أخباركم – أخبارنا/ حسين قاسم
تُدار الدول، حين تواجه العواصف الكبرى، بميزان دقيق بين المبادئ والمصالح. أما حين يختلّ هذا الميزان، فإن الكرامة نفسها قد تتحول من قيمة وطنية إلى شعار مكلف يدفع ثمنه الناس لا الخطباء.
تجربة بلجيكا في مطلع الألفية تصلح مدخلاً مفيداً لفهم هذا المعنى. فقد كانت بلجيكا من أوائل الدول التي منحت قضاءها صلاحية واسعة لمحاكمة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وفق مبدأ الاختصاص العالمي. وبموجب هذا القانون، فُتحت ملفات ودعاوى ضد شخصيات دولية بارزة، بينها رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون على خلفية مجازر صبرا وشاتيلا.
لكن بلجيكا، الدولة الصغيرة في الجغرافيا والكبيرة في موقعها الأوروبي، وجدت نفسها سريعاً أمام اختبار قاسٍ. فالولايات المتحدة، التي رأت في القانون تهديداً لمسؤوليها وحلفائها، مارست ضغوطاً شديدة على بروكسل. ووصل الأمر إلى حد تلويح وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد بإعادة النظر في وضع مقر حلف شمال الأطلسي في بروكسل إذا لم يتم تعديل القانون.
لم تكن المسألة قانونية فقط. كانت بلجيكا تعرف أن علاقتها بالولايات المتحدة ليست تفصيلاً عابراً في اقتصادها وأمنها. فالولايات المتحدة تُعد من أكبر المستثمرين الأجانب في بلجيكا، وتشير بيانات اقتصادية أميركية وبلجيكية حديثة إلى أن الشركات الأميركية تؤمّن أكثر من مئة ألف وظيفة مباشرة داخل البلاد، فضلاً عن وظائف غير مباشرة مرتبطة بالتجارة، والموردين، والخدمات، وسلاسل الإنتاج. كما أن وجود مقر الناتو في بروكسل لا يمثل مجرد عنوان سياسي، بل شبكة واسعة من المصالح الدبلوماسية والأمنية والاقتصادية.
أمام هذا الواقع، عدّلت حكومة غي فيرهوفشتات قانون الاختصاص العالمي عام 2003. لم تقل بلجيكا إنها تخلت عن العدالة، لكنها قالت عملياً إن الدولة مسؤولة أيضاً عن حماية استقرارها، واقتصادها، وموقعها، ومصالح شعبها. هكذا تصرفت دولة تعرف حدود قوتها، وتدرك أن المبدأ، حين ينفصل عن القدرة، قد يصبح عبئاً على المجتمع لا سنداً له.
أتذكر، في هذا السياق، مقابلة قرأتها في صحيفة النهار اللبنانية مع فيرهوفشتات خلال زيارته إلى بيروت في كانون الأول/ديسمبر 2006. ما زلت أبحث عن نصها الأصلي لتوثيقها حرفياً، لكن ما بقي في الذاكرة أن الرجل سُئل عن سبب التراجع عن محاكمة شارون، فتحدث عن الضغوط الهائلة وعن مصالح بلجيكا الاقتصادية والاستراتيجية. وحين سُئل: «وأين كرامة بلجيكا؟»، جاء جوابه، بالمعنى لا بالنص، أن لكل دولة طريقتها في فهم الكرامة، وأن كرامة الدولة تبدأ من رفاه شعبها وأمنه واستقراره.
هنا يصبح السؤال لبنانياً بامتياز.
فلبنان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من البلاغة عن الكرامة، بل إلى تعريف وطني جديد لها. هل الكرامة أن نرفع الصوت ثم نترك الناس أمام الانهيار؟ هل الكرامة أن نربح الخطاب ونخسر الدولة؟ هل الكرامة أن نترك الاقتصاد يتفتت، والمؤسسات تتآكل، والشباب يهاجرون، ثم نقول إننا صمدنا؟
ليست المصلحة الوطنية نقيضاً للكرامة. في الدول العاقلة، المصلحة الوطنية هي الشكل العملي للكرامة. كرامة الدولة أن تحمي حدودها، نعم، لكنها أيضاً أن تحمي عمل الناس، وودائعهم، ومدارسهم، ومستشفياتهم، وحقهم في العيش بلا خوف دائم من الحرب أو الإفلاس أو العزلة.
ليست الدعوة هنا إلى التخلي عن الحقوق، ولا إلى القبول بالذل، ولا إلى تحويل السياسة إلى حسابات تجارية باردة. لكنها دعوة إلى الخروج من عبادة الشعار. فالدولة التي لا تملك ترف المواجهة المفتوحة يجب أن تعرف كيف تفاوض، وكيف تؤجل، وكيف توازن، وكيف تمنع تحويل شعبها إلى وقود لصراعات أكبر من قدرته.
بلجيكا لم تكن أقوى من الولايات المتحدة، لكنها لم تنتحر سياسياً باسم القانون. اختارت أن تعدل قانونها كي تحفظ موقعها ومصالحها. أما لبنان، فغالباً ما يُطلب منه أن يدفع أثماناً لا تستطيع دول أكبر منه أن تدفعها، وأن يخوض معارك لا يملك قرار نهايتها، وأن يبرر خسائره باسم كرامة لا يلمس المواطن منها إلا مزيداً من الفقر والخوف.
الدرس البلجيكي لا يقول للبنان: تخلَّ عن مبادئك. بل يقول له: لا تجعل المبادئ جسراً إلى خراب الدولة. فالكرامة التي لا تحمي الشعب تتحول إلى خطبة. والكرامة التي لا تصون الاقتصاد تتحول إلى عبء. والكرامة التي لا تترك للناس أمناً وعملاً وأملاً ليست كرامة دولة ولا كرامة شعب، بل كرامة شعار.



