أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
ليست المسيحية في سوريا طارئة على المكان، ولا هي هامشٌ صغير في تاريخ البلاد، بل هي من أقدم طبقات الذاكرة السورية وأكثرها رسوخاً في تكوين المشرق. هنا، في هذه الجغرافيا الممتدة بين أنطاكية ودمشق وحلب والجزيرة والفرات وحوران وحمص ومعلولا وصيدنايا ووادي النصارى، لم تكن المسيحية مجرد عقيدة دينية، بل كانت لغة وثقافة ومدارس ولاهوتاً وفناً وعمارة وذاكرة مدن. في دمشق ارتبطت الذاكرة المسيحية بتحول بولس الرسول، وفي أنطاكية تبلورت واحدة من أهم الجماعات المسيحية الأولى، ومنها خرج اسم «المسيحيين» إلى التاريخ. وفي القرى والجبال والأديرة والكنائس القديمة، ظلت اللغة الآرامية/السريانية، والطقوس الشرقية، والحضور الكنسي المتنوع، شاهدة على أن المسيحيين لم يكونوا ضيوفاً في سوريا، بل من صلب تكوينها الحضاري.
منذ القرون الأولى، أسهم المسيحيون السوريون في بناء هوية المشرق الثقافية والدينية والفكرية. فالكنائس السريانية واليونانية والأرمنية والمارونية والكاثوليكية والأرثوذكسية والإنجيلية لم تكن مجرد مؤسسات عبادة، بل مراكز تعليم وترجمة وحفظ للغة والذاكرة والمعرفة. وفي مراحل طويلة من التاريخ، لعب المسيحيون دوراً أساسياً في الإدارة والطب والتعليم والصحافة والطباعة والنهضة العربية الحديثة، وكانوا جزءاً من تكوين المدن السورية الكبرى ومن اقتصادها وثقافتها وحياتها العامة. لذلك، فإن الحديث عن مسيحيي سوريا لا يجوز أن يبدأ من كونهم «أقلية» عددية، بل من كونهم جماعة تاريخية مؤسسة في الوجدان السوري، لا تكتمل صورة البلاد من دونها.
لكن هذا الحضور العريق وجد نفسه، بعد الثورة والحرب والانهيار والهجرة، أمام سؤال مصيري: كيف يحمي المسيحيون السوريون وجودهم من الذوبان والتهميش من دون أن يتحولوا إلى جماعة منعزلة؟ وكيف ينتقلون من موقع الخوف والصمت إلى موقع التنظيم والمشاركة؟ في هذا السياق جاء إعلان «الكونغرس المسيحي السوري» بوصفه محاولة لإعادة تنظيم الصوت المسيحي داخل مشروع وطني سوري أوسع، لا باعتباره خروجاً على فكرة المواطنة، بل محاولة للدفاع عنها عندما تبدو المواطنة نفسها مهددة بالفراغ أو التهميش أو الاختزال.
حضور أقدم من الدولة الحديثة
الوجود المسيحي في سوريا أقدم من الدولة الحديثة، وأقدم من الحدود السياسية الراهنة. فهو متجذر في المدن والقرى والكنائس واللغات والذاكرة الشعبية. من أنطاكية التي كانت مركزاً كبيراً من مراكز المسيحية الأولى، إلى دمشق التي تحتفظ بمكانة رمزية عميقة في التاريخ المسيحي، إلى معلولا وصيدنايا حيث ما زالت الذاكرة الآرامية والطقوس الشرقية حاضرة، إلى الجزيرة السورية حيث تعيش جماعات سريانية وآشورية وكلدانية وأرمنية، شكّل المسيحيون جزءاً من البنية الأصلية لسوريا التاريخية.
ولم يكن هذا الوجود دينياً فقط، بل كان ثقافياً واجتماعياً ووطنياً. فقد شارك المسيحيون في الحياة العامة السورية، في الأحزاب والنقابات والمدارس والجامعات والطب والصحافة والاقتصاد والفنون. وكانوا جزءاً من الوطنية السورية الحديثة، ومن حركة النهضة، ومن النضال ضد الاستعمار، ومن بناء الدولة والمؤسسات. لذلك، فإن أي تراجع في حضورهم لا يعني خسارة جماعة دينية وحدها، بل خسارة سوريا لجزء من ذاكرتها وتعددها وتوازنها.
إن سوريا التي نعرفها لم تكن يوماً بلون واحد. كانت دائماً فضاءً لتجاور الكنائس والمساجد، للغات ولهجات وطقوس متعددة، ولأسماء عائلية ومدن وأسواق تحمل هذا التنوع في تفاصيلها اليومية. ولهذا، فإن اختزال المسيحيين في خانة «الأقلية» يظلم تاريخهم ودورهم، كما يظلم سوريا نفسها. فهم ليسوا رقماً هامشياً، بل مكوّن أصيل من معنى البلاد.
من الشراكة التاريخية إلى الخوف الوجودي
قبل عام 2011، كانت التقديرات الشائعة تضع عدد المسيحيين في سوريا بنحو عشرة في المئة تقريباً من السكان، مع تفاوت بين المصادر والتقديرات. لكن الحرب السورية غيّرت هذا الواقع بصورة عميقة. فقد أدت سنوات العنف والحصار والخطف والتهجير وانهيار الاقتصاد وصعود التنظيمات المتطرفة إلى موجة هجرة مسيحية واسعة، حتى باتت بعض التقديرات الحديثة تتحدث عن بقاء بضع مئات الآلاف فقط داخل البلاد، مع صعوبة الوصول إلى رقم نهائي دقيق بسبب النزوح الداخلي والهجرة وتغيّر خطوط السيطرة خلال الحرب.
لقد عاش المسيحيون السوريون التجربة المرّة للحرب على أكثر من مستوى. في مناطق سيطرة النظام السابق، كانوا يعيشون تحت سلطة أمنية تستخدم خطاب «حماية الأقليات» لتبرير الاستبداد، لكنها لم تمنحهم مواطنة سياسية حقيقية ولا حرية مستقلة. وفي مناطق سيطرة جماعات متشددة، واجهوا خطراً مباشراً على الوجود والكرامة والعبادة والملكية. وبين هذين الحدّين، كان المسيحي السوري غالباً مواطناً محاصراً بين استبداد يدّعي حمايته وتطرف يهدد وجوده.
لقد دفع المسيحيون ثمن الخوف مرتين: مرة حين استُخدموا كورقة سياسية في خطاب النظام عن حماية الأقليات، ومرة حين عاقبتهم قوى متطرفة على هويتهم الدينية أو على صورة سياسية لم يصنعوها هم. وهكذا وُضعوا بين سرديتين قاسيتين: سردية تقول لهم إن خلاصهم لا يكون إلا بالاحتماء بالاستبداد، وسردية أخرى تتعامل معهم بوصفهم هدفاً أو غنيمة أو جماعة مشكوكاً في ولائها. وفي الحالتين، غابت عنهم المواطنة التي وحدها تحمي الجميع.
جرح الخطف والتفجير والتهجير: الذاكرة الدامية لمسيحيي سوريا
لا يمكن الحديث عن انتقال مسيحيي سوريا من التهميش إلى التنظيم من دون التوقف عند الذاكرة الدامية التي حملوها خلال سنوات الحرب. فقد لمست الجماعات المسيحية السورية معنى الخطر الوجودي بصورة مباشرة، لا عبر الخطاب السياسي فقط، بل عبر وقائع خطف وتفجير وتهجير واستهداف رمزي ومادي. كان اختطاف مطراني حلب، المطران يوحنا إبراهيم والمطران بولس يازجي، في نيسان/أبريل 2013، واحداً من أقسى الجروح المفتوحة في الوعي المسيحي والسوري العام، لأنه لم يكن خطف رجلَي دين فحسب، بل خطف رمزين من رموز الحضور المسيحي المشرقي ورسالة واضحة إلى الكنيسة والمجتمع بأن الأمان التاريخي لم يعد مضموناً.
ثم جاءت الهجمات على الكنائس والأحياء المسيحية والبلدات المختلطة لتعمّق الإحساس بأن الخطر لم يكن عابراً. فقد تعرضت كنائس للتفجير أو التخريب أو القصف، واستُهدفت مناطق مسيحية بتفجيرات انتحارية وقذائف عشوائية، كما حدث في أكثر من مدينة وبلدة سورية خلال سنوات الحرب، فيما عاشت بلدات مثل معلولا وصدد وقرى الخابور الآشورية وريف الحسكة وحلب تجارب قاسية من الخوف والخطف والنزوح. ولم تكن التفجيرات الانتحارية مجرد عمليات عسكرية، بل رسائل رعب أرادت ضرب فكرة العيش المشترك نفسها، وتحويل الكنيسة من مكان صلاة وذاكرة إلى هدف للقتل والترهيب.
وتعرض مسيحيو سوريا أيضاً لمخاطر مصادرة البيوت، ونهب الممتلكات، وفرض الإتاوات، والاختطاف طلباً للفدية، وتهديد رجال الدين، وتدمير الرموز الدينية، وتهجير العائلات من قراها وأحيائها، وصولاً إلى تفريغ بعض المناطق من سكانها التاريخيين. وبين استبداد سياسي استخدمهم كورقة دعائية باسم «حماية الأقليات»، وتطرف مسلح تعامل معهم كغنيمة أو هدف أو جماعة يجب إخضاعها، وجد المسيحيون أنفسهم أمام تجربة مرة جعلت سؤال البقاء أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. لذلك، فإن تنظيمهم اليوم لا يمكن فهمه بمعزل عن هذه الذاكرة؛ فهو ليس ترفاً سياسياً، بل محاولة لتحويل الخوف المتراكم إلى صوت وطني منظم يطالب بالأمان، والعدالة، وكشف مصير المخطوفين، وحماية دور العبادة، وضمان عودة المهجرين إلى بيوتهم وكنائسهم وقراهم.
الجرح المفتوح بعد الثورة والحرب
لا يمكن إنكار أن الثورة السورية فتحت باباً كبيراً للأمل في الحرية والكرامة، لكنها سرعان ما دخلت في مسارات عنف وعسكرة وتدخلات خارجية وصعود جماعات متطرفة، وهو ما جعل قطاعات واسعة من المسيحيين تشعر بأن الدولة القديمة سقطت أخلاقياً، لكن الدولة البديلة لم تولد بعد بصورة مطمئنة. هنا بدأت التجربة المرّة: كنائس مدمرة، قرى مهجّرة، رجال دين مخطوفون، عائلات غادرت بلا عودة، شباب هاجروا لأنهم لم يروا مستقبلاً، وذاكرة كاملة باتت معلقة بين الحنين والخوف.
ولم تكن المشكلة أن المسيحيين رفضوا التغيير أو الحرية، كما حاولت بعض القراءات السطحية أن توحي، بل أن جزءاً كبيراً منهم لم يجد ضمانة واضحة في المشهد الجديد. لقد رأوا دولة استبدادية تتهاوى، لكنهم رأوا في المقابل قوى مسلحة متشددة، وخطابات دينية مغلقة، ومشاريع إقليمية تتصارع على الأرض السورية. وبين الخوف من الماضي والخوف من المجهول، اختار كثيرون الهجرة أو الصمت أو الانكفاء، لا لأنهم خارج سوريا، بل لأن سوريا نفسها بدت وكأنها تفقد قدرتها على حماية أبنائها.
هذه التجارب لم تكن مجرد وقائع أمنية، بل أنتجت وعياً سياسياً جديداً لدى كثير من المسيحيين السوريين: لا يكفي أن يكون الوجود المسيحي قديماً، ولا يكفي أن يكون وطنياً، ولا يكفي أن يرفض الطائفية. فالوجود غير المنظم يمكن أن يتحول إلى وجود صامت، والصمت في المراحل الانتقالية قد يتحول إلى غياب، والغياب يتحول لاحقاً إلى تهميش دستوري وسياسي وإداري.
مجلس الشعب الحالي: ستة مسيحيين في مجلس منقوص التشكيل
أظهرت تجربة تشكيل مجلس الشعب السوري الجديد حجم المعضلة التمثيلية التي تواجه المسيحيين في سوريا الجديدة. فالمجلس، المنصوص عليه بـ210 مقاعد، لم يكتمل فعلياً إلا بـ207 أعضاء بسبب بقاء ثلاثة مقاعد شاغرة في محافظة السويداء، وتشكّل عبر آلية غير مباشرة: جزء من الأعضاء اختير بواسطة هيئات ناخبة محلية، فيما عيّن الرئيس أحمد الشرع سبعين عضواً ضمن ما عُرف بـ«الثلث الرئاسي».
في المرحلة الأولى من العملية، بدا التمثيل المسيحي ضعيفاً جداً، إذ أُعلن أن المسيحيين حصلوا على مقعدين فقط بين الفائزين، وهو ما اعتُبر خللاً واضحاً قياساً إلى الحضور التاريخي للمسيحيين السوريين. لاحقاً، وبعد إعلان قائمة الأعضاء المعينين من قبل الرئيس، ارتفع عدد المسيحيين في المجلس، بحسب تقرير تلفزيون سوريا، إلى ستة أعضاء: مي ناجح خلوف، وهي العضوة المسيحية الوحيدة التي وصلت عبر الانتخابات عن دائرة صافيتا في محافظة طرطوس، إضافة إلى خمسة أعضاء معينين هم كبرييل موشي كورية عن الحسكة، لارا فتحي قديد عن حلب، نوار إلياس نجمة عن دمشق، مادونا سهيل بشارة عن اللاذقية، وسهيل حبيب الفاضل عن محردة في ريف حماة.
ومع ذلك، لا يمكن قراءة هذا الرقم بوصفه حلاً نهائياً لمشكلة التمثيل. فستة أعضاء في مجلس من 207 أعضاء لا يلغون الإحساس المسيحي العام بالتراجع السياسي والديموغرافي، ولا يجيبون وحدهم عن أسئلة الحماية الدستورية، وعودة المهجرين، واستعادة الممتلكات، وكشف مصير المخطوفين، وضمان الحضور المسيحي في الإدارة والقضاء والتعليم والحياة العامة. كما أن غياب قاعدة رسمية منشورة تصنّف الأعضاء وفق خلفياتهم الدينية والقومية يجعل بعض الأرقام محل اختلاف بين المصادر، إذ ذكرت بعض المنصات السريانية أن العدد خمسة فقط، بينما يذهب تقرير تلفزيون سوريا إلى ستة بعد احتساب سهيل حبيب الفاضل ضمن الأعضاء المسيحيين.
لذلك، فإن القضية لا تُختصر في الرقم. المشكلة الأعمق أن المسيحيين السوريين، وهم أحد أقدم مكونات البلاد، لا يريدون تمثيلاً رمزياً أو تجميلياً، بل شراكة فعلية في صياغة الدولة الجديدة. فالتمثيل الحقيقي لا يعني محاصصة طائفية، لكنه يعني أيضاً ألا تتحول المواطنة إلى شعار عام يخفي ضعف حضور المكونات التاريخية داخل المؤسسات.
الكونغرس المسيحي السوري: محاولة انتقال من القلق إلى الفعل
في هذا السياق، جاء إعلان «الكونغرس المسيحي السوري» في أواخر حزيران/يونيو 2026 بوصفه محاولة لتنظيم الحضور المسيحي السوري في الداخل والمهجر. البيان التأسيسي عرّف الكونغرس كإطار مدني تنظيمي جامع وكتلة وطنية مستقلة، مؤكداً أن الهدف ليس إنشاء كيان ديني أو طائفي، بل بناء منصة مدنية تعمل من أجل المواطنة المتساوية وسيادة القانون والدولة المدنية. كما شدد البيان على أن الوجود المسيحي في سوريا ليس تجمعاً عابراً ولا أقلية تبحث عن حماية خارجية، بل حضور تاريخي متجذر في البلاد.
الموقع الرسمي للكونغرس يقدمه باعتباره منصة مدنية تسعى إلى جمع المسيحيين السوريين في الداخل والمهجر، وتنظيم مشاركتهم الوطنية، والدفاع عن سوريا موحدة آمنة لكل أبنائها. كما يعرض أسماء مؤسسين من خلفيات مختلفة، بينهم سالي عبيد، عهد الهندي، إياد هريرا، الأب مارون مخائيل توما، وهشام شامية، في محاولة لإظهار تنوع سياسي ومدني وكنسي وفكري داخل الإطار الجديد.
أهمية هذا الكونغرس لا تكمن فقط في اسمه، بل في السؤال الذي يطرحه على سوريا الجديدة: هل يمكن لمكوّن تاريخي أن ينظم نفسه من دون أن يُتهم بالطائفية؟ وهل يمكن لجماعة خائفة ومهجّرة ومهمشة أن ترفع صوتها من داخل مشروع وطني لا ضده؟ وهل تكون المواطنة شعاراً مجرداً أم نظام ضمانات دستورية وقانونية وسياسية؟
بين تهمة الطائفية وضرورة التنظيم
هناك من يرى في الكونغرس المسيحي السوري خطراً لأنه يقوم على هوية دينية، ويخشى أن يفتح الباب أمام «كونغرسات» طائفية أخرى، بما يحوّل سوريا إلى دولة مكونات لا دولة مواطنين. وقد عبّرت مقالات نقدية عن هذا القلق، معتبرة أن الدفاع عن الدولة المدنية لا ينسجم مع بناء أطر سياسية على أساس ديني. هذه ملاحظة جدية لا يجوز تجاهلها، لأنها تلامس جوهر الخوف من إعادة إنتاج المحاصصة الطائفية التي دمّرت تجارب أخرى في المنطقة.
لكن في المقابل، يجب الاعتراف بأن التنظيم لا يولد دائماً من رغبة في الانعزال، بل أحياناً من الخوف من الإلغاء. حين يشعر مكوّن تاريخي بأن تمثيله ضعيف، وأن هجرته تتسارع، وأن ذاكرته تتعرض للمحو، وأن صوته غير مسموع في صياغة الدستور والقوانين والمؤسسات، يصبح التنظيم محاولة دفاع عن المواطنة لا خروجاً عليها. الخطر ليس في أن ينظم المسيحيون أنفسهم، بل في أن يتحول هذا التنظيم إلى بديل عن الوطنية الجامعة. أما إذا كان الكونغرس جسراً نحو دولة مدنية عادلة، لا جداراً طائفياً داخلها، فإن وجوده يصبح مفهوماً ومشروعاً.
إن الدولة المدنية لا تُبنى بإنكار الهويات، بل بتحريرها من الخوف وتحويلها إلى جزء من عقد وطني عادل. وإذا كان الخطر قائماً في أن يتحول أي إطار ديني أو قومي إلى مشروع انعزال، فإن الخطر المقابل لا يقل خطورة: أن يُطلب من الجماعات المتضررة والمهمشة أن تصمت باسم المواطنة، بينما لا تحصل على ضمانات المواطنة نفسها. بين هذين الخطرين يجب أن يتحرك الكونغرس المسيحي السوري: لا كبديل عن سوريا، بل كصوت داخلها؛ لا كقوقعة طائفية، بل كرافعة لدولة قانون تساوي بين الجميع.
ماذا يريد مسيحيو سوريا؟
يريد المسيحيون السوريون، في جوهر المسألة، ما يريده كل السوريين: دولة قانون، أمن، كرامة، حرية عبادة، مساواة أمام الدستور، حماية للملكية، عدالة انتقالية، كشف مصير المخطوفين والمعتقلين، عودة آمنة للمهجرين، وتمثيل سياسي لا يتعامل معهم كديكور. لا يريدون أن يكونوا ورقة في يد سلطة، ولا حجة في يد استبداد، ولا ضحية في يد تطرف، ولا عنواناً يستخدمه الخارج للتدخل. يريدون أن يكونوا سوريين كاملين، لا رعايا محميين ولا أقلية مذعورة.
ومن هنا، فإن أهم ما يجب أن يحمله الكونغرس المسيحي السوري ليس خطاب الخوف، بل خطاب الشراكة. قوته يجب ألا تكون في القدرة على الحديث باسم المسيحيين فقط، بل في القدرة على مخاطبة المسلمين والدروز والعلويين والكرد والإيزيديين وكل السوريين بلغة الدولة لا بلغة الجماعة المغلقة. فالمسيحي السوري لا ينجو وحده، كما أن المسلم السوري لا يبني دولة وحده. سوريا التي تطرد تنوعها تطرد مستقبلها.
إن المطالب المسيحية العادلة لا تنفصل عن المطالب الوطنية العامة: دستور يضمن المساواة، قوانين تمنع التمييز، قضاء مستقل، أمن لا يخضع للميليشيات، تعليم يعترف بتعدد البلاد، وإدارة لا تحذف أحداً من المشهد. كما أن عودة المهجرين المسيحيين لا يمكن أن تتم إلا ضمن عودة سورية عامة، آمنة وكريمة، تعالج ملفات السكن والملكية والعدالة والأمان المحلي. فلا خلاص لمكون واحد في بلد محطم، ولا ضمانة لمسيحيي سوريا إلا في دولة تضمن الجميع.
من الحماية إلى المواطنة
لقد دفع المسيحيون السوريون ثمناً باهظاً بين نظام سابق استخدمهم في دعاية «حماية الأقليات»، وقوى متطرفة رأت فيهم هدفاً سهلاً، ومعارضة سياسية لم تنجح دائماً في طمأنتهم أو تمثيل هواجسهم. واليوم، بعد كل هذا الخراب، لا يكفي أن يُقال لهم: أنتم جزء من سوريا. يجب أن يُترجم ذلك في الدستور والقانون والإدارة والبرلمان والتعليم والإعلام والأمن المحلي والعدالة الانتقالية.
الانتقال الحقيقي لا يكون بنقل المسيحيين من حضن الخوف إلى حضن المحاصصة، بل من منطق الحماية إلى منطق المواطنة. الحماية تجعلهم تابعين لمن يحميهم، أما المواطنة فتجعلهم شركاء في حماية البلاد كلها. وهذا هو الامتحان الأكبر للكونغرس المسيحي السوري وللدولة السورية الجديدة معاً: هل يستطيعان تحويل الجرح المسيحي إلى مشروع وطني؟ وهل تستطيع سوريا أن تثبت أن التعدد ليس ضعفاً، بل شرط بقائها؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تبقى المسيحية السورية مجرد ذكرى في الكتب والصور والكنائس القديمة، بينما يفرغ الواقع من أصحابها. فالهجرة ليست رقماً بارداً، بل تفكك عائلات، وانقطاع لغة، وإغلاق مدارس، وانطفاء أحياء، وتحوّل قرى كانت حية إلى ذاكرة مؤلمة. لذلك، فإن الحفاظ على مسيحيي سوريا ليس مهمة كنسية فقط، ولا مطلباً مسيحياً ضيقاً، بل مسؤولية وطنية تخص كل من يريد لسوريا أن تبقى وطناً لا ساحة غلبة.
سوريا لا تكتمل بلا مسيحييها
مسيحيو سوريا ليسوا بقايا ماضٍ جميل، بل جزء من مستقبل لا يمكن أن يكون سورياً من دونهم. من أنطاكية إلى معلولا، ومن حلب إلى وادي النصارى، ومن الجزيرة إلى دمشق، يحملون ذاكرة لغة وصلوات وحرف وموسيقى ومدارس وكنائس ومدن. لكن الذاكرة وحدها لا تحمي أصحابها. ما يحميهم هو عقد وطني جديد، واضح وعادل، يجعلهم مواطنين لا شهوداً على أفولهم.
لذلك، يمكن قراءة الكونغرس المسيحي السوري كصرخة تنظيمية أكثر من كونه مشروعاً طائفياً، وكإعلان بأن الصمت لم يعد كافياً. لكنه سيُقاس في النهاية بقدرته على ألا يحصر المسيحيين في قفص الهوية، بل أن يدفعهم إلى قلب المعادلة الوطنية: دولة مدنية، مواطنة متساوية، عدالة انتقالية، وتمثيل حقيقي لكل السوريين. فحين ينتقل المسيحيون من التهميش إلى التنظيم، لا ينبغي أن يكون الهدف إنشاء جزيرة مسيحية داخل سوريا، بل المساهمة في بناء سوريا التي لا يخاف فيها أحد من اسمه أو دينه أو ذاكرته.
إن سوريا التي تفقد مسيحييها لا تفقد جماعة دينية فحسب، بل تفقد جزءاً من روحها التاريخية. وسوريا التي تعيد لهم الأمان والكرامة والدور، لا تمنحهم امتيازاً، بل تستعيد شيئاً من نفسها. من هنا تبدأ أهمية التنظيم: لا لكي ينفصل المسيحيون عن وطنهم، بل لكي يعودوا إليه بصوت أوضح، وبحق أقوى، وبشراكة لا تقوم على الخوف، بل على المواطنة والعدالة والانتماء.



