الثلاثاء, يوليو 14, 2026
31.9 C
Beirut

لامبيدوزا مرآة أوروبا: حين يذكّر البابا القارة بأن اللاجئ ليس رقماً!

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

لم تكن زيارة البابا لاون الرابع عشر إلى لامبيدوزا زيارة رعوية عابرة إلى جزيرة إيطالية صغيرة في قلب المتوسط، بل كانت فعلاً سياسياً وأخلاقياً مكثفاً. ففي هذه الجزيرة، التي تحولت منذ سنوات إلى بوابة أولى للناجين ومقبرة صامتة للغرقى، أراد البابا أن يقول إن أزمة اللجوء لم تعد ملفاً أمنياً يمكن إغلاقه بالحدود، ولا عبئاً إدارياً يُترك للشرطة وخفر السواحل ومراكز الاستقبال، بل هي سؤال كبير موجه إلى ضمير أوروبا: أي قارة تريد أن تكون؟ قارة القيم والحقوق والكرامة الإنسانية، أم قارة الخوف والأسلاك الشائكة والانتقاء العنصري بين البشر؟

اختيار لامبيدوزا لم يكن بريئاً في رمزيته. فهي ليست مجرد نقطة جغرافية جنوب إيطاليا، بل جرح مفتوح في جسد البحر الأبيض المتوسط. هناك تتقاطع خرائط الفقر والحرب والديكتاتوريات والتهريب والعنصرية الأوروبية. وهناك أيضاً يظهر التناقض الأوروبي بأوضح صوره: قارة تتحدث عن حقوق الإنسان في بياناتها الرسمية، لكنها كثيراً ما تتعامل مع اللاجئ، خصوصاً القادم من إفريقيا والشرق الأوسط، كتهديد ديمغرافي وأمني وثقافي.

لامبيدوزا: الجزيرة التي تتكلم نيابة عن الغرقى

حين يقف البابا أمام قبور مهاجرين مجهولي الأسماء، لا يعود الكلام عن “تدفقات” و”أرقام” و”موجات” كافياً. كل جسد غرق في المتوسط كان له اسم، وأم، وبيت، وحلم، وسبب دفعه إلى ركوب البحر. لم يترك هؤلاء بلدانهم لأنهم يكرهونها، بل لأن أوطانهم ضاقت بهم تحت وطأة الحرب، أو الفقر، أو القمع، أو انهيار الاقتصاد، أو انعدام الأمان.

رسالة البابا من لامبيدوزا كانت واضحة: موت اللاجئين في البحر ليس قدراً طبيعياً ولا حادثاً بحرياً فحسب، بل نتيجة منظومة سياسية واقتصادية وأمنية كاملة. فالذي يغرق في المتوسط لا يقتله الماء وحده، بل تقتله سياسات الإغلاق، وتقتله الحروب التي لا تنتهي، وتقتله تجارة السلاح، وتقتله الأنظمة الفاسدة، وتقتله شبكات التهريب، وتقتله أوروبا حين لا تريد أن ترى إلا القارب، لا الأسباب التي دفعت البشر إلى ركوبه.

اللجوء بين الاقتصاد والأمن: لماذا يهرب الناس؟

لا يمكن فهم أزمة اللجوء بعيداً عن الوضعين الاقتصادي والأمني في بلدان المنشأ. فالهجرة القسرية ليست قراراً سياحياً، ولا مغامرة رومانسية، بل غالباً ما تكون آخر خيار متاح أمام إنسان حُشر في زاوية مستحيلة. في إفريقيا، تدفع الحروب الأهلية، والانقلابات، والجفاف، والبطالة، والفساد، وانهيار الخدمات الأساسية آلاف الناس إلى الهروب. وفي الشرق الأوسط، صنعت الحروب المتلاحقة، من سوريا إلى غزة واليمن ولبنان والعراق، أجيالاً كاملة تعيش بين النزوح والانتظار والخوف.

لكن أوروبا تفضل في أحيان كثيرة أن تناقش اللاجئ عند وصوله فقط، لا أن تناقش الطريق الذي صنع مأساته. تسأل: كيف نمنعه من الدخول؟ لكنها لا تسأل بالجدية نفسها: من دمّر شروط بقائه في بلده؟ من دعم الأنظمة القمعية؟ من باع السلاح؟ من استفاد من ثروات الجنوب؟ من حول الاقتصاد العالمي إلى آلة تنتج اللامساواة ثم تتفاجأ عندما يطرق الفقراء أبواب الشمال؟

هنا يصبح خطاب البابا مهماً لأنه يعيد تعريف المشكلة: اللاجئ ليس أصل الأزمة، بل نتيجتها. اللاجئ ليس سبب الفوضى، بل شاهد عليها. وحين يصل إلى إيطاليا منهكاً وجائعاً وخائفاً، فهو لا يحمل معه تهديداً للحضارة الأوروبية، بل يحمل شهادة إدانة للنظام العالمي الذي فشل في حماية الإنسان في موطنه وفشل أيضاً في احترامه عند لجوئه.

إيطاليا بين الاستقبال والخوف

تعيش إيطاليا تناقضاً عميقاً في علاقتها مع اللاجئين. فمن جهة، هناك جمعيات، وكنائس، ومتطوعون، وبلديات، ومواطنون عاديون يقدمون وجهاً إنسانياً نبيلاً، ينقذون، يطعمون، يترجمون، يرافقون، ويساعدون القادمين الجدد على الوقوف من جديد. ومن جهة أخرى، هناك خطاب سياسي وإعلامي يحوّل اللاجئ إلى مشكلة دائمة، ويقدمه للرأي العام كخطر على العمل، والأمن، والهوية، والدين، والمدينة، والمرأة، والمدرسة، والمستقبل.

في مراكز الاستقبال، لا تنتهي المعاناة بمجرد النجاة من البحر. هناك تبدأ رحلة أخرى من الانتظار الطويل، والأوراق، والتحقيقات، والقلق من الرفض، وصعوبة العمل، والسكن غير اللائق، والعزلة اللغوية، والاستغلال في سوق العمل الأسود. كثير من اللاجئين والمهاجرين يجدون أنفسهم في هامش المجتمع: يعملون في الزراعة، والبناء، والتنظيف، والخدمات، بأجور متدنية وشروط قاسية، بينما يستفيد الاقتصاد من عملهم ثم ينكر عليهم حقهم في الكرامة.

وهنا تظهر مفارقة موجعة: أوروبا تحتاج إلى اليد العاملة الأجنبية، لكنها لا تريد الاعتراف الكامل بإنسانية أصحاب هذه الأيدي. تريد العامل لا اللاجئ، تريد الجهد لا القصة، تريد الخدمة لا الحق، تريد الجسد المنتج لا الإنسان الكامل.

العنصرية حين ترتدي لباس السياسة

العنصرية ضد اللاجئين في إيطاليا وأوروبا لم تعد دائماً تأتي بصورتها الفجة القديمة، بل صارت في كثير من الأحيان ترتدي لغة ناعمة: “حماية الحدود”، “الدفاع عن الهوية”، “الأولوية للمواطنين”، “منع الغزو”، “مكافحة الفوضى”. لكن خلف هذه العبارات تختبئ أحياناً نظرة تعتبر أن حياة القادم من الجنوب أقل قيمة، وأن موت عشرات أو مئات في البحر لا يهز الضمير كما يهزه اضطراب سياسي صغير داخل أوروبا.

العنصرية تبدأ حين يصبح لون البشرة دليلاً على الخطر، واللغة الأجنبية علامة اتهام، والفقر جريمة، والدين سبباً للريبة. تبدأ حين يُنظر إلى اللاجئ الإفريقي أو العربي أو المسلم ككتلة واحدة، لا كأفراد متنوعين يحملون قصصاً مختلفة ومآسي مختلفة وأحلاماً مختلفة. وتبلغ ذروتها حين تتحول المعاناة إلى مادة انتخابية، فيزايد السياسيون على الخوف، ويجعلون من اللاجئ عدواً سهلاً لتغطية فشلهم في حل أزمات البطالة، والسكن، والصحة، والتضخم، وانعدام العدالة الاجتماعية.

لا يعني ذلك أن المجتمعات الأوروبية لا تملك حق تنظيم الهجرة أو حماية أمنها أو إدارة حدودها. لكن الفرق كبير بين التنظيم والتجريم، بين الإدارة والإهانة، بين السيادة والقسوة، بين القانون ونزع الإنسانية. فاللاجئ لا يفقد كرامته لأنه عبر الحدود، ولا يتحول إلى خطر لمجرد أنه طلب الحماية.

أوروبا أمام امتحانها الأخلاقي

الموقف الأوروبي من اللجوء يعيش أزمة مزدوجة: أزمة سياسية وأزمة إنسانية. سياسياً، تحاول دول كثيرة نقل العبء إلى دول الحدود مثل إيطاليا واليونان وإسبانيا، أو إلى دول العبور في شمال إفريقيا، عبر اتفاقات أمنية هدفها منع الوصول أكثر من حماية البشر. وإنسانياً، تتراجع لغة التضامن أمام صعود اليمين الشعبوي، الذي وجد في اللاجئين مادة مثالية لصناعة الخوف وتوحيد الغاضبين حول عدو ضعيف.

لكن أوروبا التي نشأت بعد الحروب الكبرى على فكرة الكرامة الإنسانية لا تستطيع أن تبقى وفية لذاكرتها إذا قبلت بتحويل المتوسط إلى حاجز موت. ولا تستطيع أن ترفع شعار حقوق الإنسان في العالم بينما تتردد في تطبيقه على حدودها. ولا تستطيع أن تطالب الآخرين بالديمقراطية والعدالة وهي تغض النظر عن مآسي الفارين من الاستبداد والحروب والفقر.

زيارة البابا إلى لامبيدوزا وضعت أوروبا أمام مرآتها. لم يأت ليقدم حلاً تقنياً، بل ليعيد السؤال إلى جذره الأخلاقي: هل الإنسان إنسان فقط عندما يكون أوروبياً؟ هل يستحق الطفل الحماية فقط إذا ولد في الشمال؟ هل تصبح الأم أقل أمومة حين تأتي من السودان أو سوريا أو إريتريا أو ليبيا؟ وهل يحق لقارة غنية أن تحمي رخاءها بإدارة ظهرها للذين يدفعون ثمن نظام عالمي غير عادل؟

من الشفقة إلى العدالة

أهم ما في رسالة لامبيدوزا أنها لا تكتفي بالدعوة إلى الشفقة. الشفقة وحدها لا تكفي، لأنها قد تطعم الجائع يوماً ثم تترك أسباب جوعه قائمة. المطلوب هو الانتقال من منطق الإحسان إلى منطق العدالة: عدالة في سياسات التنمية، وعدالة في توزيع المسؤوليات داخل أوروبا، وعدالة في إجراءات اللجوء، وعدالة في سوق العمل، وعدالة في الخطاب العام، وعدالة في الاعتراف بأن المهاجر واللاجئ ليسا عبئاً مطلقاً، بل يمكن أن يكونا جزءاً حياً من المجتمع إذا أُعطيا فرصة حقيقية للاندماج.

الاندماج لا يعني إذابة اللاجئ أو مطالبته بأن يمحو ذاكرته وثقافته، بل يعني بناء مساحة مشتركة يحترم فيها القانون، ويتعلم اللغة، ويعمل، ويدرس أطفاله، ويشارك في الحياة العامة، من دون أن يعيش تحت تهديد دائم أو وصمة دائمة. كما أن حماية المجتمع المضيف لا تعني كراهية الوافد، بل تعني بناء سياسات عادلة تمنع الاستغلال والفوضى وتمنح الجميع حقوقاً وواجبات واضحة.

البابا والرسالة الأعمق

زيارة البابا إلى لامبيدوزا كانت تذكيراً بأن البحر الأبيض المتوسط يجب ألا يبقى فاصلاً بين عالمين: عالم فائض الحماية وعالم فائض الموت. هذا البحر كان تاريخياً فضاء تواصل بين الحضارات، لا مقبرة للفقراء. ومن هنا جاءت رمزية الزيارة: أن يقف صوت روحي عالمي في المكان الذي حاولت السياسة أن تجعله هامشاً، ليقول إن الهامش هو مركز الحقيقة.

في لامبيدوزا، لم يكن البابا يدافع عن اللاجئين وحدهم، بل كان يدافع عن أوروبا من فقدان روحها. فالقارة التي تعتاد رؤية الغرقى بلا غضب، وتعتاد سماع أخبار المفقودين بلا حزن، وتعتاد تحويل البشر إلى أرقام في نشرات الأخبار، تخسر شيئاً من إنسانيتها قبل أن تخسر حدودها.

أزمة اللجوء ليست امتحاناً للاجئين فقط، بل امتحان للمجتمعات التي تستقبلهم أو ترفضهم. والجواب الذي ستقدمه أوروبا لن يحدد مصير القادمين إليها وحدهم، بل سيحدد أيضاً معنى أوروبا نفسها: هل تبقى مشروعاً إنسانياً قائماً على الكرامة والحرية والحقوق، أم تتحول إلى قلعة خائفة، غنية من الخارج وفقيرة من الداخل؟

من لامبيدوزا، جاءت الرسالة واضحة: لا يكفي أن نحصي القوارب، يجب أن نرى الوجوه. لا يكفي أن نحرس الحدود، يجب أن نحرس الضمير. ولا يكفي أن نسأل من أين جاء اللاجئ، بل يجب أن نسأل أيضاً: أي عالم صنعناه حتى صار البحر أرحم من اليابسة

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

فاروق باباميري… عندما يكبر المناضل ولا يشيخ

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هناك رجال يكبرون في العمر، لكنهم لا يكبرون على...

حين يتحول اليسار إلى حارس لأيديولوجيا الدولة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة نقدية في افتتاحية جريدة «صوت الشعب» التونسية نشرت جريدة...

معركة مضيق هرمز في صحافة صباح اليوم: واشنطن توسّع ضرباتها وإيران تنقل الرد إلى القواعد الأميركية في المنطقة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة مقارنة في الصحافة الأميركية والغربية والإيرانية والعربية الصادرة...

صراع إرادات في هرمز: أميركا والعالم بوجه البلطجة الإيرانية

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح وعندنا التدخل الإيراني عبر أتباعه يستهدف عنوان : الأرض...

More like this

جبهة النضال الشعبي في الذكرى الـ59 لانطلاقتها: تجديد المشروع الوطني وإنهاء الاحتلال وتعزيز الوحدة والديمقراطية

أخباركم - أخبارنا رام الله – أكدت اللجنة المركزية لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني أن...

رحيل ليندسي غراهام: صقرُ الحروب الذي رأى الشرق الأوسط من بوابة إسرائيل ومواجهة إيران

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد رحل السيناتور الجمهوري الأميركي ليندسي غراهام عن واحد وسبعين...

الشيوعي العراقي يدعو إلى جبهة شعبية واسعة: هل اقتربت لحظة كسر منظومة المحاصصة؟

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد في بيان سياسي مطوّل نشرته صحيفة طريق الشعب، اليومية...