أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
استكمالاً للنقاش الذي بدأته في مقالي السابق: “الحزب الشيوعي الصيني بعد 105 أعوام: ماركسية الواقع، إرث ماو، وسؤال البقاء بعد سقوط السوفيات”، أنتقل اليوم من قراءة التاريخ إلى سؤال المستقبل؛ من البحث في أسباب بقاء التجربة الصينية بعد سقوط السوفيات، إلى محاولة فهم الطريقة التي تسعى بها الصين اليوم إلى صناعة موقعها في العالم وصياغة مبادراتها الكبرى للتأثير في اتجاهه.
فالنقاش لم يعد محصوراً في كيف نجت الصين من مصير التجارب الشيوعية الأخرى، ولا في كيف تعامل الحزب الشيوعي الصيني مع إرث ماركس وماو ودنغ شياو بينغ، بل صار مرتبطاً بسؤال أوسع: هل تحاول الصين أن تقدم تصوراً جديداً للتقدم العالمي؟ وهل يمكن لمبادراتها في التنمية، والأمن، والحضارة، والحوكمة، أن تتحول إلى إطار دولي بديل لعالم أنهكته الحروب، والعقوبات، والهيمنة، واختلال ميزان القوة؟
في الذكرى الـ105 لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني
في الذكرى المئة والخامسة لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني، لا يعود النقاش حول التجربة الصينية مجرد نقاش في تاريخ حزب وصل إلى السلطة، ولا في بلد حقق نمواً اقتصادياً مذهلاً، بل يصبح نقاشاً في مصير الفكرة نفسها: ماذا يحدث للفلسفة حين تتحول إلى حزب؟ وماذا يحدث للحزب حين يظن أن الفكرة تكفيه كي يحكم التاريخ؟ وكيف استطاعت الصين أن تتعامل مع ماركس بطريقة مختلفة عن أحزاب كثيرة حوّلته إلى أيقونة جامدة، ثم ماتت سياسياً وهي ترفع صوره وشعاراته؟
لم تبدأ الصين الحديثة من موقع القوة. خرجت من قرن طويل من الإذلال، والاحتلال، والحروب الأهلية، والفقر، والتفكك، والمجاعات، ثم تحولت تدريجياً إلى واحدة من أكبر القوى الاقتصادية والصناعية والتكنولوجية في العالم. وهذه الحقيقة لا تعني أن التجربة الصينية بلا تناقضات أو بلا أسئلة نقدية، لكنها تفرض سؤالاً أكثر عمقاً من سؤال الدعاية التقليدي: هل نجحت الشيوعية أم فشلت؟ فالسؤال بهذا الشكل فقير معرفياً، لأنه يحاكم التاريخ بمنطق الربح والخسارة، لا بمنطق التحليل والفهم.
السؤال الأهم هو: كيف تعاملت الصين مع ماركس؟ هل حفظته في المتحف الأيديولوجي كما فعلت أحزاب كثيرة، أم أعادت قراءته في ضوء الواقع، والتاريخ، والدولة، والسوق، والتكنولوجيا، وحاجات المجتمع؟ هنا تكمن فرادة التجربة الصينية. فالصين لم تُبقِ ماركس حياً لأنها كررت نصوصه، بل لأنها تعاملت معه كمنهج قابل للتطوير، لا كتعويذة سياسية. لم تجعل الماركسية سجناً يمنعها من الحركة، بل إطاراً عاماً يسمح بالتأويل والتكييف والمراجعة.
من هنا يمكن القول إن الصين لم تنقذ ماركس من خصومه بقدر ما أنقذته من مصير أسوأ: أن يتحول إلى عقيدة حزبية ميتة. فالفكرة تموت حين تفقد قدرتها على السؤال، وتتحول إلى محفوظات، وشعارات، وخطابات، ومؤتمرات تعيد إنتاج اللغة نفسها بينما يتغير العالم من حولها.
ماركس بين الفلسفة والحزب
كان ماركس في جوهر مشروعه مفكراً نقدياً قبل أن يكون مرجعاً حزبياً. لقد قدّم نقداً عميقاً للرأسمالية الصناعية، ولعلاقات الإنتاج، وللاغتراب، ولتحول الإنسان إلى أداة داخل منظومة السوق. لكنه لم يكتب دستوراً أبدياً للدول، ولم يضع وصفة نهائية لكل مجتمع. ففي رسالته إلى أرنولد روجه عام 1843، كتب ماركس عن ضرورة “النقد القاسي لكل ما هو قائم”. هذه العبارة لا تختصر موقفاً سياسياً فقط، بل تكشف جوهر الماركسية الأصلية بوصفها فعلاً نقدياً لا طقساً عقائدياً.
وفي “الأطروحات حول فويرباخ”، كتب ماركس عبارته الشهيرة: “لم يفعل الفلاسفة سوى تفسير العالم بطرق مختلفة، لكن المهم هو تغييره”. غير أن تغيير العالم عند ماركس لم يكن يعني تحويل الفلسفة إلى أوامر حزبية، بل تحويل النقد إلى قوة تاريخية. لقد أراد للفكر أن يخرج من التأمل المجرد إلى الفعل الاجتماعي، لا أن يتحول الفعل الاجتماعي إلى عبادة للنص.
هذه الروح النقدية هي جوهر ماركس. لكن كثيراً من الأحزاب الشيوعية فعلت عكس ذلك تماماً. فقد حولت ماركس من ناقد إلى مرجع مقدس، ومن مفكر إلى نص مغلق، ومن منهج للتحليل إلى عقيدة سياسية. أصبح الرجل الذي دعا إلى نقد المجتمع فوق النقد عند بعض أتباعه. وهكذا تحولت الماركسية من أداة لكشف التناقضات إلى منظومة لتبرير السلطة، ومن فلسفة حركة إلى أرثوذكسية حزبية، ومن سؤال مفتوح إلى إجابة جاهزة.
المشكلة إذن ليست في ماركس وحده، بل في الطريقة التي جرى بها تحويله إلى مؤسسة. فحين تدخل الفلسفة إلى جهاز حزبي مغلق، تخسر شيئاً من روحها. وحين يصبح الحزب مالكاً للحقيقة، يصبح النقد خيانة، والاختلاف انحرافاً، والمراجعة ضعفاً، والتجربة الحية أقل قيمة من النصوص المحفوظة.
حين تصبح الأيديولوجيا سجناً للواقع
كل أيديولوجيا تحمل في داخلها مفارقة خطيرة. فهي تبدأ محاولةً لتفسير العالم، ثم قد تنتهي بمحاولة إخضاع العالم لتفسيرها. وحين يحدث ذلك يصبح الواقع هو المتهم لا النظرية. فإذا فشل الاقتصاد، قيل إن الشعب لم يفهم المبادئ. وإذا ضعفت الدولة، قيل إن المؤامرة الخارجية هي السبب. وإذا ثار الناس، قيل إنهم ضحايا الدعاية. أما مراجعة الفكرة نفسها، فتظل من المحرمات.
الفلسفة تبدأ من الشك، أما الأيديولوجيا المغلقة فتبدأ من اليقين. الفلسفة تسأل: لماذا؟ وكيف؟ وهل يمكن أن نكون مخطئين؟ أما الأيديولوجيا فتسأل غالباً: كيف نثبت أن ما نؤمن به صحيح؟ ولذلك فإن الفرق بين الفيلسوف والمناضل الأيديولوجي لا يكمن في الذكاء، بل في الموقف من الحقيقة. الفيلسوف يبحث عنها، أما الأيديولوجي فيتصرف كأنه يمتلكها.
وقد حذّر كارل بوبر، في كتابه “المجتمع المفتوح وأعداؤه”، من خطر النظريات التي تزعم امتلاك قوانين التاريخ. فكل فكر يدعي معرفة المستقبل بصورة نهائية يمكن أن يتحول إلى أداة قمع في الحاضر. وعندما يقتنع حزب ما بأنه يمثل حتمية التاريخ، يصبح من السهل عليه تهميش المعارضة، وتأجيل الإصلاح، وتبرير الاستبداد باسم الغاية الكبرى.
من هنا ماتت أحزاب كثيرة قبل أن تموت أفكارها. لم تسقط لأنها قرأت ماركس، بل لأنها توقفت عن القراءة بعد ماركس. لم تتعامل معه كمنهج، بل كخاتمة. لم تسأل ماذا تغير في الطبقة، والدولة، والسوق، والتكنولوجيا، والثقافة، والعولمة. بقيت تكرر لغة صنعت في زمن آخر، بينما كان العالم يدخل زمن الذكاء الاصطناعي، وسلاسل التوريد العالمية، والاقتصاد الرقمي، وصراع الطاقة، والهجرة، والمناخ، وتراجع الدولة الوطنية في أماكن، وصعود الدولة القوية في أماكن أخرى.
الصين: ماركسية تتحرك أم براغماتية ترتدي لغة ماركس؟
لا يمكن فهم الصين إذا قرأناها بوصفها نسخة حرفية من الماركسية الكلاسيكية، ولا إذا اختزلناها في رأسمالية دولة ترفع شعارات شيوعية. التجربة أكثر تعقيداً. لقد أعادت الصين تفسير ماركس ضمن شروطها التاريخية والحضارية والسياسية. قبلت اقتصاد السوق، لكنها لم تتخلّ عن مركزية الدولة. فتحت الباب للاستثمار، لكنها أبقت الحزب قائداً للنظام. اندمجت في العولمة، لكنها عملت في الوقت نفسه على بناء قدرة وطنية مستقلة في الصناعة والتكنولوجيا والبنية التحتية والبحث العلمي.
هنا يظهر السؤال الحقيقي: هل انتصرت الشيوعية في الصين، أم انتصرت البراغماتية على الجمود الأيديولوجي؟ ربما يكون الجواب أن الصين لم تفصل بين الأمرين كما فعل الآخرون. لقد صاغت لنفسها معادلة خاصة: أن تبقى الفكرة إطاراً للشرعية والاتجاه العام، وأن تكون السياسات قابلة للتعديل وفق النتائج.
هذا ما عبّرت عنه لاحقاً العبارة التي أصبحت مركزية في مسار الإصلاح الصيني: “الممارسة هي المعيار الوحيد لاختبار الحقيقة”. هذه العبارة، التي ارتبطت بنقاشات عام 1978 وبمرحلة دنغ شياو بينغ، لم تكن مجرد شعار إصلاحي، بل كانت انقلاباً على الجمود. معناها العميق أن الحقيقة لا تختبر في الكتب، ولا في الخطب، ولا في قرارات المؤتمرات، بل في نتائج الواقع.
وفي التراث السياسي الصيني الحديث، تبرز أيضاً مقولة “البحث عن الحقيقة من الوقائع”، وهي فكرة استخدمها ماو تسي تونغ ثم أعاد دنغ شياو بينغ إحياءها بروح إصلاحية. وجوهرها أن السياسة لا تبدأ من النص، بل من الواقع؛ وأن النظرية لا تفرض نفسها على الوقائع، بل تختبر نفسها بها.
كما عبّر دنغ شياو بينغ عن روحه العملية بعبارته الشهيرة: “لا يهم إن كان القط أبيض أو أسود، ما دام يصطاد الفئران”. قد تبدو العبارة بسيطة، لكنها تختصر تحولاً تاريخياً في التفكير السياسي الصيني: معيار السياسة ليس نقاء الشعار، بل القدرة على حل المشكلة. وهذا هو الفارق بين حزب يسأل: هل تبدو سياستنا وفية للنص؟ وحزب يسأل: هل تنجح هذه السياسة في إطعام الناس، وبناء الدولة، وتحريك الاقتصاد؟
هذه النقطة هي ما ميز الصين عن كثير من الأحزاب الشيوعية الأخرى. فهناك أحزاب ظلت تسأل: كيف نحافظ على نقاء النظرية؟ أما الصين فسألت عملياً: كيف نحافظ على قدرة الدولة والمجتمع على النهوض؟ الأول سؤال لاهوتي تقريباً، والثاني سؤال سياسي وتاريخي.
الدولة لا تعيش على الشعارات
أدركت الصين أن الحزب لا يستطيع أن يعيش إلى الأبد على ذاكرة الثورة. فالشرعية التي لا تنتج خبزاً، وتعليماً، وطرقات، وموانئ، وجامعات، ومصانع، وفرص عمل، وتكنولوجيا، تتحول مع الزمن إلى بلاغة فارغة. لذلك ربط الحزب الشيوعي الصيني شرعيته بالإنجاز، لا بالشعار وحده.
في تجارب أخرى، تحولت المؤتمرات الحزبية إلى طقوس لغوية: بيانات، تحليلات، شعارات، تمجيد للماضي، وإعادة إنتاج للقيادات نفسها. أما المجتمع فكان يذهب في اتجاه آخر. الاقتصاد يضعف، الدولة تتآكل، الشباب يهاجرون، الجامعات تتراجع، والخطاب الحزبي يزداد صلابة كلما فقد صلته بالواقع.
الصين لم تفعل ذلك بالطريقة نفسها. لقد فهمت أن الحزب الذي يريد البقاء لا بد أن يتحول إلى آلة تعلم. يخطئ، يراجع، يبدل، يجرب، يقيس النتائج، ثم يعيد بناء السياسة. لذلك لم تكن قوة الصين في أنها لم ترتكب أخطاء، بل في أنها امتلكت قدرة أكبر على تحويل الخطأ إلى درس، لا إلى عقيدة جديدة.
وهذا المعنى يتقاطع مع الفكرة التي صاغها لينين في “ما العمل؟” حين شدد على أهمية التنظيم والوعي السياسي، لكنه يتجاوزها في التجربة الصينية نحو بناء جهاز دولة قادر على التخطيط الطويل لا مجرد جهاز حزبي قادر على التعبئة. فالتعبئة تصنع لحظة ثورية، أما بناء الدولة فيحتاج إلى إدارة، ومؤسسات، وتراكم، وانضباط، ومعرفة.
من التجربة الوطنية إلى المشروع الدولي
في السنوات الأخيرة، لم تعد الصين تطرح نفسها فقط كتجربة تنموية داخلية، بل كقوة تقترح رؤية مختلفة للنظام الدولي. وهذا ما ظهر بوضوح في المبادرات الأربع التي طرحتها بكين: مبادرة التنمية العالمية، ومبادرة الأمن العالمي، ومبادرة الحضارة العالمية، ومبادرة الحوكمة العالمية.
هذه المبادرات لا يمكن قراءتها كخطاب دبلوماسي عابر. إنها محاولة صينية لصياغة لغة سياسية جديدة في عالم مضطرب: عالم أنهكته الحروب، والعقوبات، والاستقطاب، وأزمات الغذاء والطاقة، وتغير المناخ، وتراجع الثقة بالمؤسسات الدولية، وصعود الجنوب العالمي بوصفه كتلة سكانية واقتصادية وسياسية تبحث عن موقع جديد.
فالعالم بعد الحرب الباردة لم يصبح أكثر عدلاً كما وُعدت الشعوب. الأحادية الأميركية أنتجت حروباً وتدخلات وعقوبات وانتقائية في تطبيق القانون الدولي. والعولمة التي وعدت بالتكامل أنتجت أيضاً تفاوتاً هائلاً، وتبعية اقتصادية، واحتكاراً للتكنولوجيا والمعرفة. أما المؤسسات الدولية، من مجلس الأمن إلى النظام المالي العالمي، فما زالت تعكس ميزان قوى قديم أكثر مما تعكس واقع العالم الجديد.
من هنا تحاول الصين أن تقول إن التقدم العالمي لا يمكن أن يبقى رهينة مركز واحد، ولا ثقافة واحدة، ولا نموذج واحد، ولا تحالفات عسكرية مغلقة. إنها تطرح، بلغتها الخاصة، فكرة تحالف دولي واسع للتقدم: تحالف يقوم على التنمية، والسيادة، والتعددية، واحترام الخصوصيات الحضارية، وإصلاح الحوكمة الدولية.
مبادرة التنمية العالمية: التنمية كحق لا كامتياز
طرحت الصين مبادرة التنمية العالمية عام 2021 في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وركزت على قضايا مكافحة الفقر، والأمن الغذائي، والصحة، والتعليم، والتصنيع، والاقتصاد الرقمي، والتنمية الخضراء، وربطتها بأهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة لعام 2030.
أهمية هذه المبادرة أنها تعيد التنمية إلى مركز السياسة الدولية. فالعالم لا يعاني فقط من صراعات عسكرية، بل من فجوة تنموية هائلة. هناك دول تملك التكنولوجيا ورأس المال والمؤسسات، ودول أخرى ما زالت تقاتل من أجل الكهرباء والماء والغذاء والمدارس والمستشفيات. وحين تغيب التنمية، يصبح المجتمع أرضاً مفتوحة للتطرف، والهجرة القسرية، والحروب الأهلية، والتبعية الخارجية.
بهذا المعنى، تريد الصين أن تقول إن الأمن الحقيقي يبدأ من التنمية. لا يمكن الحديث عن الاستقرار في إفريقيا أو الشرق الأوسط أو آسيا أو أميركا اللاتينية إذا بقيت شعوب كاملة خارج دورة الإنتاج والمعرفة. ولا يمكن بناء عالم مستقر بينما تحتكر قلة من الدول التكنولوجيا وسلاسل القيمة والتمويل، وتترك بقية العالم في موقع المستهلك أو المورد الخام.
هذه الفكرة تلتقي، من زاوية فكرية، مع ما كتبه سمير أمين عن علاقة المركز بالأطراف في النظام الرأسمالي العالمي. فقد رأى أمين أن التخلف ليس حالة داخلية فقط، بل نتيجة بنية عالمية تجعل دول الأطراف تابعة للمركز. ومن هنا فإن التنمية الحقيقية لا تعني فقط زيادة الإنتاج، بل تعني امتلاك القرار الاقتصادي، وبناء قاعدة إنتاجية مستقلة، وكسر علاقة التبعية.
كما تلتقي هذه الفكرة مع نقد إيمانويل والرشتاين في نظرية “النظام العالمي”، حيث لا تتحرك الدول في فراغ، بل داخل بنية عالمية تقسم الأدوار بين مركز، وشبه أطراف، وأطراف. لذلك فإن مبادرة التنمية العالمية ليست خطاباً خيرياً، بل محاولة لإعادة طرح سؤال الموقع: هل تبقى دول الجنوب مجرد أسواق ومصادر مواد خام، أم تصبح شريكة في الإنتاج والتكنولوجيا والقرار؟
هذه المبادرة ترتبط أيضاً بتجربة الصين نفسها. فهي لم تنهض بالشعارات وحدها، بل بالزراعة، والصناعة، والبنية التحتية، والتعليم، والتكنولوجيا، وربط الأطراف بالمراكز، وتوسيع قاعدة الإنتاج. لذلك فإن مبادرة التنمية العالمية ليست منفصلة عن التجربة الصينية الداخلية، بل هي محاولة لتدويل أحد دروسها: لا شرعية لأي نظام دولي إذا لم يفتح طريق التنمية أمام الشعوب.
مبادرة الأمن العالمي: ضد منطق الأحلاف والحصار
طرحت الصين مبادرة الأمن العالمي عام 2022، وهي تقوم على فكرة الأمن المشترك، ورفض بناء أمن دولة على حساب أمن دولة أخرى، والدعوة إلى الحوار بدل المواجهة، والشراكة بدل الأحلاف العسكرية المغلقة.
هذه المبادرة تأتي في لحظة دولية شديدة الحساسية. العالم يعيش عودة حادة إلى منطق المحاور: حرب أوكرانيا، التوتر في بحر الصين الجنوبي، أزمة تايوان، توسع الناتو، العقوبات الاقتصادية، سباق التسلح، عسكرة التكنولوجيا، وتحوّل التجارة نفسها إلى سلاح سياسي. في هذا السياق، تقدم الصين نفسها كقوة تعارض منطق الحرب الباردة الجديدة، وتدعو إلى أمن لا يقوم على الإقصاء.
لكن هذه المبادرة ليست بريئة من الحسابات الاستراتيجية. الصين تريد نظاماً دولياً لا يسمح للولايات المتحدة بمحاصرتها عبر التحالفات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وهي تدرك أن استمرار النظام الدولي على قاعدة الهيمنة الأميركية يعني أن صعودها سيبقى مهدداً. لذلك تطرح الأمن العالمي كبديل نظري وعملي عن أمن الأحلاف.
القيمة السياسية لهذه المبادرة أنها تخاطب دولاً كثيرة في الجنوب العالمي لا تريد أن تكون جزءاً من حرب باردة جديدة. هذه الدول لا تريد أن تختار بين واشنطن وبكين كما اختارت دول كثيرة سابقاً بين واشنطن وموسكو. إنها تريد هامشاً للحركة، وفرصاً للتنمية، وشراكات متعددة، وأمناً لا يحولها إلى ساحات صراع بالوكالة.
وهنا يمكن استحضار ما قاله تشو إن لاي في سياق السياسة الخارجية الصينية عن مبادئ التعايش السلمي: احترام السيادة، عدم الاعتداء، عدم التدخل، المساواة، والمنفعة المتبادلة. هذه المبادئ ليست جديدة في الخطاب الصيني، لكنها تعود اليوم بصيغة أوسع لأن العالم عاد إلى منطق الاستقطاب والحصار.
كما يمكن ربط هذه المبادرة بفكرة أنطونيو غرامشي عن “الأزمة العضوية”، حين لا يعود النظام القديم قادراً على الحكم كما كان، ولا يكون النظام الجديد قد ولد بعد. العالم اليوم يعيش شيئاً من هذه الأزمة: الهيمنة القديمة تتراجع، والتعددية الجديدة لم تستقر بعد. وفي هذه المسافة الخطرة بين القديم والجديد، تتزايد الحروب، والعقوبات، والخوف، ومحاولات إعادة تشكيل العالم بالقوة.
مبادرة الحضارة العالمية: التعدد بدل التفوق الثقافي
طرحت الصين مبادرة الحضارة العالمية عام 2023، وهي تقوم على احترام تنوع الحضارات، ورفض فكرة أن هناك نموذجاً حضارياً واحداً صالحاً لكل الشعوب، والدعوة إلى الحوار والتبادل الثقافي بدل الصدام والوصاية.
هذه المبادرة تمثل رداً فكرياً على خطاب التفوق الحضاري الذي رافق كثيراً من السياسات الغربية، خصوصاً بعد نهاية الحرب الباردة. فقد جرى تصوير الليبرالية الغربية أحياناً كأنها نهاية التاريخ، وكأن الشعوب كلها يجب أن تصل إلى النموذج نفسه بالطريقة نفسها. لكن الواقع أثبت أن المجتمعات لا تتطور وفق خط واحد، وأن الحداثة نفسها يمكن أن تأخذ أشكالاً مختلفة.
هنا يمكن استحضار أطروحة فرانسيس فوكوياما عن “نهاية التاريخ”، التي رأت في انتصار الليبرالية الغربية بعد الحرب الباردة نهاية التطور الأيديولوجي للبشرية. لكن التجربة الدولية اللاحقة، من صعود الصين إلى أزمات الديمقراطيات الغربية نفسها، أظهرت أن التاريخ لم ينتهِ، وأن العالم لا يسير في طريق واحد، وأن الحداثة لا تعني بالضرورة نسخة سياسية وثقافية واحدة.
وفي المقابل، يمكن استحضار نقد إدوارد سعيد في “الاستشراق” لآليات إنتاج التفوق الثقافي. فقد بيّن سعيد كيف يصنع المركز الغربي صورة عن الشرق تجعله موضوعاً للمعرفة والسيطرة في الوقت نفسه. ومن هذه الزاوية، فإن مبادرة الحضارة العالمية تحاول أن تقول إن الشعوب ليست موضوعاً للتحديث من الخارج، بل فاعلة في صياغة حداثتها الخاصة.
الصين هنا تربط بين الحضارة والسيادة. فهي تقول إن لكل شعب حقه في اختيار طريقه، وإن التحديث لا يعني التغريب بالضرورة، وإن التقدم لا يفرض التخلي عن الخصوصية الثقافية. وهذه الفكرة تلقى صدى لدى دول كثيرة عانت من الاستعمار، أو التدخلات الخارجية، أو محاولات فرض نماذج سياسية جاهزة.
لكن هذه المبادرة تطرح أيضاً سؤالاً نقدياً: أين ينتهي احترام الخصوصية، وأين يبدأ تبرير الاستبداد باسم الثقافة؟ هذه معضلة حقيقية. فرفض الهيمنة الثقافية الغربية لا يجب أن يتحول إلى تبرير لإغلاق المجال السياسي أو خنق الحريات. ومع ذلك، تبقى المبادرة مهمة لأنها تفتح نقاشاً ضرورياً حول علاقة الحداثة بالتعدد، وحول حق الشعوب في التقدم دون أن تفقد ذاكرتها وهويتها.
مبادرة الحوكمة العالمية: إصلاح النظام لا مغادرته
المبادرة الرابعة والأحدث هي مبادرة الحوكمة العالمية، التي طرحتها الصين عام 2025. وتقوم على خمسة مبادئ أساسية: المساواة السيادية، احترام القانون الدولي، ممارسة التعددية، اعتماد مقاربة تتمحور حول الإنسان، والتركيز على الأفعال العملية لا الخطابات المجردة.
هذه المبادرة هي الأكثر مباشرة في تحدي بنية النظام الدولي الحالي. فالصين لا تقول فقط إن التنمية ضرورية، أو إن الأمن يجب أن يكون مشتركاً، أو إن الحضارات متعددة، بل تقول إن قواعد إدارة العالم نفسها تحتاج إلى إصلاح. مجلس الأمن، والمؤسسات المالية الدولية، ونظام العقوبات، ومنظومة التجارة، وحوكمة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، كلها ساحات صراع حول من يملك حق كتابة القواعد.
العالم اليوم لم يعد كما كان عام 1945، ولا كما كان عام 1991. هناك قوى صاعدة، ودول نامية تطالب بتمثيل أكبر، وتكتلات مثل بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، وشبكات اقتصادية جديدة، ومحاولات لتقليل الاعتماد على الدولار، ومطالب بإصلاح نظام التمويل العالمي. هذا كله يعني أن النظام القديم لم يعد قادراً على تمثيل الواقع الجديد.
هنا يمكن استحضار مقولة ماو تسي تونغ الشهيرة: “الشعوب، والشعوب وحدها، هي القوة المحركة في صنع تاريخ العالم”. وإذا نُقلت هذه العبارة من سياقها الثوري الداخلي إلى السياق الدولي اليوم، فإن معناها يصبح واضحاً: لا يمكن لقلة من الدول أن تحتكر إدارة مصير البشرية. فالشعوب التي كانت هامشاً في النظام الدولي تطالب اليوم بموقع، وصوت، وحق في التنمية، وحق في المشاركة في كتابة القواعد.
كما يمكن ربط هذه المبادرة بفكرة لينين حول الإمبريالية بوصفها مرحلة من تمركز رأس المال واحتكار القوة. فرغم اختلاف العالم الحالي عن زمن لينين، ما زالت أسئلة الاحتكار، والسيطرة على الأسواق، والتحكم بالتمويل، ونهب الموارد، حاضرة بأشكال جديدة. لذلك فإن مبادرة الحوكمة العالمية تحاول أن تقدم رداً على سؤال قديم بصيغة جديدة: كيف يمكن كسر احتكار المركز لقواعد العالم؟
بهذا المعنى، مبادرة الحوكمة العالمية ليست مجرد إضافة دبلوماسية إلى المبادرات السابقة، بل هي السقف السياسي لها. فالتنمية تحتاج إلى تمويل عادل، والأمن يحتاج إلى قواعد متوازنة، والحضارة تحتاج إلى اعتراف متبادل، وكل ذلك يحتاج إلى نظام حوكمة لا تحتكره قوة واحدة.
نحو تحالف عالمي للتقدم
إذا جمعنا المبادرات الأربع، نلاحظ أنها تشكل تصوراً متكاملاً لتحالف دولي جديد: تحالف لا يقوم بالضرورة على الأيديولوجيا، بل على المصالح التنموية والسيادية. تحالف يضم دولاً تريد الخروج من التبعية، أو توسيع هامش قرارها، أو الحصول على التكنولوجيا والبنية التحتية والتمويل، أو حماية خصوصيتها السياسية والثقافية في عالم شديد الضغط.
هذا التحالف لا يشبه الأممية الشيوعية القديمة. إنه ليس تحالف أحزاب عقائدية تدور حول مركز أيديولوجي واحد، بل أقرب إلى شبكة دول ومصالح ومؤسسات وممرات تجارية وتكنولوجية. إنه تحالف الجنوب العالمي، أو جزء كبير منه، مع قوى صاعدة تريد إعادة توزيع القوة داخل النظام الدولي.
من هنا تبدو الصين وكأنها تحاول نقل الماركسية من خطاب الصراع الطبقي الداخلي إلى خطاب صراع أوسع حول بنية النظام العالمي: من يملك التنمية؟ من يكتب قواعد التجارة؟ من يحتكر التكنولوجيا؟ من يتحكم بالتمويل؟ من يقرر معنى الشرعية الدولية؟ ومن يمنح نفسه حق معاقبة الآخرين أو عزلهم أو إسقاط أنظمتهم؟
بهذا المعنى، فإن الصين لا تطرح ماركس كما طرحته الأحزاب الشيوعية الكلاسيكية. هي لا تقول للعالم: اتبعوا الاشتراكية كما نفهمها. بل تقول: لنعد بناء النظام الدولي على أساس التنمية، والسيادة، والتعددية، والحوكمة المشتركة. وهذه صياغة أكثر مرونة، وأوسع قدرة على جذب دول لا تريد أن تصبح شيوعية، لكنها تريد نظاماً عالمياً أقل خضوعاً للهيمنة الغربية.
إنها، بطريقة ما، محاولة لبناء كتلة تاريخية دولية، إذا استخدمنا تعبير غرامشي. والكتلة التاريخية عند غرامشي لا تقوم على القوة السياسية وحدها، بل على جمع المصالح، والأفكار، والمؤسسات، والقيادة الثقافية. الصين تحاول أن تبني حولها كتلة واسعة لا تقول بالضرورة إنها صينية أو شيوعية، لكنها ترى في صعود الصين فرصة لإعادة التوازن إلى عالم اختل طويلاً لصالح المركز الغربي.
الصين لا تقدم جنة سياسية
مع ذلك، يجب ألا يتحول تحليل التجربة الصينية إلى تمجيد. فالصين ليست جنة سياسية، ولا نموذجاً بلا تناقضات. هناك أسئلة جدية حول الحريات العامة، والرقابة، وحقوق الإنسان، ومركزية الحزب، ومساحة المعارضة، وعلاقة الدولة بالفرد. كما أن صعود الصين نفسه يثير مخاوف لدى دول مجاورة، ولدى قوى دولية ترى في بكين منافساً استراتيجياً لا مجرد شريك تنموي.
لكن النقد شيء، والإنكار شيء آخر. لا يمكن نقد الصين بجدية إذا رفضنا فهم أسباب قوتها. ولا يمكن فهم أسباب قوتها إذا اختزلناها في الاستبداد أو في السوق أو في عدد السكان. هناك شيء أعمق: قدرة الدولة على التخطيط الطويل، وربط الشرعية بالإنجاز، وتطوير البنية التحتية، والاستثمار في التعليم والتكنولوجيا، والتعامل مع النظرية بوصفها أداة لا قيداً.
وهنا يعود ماركس إلى قلب النقاش. فماركس الذي نقد الرأسمالية لم يكن يدعو إلى عبادة النصوص، بل إلى فهم الحركة العميقة للمجتمع. وإذا كانت الصين قد فعلت شيئاً مختلفاً، فهو أنها لم تضع ماركس في مواجهة الواقع، بل حاولت أن تعيد تفسيره عبر الواقع.
لماذا فشل آخرون؟
كثير من الأحزاب الشيوعية ظلت وفية للنص أكثر من وفائها للمجتمع. انشغلت بالدفاع عن نقاء الفكرة، بينما كانت الدولة تتآكل، والاقتصاد يضعف، والتعليم يتراجع، والكفاءات تهاجر. تحولت المؤتمرات الحزبية إلى ساحات لإعادة إنتاج الخطاب نفسه، لا إلى مختبرات لمراجعة السياسات ونقد الأخطاء.
في تجارب كثيرة، خاصة في العالم العربي وإفريقيا، لم تكن المشكلة في الماركسية وحدها، بل في البيئة التي عملت داخلها الأحزاب أيضاً. فقد نشأت في دول ضعيفة، تعاني من الانقسامات القبلية والطائفية، وهشاشة المؤسسات، وضعف الاقتصاد، والتدخلات الخارجية، وأزمات الهوية. وفي مثل هذه البيئات، يصعب على أي مشروع سياسي أن ينجح إذا لم يبدأ ببناء الدولة قبل بناء الأيديولوجيا.
لكن تحميل البيئة وحدها المسؤولية هروب آخر من النقد. فالبيئة الصعبة ليست قدراً يمنع النجاح، بل تحدياً يختبر كفاءة القيادة. الصين نفسها لم تبدأ في ظروف مثالية، بل خرجت من حرب أهلية، واحتلال، وفقر واسع، ومجتمع ريفي منهك. لذلك فإن الفارق لا يفسر بالظروف وحدها، بل بطريقة إدارة تلك الظروف.
أحزاب كثيرة أرادت أن تثبت أنها ماركسية، لكنها لم تثبت أنها قادرة على بناء دولة. رفعت شعار الطبقة العاملة، لكنها لم تبنِ صناعة. تحدثت عن العدالة، لكنها لم تطور الإدارة. رفعت راية التقدم، لكنها أهملت الجامعة والبحث العلمي. دافعت عن الفقراء، لكنها لم تنتج اقتصاداً يخرجهم من الفقر.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: بعض الأحزاب قتلت ماركس وهي تدافع عنه. قتلته حين حولته إلى شعار، وحين جعلت النقد ممنوعاً باسمه، وحين تصرفت كأن التاريخ كتاب مغلق، لا صراع حيّ بين البشر والمؤسسات والمصالح والأفكار.
غرامشي وبناء الهيمنة الثقافية
لقد فهم أنطونيو غرامشي أن السلطة ليست مجرد سيطرة على مؤسسات الدولة، بل هي أيضاً بناء للثقافة والمعرفة والوعي. فالهيمنة لا تقوم بالقوة وحدها، بل بالمدرسة، والجامعة، والإعلام، واللغة، والخيال الجماعي. ولهذا فإن أي حزب يهمل التعليم، والبحث العلمي، والإنتاج الثقافي، يخسر معركته حتى لو احتفظ بمقراته وشعاراته.
وقد كتب غرامشي في “دفاتر السجن” أن الأزمة تكمن في أن “القديم يحتضر والجديد لا يستطيع أن يولد”. هذه العبارة تصلح لفهم أزمات كثيرة عاشتها الأحزاب الشيوعية. فقد ظل القديم الأيديولوجي حاضراً في اللغة، بينما عجز الجديد السياسي والاقتصادي والثقافي عن الولادة. فكانت النتيجة أحزاباً لا تموت تماماً، لكنها لا تعيش فعلاً.
أما لويس ألتوسير فقد نبه إلى أن المؤسسات التعليمية والإعلامية والثقافية ليست محايدة تماماً، بل تؤدي دوراً في إعادة إنتاج الأفكار والعلاقات الاجتماعية. وهذا يعني أن بناء الإنسان أكثر أهمية من بناء التنظيم. فالحزب الذي لا ينتج معرفة، ولا يحترم الجامعة، ولا يطور الثقافة، ولا يصنع كفاءات، يتحول إلى جهاز تعبئة لا إلى عقل تاريخي.
من هذه الزاوية، تبدو التجربة الصينية مختلفة لأنها جعلت التعليم، والتصنيع، والتكنولوجيا، والبحث العلمي، والبنية التحتية، عناصر مركزية في مشروع الدولة. لم تكتف بترديد أن الطبقة العاملة طليعة التاريخ، بل صنعت مصانع، وموانئ، وجامعات، وشركات تكنولوجيا، وشبكات نقل، ومراكز بحث. وهذا هو الفرق بين حزب يقرأ التاريخ كقصيدة، وحزب يحاول أن يحوله إلى مؤسسات.
أزمة العقل الأيديولوجي
الأزمة الحقيقية ليست أزمة اليسار وحده، ولا أزمة اليمين، ولا أزمة الليبرالية أو القومية أو الإسلام السياسي. إنها أزمة العقل الأيديولوجي نفسه: ذلك العقل الذي يظن أن كتاباً واحداً قادر على تفسير مجتمع متغير، وأن نظرية ولدت في سياق تاريخي معين تصلح لكل زمان ومكان دون مراجعة.
حين تتحول الأيديولوجيا إلى عقيدة مغلقة، تصبح عاجزة عن التعلم. وعندما تصبح عاجزة عن التعلم، تصبح عاجزة عن قيادة الدولة. لأن الدولة لا تدار باليقين، بل بالمراجعة المستمرة، والاعتراف بالأخطاء، والاستفادة من الخبرة، وتعديل السياسات وفق النتائج.
الأمم لا تنهض لأنها تملك أفضل النظريات، بل لأنها تملك أفضل المؤسسات. والمؤسسات لا تبنى بالولاء الفكري، بل بالكفاءة، وسيادة القانون، والمساءلة، والإدارة الرشيدة، والاستثمار في الإنسان. أما الحزب الذي يقيس نجاحه بعدد الشعارات التي يرفعها، لا بعدد المدارس التي يبنيها، ولا بالمستشفيات التي يطورها، ولا بالوظائف التي يوفرها، فإنه يتحول مع الزمن إلى مؤسسة دعائية أكثر منه مؤسسة سياسية.
لقد كتب إنجلز في رسالة شهيرة أن المادية التاريخية ليست مفتاحاً سحرياً يفسر كل شيء بطريقة آلية، وحذر من تحويلها إلى صيغة جاهزة. ومع ذلك، وقع كثيرون في هذا الخطأ: حولوا التاريخ إلى معادلة، والصراع الاجتماعي إلى شعار، والمجتمع إلى مخطط نظري. والنتيجة أن الفكر الذي كان يفترض أن يكشف الواقع أصبح عاجزاً عن رؤيته.
الدرس الصيني وحدود تقليده
أهم درس تقدمه الصين، سواء اتفقنا معها أم اختلفنا، هو أن الأفكار لا تكتسب شرعيتها من جمالها النظري، بل من نتائجها العملية. السياسة ليست امتحاناً في حفظ النصوص، وإنما فن إدارة الواقع. والواقع لا يعترف بالأيديولوجيات، بل يعترف بمن ينجح في فهمه والتعامل معه.
لكن أكبر خطأ يمكن أن تقع فيه النخب السياسية هو الاعتقاد بأن نجاح الصين وصفة جاهزة يمكن نقلها إلى أي بلد. لكل مجتمع تاريخه، وثقافته، وبنيته الاقتصادية، ومؤسساته، وتوازناته الداخلية. لذلك فإن تقليد الصين حرفياً قد يكون فشلاً جديداً، تماماً كما كان تقليد الاتحاد السوفيتي فشلاً في تجارب كثيرة. المطلوب ليس استنساخ الصين، بل فهم شروط نجاحها وإخضاعها للنقد.
الصين لم تبق ماركس حياً لأنها جمدته، بل لأنها حررته من الجمود. لم تتعامل معه ككاهن، بل كمنهج. لم تجعل النظرية بديلاً عن الواقع، بل جعلت الواقع امتحاناً للنظرية. وهذه هي النقطة التي فشلت أحزاب كثيرة في فهمها.
إن تجربة الصين لا تقول إن الماركسية انتصرت بصورتها القديمة، ولا تقول إن الرأسمالية انتصرت داخل حزب شيوعي. إنها تقول شيئاً أكثر تعقيداً: الأفكار الكبيرة لا تعيش إلا إذا امتلكت قدرة على التغير. أما حين تتحول إلى نصوص مقدسة، فإنها تموت حتى لو بقيت صور أصحابها معلقة على الجدران.
خاتمة: حين تنجو الفكرة من موت الأحزاب
ماركس في الصين لم يبقَ حياً لأنه انتصر كنص، بل لأنه نجا من التحنيط. لقد تعاملت الصين مع الماركسية بطريقة جعلتها قابلة للتأويل، والاختبار، والتكييف، والمراجعة. وهذا لا يعني أن التجربة الصينية هي الحقيقة النهائية، ولا أنها نموذج كامل، ولا أن نقدها ممنوع. بل يعني أن الصين فهمت شيئاً عميقاً: الفكرة التي لا تتغير تموت، والحزب الذي لا يتعلم يتحول إلى متحف.
ربما لم يكن سر الصين أنها وجدت النظرية الكاملة، بل أنها لم تجعل النظرية سجناً يمنعها من التعلم. وربما لم يكن سبب فشل تجارب أخرى أنها امتلكت النظرية الخاطئة فقط، بل أنها تعاملت مع النظرية بوصفها حقيقة نهائية لا تقبل المراجعة.
في عالم اليوم، حيث تتصارع القوى الكبرى على التكنولوجيا، والطاقة، والأسواق، والممرات، والذكاء الاصطناعي، والحوكمة الدولية، تحاول الصين أن تقدم نفسها لا كحزب شيوعي يحكم دولة كبرى فقط، بل كقوة تقترح تحالفاً عالمياً جديداً حول التنمية والسيادة والتعددية. وهذا هو التحول الأهم: من ماركس بوصفه نصاً حزبياً، إلى ماركس بوصفه سؤالاً عن العدالة والتقدم وموقع الشعوب في التاريخ.
إن الحضارات لا تصنعها العقائد الجامدة، بل العقول التي تجرؤ على مراجعة نفسها. ولا تنهار الأمم لأنها أخطأت، بل لأنها أصرت على تحويل الخطأ إلى عقيدة، والعقيدة إلى قدر، والقدر إلى مصير لا يجوز التفكير في تغييره.
الحقيقة ليست ملكاً لحزب، ولا لفيلسوف، ولا لدولة. الحقيقة مشروع إنساني مفتوح، يتقدم بالنقد أكثر مما يتقدم باليقين، وبالأسئلة أكثر مما يتقدم بالشعارات. وربما هذا هو الدرس الأهم من الصين في ذكراها الحزبية الخامسة بعد المئة: أن الفكرة لا تموت حين يهاجمها خصومها، بل حين يقتلها أتباعها بالجمود. أما حين تجد من يعيد اختبارها في الواقع، فقد تنجو حتى من موت الأحزاب.



