللبنانية، فإن أحداثاً شبيهة بما جرى في السابع من أيار عام 2008 قد لا تُقابل، إذا تكررت، بالمواقف الإقليمية نفسها التي كانت قائمة آنذاك، بعدما تبدلت موازين القوى والتحالفات.

ثانياً: حملت زيارة طرابلس دلالات لا تقل أهمية. فالمدينة التي عُرفت تاريخياً بـ”طرابلس الشام”، وعانت سنوات طويلة من التهميش، وكانت من أكثر المناطق اللبنانية مواجهةً للأجهزة الأمنية التابعة للنظام السوري السابق، تحتل مكانة خاصة في الوجدان السوري الجديد. كما أن استقبالها مئات آلاف النازحين السوريين خلال سنوات الحرب ترك أثراً إيجابياً لدى قطاعات واسعة من السوريين. ومن هنا، يمكن فهم الزيارة بوصفها رسالة دعم لطرابلس، وإبرام للدور السوري الجديد، ورسالة أوسع تؤكد أن سوريا ترى نفسها معنية بالوضع اللبناني، وأنها تعتبر نفسها جزءاً من الترتيبات الإقليمية المقبلة، في مقابل الحضور الإيراني الذي يبرِّر تدخله تحت عنوان “مقاومة إسرائيل”. وبذلك، يبدو أن المنطقة تتجه إلى عناوين جديدة للصراع، تتجاوز المواجهة التقليدية مع إسرائيل لتشمل أيضاً النفوذ الإيراني وأذرعه.

ثالثاً: أما الاتفاق الذي وُقِّع في السراي الحكومي بين الحكومتين اللبنانية والسورية، فقد أكد، في ظاهره، احترام سيادة البلدين واستقلالهما. إلا أن القراءة السياسية له قد توحي أيضاً بانسجام سوري مع توجهات الحكومة اللبنانية في ما يتعلق بحصرية السلاح بيد المؤسسات الشرعية، ولا سيما في ظل تصريحات الوزير السوري التي أبدى فيها استعداد بلاده لدعم الدولة اللبنانية في بسط سيادتها على كامل أراضيها.

رابعاً: يبقى اللقاء المغلق الذي جمع الوزير الشيباني برئيس مجلس النواب من أكثر محطات الزيارة إثارة للتساؤلات. فمن الصعب الجزم بما دار فيه، لكن يمكن افتراض أن الاجتماع تناول مباشرةً الموقف السوري من التطورات اللبنانية، ومن مسار تنفيذ سياسة الدولة اللبنانية في المرحلة المقبلة، إضافة إلى نقل رسائل سياسية تتصل بالعلاقة الثنائية وبالتوازنات الإقليمية.

خامساً: إذا كانت تصريحات المبعوث الأميركي السابق توم باراك، ثم تصريحات الرئيس ترامب، قد أثارت طوال الأشهر الماضية كماً كبيراً من التأويلات، فإن بعض المؤشرات بدأت تظهر تباعاً على أرض الواقع، بحسب القراءة التي يتبناها أصحاب هذا التحليل. ومن هذا المنطلق، يرى هؤلاء أنه إذا تعذر التوصل إلى معالجة داخلية لملف سلاح حزب الله وفق ما تقرره الدولة اللبنانية، فقد تتجه الضغوط الدولية إلى خيارات أكثر تشدداً، قد تشمل البحث في آليات دولية جديدة للتعامل مع الأزمة، من بينها تعزيز الدور الدولي أو تشكيل قوة متعددة الجنسيات على غرار التحالفات التي أنشئت لمحاربة تنظيم داعش، مع احتمال أن تؤدي سوريا دوراً محورياً فيها، إذا توافرت الظروف السياسية والإقليمية لذلك.

ويبقى السؤال: هل يقرأ حزب الله هذه التحولات بواقعية، ويسعى إلى تجنيب لبنان مواجهة جديدة، أم أن البلاد مقبلة على مرحلة أكثر تعقيداً، قد تحمل معها أزمات وتداعيات يصعب احتواء نتائجها؟

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

فاروق باباميري… عندما يكبر المناضل ولا يشيخ

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هناك رجال يكبرون في العمر، لكنهم لا يكبرون على...

حين يتحول اليسار إلى حارس لأيديولوجيا الدولة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة نقدية في افتتاحية جريدة «صوت الشعب» التونسية نشرت جريدة...

معركة مضيق هرمز في صحافة صباح اليوم: واشنطن توسّع ضرباتها وإيران تنقل الرد إلى القواعد الأميركية في المنطقة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة مقارنة في الصحافة الأميركية والغربية والإيرانية والعربية الصادرة...

صراع إرادات في هرمز: أميركا والعالم بوجه البلطجة الإيرانية

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح وعندنا التدخل الإيراني عبر أتباعه يستهدف عنوان : الأرض...

More like this

فاروق باباميري… عندما يكبر المناضل ولا يشيخ

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هناك رجال يكبرون في العمر، لكنهم لا يكبرون على...

سيادة الذات وضريبة الحرية: معركة الفرد المتفرد ضد الامتثال الأعمى

أخباركم - أخبارنا/ أكرم محمود إن النزوع نحو التبعية والمحاكاة يُعد أحد أبرز السمات...

هندسة الوجود مقابل ديناميكية الثورة: كيف انتصر “إله” سبينوزا على “تاريخ” ماركس؟

أخباركم - أخبارنا/أكرم محمودمقدمة: لقاء العقلانية بالماديةفي تاريخ الفكر الفلسفي، نادراً ما نجد تقاطعاً...