أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
لم تكن دموع قيادة حزب الله أمام جثمان خامنئي مشهد حزن سياسي عابر، بل كانت صورة فاضحة لتناقض أخلاقي عميق. بكوا كثيراً أمام الرجل الذي مثّل رأس المشروع الإيراني في المنطقة، لكننا لم نشهد دمعة واحدة أمام خسائر أهل الجنوب، ولا أمام البيوت المهدمة، ولا أمام العائلات التي دفعت ثمن حرب لم تقررها، ولم تجنِ منها سوى الخوف والنزوح والخراب.
لقد انتقل أهل الجنوب، في خطاب الحزب وممارسته، من شعار “فدا إجر السيد” إلى واقع أكثر إهانة: فداء لخامنئي. كان شعار “فدا إجر السيد” يختصر مرحلة كاملة من تحويل الناس إلى مادة وجدانية في خدمة زعامة حسن نصرالله، حيث صار الولاء يُقاس بقدرة الجمهور على التضحية والصمت والاحتمال. لكن ما انكشف لاحقاً أن هذا الفداء لم يكن يقف عند حدود نصرالله، بل كان جزءاً من هرم ولاء أكبر، يبدأ من الضاحية ولا ينتهي إلا عند الولي الفقيه في طهران.
من نصرالله إلى خامنئي: هرم الفداء
في زمن نصرالله، جرى تسويق الموت بوصفه كرامة، والخسارة بوصفها نصراً، والخراب بوصفه ثمناً طبيعياً للمقاومة. قيل للناس إن دماءهم فداء للسيد، وإن بيوتهم التي تُدمّر ستعود، وإن أبناءهم الذين يُقتلون هم شهداء في طريق كبير. لكن الحقيقة أن هذا الطريق لم يكن لبنانياً خالصاً، ولا جنوبياً خالصاً، بل كان طريقاً إيرانياً بلباس لبناني.
كان نصرالله حلقة الوصل بين الجنوب وخامنئي. هو الذي حوّل الولاء السياسي إلى عقيدة يومية، وحوّل جمهوراً كاملاً إلى قوة مستعدة للدفع بلا سؤال. ومع رحيل خامنئي، ظهرت الصورة عارية: القيادة التي لم تبكِ كما يجب على ناسها، بكت على الأصل الذي كانت تستمد منه شرعيتها. كأن دم الجنوبي لا يستحق دمعة إلا إذا مرّ أولاً عبر طهران.
حين يصبح الزعيم أغلى من الناس
المشكلة ليست في البكاء بحد ذاته، بل في اتجاهه. دموع قيادة حزب الله لا تسقط حيث يسقط اللبنانيون، بل حيث تشير البوصلة الإيرانية. لا تظهر أمام أم جنوبية فقدت ابنها، ولا أمام عائلة تقف على ركام منزلها، لكنها تظهر أمام جثمان خامنئي، وكأن الزعيم البعيد أغلى من الناس القريبين، وكأن رأس المشروع أهم من ضحاياه.
هذه ليست عاطفة بريئة، بل إعلان ولاء سياسي. دموع موجهة إلى طهران أكثر مما هي حزن إنساني. دموع تقول إن مركز الوجع الحقيقي ليس الجنوب، بل القيادة الإيرانية. ولذلك تبدو كدموع تماسيح: كثيرة في الشكل، فارغة في المعنى.
الجنوب ليس قرباناً دائماً
أهل الجنوب ليسوا مخزوناً بشرياً للفداء، ولا وقوداً لمعارك إقليمية، ولا ملكاً لحزب أو لمحور أو لولي فقيه. هم بشر لهم بيوت وأطفال وأحلام وحق في الحياة الآمنة. لا يحق لأحد أن يطلب منهم الموت باسم فلسطين أو القدس أو المقاومة، ثم يبخل عليهم بالحقيقة حين يدفعون الثمن.
لقد تحوّل الجنوب، بفعل هذه المعادلة، من أرض مقاومة وطنية إلى منصة إيرانية متقدمة. تُدار الحرب باسمه، لكن قرارها لا يكون عنده. تُرفع الشعارات فوق ركامه، لكن نتائجها تُستثمر في مكان آخر. أما الناس، فيُطلب منهم الصمت والصمود والتضحية، وكأنهم خُلقوا ليكونوا دائماً مادة اختبار للولاء.
بكاء على الرأس وصمت أمام الضحايا
كان المشهد واضحاً: دمعة على خامنئي، وصمت أمام الجنوب. انحناء أمام الجثمان الإيراني، وبرود أمام جراح اللبنانيين. حزن على رأس المشروع، ولا حزن حقيقي على الذين دفعوا ثمن هذا المشروع من حياتهم وبيوتهم وأمنهم.
وهنا تسقط كل الأقنعة. فالحزب الذي لا يبكي على ناسه لا يحق له أن يطلب منهم المزيد من الفداء. والحزب الذي يرى في موت الزعيم الإيراني مصاباً أعظم من خراب الجنوب لم يعد يمثل وجع الجنوب، بل يمثل السلطة التي جعلت الجنوب يدفع ثمنها.



