الثلاثاء, يوليو 14, 2026
31.9 C
Beirut

زيارة الشيباني إلى طرابلس: تفكيك الحصار التاريخي وإعادة صياغة المدى الحيوي للشمال

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ أكرم محمود

شهدت العلاقات اللبنانية ـ السورية، على مدى عقود طويلة، طيفاً واسعاً من التوترات والتداخلات الأمنية التي صبغت المشهد السياسي في البلدين بلون الصراع والوصاية، ولم تكن هذه العلاقة يوماً محكومة بالمعايير الدبلوماسية الطبيعية القائمة على الندية واحترام السيادة.

غير أن المتغيرات الجذرية الأخيرة التي عصفت بالداخل السوري، وانتقال مقاليد الحكم إلى الأكثرية، أحدثت زلزالاً إيجابياً غير مسبوق في بنية المنطقة. وفي هذا السياق الجيوسياسي المتسارع، تأتي الزيارة الرسمية التي قام بها وزير الخارجية السوري الجديد، أسعد الشيباني، إلى لبنان، لتشكل منعطفاً تاريخياً، حيث تجاوزت الرسائل البروتوكولية المعتادة لترسم ملامح مرحلة جديدة كلياً، ولا سيما في محطتها الأبرز والأكثر دلالة: مدينة طرابلس.

رسائل دمشق الجديدة: من الوصاية إلى الشراكة ندّاً لندّ

استهلت الدبلوماسية السورية عهدها الجديد بإرسال إشارات طمأنة بالغة الأهمية إلى بيروت، تمثلت في التأسيس لنهج “دولة إلى دولة”. فبعد عقود من الانحياز والتدخل في أدق تفاصيل التوازنات اللبنانية لصالح أطراف بعينها، جاء توقيع اتفاقية إنشاء “اللجنة العليا المشتركة” ليؤكد القواعد الجديدة للعبة.

الرسالة التي حملها الشيباني، والمستوحاة من التوجهات العامة لدمشق، تؤكد أن سوريا لم تعد بوارد الدخول في زواريب الانقسام اللبناني، وأنها تقف على مسافة واحدة من الجميع، بناءً على مصالح الجوار المشتركة.

إن لقاء الشيباني برئيس مجلس النواب نبيه بري يحمل في طياته رغبة واضحة في تفكيك ترسبات الماضي، والانفتاح على المؤسسات الرسمية ومكونات الحلفاء السابقين للنظام البائد، لقطع دابر أي هواجس، وتأكيد أن الحكم الجديد يمد يد التعاون والانفتاح لا القطيعة.

طرابلس: تفكيك الحصار وردّ الاعتبار السياسي

إذا كان للقاءات بيروت طابعها المؤسساتي، فإن توجه وزير الخارجية السوري مباشرة إلى مدينة طرابلس يحمل رمزية استثنائية وعميقة جداً. فالمدينة ذات الأغلبية السنية، والتي شكلت الحاضن الأساسي والداعم الأبرز للثورة السورية منذ انطلاقتها عام 2011، عانت لعقود من حصار سياسي وأمني واقتصادي ممنهج فرضته عليها المنظومة السابقة.

لقد جرى التعامل مع طرابلس لسنوات طويلة كـ “صندوق بريد” أمني ساخن لضبط إيقاع الساحة اللبنانية. وتمثل ذلك في جولات العنف الدامية والمتكررة بين منطقتي باب التبانة وجبل محسن، والتي استُنزفت فيها دماء المدينة وطاقاتها لخدمة أجندات النظام السابق العقابية ضدها، بسبب مواقفها السياسية وعروبتها الأصيلة.

أضف إلى ذلك محاولات وسم المدينة بـ “التطرف والإرهاب” عبر أحداث مخيم نهر البارد وتنظيم “فتح الإسلام” عام 2007، وهي الظاهرة التي أثبتت القراءات الأمنية اللاحقة أنها كانت مخترقة وممررة عبر الحدود السورية لإرباك القوى السيادية في لبنان آنذاك، بالرغم من أن طرابلس وأهلها انحازوا بشكل حاسم لصالح الدولة والجيش اللبناني، ودحروا الفتنة في مهدها.

من هنا، فإن زيارة أسعد الشيباني إلى طرابلس تمثل رد اعتبار سياسي ومعنوي وتاريخي لهذه المدينة الصابرة. إنها إعلان رسمي من دمشق الجديدة بانتهاء حقبة الترهيب الأمني، واعتراف صريح بأن طرابلس، بوزنها التاريخي والديمغرافي، لم تعد ساحة لتصفية الحسابات، بل شريكاً طبيعياً وإلزامياً في صياغة مستقبل العلاقات بين البلدين الشقيقين.

استعادة المدى الحيوي: من جدار مغلق إلى رئة برية هائلة

مع نجاح الثورة وسقوط منظومة الاستبداد، أُزيل الجدار المصطنع الذي خنق العاصمة الثانية للبنان. فطرابلس، جغرافياً، هي الميناء الطبيعي والمنفذ التجاري الأقرب للداخل السوري، وتحديداً لمدن حمص وحماة، وصولاً إلى حلب ودمشق.

الانفتاح الحالي يعيد للمدينة مداها الحيوي والبري الطبيعي، مما يتيح لأسواقها التراثية وحركتها التجارية أن تتنفس من جديد، بعد سنوات من الاختناق الممنهج والإفقار الذي فُرض عليها عقاباً على هويتها وخياراتها السياسية.

مطار القليعات: القفزة الجيوسياسية الكبرى

لا يمكن قراءة أبعاد زيارة الشيباني والتنسيق الاقتصادي المستقبلي بمعزل عن الملف الاستراتيجي الأبرز في الشمال: إعادة تشغيل مطار الرئيس رينيه معوض في القليعات ـ عكار.

طوال الحقبة الماضية، كان تشغيل هذا المطار يصطدم بـ “فيتو” أمني وسياسي غير معلن من النظام السابق وحلفائه، للإبقاء على الهيمنة الأحادية على مطار بيروت، وإبقاء الشمال تحت الاحتواء والضغط اللوجستي.

ومع الخطوات التنفيذية التي تقودها الحكومة اللبنانية لتطوير وتشغيل مطار القليعات، تكتمل أركان “المثلث الذهبي” للنهوض بالشمال:

  1. مرفأ طرابلس الاستراتيجي، المؤهل ليكون ركيزة أساسية في حركة الاستيراد والتصدير الإقليمية وإعادة الإعمار.
  2. المنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس، كحاضنة للمشاريع والاستثمارات الضخمة.
  3. مطار القليعات، كبوابة شحن جوي سريع وحيوي، يربط الساحل اللبناني بالداخل السوري لقربه الشديد من الحدود المشتركة.

إن تشغيل المطار لن يكون مكسباً إنمائياً محلياً فحسب، بل هو نقلة جيوسياسية نوعية، تحول الشمال من “خاصرة رخوة” أو بؤرة توتر، إلى مركز ثقل لوجستي ودبلوماسي متكامل، يخدم حركة الأفراد والبضائع في غرب سوريا ووسطها، ويضمن دمج الاقتصادين على أسس من المصلحة المشتركة والندية والازدهار المتبادل.

إن زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت، وتركيزها الرمزي والعملي على طرابلس والشمال، تؤكد أن قطار التاريخ قد انطلق نحو الأمام ولا عودة إلى الوراء.

لقد سقطت معادلات الهيمنة والوصاية، وحلّت مكانها معادلة الجوار الآمن والممرات الحيوية المشتركة. وأمام هذه الآفاق الواعدة، تبدو طرابلس مؤهلة أكثر من أي وقت مضى لاستعادة دورها كعاصمة اقتصادية نابضة بالحياة، تقود مع محيطها العربي قاطرة الاستقرار والتنمية والإنماء المتوازن في المنطقة.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

فاروق باباميري… عندما يكبر المناضل ولا يشيخ

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هناك رجال يكبرون في العمر، لكنهم لا يكبرون على...

حين يتحول اليسار إلى حارس لأيديولوجيا الدولة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة نقدية في افتتاحية جريدة «صوت الشعب» التونسية نشرت جريدة...

معركة مضيق هرمز في صحافة صباح اليوم: واشنطن توسّع ضرباتها وإيران تنقل الرد إلى القواعد الأميركية في المنطقة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة مقارنة في الصحافة الأميركية والغربية والإيرانية والعربية الصادرة...

صراع إرادات في هرمز: أميركا والعالم بوجه البلطجة الإيرانية

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح وعندنا التدخل الإيراني عبر أتباعه يستهدف عنوان : الأرض...

More like this

فاروق باباميري… عندما يكبر المناضل ولا يشيخ

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هناك رجال يكبرون في العمر، لكنهم لا يكبرون على...

سيادة الذات وضريبة الحرية: معركة الفرد المتفرد ضد الامتثال الأعمى

أخباركم - أخبارنا/ أكرم محمود إن النزوع نحو التبعية والمحاكاة يُعد أحد أبرز السمات...

هندسة الوجود مقابل ديناميكية الثورة: كيف انتصر “إله” سبينوزا على “تاريخ” ماركس؟

أخباركم - أخبارنا/أكرم محمودمقدمة: لقاء العقلانية بالماديةفي تاريخ الفكر الفلسفي، نادراً ما نجد تقاطعاً...