الثلاثاء, يوليو 14, 2026
31.9 C
Beirut

اليسار في متاهة الإسلام السياسي: من وهم الجبهة الشعبية إلى مصيدة الدولة الدينية

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

منذ امتهنت الكتابة، لم يتعبني نص كما أتعبني هذا النص. لا لأن موضوعه طويل فقط، بل لأنه يقترب من واحد من أكثر الملفات حساسية وجدلاً في تاريخ السياسة الحديثة في منطقتنا: تحالفات اليسار مع الإسلاميين، سنةً وشيعة، في السلطة والمعارضة، في لحظات الثورة، وفي لحظات البحث عن الحكم، وفي لحظات مقاومة الاستبداد أو مواجهة الاحتلال أو محاربة الفساد.

إن تقييم هذه التجارب بتفاصيلها لا يمكن أن يُنجز في مقال واحد، مهما بلغ طوله. فقراءة الظروف الموضوعية للقوى المعنية، وطبيعة الدول التي جرت فيها هذه التحالفات، وسياقاتها الاجتماعية والسياسية والتاريخية، تحتاج إلى دراسات كثيرة ومراجعات معمقة. ومع ذلك، عملت على مدى عشرة أيام على كتابة هذا النص، أو بالأحرى على الاشتغال عليه كمساحة بحث ونقاش، محاولاً قدر الإمكان أن أستند إلى أدوات تحليلية وفكرية لا إلى الانطباع أو الموقف المسبق.

أدرك جيداً أن يسارنا الكلاسيكي يخاف من هذا النوع من النصوص، وقد يبادر إلى التشكيك بها وبأهدافها قبل أن يقرأها، لا لشيء إلا لأنها تضعه أمام سؤال صعب طالما تهرّب من الإجابة عنه: كيف تعامل اليسار مع الإسلام السياسي؟ وهل كان هذا التعامل اختراقاً ذكياً لجمهور واسع، أم تنازلاً فكرياً وسياسياً أربك صورة اليسار وأضعف استقلاله؟

بالنسبة إليّ، لا أقدّم هذا النص كحكم نهائي، ولا كإدانة مغلقة، بل كفتح لباب الحوار. فاليسار الذي لا يراجع نفسه يتحول إلى ذاكرة جامدة، واليسار الذي يخاف من النقد يفقد قدرته على إنتاج المستقبل. لذلك أتمنى أن يُقرأ هذا النص بما يستحقه من جدية، لا بوصفه هجوماً، بل بوصفه محاولة لطرح سؤال مؤجل، وفتح نقاش لا بد منه حول واحدة من أكثر التجارب إرباكاً في تاريخ اليسار العربي والإقليمي

حين ظنّ اليسار أنه يستخدم الإسلاميين فاستخدموه

لا تبدأ أزمة بعض أحزاب اليسار مع الإسلام السياسي من لحظة التحالف فقط، بل من خطأ أعمق في القراءة: الاعتقاد أن الجمهور الديني يمكن عزله بسهولة عن البنية السياسية التي تنظمه، وأن الفقراء الذين يتحركون خلف الإسلاميين يمكن تحويلهم، بمجرد التحالف، إلى قوة يسارية أو ديمقراطية. في هذا الخطأ تكمن المأساة كلها. فاليسار رأى الجماهير، ولم يرَ جهاز الطاعة. رأى الفقر، ولم يرَ الزعامة المقدسة. رأى إمكانية الوصول إلى الشارع، ولم يرَ أن الشارع نفسه كان منظماً داخل خطاب ديني يريد إعادة تشكيل الدولة والمجتمع على أساس العقيدة لا المواطنة.

هذه ليست تجربة واحدة. إنها سلسلة من التجارب الممتدة من إيران إلى سوريا، ومن المغرب إلى لبنان والعراق. في إيران، وقف حزب توده الشيوعي إلى جانب ثورة الخميني، ظناً منه أن إسقاط الشاه ورفع شعار معاداة الإمبريالية يمكن أن يفتحا طريقاً تقدمياً، فإذا بالنظام الإسلامي يبتلع اليسار ثم يسحقه. وقد انتهت العلاقة عملياً بحملة اعتقالات واسعة سنة 1983، وحظر الحزب، وإجبار عدد من قادته على اعترافات تلفزيونية مهينة، بعدما كان الحزب قد دعم النظام الجديد في بداياته.

في سوريا، لم يكن الأمر تحالفاً سلطوياً أو مشاركة في الحكم، بل تقاطعاً مع فكرة الجبهة الواسعة ضد نظام حافظ الأسد. فالحزب الشيوعي السوري ـ المكتب السياسي، بقيادة رياض الترك، كان جزءاً من المعارضة اليسارية الديمقراطية، وشارك في التجمع الوطني الديمقراطي الذي تأسس سنة 1980 مع قوى قومية ويسارية أخرى. وفي أجواء صراع النظام مع الإخوان المسلمين والقوى المعارضة، طُرحت داخل أوساط الحزب فكرة إمكان قيام تحالف ديمقراطي ـ إسلامي ـ شعبي، لا بوصفه تحالفاً في السلطة، بل كخيار محتمل لتغيير السلطة القائمة.

في المغرب، دخل حزب التقدم والاشتراكية، وهو الوريث السياسي والقانوني للحزب الشيوعي المغربي، في تجربة حكومية مع حزب العدالة والتنمية الإسلامي بعد انتخابات 2011، فانتقل التناقض من مستوى المعارضة إلى مستوى إدارة الدولة. وفي لبنان، وجد الحزب الشيوعي اللبناني نفسه أمام مأزق حزب الله: مقاومة ضد إسرائيل من جهة، وبنية طائفية مسلحة مرتبطة بمحور إقليمي من جهة أخرى. أما في العراق، فقد اتخذ التناقض شكلاً انتخابياً مباشراً مع تحالف الحزب الشيوعي العراقي مع التيار الصدري ضمن “سائرون” في انتخابات 2018، تحت شعار مكافحة الفساد وإنهاء المحاصصة.

هذه التجارب الخمس ليست متطابقة. بعضها جرى من داخل السلطة، وبعضها من موقع المعارضة. بعضها كان انتخابياً، وبعضها جبهويّاً، وبعضها عسكرياً أو ثورياً. لكنها تلتقي عند نقطة واحدة: أن اليسار، حين يتحالف مع الإسلام السياسي، يظن أنه يوسّع قاعدته الشعبية أو يفتح طريقاً إلى الحكم أو التغيير، بينما تكون النتيجة غالباً عكسية: الإسلام السياسي يستفيد من اليسار لتوسيع شرعيته، ثم يتركه مرتبكاً أو مهمشاً أو مسحوقاً.

هنا يحضر ماركس في عبارته الشهيرة من “مساهمة في نقد فلسفة الحق عند هيغل”: “نقد الدين هو الشرط الأول لكل نقد”. لم يكن المقصود إهانة الدين ولا مهاجمة الإيمان الفردي، بل تحرير السياسة من المقدس، وتحرير الإنسان من سلطة تدّعي أنها تتكلم باسم الغيب. لذلك فإن أي يسار يدخل في تحالف مع قوة تجعل الدين أو المذهب أو الزعامة الروحية أساساً للتعبئة، يدخل مباشرة في تناقض مع جوهر النقد الماركسي نفسه.

أولاً: حزب توده وثورة الخميني… حين ابتلع الإسلام السياسي اليسار الإيراني

تجربة حزب توده الإيراني مع ثورة الخميني هي من أقسى دروس اليسار في القرن العشرين. فالحزب، وهو أحد أعرق الأحزاب الشيوعية في الشرق الأوسط، رأى في ثورة 1979 فرصة تاريخية لإسقاط الشاه، ومواجهة النفوذ الأميركي، وفتح طريق جديد أمام القوى الشعبية. لكنه أخطأ حين ظن أن الطابع المعادي للإمبريالية في خطاب الخميني يمكن أن يعوض الطابع الديني ـ السلطوي لمشروعه.

لقد ظن توده أن التناقض الرئيسي هو مع الشاه والولايات المتحدة، وأن كل قوة تقف ضد هذا المحور يمكن التعامل معها كحليف موضوعي. لكن هذه القراءة اختزلت الماركسية إلى جغرافيا سياسية، ونسيت سؤال البنية الداخلية: أي دولة ستقوم بعد الشاه؟ من يملك السلطة؟ من يكتب الدستور؟ ما موقع المرأة؟ ما موقع الحريات؟ ما موقع الأحزاب؟ ما معنى ولاية الفقيه؟ وهل يمكن لقوة دينية تؤسس شرعيتها على سلطة الفقيه أن تقبل بيسار مستقل؟

كانت الإجابة واضحة لاحقاً. فالنظام الإسلامي لم يحتج إلى اليسار إلا في لحظة إسقاط الشاه وتثبيت شرعية الثورة. وبعد أن رسّخ سلطته، بدأ بتصفية القوى التي لا تنتمي إلى بنيته العقائدية. وتحوّلت معاداة الإمبريالية إلى غطاء لدولة دينية تقمع المجتمع والمعارضة. وفي سنة 1983، اعتُقل قادة حزب توده وحُظر الحزب، وظهر عدد من رموزه في اعترافات تلفزيونية تحت الضغط، في مشهد يلخص نهاية الوهم: الإسلام السياسي لا يقبل اليسار شريكاً، بل يستعمله ثم يتخلص منه حين ينتفي دوره.

إحسان طبري: مأساة المثقف حين يقع بين الحزب والدولة الدينية

إن مأساة إحسان طبري، المفكر الماركسي البارز في حزب توده، تكثف المأساة كلها. فالرجل، بعد الاعتقال والقمع، ظهر في سياق الاعترافات والتراجعات المفروضة ليعلن مراجعات فكرية قاسية ضد الماركسية ويمدح الإسلام. لا ينبغي قراءة تلك اللحظة بوصفها تحولاً فكرياً طبيعياً، بل بوصفها صورة عن قدرة الدولة الدينية على كسر المثقف حين تفوز السلطة بالمقدس والسجن معاً.

هنا يتأكد المعنى العميق لعبارة ماركس عن الدين بوصفه “زفرة المخلوق المضطهد، وقلب عالم بلا قلب، وروح ظروف بلا روح، إنه أفيون الشعب”. فالمشكلة لا تكون في الدين كتعزية روحية للإنسان المقهور، بل في تحوله إلى أداة دولة، وإلى سلطة تجبر المفكر على إنكار تاريخه الفكري باسم الحقيقة المقدسة. في إيران الخمينية، لم يكن الدين مجرد وجدان شعبي، بل صار مؤسسة حكم وقضاء وسجن واعترافات.

لقد كان خطأ توده أنه رأى في الخمينية حركة جماهيرية ضد الإمبريالية، ولم يرَ أنها تحمل مشروع دولة دينية مغلقة. رأى الثورة ولم يرَ الفقيه. رأى الجماهير ولم يرَ الحرس الثوري. رأى إسقاط الشاه ولم يرَ بناء نظام أكثر قدرة على مصادرة المجتمع باسم السماء.

ثانياً: الحزب الشيوعي السوري ـ المكتب السياسي والإخوان… جبهة التغيير حين تلامس الوهم

تجربة الحزب الشيوعي السوري ـ المكتب السياسي، بقيادة رياض الترك، تختلف عن تجربة توده وعن تجارب المغرب والعراق. فهي لم تكن مشاركة في حكم إسلامي، ولا تحالفاً انتخابياً مع الإسلاميين، بل جاءت في سياق معارضة نظام استبدادي مغلق. كان النظام السوري قد صادر الحياة السياسية، واحتكر الدولة، وقمع اليسار والمستقلين والإسلاميين معاً. ومن داخل هذا الاختناق، ولدت فكرة الجبهة الواسعة ضد السلطة.

تأسس التجمع الوطني الديمقراطي سنة 1980، وضم قوى يسارية وقومية وديمقراطية، بينها الحزب الشيوعي السوري ـ المكتب السياسي. وفي تلك الفترة، تزامنت الحركة الاحتجاجية للمعارضة اليسارية والقومية والديمقراطية مع الصدام المسلح بين النظام والإخوان المسلمين. وداخل أجواء الصراع، طُرحت في بعض أوساط الحزب فكرة إمكان قيام تحالف ديمقراطي ـ إسلامي ـ شعبي، بوصفه احتمالاً في مواجهة النظام، لا بوصفه تحالفاً سلطوياً مستقراً.

لكن المشكلة النظرية تبقى قائمة، حتى لو كان الهدف إسقاط الاستبداد. فالسؤال ليس فقط: من يعارض النظام؟ بل: بأي مشروع؟ ولأي دولة؟ هل تريد المعارضة دولة مواطنين أم دولة عقائد؟ هل تريد الديمقراطية بوصفها تعددية ومواطنة وحقوقاً، أم مجرد ممر لإسقاط السلطة القائمة؟ هنا يصبح التحالف مع الإسلاميين، حتى من موقع المعارضة، خطراً إذا لم يكن محكوماً بحدود فكرية صارمة.

رياض الترك كان رمزاً صلباً في مواجهة الاستبداد، ودفع سنوات طويلة من عمره في السجن، إذ اعتُقل بين 1980 و1998. لكن نقد التجربة لا يتعلق بشخصه الأخلاقي أو النضالي، بل بالسؤال الفكري الأوسع: هل يستطيع يسار ديمقراطي أن يفتح الباب لتحالف مع قوة إسلامية تريد تغيير السلطة، من دون أن يسأل بوضوح عن شكل السلطة البديلة؟

المعارضة ليست قيمة بذاتها… السؤال هو: أي بديل؟

ليس كل من يعارض الاستبداد ديمقراطياً. هذه قاعدة أساسية. فقد تعارض قوة ما نظاماً مستبداً لأنها تريد نظاماً أكثر حرية، وقد تعارضه لأنها تريد احتكار السلطة باسم عقيدة أخرى. هنا يقع خطأ كثير من اليسار: يساوي بين العداء للنظام وبين التقدمية، وبين القمع المشترك وبين وحدة المشروع.

ماركس يقول في “الثامن عشر من برومير لويس بونابرت”: “يصنع الناس تاريخهم، لكنهم لا يصنعونه كما يشاؤون، ولا في ظروف يختارونها بأنفسهم، بل في ظروف معطاة وموروثة من الماضي”. وهذه العبارة تصلح لفهم مأزق اليسار السوري. فقد تحرك داخل ظروف قمعية خانقة، لكنه كان مطالباً ألا يجعل ضغط القمع سبباً لتجاهل طبيعة الحليف المحتمل.

فالإخوان المسلمون، كتنظيم إسلامي سياسي، لم يكونوا قوة مدنية ديمقراطية بالمعنى اليساري. مشروعهم، في جوهره، ينتمي إلى تصور ديني للسلطة والمجتمع. ولذلك فإن أي تقاطع معهم ضد النظام كان يحتاج إلى وعي صارم: إسقاط الاستبداد لا يبرر فتح الباب أمام استبداد آخر باسم الدين. فالحرية لا تُبنى بمجرد إسقاط الحاكم، بل ببناء عقد مدني يمنع أي قوة، عسكرية أو دينية أو حزبية، من احتكار الدولة.

ثالثاً: التجربة المغربية… يسار يدخل حكومة الإسلاميين ويفقد موقع النقد

تجربة حزب التقدم والاشتراكية المغربي مع حزب العدالة والتنمية تبدو للوهلة الأولى أقل حدة من تجارب إيران وسوريا ولبنان والعراق، لأنها جرت داخل مؤسسات الدولة، لا داخل منطق السلاح أو الثورة أو القمع الدموي. لكنها، من الناحية الفكرية، تطرح سؤالاً عميقاً: ما معنى أن يشارك حزب خرج من رحم الشيوعية المغربية في حكومة يقودها حزب إسلامي محافظ؟

جاء التحالف بعد انتخابات 2011، حين صعد حزب العدالة والتنمية إلى قيادة الحكومة في ظل دستور جديد ومناخ إقليمي مرتبك. كان بإمكان حزب التقدم والاشتراكية أن يختار موقع المعارضة اليسارية الديمقراطية، وأن يراقب تجربة الإسلاميين من خارجها، وأن يحافظ على خط نقدي اجتماعي وحداثي واضح. لكنه اختار المشاركة، مبرراً ذلك بمنطق الاستقرار والواقعية السياسية والمساهمة في الإصلاح من الداخل.

المشكلة هنا أن المشاركة لم تكن مجرد إدارة تقنية لوزارات. لقد منحت هذه المشاركة غطاء يسارياً لحكومة يقودها حزب محافظ، وخلطت في وعي الناخب بين مشروعين متناقضين: مشروع يساري يفترض أن يدافع عن العدالة الاجتماعية والحريات الفردية والمساواة والحداثة والعلمانية السياسية؛ ومشروع إسلامي يتحرك ضمن مرجعية أخلاقية محافظة، حتى لو قبل بقواعد اللعبة الانتخابية.

تمييع الحدود بين اليسار واليمين الديني

من الناحية الوطنية، أخطر ما في هذه التجربة أنها ساهمت في تمييع الحدود السياسية. فالسياسة لا تقوم فقط على جمع المقاعد، بل على وضوح البدائل. وعندما يتحالف اليسار مع الإسلاميين داخل حكومة واحدة، يصبح المواطن أمام مشهد رمادي: لا يعرف من المسؤول عن السياسات الاجتماعية، ولا من يتحمل خيارات التقشف أو التراجع، ولا أين ينتهي اليسار وأين يبدأ اليمين الديني.

ومن الناحية الماركسية، يطرح التحالف مشكلة أعمق. الفكر الماركسي يقوم على تحليل البنية الاجتماعية والاقتصادية، وعلى فهم الصراع بوصفه صراع مصالح وطبقات ومواقع إنتاج، لا صراع هويات دينية وأخلاقية. أما الإسلام السياسي، حتى حين يكون معتدلاً وانتخابياً، فإنه يميل إلى تحويل المجتمع إلى جماعة أخلاقية، لا إلى طبقات ومصالح متصارعة.

لذلك لم يكن خروج حزب التقدم والاشتراكية من الحكومة سنة 2019 مجرد حدث تنظيمي، بل اعترافاً متأخراً بأن التحالف لم ينتج يساراً أقوى، ولا ديمقراطية أعمق، ولا وضوحاً اجتماعياً أكبر. لقد خرج الحزب من التجربة بعد أن دفع جزءاً من رصيده الرمزي: رصيد الحزب اليساري الذي كان يفترض أن يكون ضميراً نقدياً لا ملحقاً حكومياً.

رابعاً: الحزب الشيوعي اللبناني وحزب الله… من المقاومة الوطنية إلى المقاومة المذهبية

في لبنان، لا يمكن نقد العلاقة بين الحزب الشيوعي اللبناني وحزب الله من زاوية سياسية عابرة فقط، بل ينبغي قراءتها من داخل البنية الطائفية نفسها. فالمسألة هنا لا تتعلق بتحالف بين حزبين مختلفين، بل بتناقض أعمق بين منطق يساري يفترض أن ينقض الطائفية، ومنطق حزب مذهبي مسلح يعمل داخل شروط الدولة الطائفية ويعيد إنتاجها، حتى حين يرفع شعارات وطنية أو مقاومة.

الحزب الشيوعي اللبناني كان تاريخياً جزءاً من مقاومة وطنية فعلية ضد الاحتلال الإسرائيلي. جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، التي انطلقت بعد اجتياح 1982، حملت معنى وطنياً عابراً للطوائف: مقاومة لبنانية لا مقاومة شيعية، ولا سنية، ولا مسيحية، ولا درزية. كانت المقاومة، في لحظتها الوطنية الأولى، فعلاً سياسياً جامعاً ضد الاحتلال، لا امتداداً لعصبية مذهبية ولا أداة في مشروع إقليمي.

لكن صعود حزب الله، بدعم إيراني وسوري، نقل مركز الثقل من المقاومة الوطنية العابرة للطوائف إلى مقاومة حزبية مذهبية. لم يعد السلاح تعبيراً عن قرار وطني جامع، بل صار جزءاً من بنية خاصة لها قيادتها وتمويلها وعقيدتها وتحالفاتها الإقليمية. هنا وجد الحزب الشيوعي نفسه أمام مأزق تاريخي: هل يواصل اعتبار حزب الله قوة مقاومة ضد إسرائيل، أم يقرأه بوصفه قوة طائفية مسلحة تعمل داخل نظام طائفي وتعيد إنتاج شروطه؟

مهدي عامل والطائفية كآلية حكم لا كاختلاف ديني

لإدراك هذا المأزق بدقة، لا بد من العودة إلى مهدي عامل، وخصوصاً في كتابيه “في الدولة الطائفية” و“مدخل إلى نقض الفكر الطائفي”. فمهدي عامل لا يتعامل مع الطائفية كعقيدة دينية مجردة، ولا كمرض أخلاقي في وعي الناس، بل كعلاقة سياسية واجتماعية مرتبطة ببنية الدولة والطبقات المسيطرة. الطائفية عنده ليست بقايا من الماضي فقط، بل شكل حديث من أشكال السيطرة داخل دولة برجوازية مأزومة.

في تحليله للدولة اللبنانية، يرى مهدي عامل أن الطائفية ليست شيئاً خارج الدولة، بل هي من صلب شكلها السياسي. الدولة اللبنانية ليست دولة وطنية مكتملة ثم جاءت الطائفية لتشوّهها من الخارج، بل هي دولة بُنيت سياسياً على توزيع المجتمع إلى طوائف. لذلك تصبح الطائفة وسيطاً بين الفرد والدولة، ويصبح المواطن غير حاضر بوصفه مواطناً مباشراً، بل بوصفه عضواً في جماعة طائفية. بهذا المعنى، لا تكون الطائفية مجرد انقسام اجتماعي، بل آلية حكم.

وهنا تأتي إحدى خلاصات مهدي عامل الأكثر أهمية: الشكل الطائفي، بوصفه أساساً لوجود الدولة اللبنانية كدولة برجوازية، هو في الوقت نفسه العائق الذي يمنعها من أن تتكوّن كدولة وطنية حديثة مكتملة. أي أن الدولة الطائفية تستعمل الطوائف لضمان السيطرة الطبقية والسياسية، لكنها بهذا الاستعمال نفسه تمنع قيام وحدة وطنية حقيقية. فهي تحتاج إلى الطائفية لتحكم، لكنها بسبب الطائفية تعجز عن أن تصبح دولة مواطنين.

من هذا المنظور، يصبح حزب الله ليس مجرد حزب مقاوم، بل جزءاً من بنية أوسع: بنية الدولة الطائفية نفسها. صحيح أنه يحمل خطاباً يتجاوز أحياناً حدود الطائفة باسم فلسطين أو المقاومة أو مواجهة إسرائيل، لكنه في بنيته الاجتماعية والتنظيمية والسياسية قائم على قاعدة مذهبية محددة. وهو لا يلغي الطائفية، بل يدخل إليها من موقع القوة. لا يحطم النظام الطائفي، بل ينازعه من داخله على الحصة والقرار والسلاح والشرعية.

وهذا بالضبط ما كان مهدي عامل يحذر منه: أن تتحول الطائفة إلى شكل سياسي يخفي الصراع الحقيقي. فالطائفية، في نظره، ليست تعبيراً بريئاً عن تعدد ديني، بل أيديولوجيا تجعل الصراع يبدو بين جماعات دينية، بينما هو في عمقه صراع على السلطة والثروة والتمثيل والهيمنة. وحين يرفع حزب مذهبي شعار المقاومة، لا يكفي أن نسأل عن عدائه لإسرائيل، بل يجب أن نسأل: أي بنية اجتماعية يمثل؟ أي سلطة يبني؟ أي علاقة يقيمها مع الدولة؟ هل يحرر المواطن من الطائفة أم يعيده إليها مسلحاً ومنظماً ومعبأً؟

المقاومة حين تنفصل عن مشروع الدولة

بعض الشيوعيين مالوا إلى قراءة حزب الله بوصفه حليفاً موضوعياً ضد الإمبريالية وإسرائيل. لكن هذا الاختزال يصطدم مباشرة بمنهج مهدي عامل. فالماركسية عنده لا تكتفي بتحديد العدو الخارجي، بل تبحث في البنية الداخلية التي تنتج التبعية والطائفية والاستغلال. العداء لإسرائيل لا يكفي ليجعل قوة ما تقدمية. فقد تكون القوة معادية لإسرائيل، لكنها في الداخل تعيد إنتاج الطائفية، وتمنع قيام الدولة المدنية، وتحوّل جمهورها الشعبي إلى كتلة مذهبية مطيعة لا إلى طبقة واعية مستقلة.

من هنا، يصبح الخلل في موقف بعض اليسار اللبناني أنه تعامل مع حزب الله من زاوية “المقاومة” فقط، لا من زاوية “الدولة الطائفية”. وهذا خطأ نظري قبل أن يكون خطأ سياسياً. فالمقاومة، حين تنفصل عن مشروع الدولة الوطنية، وحين تصبح حكراً على حزب مذهبي مسلح، تتحول من فعل تحرر إلى سلطة موازية. وحين تصبح السلطة الموازية أقوى من الدولة، لا تعود الطائفة مجرد هوية، بل تصبح مؤسسة سياسية وعسكرية قائمة فوق المواطن.

لقد كان مهدي عامل يرى أن نقد الطائفية يبدأ من إسقاط حصانة الخطاب الطائفي نفسه. فلا يكفي أن نقول إن الطائفة “موجودة” أو إن المجتمع اللبناني “متعدد”، بل يجب أن نكشف كيف تُنتج الطائفية سياسياً، وكيف تستعملها البرجوازية اللبنانية وقوى السلطة لإعادة إنتاج السيطرة. لذلك فإن أي يسار يغطي حزباً طائفياً مسلحاً، أو يتحالف معه، أو يتردد في نقد بنيته، يفقد موقعه التاريخي كقوة نقض للطائفية.

المشكلة إذن ليست في الاعتراف بحق مقاومة الاحتلال، بل في تحويل المقاومة إلى ملكية حزبية وطائفية. فالوطن لا يقوم على أن تحتكر طائفة قرار الحرب والسلم. والدولة لا تقوم حين يصبح الجيش مؤسسة ثانوية إلى جانب تنظيم مسلح أقوى من المؤسسات. والمواطنة لا تقوم حين يُطلب من الشعب أن يختار بين الاحتلال الخارجي والخضوع لقوة داخلية مسلحة. ومن زاوية مهدي عامل، فإن هذا الاختيار نفسه هو فخ أيديولوجي، لأنه يحصر الناس بين شكلين من القهر: قهر خارجي باسم الاحتلال، وقهر داخلي باسم الطائفة والمقاومة.

إن أخطر ما في الطائفية أنها تظهر كحماية للجماعة، بينما هي في الحقيقة تمنع تكوّن الشعب كمجتمع سياسي موحد. تظهر كضمانة، لكنها تفكك الدولة. تظهر كهوية، لكنها تحجب الطبقة. تظهر كدفاع عن الوجود، لكنها تمنع المواطن من أن يكون فرداً سياسياً حراً. وهذا ما يجعل حزباً كحزب الله، مهما امتلك من خطاب مقاوم، قوة تعيق ولادة الدولة الوطنية المدنية، لأنه يربط السلاح والتمثيل والقرار السياسي بجماعة مذهبية محددة.

خامساً: الشيوعي العراقي والصدريون… تحالف ضد الفساد انتهى عند أول اختبار دموي

في العراق، جاء تحالف الحزب الشيوعي العراقي مع التيار الصدري ضمن “سائرون” كواحدة من أكثر التجارب إثارة للجدل في تاريخ اليسار العربي المعاصر. فقد جمع التحالف بين حزب شيوعي علماني، له إرث طويل في النضال الاجتماعي والنقابي والوطني، وبين تيار ديني شعبي واسع يقوده مقتدى الصدر، وله تاريخ سياسي وميليشياوي معقد، ويتحرك في فضاء ديني ـ مذهبي وشعبي في الوقت نفسه. رُفع شعار مكافحة الفساد وإنهاء المحاصصة وتحسين الخدمات، لكن السؤال الجوهري بقي معلقاً: هل يمكن لليسار أن يحارب الطائفية من داخل تحالف مع قوة وُلدت في المجال الطائفي نفسه؟

كان السياق مهماً: عراق ما بعد 2003 كان غارقاً في المحاصصة، الفساد، ضعف الدولة، انهيار الخدمات، وتحوّل الطوائف إلى قنوات للتمثيل السياسي وتوزيع السلطة والثروة. في ساحات الاحتجاج، التقى مدنيون وشيوعيون وصدريون على شعارات ضد الفساد وضد النخبة الحاكمة. من هنا نشأت فكرة أن المشتركات الاجتماعية يمكن أن تتقدم على الخلافات الأيديولوجية. لكن هذه الفكرة، رغم جاذبيتها، حملت ضعفها في داخلها: فالتحالف ضد الفساد لا يكفي لصناعة مشروع وطني، إذا كان أحد أطرافه جزءاً من البنية الطائفية والشعبوية التي ساهمت في إنتاج الأزمة.

هادي العلوي واستقلال المثقف عن السلطة

هنا يصبح استدعاء هادي العلوي ضرورياً، لا بوصفه زينة فكرية، بل بوصفه مفكراً عراقياً نقد علاقة المثقف بالسلطة، ونبّه إلى خطر اندماج المثقف أو صاحب الفكر في أجهزة القوة. ففي قراءته لطبيعة علاقة المثقف بالسلطة، يميّز العلوي بين المثقف الذي يعارض السلطة ويحافظ على استقلاله، وبين المثقف الذي يتحول إلى تابع أو مبرر. وترد في هذا السياق خلاصة شديدة الأهمية: إن المثقف قد يتحالف مع قوى تعمل على إصلاح الأوضاع الفاسدة، لكنه يرفض المشاركة في العمل ضمن أجهزتها من أجل الحفاظ على استقلاله، لأن دوره الحقيقي هو نقد الفساد وكشف مكامنه أمام الشعب.

هذه الفكرة تصلح تماماً لنقد تجربة “سائرون”: فاليسار يستطيع أن يلتقي مع جمهور غاضب ضد الفساد، لكنه يفقد معناه حين يتحول من قوة نقد مستقلة إلى جزء من كتلة يقودها مركز ديني كاريزمي. والأخطر في تجربة التحالف مع الصدريين أن الشيوعيين لم يتحالفوا فقط مع جمهور شعبي ناقم على الفساد، بل مع بنية سياسية لها زعيم، ورمز ديني، وانضباط جماهيري، وقدرة على تحريك الشارع بمنطق الولاء لا بمنطق التنظيم الطبقي المستقل.

وهذا يناقض جوهر العمل الماركسي، لأن الماركسية لا ترى الجماهير كتلة عاطفية تتحرك خلف زعيم، بل كقوى اجتماعية ينبغي تنظيمها على أساس الوعي بالمصلحة والطبقة والدولة والحقوق. لذلك كان الخطر أن يتحول اليسار من طليعة نقدية إلى ملحق مدني داخل موجة دينية شعبوية أكبر منه.

الشيوعية كموقف اجتماعي لا كتفاهم انتخابي

يمكن هنا الاستناد أيضاً إلى هادي العلوي في قراءته لكارل ماركس. فهو يرى أن الشيوعية موقف اجتماعي، وأن ماركس كان يركز على حاجات الناس المادية لأن سلطة الدولة وسلطة المال جرّدتا الإنسان من هذه الحاجات. في المقابل، ينتقد العلوي رجال الدين لأنهم، في تحليله، يهملون حاجات الناس المادية ويركزون على حاجاتهم الروحية، حيث يُطلب من الفقراء التعبد، بينما ينال أصحاب الخدمات الروحية أجورهم، ويُترك رجال الدولة والأغنياء لاستيفاء النعيم المادي.

هذه الفكرة تضرب جوهر التحالف الشيوعي ـ الصدري: فالمشكلة ليست في الدين كإيمان شخصي، بل في تحويل الدين إلى قناة سياسية لإدارة غضب الفقراء بدل تحريرهم مادياً وتنظيمياً. فالصدريون استطاعوا مخاطبة الفقراء والمهمشين في المدن والأحياء الشعبية، لكن خطابهم لم يكن طبقياً بالمعنى الماركسي، بل كان مزيجاً من الاحتجاج الاجتماعي، والرمزية الدينية، والزعامة الشخصية، والقدرة على المناورة داخل النظام.

وهنا يقع الخلل: الفقير، في الوعي الماركسي، ليس مريداً ينتظر توجيه الزعيم، بل صاحب مصلحة اجتماعية يجب أن يتحول إلى فاعل سياسي مستقل. أما حين يدخل اليسار تحت مظلة زعامة دينية، فإنه يسلّم جزءاً من جمهوره إلى منطق الطاعة، لا إلى منطق الوعي.

فالح عبد الجبار: الديمقراطية لا تُبنى بلا مجتمع مدني مستقل

من جهة أخرى، يقدم فالح عبد الجبار إطاراً مهماً لفهم خطورة هذه التجربة. ففي دراساته عن الدولة والمجتمع المدني والتحول الديمقراطي في العراق، لا ينظر عبد الجبار إلى الديمقراطية كصندوق اقتراع فقط، بل كعملية بناء مؤسسي ومجتمعي طويلة، تحتاج إلى سيادة القانون، ومجتمع مدني مستقل، ومؤسسات قوية، وفضاء عام نشط.

وتلخص قراءة مشروعه أن التحول الديمقراطي لا يتحقق بمجرد الانتخابات أو صياغة الدساتير، بل يحتاج إلى استقلال القضاء، تقوية المؤسسات، الحد من اقتصاد الريع، ومشاركة المواطنين كفاعلين في صناعة الدولة. ومن هذه الزاوية، كان تحالف “سائرون” يعاني من مأزق بنيوي: لقد دخل الانتخابات باسم الإصلاح، لكنه لم يملك ضمانة حقيقية لبناء دولة مدنية مستقلة عن الزعامات الدينية والميليشيوية والريعية.

فالح عبد الجبار يساعدنا أيضاً على فهم ما بعد 2003 بوصفه لحظة تفكك في الدولة والمجتمع المدني معاً. فحين تضعف المؤسسات وتتصاعد الانقسامات الطائفية والعرقية، تظهر الفصائل والولاءات المحلية كبدائل عن الدولة. هذا بالضبط ما يجعل التحالف مع تيار ديني جماهيري خطراً على اليسار: فهو لا يبني المجتمع المدني المستقل، بل قد يعيد إدخال الشارع المدني في قنوات الطائفة والزعامة. فاليسار لا يستطيع أن يزعم الدفاع عن المجتمع المدني وهو يربط مصيره السياسي بقوة لا تقوم أصلاً على استقلال المجتمع المدني، بل على تعبئة دينية ـ شعبية محكومة بقرار زعيم.

حنّا بطاطو: من الولاءات التقليدية إلى الوعي الطبقي

أما حنّا بطاطو، وإن لم يكن عراقياً بالمعنى الوطني، فهو من أهم من كتبوا عن العراق والحزب الشيوعي العراقي بمنهج قريب من التحليل الطبقي الماركسي. وقد جرى توصيف منهجه بأنه تتبّع انتقال المجتمع العراقي من ولاءات قبلية وجماعية سابقة للحداثة إلى مجتمع طبقي حديث تتعايش فيه ولاءات الطبقة والأحزاب، وأحياناً تحل محل الولاءات التقليدية أو تتعايش معها.

هذا التحليل مهم جداً لفهم خطأ التحالف مع الصدريين: فبدلاً من أن يعمل الحزب الشيوعي على تعميق الانتقال من الولاء التقليدي إلى الوعي الطبقي والمدني، وجد نفسه في تحالف يعيد خلط الطبقة بالطائفة، والاحتجاج الاجتماعي بالولاء الديني، والشارع المدني بالزعامة الكاريزمية.

لقد نجح “سائرون” انتخابياً سنة 2018، لكن النجاح العددي لم يتحول إلى مشروع وطني متماسك. فقد ظهرت سريعاً حدود التحالف: من يقود القرار؟ هل هو برنامج الإصلاح أم وزن مقتدى الصدر؟ هل التحالف مدني حقاً، أم صدري بواجهة مدنية؟ هل يستطيع الشيوعيون التأثير في حركة دينية واسعة، أم أنهم يمنحونها شرعية وطنية ويسارية من دون قدرة حقيقية على تغيير بنيتها؟

الجواب جاء مع انتفاضة تشرين 2019. حين خرج الشباب العراقي ضد النظام السياسي والفساد والقتل والمحاصصة، صار الموقف من دم المتظاهرين اختباراً فاصلاً. هنا لم تعد الشعارات العامة كافية. لم يعد ممكناً الحديث عن إصلاح من داخل التناقض نفسه. فالشارع الذي طالب بدولة وطنية، وعدالة، وخدمات، ومحاسبة قتلة المتظاهرين، كشف أن التحالفات الرمادية لا تصمد أمام لحظة الدم. إما أن يكون اليسار مع الشارع المدني المستقل حتى النهاية، أو يصبح جزءاً من لعبة التوازنات التي ثار الشارع عليها.

سادساً: التناقض مع جوهر الحياة الوطنية

الحياة الوطنية تقوم على مبدأ بسيط: المواطن قبل الطائفة، والدولة قبل الحزب، والقانون قبل السلاح، والبرنامج قبل الهوية. في التجارب الخمس، حدث العكس بدرجات مختلفة.

في إيران، تحوّل إسقاط الشاه إلى بناء دولة دينية أكثر قدرة على سحق اليسار باسم الثورة والإسلام. في سوريا، هدد ضغط الاستبداد بإغراء اليسار بفكرة الجبهة الواسعة مع الإسلاميين، من دون ضمان كافٍ لطبيعة البديل الديمقراطي. في المغرب، جرى تمييع البرنامج اليساري داخل حكومة يقودها إسلاميون. في لبنان، جرى القبول الضمني أو الجزئي بسلاح حزبي مذهبي تحت عنوان المقاومة. وفي العراق، جرى التحالف مع تيار ديني شعبي باسم الإصلاح، فانتهى الأمر إلى ذوبان الصوت المدني داخل كتلة يقودها مركز ديني كاريزمي.

هذه التحالفات تضرب الحياة الوطنية لأنها تنقل السياسة من ساحة البرامج إلى ساحة التفاهمات الهوياتية. وتضرب الدولة لأنها تجعل القوى السياسية تتعامل مع الطائفة أو الجماعة الدينية بوصفها طريقاً مختصراً إلى الجمهور. وتضرب المواطنة لأنها تكرس فكرة أن الوصول إلى الناس لا يكون عبر التنظيم المدني والنقابي والطبقي، بل عبر مفاتيح دينية ومذهبية جاهزة.

سابعاً: التناقض مع الفكر الماركسي

الماركسية ليست مجرد خطاب عن الفقراء، ولا مجرد دفاع عاطفي عن العدالة. إنها منهج مادي نقدي يرى أن البنى الاقتصادية والاجتماعية تنتج الوعي والسياسة والسلطة. ومن هذا المنظور، فإن التحالف مع الإسلام السياسي يخلق أربعة تناقضات كبرى.

أولاً، الماركسية تقوم على المادية التاريخية، بينما الإسلام السياسي يقوم على مرجعية دينية أو مذهبية تجعل المقدس جزءاً من الشرعية السياسية. وحين يدخل اليسار في هذا المجال، يفقد قدرته على نقد القداسة السياسية، ويصبح شريكاً في إعادة إنتاجها.

ثانياً، الماركسية تفهم المجتمع من خلال الطبقات والمصالح وشروط الإنتاج، بينما الإسلام السياسي يميل إلى فهم المجتمع بوصفه جماعة إيمانية أو أخلاقية. لذلك تتحول قضية الفقر من سؤال عن الاستغلال والريع والملكية والعمل إلى سؤال عن الأخلاق والفساد الفردي والهوية.

ثالثاً، الماركسية تسعى إلى تحرير الدولة من البنى التقليدية، بينما الإسلام السياسي غالباً ما يعيد إدخال الدين والطائفة والرمز الديني إلى قلب الدولة. وفي هذه اللحظة لا يعود اليسار قوة تحديث، بل يصبح جسراً لعبور القديم إلى مؤسسات الحاضر.

رابعاً، الماركسية تفترض استقلال تنظيم الطبقات الشعبية، بينما تؤدي هذه التحالفات إلى وضع الفقراء والعمال والكادحين داخل مشاريع يقودها زعماء دينيون أو أحزاب محافظة أو قوى مسلحة.

هنا يصبح السؤال قاسياً: هل يستطيع حزب يساري أن يبقى يسارياً وهو يمنح شرعية لقوة دينية؟ هل يستطيع حزب شيوعي أن يدافع عن الدولة المدنية وهو يتحالف مع تيار طائفي؟ هل يستطيع أن يناضل ضد الاستغلال وهو يتجاهل أن الطائفية نفسها أداة من أدوات السيطرة على الفقراء؟

إن الماركسية، في جوهرها، ليست حياداً بين التقدم والرجعية، وليست براعة في تركيب التحالفات، بل نقد جذري لكل بنية تستعبد الإنسان: رأس المال، الطائفة، الدولة القمعية، الزعامة المقدسة، والسلاح الخارج عن المجتمع. لذلك لا يمكن لليسار أن يواجه الرأسمالية بيد، ثم يصافح الطائفية باليد الأخرى، ولا أن يدافع عن العمال وهو يضعهم في صفوف مشاريع دينية لا ترى فيهم طبقة مستقلة بل جمهوراً مطيعاً.

ثامناً: وهم السلطة الشعبية ووهم الوصول إلى الحكم

ما الذي دفع هذه الأحزاب اليسارية إلى تلك التحالفات، رغم التناقض النظري والسياسي العميق بينها وبين الإسلام السياسي؟ يمكن اختصار الدافع في وهمين كبيرين: وهم بناء سلطة شعبية واسعة عبر الاقتراب من جمهور الإسلاميين، ووهم الوصول إلى الحكم أو البرلمان أو الوزارة أو تغيير السلطة عبر التحالف معهم. في الحالتين، لم يكن اليسار يرى البنية العميقة للإسلام السياسي، بل كان يرى جمهوره فقط. رأى الفقراء والمهمشين والغاضبين، لكنه لم ينتبه بما يكفي إلى أن هذا الجمهور لا يتحرك داخل تنظيم طبقي مستقل، بل داخل بنية طاعة دينية وزعامة رمزية ومشروع سلطوي مغلق.

الوهم الأول هو الاعتقاد بأن التحالف مع الإسلاميين يمكن أن يفتح طريقاً إلى سلطة شعبية. وهذا وهم خطير، لأن الإسلام السياسي، في صيغتيه السنية والشيعية، لا يقوم في جوهره على فكرة المواطن الحر، ولا على الديمقراطية بوصفها تداولاً للسلطة واعترافاً بالتعدد، بل يستخدم الديمقراطية أحياناً كوسيلة للوصول، لا كقيمة نهائية. إنه يقبل الصندوق حين يخدمه، لكنه لا يؤمن عميقاً بحرية المختلف إذا خرج من جماعته العقائدية. ولذلك فإن اليساري داخل هذا التحالف لا يكون شريكاً كاملاً، بل يصبح أداة مؤقتة: مقبولاً ما دام يخدم المعركة، ومرفوضاً حين يطالب باستقلاله الفكري أو بمدنية الدولة أو بحرية الفرد.

والوهم الثاني هو الاعتقاد بأن التحالف مع الإسلاميين يمكن أن يكون طريقاً مختصراً إلى الحكم أو إسقاط الحكم. لكن هذا أيضاً وهم، لأن الإسلام السياسي لا يمنح اليسار فرصة حقيقية ليقود أو يغيّر من الداخل. هو يستفيد من اليسار ليجمّل صورته، وليظهر بمظهر المنفتح على المدنيين، وليوسّع شرعيته خارج جمهوره العقائدي، لكنه لا يسمح لعامل تناقضي داخله بأن يتحول إلى قوة قائدة. فاليساري في هذا السياق لا يغيّر بنية الإسلام السياسي، بل يُستخدم لتخفيف حدّتها أمام الرأي العام، أو لتوسيع جبهتها في مواجهة خصم مشترك.

مهدي عامل يساعدنا على فهم هذا الخطر حين يبيّن في نقده للفكر الطائفي أن الطائفية ليست مجرد انتماء ديني، بل بنية سياسية تعيد إنتاج السيطرة. فإذا دخل اليسار في تحالف مع قوة طائفية أو دينية من دون أن ينقض بنيتها، فإنه لا يخترقها، بل تمنحه هي موقعاً محدوداً داخل شروطها. وهنا يصبح اليسار شاهداً على مشروع غير مشروعه، وواجهة مدنية لقوة لا تريد فعلاً دولة مدنية. لذلك لا يكون التحالف في هذه الحالة انتقالاً بالإسلاميين نحو اليسار، بل انتقالاً باليسار نحو منطقة رمادية تفقده وضوحه.

وهادي العلوي، في نقده لعلاقة المثقف بالسلطة، يقدّم مفتاحاً بالغ الأهمية: المثقف قد يلتقي مع قوى تعمل ضد الفساد، لكنه يجب أن يحافظ على استقلاله وألا يذوب في أجهزة السلطة أو يتحول إلى مبرر لها. هذه الفكرة تنطبق تماماً على اليسار حين يتحالف مع الإسلاميين. فالمشكلة ليست في لقاء ظرفي حول مطلب اجتماعي أو احتجاجي، بل في تحويل اللقاء إلى تحالف سياسي يضع اليسار داخل كتلة يقودها رجال دين أو زعماء مذهبيون. عندها يفقد اليسار دوره كناقد، ويصبح جزءاً من ماكينة تعبئة لا يملك قرارها.

أما فالح عبد الجبار، في قراءته للعراق والدولة والمجتمع المدني، فيذكّر بأن الديمقراطية ليست صندوق اقتراع فقط، بل بناء مؤسسات، وقانون، ومجتمع مدني مستقل، ومواطنين أحرار. وهذا بالضبط ما لا يستطيع الإسلام السياسي تقديمه حين يبني السياسة على الجماعة لا على الفرد، وعلى الطاعة لا على النقد، وعلى المقدس لا على التعاقد المدني. لذلك فإن تحالف اليسار معه لا يسرّع الانتقال الديمقراطي، بل يؤخره، لأنه يخلط بين الجمهور الشعبي وبين المشروع الشعبي، وبين الحشد الجماهيري وبين الوعي الطبقي، وبين الوصول إلى البرلمان وبين بناء الدولة.

لقد نجح الإسلام السياسي، في هذه التجارب، في ما لم ينجح فيه اليسار. لم يتحول الإسلاميون إلى يساريين، ولم يصبحوا ديمقراطيين جذريين، ولم يتخلوا عن مشروعهم الديني أو الطائفي. الذي حدث هو العكس: تشوهت صورة اليسار، وارتبك خطابه، وفقد جزءاً من قدرته على التمييز بين الفقير كصاحب مصلحة طبقية، والفقير كجمهور تابع لزعيم ديني. صار اليسار يبرر ما كان يجب أن ينقده، ويتحالف مع ما كان يجب أن يفككه، ويدخل إلى السلطة أو المعارضة من باب ضيق ليكتشف أن ثمن الدخول هو خسارة المعنى.

ولهذا فإن الدرس الأعمق هو أن التحالف مع الإسلام السياسي لا يمنح اليسار سلطة شعبية، بل يمنحه وهماً مؤقتاً بالقوة. ولا يمنحه طريقاً إلى الحكم، بل يدخله في حكم لا يشبهه، أو في معارضة لا تضمن مستقبلاً ديمقراطياً. فاليسار لا يستطيع أن يبني المستقبل بأدوات تريد العودة إلى الماضي، ولا يستطيع أن يحرر المواطن عبر قوى لا تعترف به إلا تابعاً داخل جماعة. ومن هنا كان الخلل الأكبر: أن اليسار ظن أنه يستخدم الإسلام السياسي للوصول إلى الناس، فإذا بالإسلام السياسي يستخدمه لتوسيع شرعيته، وتشويه صورته، وإرباك فكره، وإضعاف استقلاله التاريخي.

لا يسار بلا استقلال

تجارب إيران وسوريا والمغرب ولبنان والعراق تقول شيئاً واحداً: عندما يفقد اليسار استقلاله، لا يكسب الجماهير، بل يخسر معناه. قد يقترب من شارع واسع، أو يحصل على وزارة، أو مقعد، أو تحالف انتخابي، أو جبهة معارضة، أو حضور إعلامي، لكنه يدفع ثمناً أعمق: يفقد القدرة على تمثيل بديل تاريخي.

في إيران، كان الدرس أن معاداة الإمبريالية لا تكفي لتبرير التحالف مع دولة دينية ستسحق اليسار لاحقاً. في سوريا، كان الدرس أن معارضة الاستبداد لا تعني أن كل شريك في المعارضة يحمل مشروعاً ديمقراطياً. في المغرب، كان الدرس أن المشاركة مع الإسلاميين أضعفت وضوح اليسار. في لبنان، كان الدرس أن مقاومة الاحتلال لا تبرر تسليم الوطن لسلاح مذهبي. وفي العراق، لم تكن المشكلة أن الشيوعيين التقوا مع جمهور صدري فقير وناقم على الفساد؛ فهذا الجمهور نفسه جزء من الشعب المقهور. المشكلة أنهم دخلوا في تحالف تقوده زعامة دينية لا تنظيم طبقي مستقل.

اليسار لا يُقاس بقدرته على الجلوس في الحكومة، ولا بعدد المقاعد التي يحصل عليها، ولا بقدرته على عقد التحالفات الذكية، ولا بمجرد وقوفه في جبهة عريضة ضد سلطة مستبدة. اليسار يُقاس بقدرته على قول الحقيقة حين تصمت القوى الأخرى، وبقدرته على الدفاع عن الدولة المدنية حين تغريه الطائفة، وبقدرته على حماية الفقراء من استغلال السوق ومن استغلال الدين في الوقت نفسه.

إن اليسار الذي يريد أن يستعيد دوره لا يحتاج إلى الاحتماء بالإسلاميين، ولا إلى استعارة جمهورهم، ولا إلى تبرير سلاحهم، ولا إلى تبييض تناقضاتهم، ولا إلى تحويلهم إلى “حلفاء موضوعيين” لمجرد أنهم يعارضون خصماً مشتركاً. يحتاج فقط إلى العودة إلى جوهره: دولة مدنية، عدالة اجتماعية، استقلال وطني، علمانية سياسية، تنظيم شعبي مستقل، ونقد جذري لكل سلطة تستغل الفقراء باسم الدين أو الطائفة أو المقاومة أو الإصلاح أو الثورة.

فالتحالف مع الإسلاميين قد يبدو تكتيكاً ذكياً في لحظة ضعف، لكنه غالباً يتحول إلى هزيمة فكرية طويلة. واليسار الذي يبرر هذه الهزيمة باسم الواقعية يكتشف متأخراً أن الواقعية بلا مبدأ ليست سياسة، بل تنازل منظم عن الذات.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

فاروق باباميري… عندما يكبر المناضل ولا يشيخ

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هناك رجال يكبرون في العمر، لكنهم لا يكبرون على...

حين يتحول اليسار إلى حارس لأيديولوجيا الدولة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة نقدية في افتتاحية جريدة «صوت الشعب» التونسية نشرت جريدة...

معركة مضيق هرمز في صحافة صباح اليوم: واشنطن توسّع ضرباتها وإيران تنقل الرد إلى القواعد الأميركية في المنطقة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة مقارنة في الصحافة الأميركية والغربية والإيرانية والعربية الصادرة...

صراع إرادات في هرمز: أميركا والعالم بوجه البلطجة الإيرانية

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح وعندنا التدخل الإيراني عبر أتباعه يستهدف عنوان : الأرض...

More like this

معركة مضيق هرمز في صحافة صباح اليوم: واشنطن توسّع ضرباتها وإيران تنقل الرد إلى القواعد الأميركية في المنطقة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة مقارنة في الصحافة الأميركية والغربية والإيرانية والعربية الصادرة...

صراع إرادات في هرمز: أميركا والعالم بوجه البلطجة الإيرانية

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح وعندنا التدخل الإيراني عبر أتباعه يستهدف عنوان : الأرض...

مضيق هرمز يشعل الإقليم: تقرير ميداني وتقدير موقف حول المواجهة الأميركية–الإيرانية واتساع الضربات إلى الدول العربية

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد نطاق التقرير يغطي هذا التقرير التطورات العسكرية والسياسية التي...