أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
مقدمة: من انقلاب 2007 إلى لحظة الانكشاف
منذ حزيران/يونيو 2007، دخلت القضية الفلسطينية واحدة من أخطر مراحلها الداخلية، حين سيطرت حركة حماس بالقوة على قطاع غزة، وأنهت عملياً وحدة السلطة الفلسطينية، وفتحت الباب أمام انقسام سياسي وجغرافي وأمني بين غزة والضفة الغربية. لم يكن ما جرى يومها مجرد خلاف تنظيمي بين حركتين، ولا صراعاً عابراً على إدارة قطاع محاصر، بل كان انقلاباً كاملاً على فكرة السلطة الواحدة، وعلى مبدأ القرار الوطني الفلسطيني الجامع، وعلى المشروع السياسي الذي كان يفترض أن يقود الفلسطينيين نحو دولة واحدة وتمثيل واحد ومؤسسات واحدة.
منذ ذلك التاريخ، لم يعد الفلسطينيون يواجهون إسرائيل كجسم سياسي موحد، بل كقضية ممزقة بين سلطتين: سلطة في رام الله تمتلك اعترافاً دولياً لكنها ضعيفة ومحاصرة سياسياً، وسلطة أمر واقع في غزة تمتلك السلاح لكنها عزلت القطاع وحوّلته إلى ساحة مفتوحة للحروب والحصار والدمار. وبين السلطتين، تضررت منظمة التحرير، وتراجعت شرعية النظام السياسي الفلسطيني، ووجدت إسرائيل في الانقسام هدية استراتيجية لا تقدّر بثمن.
اليوم، بعد نحو تسعة عشر عاماً من انقلاب 2007، تبدو حماس وكأنها تعود متأخرة إلى الحقيقة التي تهربت منها طويلاً: لا يمكن لفصيل مسلح أن يحكم شعباً إلى الأبد خارج الدولة، ولا يمكن لسلاح حزبي أن يصنع وطناً، ولا يمكن لسلطة أمر واقع أن تتحول إلى مشروع تحرير. لذلك فإن الحديث عن حل حكومة حماس في غزة، أو تسليم الإدارة إلى لجنة تكنوقراط فلسطينية، لا يمكن قراءته كإجراء إداري فقط، بل يجب قراءته كاعتراف سياسي متأخر بأن تجربة حكم غزة وصلت إلى نهايتها، أو على الأقل إلى لحظة سقوطها الأخلاقي والسياسي.
لكن السؤال الأكبر يبقى: هل انتهى الانقلاب فعلاً؟ أم أن حماس ستسلّم الوزارات وتحتفظ بالسلاح؟ هل نحن أمام تصحيح تاريخي لما خربته الحركة منذ 2007، أم أمام محاولة جديدة لإعادة التموضع والاحتفاظ بالقرار الحقيقي من خلف الستار؟
حل الحكومة: خطوة مهمة أم مناورة اضطرارية؟
حل حكومة حماس في غزة، إذا اكتمل فعلاً وانتقل إلى تسليم فعلي وشامل للإدارة، سيكون تطوراً مهماً في المسار الفلسطيني. فهو يعني، من حيث الشكل، أن سلطة الأمر الواقع التي نشأت بعد انقلاب 2007 لم تعد قادرة على الاستمرار كما كانت. ويعني أن حماس، التي حكمت غزة باسم المقاومة، وجدت نفسها في النهاية مضطرة إلى التخلي عن الحكم تحت ضغط الكارثة والدمار والحصار والوسطاء والغضب الشعبي والانسداد السياسي.
لكن هذه الخطوة، مهما كانت مهمة، لا تكفي وحدها. فالحكومات لا تحكم بالوزارات فقط، بل تحكم بالأمن والسلاح والقرار. وإذا خرجت حماس من الواجهة الحكومية وبقيت ممسكة بالسلاح، فإنها لا تكون قد أنهت الانقلاب، بل تكون قد نقلته من شكل مباشر إلى شكل غير مباشر. ستكون هناك إدارة تكنوقراط في الصورة، لكن السلطة الحقيقية ستبقى في يد من يملك القوة المسلحة. وهذا هو الخطر الأكبر.
لذلك لا يجب أن ينخدع الفلسطينيون والعرب والعالم بكلمة “حل الحكومة” ما لم تترافق مع سؤال حاسم: من يملك السلاح؟ من يقرر الحرب والسلم؟ من يسيطر على الأمن؟ من يفتح المعابر ويغلقها؟ من يقرر مصير غزة إذا اندلعت مواجهة جديدة؟ إذا لم تكن الإجابة هي: سلطة فلسطينية واحدة وقرار وطني واحد وسلاح شرعي واحد، فإن ما يجري ليس تصحيحاً كاملاً، بل نصف خطوة قد تتحول إلى فخ جديد.
حماس منذ 2007: حروب وكارثة مفتوحة
حين استولت حماس على غزة، قالت إنها تحمي المقاومة وتحرس الخيار الفلسطيني. لكن النتيجة بعد تسعة عشر عاماً كانت مختلفة تماماً. لم تحمل حماس للفلسطينيين دولة، ولا سيادة، ولا وحدة وطنية، ولا تحرراً من الاحتلال. ما حملته كان حروباً متكررة، وحصاراً مزمناً، ودماراً للبنية المدنية، وانقساماً عميقاً، وتراجعاً في صورة القضية الفلسطينية، وانكشافاً كاملاً لغزة أمام آلة الحرب الإسرائيلية.
منذ 2007، خاضت غزة جولات كبرى من الحرب والدمار. وفي كل مرة كان أهل القطاع يدفعون الثمن الأكبر، بينما تخرج القيادات بخطاب “الصمود” و“النصر” فوق الركام. لكن الشعوب لا تقاس انتصاراتها بعدد البيانات، بل بما تحققه من حماية وكرامة وحقوق وأفق سياسي. فأي نصر هذا الذي يترك الناس بلا بيوت؟ وأي مقاومة هذه التي تنتهي دائماً بإعادة إعمار ما دمرته الحرب السابقة استعداداً لحرب لاحقة؟ وأي مشروع تحرير هذا الذي جعل غزة محاصرة أكثر، وفلسطين منقسمة أكثر، وإسرائيل أقدر على استخدام الذرائع؟
صحيح أن إسرائيل هي المسؤولة الأولى عن الاحتلال والحصار والقتل والتدمير، ولا يجوز إعفاؤها من جرائمها. لكن تحميل إسرائيل مسؤولية العدوان لا يعني إعفاء حماس من مسؤولية القرار السياسي والعسكري الذي وضع غزة في مرمى نار مفتوحة. القيادة التي تملك قرار الحرب تتحمل مسؤولية نتائجها، خصوصاً حين لا تكون قادرة على حماية المدنيين ولا على تحويل الحرب إلى مكسب سياسي واضح.
7 أكتوبر: كذبة التحرير الكبرى
كان 7 تشرين الأول/أكتوبر أكبر كذبة سياسية بيعت للفلسطينيين تحت عنوان التحرير. فقد قُدّم ذلك اليوم بوصفه لحظة كسر تاريخية لإسرائيل، فإذا به يتحول إلى الذريعة الأوسع التي انتظرتها إسرائيل لتدمير غزة، وضرب ما بقي من السلطة الفلسطينية، وتشويه صورة القضية أمام قطاعات واسعة من الرأي العام الدولي. لم يحرر 7 أكتوبر شبراً، ولم يفتح أفقاً لدولة، ولم يحمِ شعباً، بل فتح أبواب الجحيم على غزة، ومنح إسرائيل فرصة لتعيد تعريف الفلسطيني في الإعلام الدولي لا كضحية احتلال فقط، بل كخطر أمني يجب سحقه.
هنا تكمن الجريمة السياسية الكبرى: أن تتحول المقاومة، حين تنفصل عن الحساب الوطني، من أداة لتحرير الشعب إلى ذريعة لتدميره. لم تكن إسرائيل بحاجة إلى كثير من المبررات كي تمارس عدوانها، فهي دولة احتلال واستيطان وحصار، لكنها وجدت في 7 أكتوبر فرصة ذهبية لتوسيع الحرب إلى حدود غير مسبوقة، ولتقديم نفسها أمام العالم بوصفها ضحية تبحث عن أمنها، بينما كانت تمارس تدميراً واسعاً ضد شعب محاصر.
السنوار بين وهم الضربة الاستراتيجية وتوريط غزة ولبنان
وهنا لا بد من طرح السؤال الأكثر قسوة وحساسية: هل كان ما فعله يحيى السنوار مغامرة مقاومة أم تورطاً كارثياً خدم إسرائيل عملياً؟ وهل كان يدرك أن عملية بهذا الحجم ستفتح الباب أمام حرب إبادة سياسية وعمرانية على غزة، وستمنح إسرائيل الفرصة التي كانت تنتظرها لتدمير القطاع، وستدفع حزب الله إلى فتح جبهة لبنانية مساندة تجر الجنوب ولبنان كله إلى نار لا قرار للبنانيين فيها؟ إن التشكيك هنا ليس في حق الشعب الفلسطيني بالمقاومة، بل في عقلانية القرار، وفي الجهة التي امتلكت حق إشعال حرب بهذا الحجم باسم شعب كامل، من دون أن تملك القدرة على حمايته، ومن دون أن تقدم له طريقاً واضحاً إلى الحرية أو الدولة أو النجاة.
بهذا المعنى، خدم السنوار إسرائيل أكثر مما أضرّها، حتى لو لم يكن ذلك قصده المباشر. فقد منحها ما كانت تحتاجه لتبرير حرب شاملة، ولإعادة احتلال أجزاء من غزة، ولتدمير البنية المدنية، ولضرب فكرة السلطة الواحدة، ولإحراج القضية الفلسطينية أمام الرأي العام العالمي. والأخطر أنه لم يورط غزة وحدها، بل ورّط لبنان أيضاً عبر اندفاع حزب الله إلى جبهة “الإسناد”، فتحولت مغامرة حماس إلى أزمة إقليمية يدفع ثمنها المدنيون في غزة والجنوب اللبناني معاً. أراد السنوار أن يظهر كمهندس ضربة استراتيجية، لكنه عملياً قدّم لإسرائيل هدية استراتيجية: حرباً مفتوحة بلا سقف، وغطاءً دولياً أولياً، وذريعة لتصفية حساب قديم مع غزة وحماس والبنية السياسية الفلسطينية، ونافذة لتوسيع الضغط على لبنان تحت عنوان مواجهة جبهات المحور.
إذا كان الاحتلال هو المسؤول الأول عن جرائمه، فإن القيادة التي دفعت شعبها إلى مواجهة غير محسوبة تتحمل مسؤولية سياسية وأخلاقية عن النتائج الكارثية. لا يكفي أن يقال إن إسرائيل مجرمة، فهذا صحيح وثابت، لكن السؤال الفلسطيني واللبناني الداخلي هو: من أعطاها الذريعة؟ من وضع غزة كلها في مواجهة غير متكافئة؟ من فتح باب النار على لبنان؟ من قرر باسم أكثر من مليوني إنسان في غزة، وباسم بلد لبناني منهك، أن يفتح حرباً لا يملك شروطها ولا نهايتها ولا أثمانها؟
هل تصحح حماس ما خربته؟
السؤال اليوم ليس فقط: هل حلّت حماس حكومتها؟ بل: هل تصحح حماس ما خربته منذ 2007؟ التصحيح لا يكون ببيان إداري، ولا بتسليم وزارات إلى لجنة تكنوقراط، بينما يبقى السلاح والقرار الأمني في يد التنظيم. التصحيح الحقيقي يبدأ بالاعتراف بأن حكم غزة بالسلاح كان خطأ تاريخياً، وأن الانقسام الفلسطيني كان هدية لإسرائيل، وأن 7 أكتوبر لم يكن طريقاً إلى التحرير، بل كان طريقاً إلى نكبة جديدة.
إذا أرادت حماس أن تصحح فعلاً، فعليها أن تذهب إلى النهاية: تسليم السلاح إلى مرجعية وطنية فلسطينية جامعة، إنهاء سلطة الفصيل، القبول بسلطة واحدة، والعودة إلى العمل السياسي المدني ضمن نظام فلسطيني ديمقراطي. أما إذا خرجت حماس من الحكومة وبقيت في الأمن، وإذا سلمت الإدارة واحتفظت بالبندقية، وإذا قبلت بلجنة تكنوقراط لكنها أبقت قرار الحرب والسلم بيدها، فإنها لا تصحح ما خربته، بل تعيد إنتاج الانقلاب بطريقة أخطر.
لا يمكن لغزة أن تُبنى من جديد وهي خاضعة لمنطقين: منطق الإدارة المدنية ومنطق السلاح الحزبي. ولا يمكن للمجتمع الدولي أن يمول إعادة الإعمار إذا كان احتمال الحرب قائماً في أي لحظة بقرار فصيل. ولا يمكن للسلطة الفلسطينية أن تعود إلى غزة إذا كانت ستعود كواجهة بلا قوة. لذلك فإن الاختبار الحقيقي ليس في تسليم المكاتب، بل في تسليم القرار.
هل فشل مشروع إسرائيل بإعادة احتلال غزة؟
إسرائيل أرادت بعد 7 أكتوبر أن تعيد صياغة غزة بالقوة: تدمير حماس، فرض مناطق أمنية، التحكم بالمعابر، وربما إعادة احتلال القطاع بشكل مباشر أو غير مباشر. لكنها اصطدمت بحقيقة أن غزة ليست مساحة فارغة، وأن احتلالها الكامل وإدارتها اليومية سيكلفان إسرائيل ثمناً عسكرياً وسياسياً وأخلاقياً كبيراً. تستطيع إسرائيل أن تدمر، لكنها لا تستطيع أن تنتج شرعية. تستطيع أن تقتل القادة، لكنها لا تستطيع أن تحكم شعباً محاصراً إلى الأبد من دون أن تتحمل مسؤولية الاحتلال.
لذلك يمكن القول إن مشروع إسرائيل بإعادة احتلال غزة واجه حدوداً حقيقية. لكنه لم يفشل لأن حماس انتصرت، بل لأنه مشروع غير قابل للاستقرار. فإسرائيل لا تملك حلاً سياسياً لغزة، وحماس لم تقدم بديلاً وطنياً صالحاً، والضحية بينهما هو الشعب الفلسطيني. فشل إسرائيل في تحويل غزة إلى مساحة مطيعة لا يعني نجاح حماس، بل يعني أن الفراغ الفلسطيني إذا لم يُملأ بسلطة وطنية واحدة، فسيبقى مفتوحاً أمام الاحتلال والفوضى والميليشيات والتدخلات الخارجية.
الانتصار الفلسطيني لا يكون فقط بمنع إسرائيل من إعادة الاحتلال، بل بمنعها من استخدام الانقسام ذريعة دائمة. وهذا لا يتحقق إلا بعودة غزة إلى الشرعية الفلسطينية الواحدة، لا بعودة حماس من الباب الخلفي ولا ببقاء إسرائيل في الميدان الأمني.
العودة إلى سلطة واحدة لإدارة القطاع
غزة تحتاج اليوم إلى أكثر من لجنة تكنوقراط. تحتاج إلى سلطة واحدة تربطها بالضفة الغربية، وتعيدها إلى النظام السياسي الفلسطيني، وتوحد القانون والمالية والمعابر والأمن والمؤسسات. لا يمكن أن تبقى غزة كياناً منفصلاً، ولا يمكن أن تبقى الضفة وحدها تحت عنوان السلطة، بينما القطاع محكوم بمنطق آخر. القضية الفلسطينية لا تحتمل سلطتين، ولا مشروعين، ولا قرارين، ولا سلاحين.
لكن عودة السلطة الفلسطينية إلى غزة لا يجب أن تكون عودة شكلية. فالسلطة نفسها تحتاج إلى إصلاح عميق، وتجديد شرعيتها، وإعادة بناء مؤسساتها، وفتح الباب أمام انتخابات ومحاسبة وتمثيل حقيقي. لا يكفي أن تخرج حماس من الحكم كي تعود السلطة كما كانت. المطلوب ليس تبديل إدارة بإدارة، بل إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة الشراكة والديمقراطية والقرار الوطني الواحد.
إذا عادت السلطة بلا إصلاح، ستبقى ضعيفة ومرفوضة من قطاعات واسعة. وإذا بقيت حماس بسلاحها، ستتحول السلطة إلى واجهة. لذلك لا بد من معادلة واضحة: خروج حماس من الحكم والسلاح، عودة سلطة فلسطينية موحدة، إصلاح منظمة التحرير والسلطة، وإطلاق مسار سياسي يعيد للقضية الفلسطينية صورتها كقضية شعب تحت الاحتلال، لا كقضية فصيل مسلح يقرر باسم الجميع.
حزب الله ودرس غزة: هل يتعظ لبنان أم يُساق إلى حرب جديدة؟
ولا تنفصل كارثة غزة عن مأزق لبنان. فحزب الله، الذي قرر فتح جبهة “الإسناد” تحت شعار مساندة حماس، وضع لبنان مرة أخرى في قلب حرب لا يملك اللبنانيون قرارها ولا يتحملون نتائجها بالتساوي. وكما دفعت غزة ثمن قرار حماس المنفرد، دفع جنوب لبنان وأهله ثمناً باهظاً لقرار حزب الله المنفرد: تهجير، ودمار، وتعطيل حياة، وخسائر اقتصادية، وقلق دائم من توسع الحرب.
هنا يتكرر السؤال نفسه: من أعطى فصيلاً مسلحاً حق تقرير مصير بلد كامل؟ ومن قال إن لبنان، المنهك اقتصادياً وسياسياً ومؤسساتياً، قادر على احتمال حرب جديدة باسم محور لم يحمِ غزة ولم يحرر فلسطين؟ لقد تورط حزب الله في مساندة حماس وهو يعرف أن إسرائيل تبحث دائماً عن الذرائع لتوسيع ضرباتها، وأن لبنان ليس في وضع يسمح له بالمغامرة.
إذا كانت تجربة غزة قد أثبتت أن السلاح خارج الدولة يمكن أن يتحول إلى كارثة على الناس قبل أن يكون خطراً على العدو، فإن حزب الله مطالب اليوم بأن يتعظ لا أن يكابر. فالمطلوب ليس أن يقدم لبنان نفسه قرباناً إضافياً على مذبح حسابات إقليمية، بل أن يستعيد قراره الوطني، وأن تعود الحرب والسلم إلى الدولة وحدها، وأن يُحمى الجنوب بجيش وشرعية ومؤسسات، لا بخطابات تعبئة تجر الناس إلى الخراب ثم تطلب منهم الصبر والصمود.
أخطر ما يمكن أن يفعله حزب الله اليوم هو أن يكرر منطق حماس: قرار عسكري منفرد، ثم كارثة وطنية، ثم خطاب نصر فوق الركام. لبنان لا يحتمل نسخة أخرى من غزة، ولا يحتمل حرباً جديدة تخاض باسمه من دون موافقته. وإذا كان حزب الله يريد فعلاً حماية لبنان، فعليه أن يوفر على اللبنانيين المعاناة، وأن يخرج من وهم أن السلاح الحزبي يحمي الأوطان. فالتجربة أمامنا واضحة: السلاح الذي لا يخضع لدولة لا يحمي الشعب، بل يجعل الشعب رهينة له، ويمنح إسرائيل الذريعة التي تحتاجها لتدمير الحجر والبشر.
نهاية عصر الدويلات والسلاح غير الشرعي
ما يجري في غزة، وما يعيشه لبنان، وما شهدته المنطقة خلال العقود الأخيرة، يقول شيئاً واحداً بوضوح: عصر الدويلات المسلحة يجب أن ينتهي. لم تعد الشعوب قادرة على دفع ثمن فصائل تمتلك السلاح خارج الدولة، وتقرر الحرب خارج المؤسسات، ثم تختبئ خلف الناس عندما تأتي الكارثة. السلاح غير الشرعي لم يحرر فلسطين، ولم يحمِ لبنان، ولم يبنِ دولة، ولم يصنع استقراراً. لقد صنع كيانات داخل الكيانات، وقرارات داخل القرارات، وحروباً داخل الأوطان.
الدويلة المسلحة تبدأ عادة باسم المقاومة أو حماية الطائفة أو الدفاع عن القضية، لكنها مع الوقت تتحول إلى سلطة فوق السلطة، واقتصاد فوق الاقتصاد، وأمن فوق الأمن، وقرار فوق الدولة. وعندما تصبح أقوى من القانون، لا تعود مقاومة بل تتحول إلى دولة ظل. وعندما يصبح قرار الحرب في يد فصيل، يصبح الشعب كله رهينة لذلك الفصيل. وعندما تصبح الشرعية موزعة بين الحكومة والسلاح، لا يبقى وطن بل ساحة.
لهذا فإن نهاية عصر الدويلات ليست مطلباً نظرياً، بل شرط لبقاء الدول نفسها. لا يمكن لفلسطين أن تقوم وفي داخلها سلطة مسلحة خارج القرار الوطني. ولا يمكن للبنان أن يتعافى وفي داخله جيش حزبي يقرر وحده متى تبدأ الحرب ومتى تنتهي. ولا يمكن لأي شعب أن يعيش بأمان إذا كان مصيره معلقاً بقرار تنظيم لا يخضع لصندوق اقتراع ولا لقضاء ولا لدستور ولا لمحاسبة وطنية.
السلاح الشرعي هو سلاح الدولة وحدها. والمقاومة، إذا كانت ضرورة في مواجهة الاحتلال، يجب أن تكون جزءاً من استراتيجية وطنية جامعة، لا ملكاً لفصيل، ولا أداة لمحور إقليمي، ولا وسيلة لفرض سلطة داخلية. أما السلاح الذي يفرض نفسه على الناس، ويمنع قيام الدولة، ويمنح العدو الذرائع، ويحوّل المدنيين إلى وقود دائم للحروب، فهو لم يعد سلاح مقاومة بل سلاح تعطيل وخراب.
الخلاصة: غزة لا تحتمل نصف خطوة ولبنان لا يحتمل حرباً جديدة
حل حكومة حماس، إذا اكتمل، قد يكون بداية مهمة، لكنه لا يكفي. فالانقلاب لا ينتهي بخروج الوزراء من مكاتبهم، بل بانتهاء سلطة السلاح غير الشرعي. و7 أكتوبر لا يمكن أن يبقى أسطورة تحرير بعدما تحوّل إلى نكبة جديدة. وحزب الله لا يستطيع أن يتجاهل درس غزة، لأن لبنان لا يحتمل أن يدفع الثمن نفسه تحت عنوان مختلف.
غزة تحتاج إلى سلطة فلسطينية واحدة، وسلاح واحد، وقرار واحد، وإعادة إعمار لا تتحكم بها الفصائل. ولبنان يحتاج إلى دولة واحدة، وجيش واحد، وقرار حرب وسلم واحد. أما المنطقة كلها فتحتاج إلى الخروج من زمن الدويلات المسلحة التي ترفع الشعارات الكبرى وتترك الشعوب تحت الركام.
لقد فشل مشروع حماس في حكم غزة، كما فشل مشروع إسرائيل في إنتاج حل لغزة بالقوة، وكما يفشل كل مشروع يقوم على السلاح خارج الدولة. وبين هذه الفشلات، لا يبقى أمام الفلسطينيين واللبنانيين والعرب إلا طريق الدولة: دولة القانون، دولة المؤسسات، دولة القرار الواحد، ودولة لا تسمح لأي فصيل، مهما كان شعاره، أن يختطف شعباً كاملاً ويقوده إلى الحرب ثم يسمي الخراب انتصاراً.



