أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
الولي الذي لا يظهر
قُتل علي خامنئي، ودُفن الجسد، لكن النظام الإيراني لم يدفن معه أسطورته. ما جرى في مراسم التشييع لم يكن وداع رجل فقط، بل محاولة أخيرة لإقناع الناس بأن الولي لا يموت، وأن السلطة التي قامت على فكرة “النيابة” قادرة على أن تخترع غياباً جديداً كلما مات صاحب الحضور القديم. لم تكن الجنازة جنازة حاكم انتهى، بل مسرحاً سياسياً لإعادة إنتاج الحاكم بعد موته: النعش، الرايات، الحشود، الشعارات، صور الأب، وظل الابن الغائب.
لكن السؤال الأخطر لم يعد عن الميت، بل عن الحي الغائب: أين مجتبى خامنئي؟ هل هو ولي فقيه حي؟ هل هو قائد فعلي؟ هل يقود الناس من الغرف المظلمة؟ هل هو عاجز ويتم استخدام اسمه؟ أم أن الحرس الثوري وجد في اسمه جسراً مناسباً للعبور من جمهورية المرشد إلى جمهورية الحرس؟
ظهور صورة مجتبى على كرتونة رخيصة، غير متقنة الصنع، محمولة في مراسم دفن والده، كان أكثر بلاغة من ألف بيان رسمي. فحين تعجز السلطة عن إظهار القائد، تستعيض عنه بالصورة. وحين تعجز عن تقديم الجسد، تقدم الرمز. وحين لا تستطيع أن تقول للناس: هذا هو الولي الجديد، تقول لهم: هذه صورته، صدقوها.
غير أن المسألة لا تخص السلطة وحدها. فإيران، في موالاتها ومعارضتها، تبدو أحياناً محكومة بمنطق واحد: قائد غائب، اسم حاضر، جسد غير مؤكد، وكلام مستمر باسمه وكأنه موجود بين الناس. في السلطة هناك مجتبى خامنئي، وفي المعارضة هناك مسعود رجوي. كلاهما، بطريقته، يكشف أن السياسة الإيرانية لم تتحرر من الغيبية، بل نقلتها من الدين إلى الحزب، ومن الولاية إلى التنظيم، ومن المرشد إلى القائد.
إيران بين غيبتين
في الفكر الشيعي الاثني عشري، تقوم فكرة الغيبة على انتظار الإمام الثاني عشر، المهدي المنتظر، بوصفه الإمام الغائب الذي لم تنقطع ولايته الروحية رغم غيابه الجسدي. هذه الفكرة، في أصلها الديني، تحمل بعداً روحياً وخلاصياً عميقاً: العدل مؤجل، لكن الأمل باقٍ؛ الإمام غائب، لكن المعنى حاضر؛ الزمن ظالم، لكن النهاية ليست له.
لكن الجمهورية الإسلامية حوّلت هذا المعنى من فضاء الانتظار الروحي إلى آلة سياسية. فولاية الفقيه، كما صاغها الخميني، لم تكتفِ بالنيابة الدينية عن الإمام الغائب، بل منحت الفقيه سلطة سياسية مطلقة على الدولة والمجتمع والجيش والاقتصاد والحرب والسلم. وهكذا انتقلت إيران من انتظار الإمام الغائب إلى طاعة الفقيه الحاضر.
اليوم، بعد مقتل خامنئي، يبدو أن النظام يدخل مرحلة أكثر غرابة: لم نعد فقط أمام إمام غائب في العقيدة، ولا فقيه حاضر في الدولة، بل أمام ولي فقيه جديد قد يكون غيابه أطول من ظهوره. كنا بانتظار المهدي المنتظر، فإذا بنا أمام نظام يريد من الناس أن ينتظروا مجتبى المنتظر.
لكن هذا المرض لا يقف عند حدود النظام. فمجاهدو خلق، الذين يقدمون أنفسهم كمعارضة للنظام الديني، أعادوا إنتاج منطق مشابه حول مسعود رجوي: قائد لا يظهر منذ عام 2003، لا يُعرف يقيناً أين هو، ولا توجد له صورة عامة حديثة موثقة، ومع ذلك يستمر الكلام باسمه وكأنه حاضر، وتستمر رمزيته داخل التنظيم وكأن الغياب ليس غياباً، بل شكل من أشكال القيادة.
وهنا تصبح إيران، سلطة ومعارضة، بلداً سياسياً يحكمه الغائبون. في الموالاة: ولي غائب باسم الشرع والحرس. وفي المعارضة: قائد غائب باسم الثورة والتنظيم. كأن الخلاف ليس على مبدأ الغيبية، بل على من يحتكرها.
ما هي مهمة ولي الفقيه؟
في النظرية الرسمية، مهمة الولي الفقيه هي صيانة الإسلام، حماية الأمة، ضمان استمرار الثورة، والإشراف على الدولة بما ينسجم مع الشرع. لكنه في التطبيق الإيراني صار شيئاً آخر: مركزاً أعلى من الدستور، أعلى من البرلمان، أعلى من الرئيس، أعلى من القضاء، أعلى من الشعب نفسه.
الولي الفقيه لا يحكم فقط؛ إنه يراقب الجميع. لا يقود الدولة فقط؛ إنه يحدد معنى الدولة. لا يوجه السياسة فقط؛ إنه يحتكر تفسير المصلحة العليا. بهذا المعنى، يصبح الولي الفقيه أباً أبدياً للنظام، لا يجوز أن يشيخ، ولا أن يخطئ، ولا أن يموت سياسياً.
لكن الدكتاتوريات تواجه دائماً مأزق الجسد. الحاكم الأبدي يحتاج إلى جسد، والجسد يمرض، يشيخ، يُقتل، يُدفن. لذلك تخترع الدكتاتوريات جسداً بديلاً: الصورة، الصوت المسجل، البيان، الختم، الوصية، الوريث، المؤسسة. وما إن يموت الحاكم حتى تبدأ الدولة في إنتاج حضوره الاصطناعي.
هذا ما تفعله إيران اليوم. خامنئي مات، لكن خامنئية السلطة لم تمت. مجتبى لا يظهر، لكن صورته تقوم مقامه. الحرس الثوري يتقدم، لكن باسم الولي. الدولة تخاف من الاعتراف بأن مركزها فارغ، فتملأ الفراغ برمز غامض، كأن الغموض نفسه صار جزءاً من الحكم.
مجتبى: ولي أم واجهة؟
تقول تقارير دولية، بينها رويترز والغارديان وفايننشال تايمز، إن مجتبى خامنئي اختير خلفاً لوالده، وإن غيابه عن مراسم التشييع أثار أسئلة كبيرة، خصوصاً أن ثلاثة من أبناء خامنئي ظهروا بينما غاب هو. بعض التقارير ربطت غيابه باعتبارات أمنية، وأخرى أشارت إلى إصابته أو وضعه الصحي، بينما بقيت الدولة الإيرانية تمارس لغتها المعتادة: الكثير من الرمز، القليل من الحقيقة.
لكن في الأنظمة المغلقة لا يكون الغياب تفصيلاً. غياب الحاكم ليس مسألة بروتوكولية، بل علامة على بنية السلطة. الحاكم الذي لا يظهر قد يكون محمياً، وقد يكون عاجزاً، وقد يكون محتجزاً داخل صورته. وفي الحالات الثلاث، لا تكون السلطة بيده كاملة. فالسياسة لا تكره شيئاً كما تكره الفراغ، وإذا غاب صاحب الموقع، ملأ الآخرون الغياب باسمه.
هنا يصبح السؤال مشروعاً: هل مجتبى خامنئي هو الولي الفقيه فعلاً، أم أنه اسم تستخدمه المؤسسة الأمنية والعسكرية لتمرير مرحلة انتقالية خطيرة؟ هل اختاره مجلس الخبراء، أم اختاره الحرس الثوري ثم طلب من الفقهاء منح القرار غطاءً شرعياً؟ هل هو قائد الدولة، أم ختمٌ ديني على قرارات عسكرية؟
الجواب لا يحتاج إلى يقين كامل كي نفهم الاتجاه. إيران بعد مقتل خامنئي ليست أمام انتقال طبيعي للسلطة، بل أمام إعادة تركيب للنظام تحت ضغط الحرب، والخوف، والفراغ، وتآكل الشرعية. ومجتبى، سواء كان حاكماً فعلياً أو واجهة، هو عنوان هذه المرحلة: مرحلة الولي غير المرئي.
مسعود رجوي: الغائب الآخر في السياسة الإيرانية
إذا كان مجتبى خامنئي هو الغائب الجديد في موالاة النظام، فإن مسعود رجوي هو الغائب القديم في معارضته. وُلد رجوي في طبس، وتختلف بعض المصادر في سنة ميلاده بين 1947 و1948، لكن المرجع الأكثر تداولاً يضع تاريخ ميلاده في 18 آب/أغسطس 1948. أي أنه في تموز/يوليو 2026 يكون في السابعة والسبعين، وعلى أبواب الثامنة والسبعين. انضم إلى منظمة مجاهدي خلق في شبابه، وبرز بعد ثورة 1979 قائداً للتنظيم، ثم أصبح رأس المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية بعد خروجه من إيران إلى فرنسا ثم العراق. وبعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003 اختفى من المشهد العام، وبقي مكانه ومصيره موضع شك.
تقول منظمة مجاهدي خلق والمجلس الوطني للمقاومة إن مسعود رجوي حي ومختفٍ لأسباب أمنية لأنه هدف أساسي للنظام الإيراني. في المقابل، قالت وسائل إعلام إيرانية، بينها وكالة تسنيم المرتبطة بالبيئة الأمنية الإيرانية، في عام 2023 إن رجوي توفي قبل سنوات نتيجة أزمة قلبية بعد مرض طويل، لكن هذا الادعاء لم يقدم دليلاً مستقلاً قاطعاً، كما أنه صادر عن طرف معادٍ له، ولذلك لا يمكن التعامل معه كحقيقة نهائية. وبين رواية التنظيم ورواية النظام تبقى الحقيقة غائبة: لا ظهور علني موثق، لا خطاب مصور حديث يمكن التحقق منه، لا حضور مباشر أمام القاعدة، ولا إعلان وفاة موثوق.
لكن الأهم من سؤال الموت والحياة هو سؤال الوظيفة السياسية للغياب. ما معنى أن يستمر تنظيم سياسي معارض في الحديث عن قائد لم يظهر علناً منذ أكثر من عقدين؟ ما معنى أن يبقى الاسم حاضراً بينما الجسد غائب؟ ما معنى أن تُدار رمزية النضال عبر رجل لا يعرف أتباعه وخصومه يقيناً هل هو حي أم ميت؟
هنا يلتقي رجوي، رغم خصومته المطلقة مع ولاية الفقيه، مع منطقها العميق: القائد لا يحتاج إلى الظهور كي يظل قائداً. يكفي الاسم. تكفي الذاكرة. تكفي البيانات المنسوبة إليه. تكفي الأسطورة. وهكذا تتحول المعارضة التي تريد إسقاط الغيبية الحاكمة إلى تنظيم يعيش هو نفسه على غيبية سياسية.
مجاهدو خلق وولاية القائد الغائب
لا يمكن مساواة مجاهدي خلق بالنظام الإيراني في مستوى السلطة والقمع والدولة، فالنظام يملك السجون والإعدامات والحرس والمال العام والدولة. لكن يمكن، من زاوية الفكر السياسي، أن نلاحظ التشابه في بنية الرمز. النظام يقول: الولي فوق المجتمع، حتى لو لم يظهر. والتنظيم يقول عملياً: القائد حاضر في الغياب، حتى لو لم نره. كلاهما يحوّل الشخص إلى معنى يتجاوز الجسد، ويجعل الأسئلة حوله نوعاً من الخيانة أو التشكيك غير المرغوب.
وهذه سمة خطيرة في التنظيمات العقائدية المغلقة: القائد لا يعود مسؤولاً سياسياً قابلاً للمحاسبة، بل يتحول إلى رمز مؤسس. وحين يصبح الرمز غائباً، يصبح أكثر صعوبة على النقد. فالقائد الحاضر يمكن أن يُسأل: أين أنت؟ ماذا فعلت؟ لماذا قررت؟ أما القائد الغائب فيصبح سؤالاً بلا جواب، والجواب الوحيد هو الإيمان التنظيمي.
هذا لا يخص رجوي وحده، بل يخص نمطاً واسعاً من السياسة العقائدية: التنظيم الذي يبدأ باسم التحرير قد ينتهي إلى عبادة الرمز. والحزب الذي يقاتل الاستبداد قد يحمل داخله بذرة استبداد رمزي. والمعارضة التي ترفض الولي الفقيه قد تنتج، في بنيتها الداخلية، ولياً تنظيمياً غائباً لا يقل غموضاً.
إيران تحكم بالغيبية: موالاة ومعارضة
لذلك يمكن القول إن إيران لا تعيش فقط أزمة نظام، بل أزمة خيال سياسي. فالخيال السياسي الإيراني، في موالاته ومعارضته، ما زال أسير القائد الغائب: الإمام الغائب في العقيدة، الولي الغائب في الدولة، القائد الغائب في التنظيم. كأن السياسة لا تستطيع أن تقف على أرض المؤسسات، فتعود دائماً إلى شخص لا يظهر.
في الموالاة، الغيبية تمنح الشرعية. فالولي لا يظهر لأنه مستهدف، لأنه فوق الناس، لأنه محفوظ، لأنه رمز. وفي المعارضة، الغيبية تمنح الاستمرارية. فالقائد لا يظهر لأنه مطارد، لأنه رمز المقاومة، لأنه أكبر من اللحظة، لأنه حاضر في الذاكرة التنظيمية.
لكن النتيجة واحدة: المواطن أو العضو لا يرى من يحكمه أو يقوده. لا يستطيع أن يسأله. لا يستطيع أن يحاسبه. لا يستطيع أن يختبر حضوره الفعلي. تتحول السياسة إلى انتظار، والانتظار إلى طاعة، والطاعة إلى بنية نفسية ترفض السؤال.
هنا تصبح إيران أسيرة غيبتين: غيبة السلطة وغيبة المعارضة. الأولى تحكم باسم الفقيه. والثانية تناضل باسم القائد. وبينهما يضيع المجتمع الذي يريد دولة مرئية، قيادة مرئية، قراراً مرئياً، ومحاسبة مرئية.
الغيبية السياسية: من العقيدة إلى التقنية
الغيبة في الدين لها منطقها الخاص. المؤمن لا يطلب من الإمام الغائب أن يوقع الميزانية أو يقود الجيش أو يدير القضاء أو يقرر سعر الخبز. أما الغيبة في السياسة فهي أمر مختلف تماماً. السياسة تتعلق بحياة الناس اليومية: الحرب والسلم، الفقر والخبز، السجن والحرية، الضرائب والوظائف، الدم والحدود. لذلك لا يجوز للسياسة أن تُدار بالغيب.
حين تُدار السياسة بالغيب، تتحول الدولة إلى جهاز يتحدث باسم شخص لا نراه. وحين يُدار التنظيم بالغيب، يتحول الحزب إلى طائفة سياسية. في الحالتين، لا يعود القرار نتاج مؤسسات واضحة، بل نتاج مركز مجهول، أو اسم كبير، أو غرفة مظلمة.
بهذا المعنى، الغيبية السياسية ليست إيماناً، بل تقنية حكم. إنها طريقة لإخفاء المسؤولية. إذا أخطأ القرار، لا تعرف من تحاسب. إذا صدر الأمر، لا تعرف من وقّعه. إذا فشل المشروع، لا تعرف هل فشل القائد أم فشل من يتحدث باسمه. الغياب يصبح ستاراً مثالياً لكل سلطة لا تريد أن تُرى كاملة.
الحرس الثوري: الدولة التي ابتلعت الولي
كنتُ قد كتبت سابقاً أن داخل إيران تياراً يقول: نريد الحفاظ على دولتنا مهما كلف الأمر. القيمة الأولى لهذا التيار ليست فلسطين، ولا لبنان، ولا غزة، ولا حزب الله، ولا الحوثيين، ولا الشعارات الكبرى، بل استمرار النظام. وإذا تعارضت الأذرع مع بقاء المركز، تُضحّى الأذرع. وإذا تعارضت العقيدة مع الدولة الأمنية، تُعاد صياغة العقيدة بما يخدم الدولة الأمنية.
هذا التيار هو الذي يفسر سلوك إيران اليوم. فبعد الضربات، وبعد مقتل خامنئي، وبعد انكشاف هشاشة القيادة، لم يعد السؤال: كيف نحافظ على الثورة؟ بل كيف نحافظ على الهيكل الذي ورث الثورة؟ لم يعد السؤال: كيف نحرر القدس؟ بل كيف نحمي طهران؟ لم يعد السؤال: كيف نقود محور المقاومة؟ بل كيف نمنع المحور من ابتلاع المركز أو استنزافه؟
الحرس الثوري هنا ليس مجرد مؤسسة عسكرية. إنه دولة داخل الدولة، بل صار في مراحل كثيرة الدولة نفسها: اقتصاد، أمن، استخبارات، صواريخ، ميليشيات، إعلام، حدود، موانئ، شبكات تهريب، وعلاقات إقليمية. وفي لحظة الفراغ، لا تحتاج هذه المؤسسة إلى قائد كاريزمي بقدر ما تحتاج إلى شرعية رمزية. مجتبى يصلح لهذا الدور: ابن المرشد، امتداد الاسم، غطاء ديني، وجه غير ظاهر يمكن التحكم به أو الحديث باسمه.
وهكذا تنقلب العلاقة: في النظرية، الحرس الثوري تحت ولاية الفقيه. أما في الواقع الجديد، فقد يصبح الولي الفقيه تحت حماية الحرس، أو تحت وصايته، أو تحت إدارته. هذه ليست ولاية الفقيه على السلاح، بل ولاية السلاح على الفقيه.
حين تصبح المعارضة مرآة للسلطة
تجربة مسعود رجوي مهمة هنا لأنها تقول إن مشكلة إيران ليست في النظام وحده، بل في البنية الأعمق للسياسة العقائدية. فمجاهدو خلق خرجوا من رحم ثوري إسلامي يساري، وواجهوا نظام ولاية الفقيه، ودفعوا أثماناً قاسية في الصراع معه، لكنهم لم يتحرروا بالكامل من منطق القيادة المطلقة والرمز المؤسس.
رجوي، منذ اختفائه عام 2003، صار حاضراً بالغياب. لا أحد يستطيع التحقق من وضعه الحقيقي. قد يكون حياً. قد يكون مريضاً. قد يكون ميتاً. قد يكون اسمه يستخدم للحفاظ على وحدة التنظيم. لكن استمرار الحديث عنه كما لو أنه موجود، من دون ظهور فعلي، يجعل التشكيك في وجوده أمراً مشروعاً. فالقائد السياسي ليس إماماً غائباً. والقائد الثوري ليس فكرة سماوية. من يريد قيادة الناس عليه أن يظهر للناس، أو أن يترك القيادة لمن يظهر ويحاسَب.
وهنا يصبح السؤال ضرورياً: كيف يمكن لمعارضة تريد إسقاط نظام يقوم على الولي الغائب أن تطلب من الناس الثقة بقائد غائب؟ كيف يمكنها أن تنتقد قداسة المرشد وهي تحتفظ بقداسة المؤسس؟ كيف يمكنها أن تعد الإيرانيين بديمقراطية حديثة بينما بنيتها الرمزية ما زالت معلقة باسم رجل لا نعرف يقيناً هل هو على قيد الحياة؟
هذه ليست إدانة سهلة، بل دعوة إلى قراءة أعمق. فالمعارضة الحقيقية للاستبداد لا تكفيها معارضة النظام. عليها أن تعارض الاستبداد داخل لغتها، داخل تنظيمها، داخل رموزها، داخل علاقتها بالقائد. وإلا فإنها قد تسقط الولي الفقيه لتقيم ولياً تنظيمياً من نوع آخر.
سردية الحاكم الأبدي
كل دكتاتورية تحتاج إلى أسطورة. ستالين لم يكن مجرد زعيم، بل “أب الشعوب”. صدام لم يكن رئيساً، بل قائد الضرورة. حافظ الأسد لم يكن حاكماً، بل “الأب القائد”. القذافي لم يكن رئيس دولة، بل “قائد الثورة”. وفي إيران، لم يكن خامنئي مجرد مرشد، بل “ولي أمر المسلمين”، وهي صيغة تتجاوز إيران نفسها وتضع الحاكم في موقع رمزي فوق الدولة وفوق السياسة.
هذه السردية لا تقبل الموت. موت الحاكم يفضح الكذبة الأولى: إذا كان أبدياً، فلماذا مات؟ وإذا كان ظل الله أو نائب الغائب أو قائد الأمة، فلماذا عجز عن حماية جسده؟ لذلك لا تعلن الدكتاتوريات الموت كما هو، بل تحوّله إلى ملحمة. الجنازة تصبح استفتاءً. النعش يصبح منصة سياسية. الدموع تصبح بيعة جديدة. والصورة الكرتونية للوريث تصبح بديلاً عن الحضور الحقيقي.
لكن المعارضة العقائدية قد تفعل شيئاً مشابهاً مع القائد المؤسس. لا تعلن نهاية دوره بوضوح. لا تفتح انتقالاً ديمقراطياً داخل التنظيم. لا تقول لأعضائها إن الزمن تغير وإن القيادة يجب أن تصبح مؤسسة لا شخصاً. بل تبقي الاسم معلقاً فوق الجميع. وهكذا يصبح القائد، في السلطة والمعارضة، أباً أبدياً لا يغادر.
في هذا المعنى، لم تكن مراسم دفن خامنئي مجرد جنازة، بل عملية ترميم كبرى لسردية الحاكم الأبدي. وكان استمرار اسم رجوي، رغم اختفائه الطويل، عملية ترميم مماثلة لسردية القائد الأبدي داخل المعارضة. الفرق في حجم السلطة، لا في بنية الرمز.
هل مجتبى حي؟ وهل رجوي حي؟
السؤال المباشر: هل مجتبى خامنئي حي؟ وهل مسعود رجوي حي؟
سياسياً، الجواب الأهم ليس طبياً. قد يكون مجتبى حياً جسدياً، لكنه غائب سياسياً. وقد يكون عاجزاً جزئياً، لكن اسمه يعمل بكامل طاقته. وقد يكون محاطاً باعتبارات أمنية حقيقية، لكن السلطة التي لا تستطيع إظهار وليها في لحظة دفن الولي السابق تعترف، من حيث لا تريد، بأن شرعيتها لا تقف على قدمين ثابتتين.
ومسعود رجوي قد يكون حياً، كما تقول منظمته، لكنه غائب عن الظهور العام منذ عام 2003. وإذا كان حياً فعلاً، فهو اليوم رجل يقارب الثامنة والسبعين من العمر، محاط بأكثر من عقدين من الصمت والغموض. وإذا كان ميتاً، فإن استمرار الكلام باسمه يعني أن التنظيم يستخدم الغياب للحفاظ على رمزية القيادة. وفي الحالتين، تبقى المشكلة واحدة: السياسة لا يجوز أن تُدار باسم شخص لا يظهر.
في الأنظمة الطبيعية، يظهر القائد الجديد ليطمئن الدولة. وفي التنظيمات الديمقراطية، تنتقل القيادة حين يغيب القائد. أما في الأنظمة والتنظيمات المغلقة، تختبئ المؤسسة خلف صورة القائد أو اسمه. ظهور مجتبى على كرتونة، واستمرار اسم رجوي في بيانات ورمزيات لا يرافقها ظهور قابل للتحقق، يقولان شيئاً واحداً: إيران لم تغادر زمن الغائبين.
لذلك لا يجب الوقوع في فخ السؤال البسيط: هل هذا ميت أم حي؟ السؤال الأعمق: من يحكم باسمه؟ من يوقّع قراراته؟ من يقرر متى يظهر ومتى يغيب؟ من يستفيد من تحويله إلى رمز لا يُمس؟ ومن يدفع ثمن هذه الغيبية؟ الجواب دائماً: المجتمع.
فلسفة الغرفة المظلمة
السلطة في إيران طالما أحبّت الغرف المغلقة. مجلس خبراء لا يعرف الناس تفاصيل نقاشاته. حرس ثوري لا تُكشف ميزانيته كاملة. أجهزة أمنية تتجاوز الحكومة. ملفات خارجية تُدار خارج وزارة الخارجية. مرشد يقف فوق المؤسسات. وحين يصبح الولي الجديد غائباً، تكتمل فلسفة الغرفة المظلمة.
لكن الغرفة المظلمة ليست حكراً على الدولة. التنظيمات العقائدية أيضاً تحب الغرف المغلقة: قيادة لا تُنتخب بشفافية كافية، قرارات لا تُناقش علناً، رموز لا تُمس، تاريخ رسمي لا يُراجع، وقائد يظل فوق السؤال حتى حين يغيب. لذلك يصبح الفرق بين السلطة والمعارضة أحياناً فرق موقع لا فرق ثقافة. هذه تحكم دولة، وتلك تحكم تنظيماً، لكن الاثنتين قد تستعملان الغموض لحماية المركز.
في الدكتاتوريات، الغرفة المظلمة ليست مكاناً فقط، بل منهج حكم. القرار لا يصدر أمام الناس، بل ينزل عليهم. الشرعية لا تُناقش، بل تُعلن. الخلاف لا يُدار، بل يُدفن. والحاكم لا يُسأل، بل يُنتظر.
لكن الحكم من الغرفة المظلمة يحمل خطراً كبيراً: إنه يقطع العلاقة بين السلطة والمجتمع، وبين التنظيم وأعضائه. الناس لا ترى من يحكمها أو يقودها. لا تعرف هل القرار ديني أم عسكري، هل يصدر من الفقيه أم من الجنرال، هل يصدر من القائد أم ممن يستخدم اسمه. ومع الوقت، يتحول الغموض من مصدر قوة إلى مصدر خوف داخل المؤسسة نفسها.
فالأنظمة والتنظيمات لا تنهار فقط حين يعرف الناس الحقيقة، بل تنهار أحياناً حين لا يعرف أحد داخلها أين توجد الحقيقة.
إيران في المتاهة
إيران اليوم في متاهة كبرى. كانت تقول للناس: اصبروا، فالمهدي سيظهر في آخر الزمان. ثم قالت لهم: أطيعوا الولي الفقيه، فهو نائب الإمام الغائب في زمن الغيبة. واليوم، بعد مقتل خامنئي، تقول لهم عملياً: انتظروا الولي الجديد، فهو موجود ولو لم يظهر، يحكم ولو لم يتكلم، يقود ولو لم يواجه الناس.
وفي الجهة الأخرى، تقول معارضة إيرانية كبرى لجمهورها: القائد موجود ولو لم يظهر، حاضر ولو لم يُرَ، مستمر ولو أن العالم لا يعرف أين هو. وهكذا لا تصبح إيران في متاهة الولي وحده، بل في متاهة القائد أيضاً.
هكذا انتقلت الجمهورية الإسلامية من غيبة الإمام إلى غيبة الولي، وانتقلت بعض المعارضة من غيبة الإمام إلى غيبة القائد. لكن الفرق شاسع بين الغيبة الدينية والغيبة السياسية. غيبة الإمام في الوجدان الشيعي كانت مرتبطة بفكرة العدالة المؤجلة. أما غيبة الولي والقائد في السياسة الإيرانية فهي مرتبطة بفكرة السلطة المؤجلة والمحتكرة. الأولى تعطي المؤمن عزاءً، أما الثانية فتعطي المؤسسات المغلقة ذريعة.
كان الإيرانيون ينتظرون المهدي، فإذا بهم ينتظرون مجتبى. وكان بعض المعارضين ينتظرون إسقاط ولاية الفقيه، فإذا بهم ينتظرون رجوي. وكانوا ينتظرون خلاصاً، فإذا بهم أمام سلطات وتنظيمات تريد إقناعهم بأن غياب القائد دليل على عظمته، لا على أزمة النظام أو التنظيم.
ما بعد خامنئي: الدولة قبل الأذرع
مقتل خامنئي كشف ما كان خفياً: النظام الإيراني لا يموت من الخارج فقط، بل يرتب بقاءه من الداخل عبر التضحية بكل ما يمكن التضحية به. إذا احتاج إلى التضحية بحزب الله يفعل. إذا احتاج إلى تقليص الاستثمار في غزة يفعل. إذا احتاج إلى إعادة ضبط الحوثيين يفعل. إذا احتاج إلى بيع خطاب “وحدة الساحات” مقابل بقاء طهران يفعل. فالدولة الأمنية لا تؤمن بالحلفاء، بل تستخدمهم.
هذا لا يعني أن إيران تخلت نهائياً عن أذرعها، بل يعني أنها ستعيد ترتيب قيمتها وفق معيار واحد: هل تخدم بقاء النظام أم تهدده؟ لم تعد الأذرع غاية ثورية، بل أدوات قابلة للتعديل والتبريد والتضحية. وفي لحظة الخطر الوجودي، لا يعود شعار “المقاومة” إلا ستاراً لرغبة أعمق: استمرار السلطة.
هنا يصبح مجتبى مفيداً للحرس الثوري. فهو لا يحتاج إلى أن يكون خميني جديداً، ولا خامنئي جديداً. يكفي أن يكون اسماً يمنع انهيار الشرعية الرمزية، بينما تتولى المؤسسة العسكرية إدارة الواقع. الولي يمنح البركة، والحرس يمسك الدولة.
من الجمهورية إلى الوراثة المقنّعة
أخطر ما في صعود مجتبى أنه يكشف تناقض الجمهورية الإسلامية في أعمق نقطة فيها. فهي قامت ضد الملكية، لكنها انتهت إلى وراثة مقنّعة. قامت ضد الشاه، لكنها أعادت إنتاج منطق السلالة. قالت إن الشرعية للفقه والثورة، ثم جعلت النسب جزءاً من المعادلة. رفضت التاج، لكنها احتفظت بفكرة البيت الحاكم.
اختيار ابن خامنئي، إن اكتمل كواقع سياسي، لا يعني فقط انتقال السلطة من شخص إلى آخر، بل يعني اعتراف النظام بأن الجمهورية صارت عاجزة عن إنتاج قائد من خارج العائلة الأمنية ـ الدينية الحاكمة. وهذا هو موت الجمهورية داخل الجمهورية.
وفي المقابل، استمرار رمزية رجوي داخل مجاهدي خلق رغم غيابه الطويل يكشف أن المعارضة أيضاً قد تقع في وراثة رمزية من نوع آخر: ليست وراثة دم بالضرورة، بل وراثة مؤسس، وراثة اسم، وراثة طاعة. وحين يصبح التنظيم عاجزاً عن إعلان نهاية زمن القائد المؤسس، فإنه يبقى أسير الماضي، حتى لو تحدث باسم المستقبل.
انتظار قادة قد لا يأتون
في النهاية، ليست المشكلة أن خامنئي قُتل. كل حاكم يموت بطريقة ما، ولو طال الزمن. المشكلة أن النظام الذي بناه لا يعرف كيف يعيش بلا ولي أبدي. الدولة التي تُبنى حول رجل تدخل في أزمة حين يسقط الرجل. والدولة التي تجعل الشرعية في جسد واحد تضطر بعد موته إلى اختراع جسد بديل، ولو كان غائباً، ولو كان على كرتونة، ولو كان مجرد اسم في بيانات الحرس.
وليست المشكلة فقط أن مسعود رجوي اختفى منذ عام 2003. المشكلة أن تنظيماً سياسياً معارضاً لا يزال يتعامل مع غيابه كما لو أنه جزء من شرعيته، لا علامة على أزمة قيادية وفكرية. المعارضة التي تريد دولة حديثة يجب أن تبدأ من ذاتها: قيادة مرئية، مؤسسات مرئية، انتقال مرئي، ومحاسبة مرئية.
إيران اليوم لا تنتظر ولياً يقودها إلى المستقبل، ولا قائداً معارضاً يعود ليحل أزمتها. إنها تنتظر أن ينجح الغياب في إخفاء الصراع على السلطة، سواء داخل النظام أو داخل التنظيم. تنتظر أن يصدق الناس أن الصمت قيادة، وأن الاختفاء حكمة، وأن الصورة حضور، وأن الاسم مؤسسة.
لكن التاريخ لا يرحم هذه السرديات طويلاً. فالدكتاتوريات تستطيع أن تخفي المرض، وتؤجل إعلان الموت، وتزوّر الحضور، وتضخم الجنازات، وتطبع الصور، وتحرك الجماهير، والتنظيمات المغلقة تستطيع أن تحفظ اسم القائد وتؤجل سؤال مصيره، لكنها لا تستطيع أن تلغي سؤالاً بسيطاً: من يحكم فعلاً؟ ومن يقود فعلاً؟ ومن يملك الشجاعة ليظهر أمام الناس؟
قُتل خامنئي ودُفن. أما مجتبى، فحتى لو كان حياً، فقد بدأ عهده كسؤال لا كجواب. ومسعود رجوي، حتى لو كان حياً، فقد تحول منذ أكثر من عقدين إلى غياب سياسي أكثر منه حضوراً قيادياً. وبين مجتبى ورجوي تظهر المأساة الأعمق: إيران، بسلطتها ومعارضتها، لم تتحرر بعد من فكرة القائد الذي لا يُرى.
لقد كانت إيران تقول إنها تنتظر المهدي. ثم صارت تنتظر ولياً قد تكون غيبته أطول من غيبة المهدي. وبعض معارضتها لا يزال ينتظر قائداً غاب حتى صار وجوده نفسه مادة شك. وفي بلد تحكمه الغيبيات من الموالاة إلى المعارضة، لا يبدأ الخلاص بسقوط شخص واحد، بل بسقوط فكرة القائد الغائب، وبولادة سياسة ترى الناس وتسمح لهم أخيراً أن يروا من يحكمهم ومن يدّعي قيادتهم.



