أخباركم – أخبارنا/ أكرم محمود
الأيديولوجيا والبدايات: إعادة كتابة الهوية
انطلقت الثورة الإيرانية بسردية ذكية جمعت بين مظلومية التاريخ وتطلعات المستقبل، مستبدلةً دور الشيعة من “الانكفاء” إلى “المبادرة”. تبنت القضية الفلسطينية كرافعة أخلاقية ومنحتها صبغة إسلامية لتجاوز البعد القومي العربي، مما وفر لها غطاءً شرعياً للتمدد في وجدان الشعوب المقهورة.
تصدير الثورة: “الأدوات” قبل “الإنسان”
بدلاً من تقديم نموذج حضاري وتنموي، ركزت طهران على “تصدير الثورة” عسكرياً. ساهم التدخل الأمريكي في العراق (2003) في تقديم “العراق” كهدية جيوسياسية لإيران، لكن النتيجة كانت تحويل حواضر العلم والمعرفة إلى دول تعاني من الفساد الممنهج والانقسام المجتمعي، مما كشف أن المشروع يولي الأولوية للولاء السياسي على حساب الازدهار الوطني.
الصدام مع المحيط: من “فلسطين” إلى “المراقد”
تحولت البوصلة من مواجهة “الشيطان الأكبر” إلى قمع الثورات الشعبية (كما في سوريا) تحت شعار “حماية المراقد”. هذا التحول كشف عن الوجه الطائفي للمشروع، وأدى إلى شرخ مذهبي غير مسبوق، وتحولت الساحات (لبنان، اليمن) إلى منصات لتبادل الرسائل السياسية، مما استنزف مقدرات هذه الشعوب لصالح أمن النظام في طهران.
الفراغ الحضاري وسقوط سردية “المظلومية”
تكمن الهزيمة الحقيقية للمشروع ليس فقط في الضربات العسكرية أو اغتيال القيادات، بل في الفشل البنيوي:
اقتصادياً: دفع الشعب الإيراني ثمن طموحات الهيمنة فقراً وعزلة.
ثقافياً: لم يطرح المشروع “تنويراً” أو نهضة علمية تجذب الشعوب، بل قدم “ميليشيات” و”سلاحاً”.
سياسياً: العودة إلى نغمة “المظلومية” عند كل انكسار لم تعد تنطلي على الواقع الذي يرى في هذا المشروع قوة احتلال وتغيير ديموغرافي أكثر منه حركة تحرر.
خلاصة: إن انكسار هذا المشروع اليوم هو نتيجة طبيعية لتغليب “الأمن القومي الإيراني” على “المصالح المشتركة للمنطقة”، والاعتماد على السلاح كأداة وحيدة للتواصل، بدلاً من بناء نموذج حضاري ملهم.
المقارنة الجيوسياسية: “القوة الخشنة” مقابل “القوة الناعمة”
عند مقارنة المشروع الإيراني بجيرانه، نجد فارقاً جوهرياً في فلسفة البقاء:
- النموذج الإيراني: اعتمد كلياً على “تصدير السلاح والميليشيا”. هو مشروع “اختراق” للدول الضعيفة، يزدهر في الفوضى ويذبل في ظل الدولة القوية.
- النموذج المنافس (الخليجي/التركي): ركز على “تصدير التنمية والاقتصاد”. استطاع خصوم إيران الإقليميون بناء شبكة أمان عبر الاستثمارات، التكنولوجيا، والربط التجاري، مما جعلهم “شركاء” للمجتمع الدولي، بينما بقيت إيران “عبئاً” أو “تهديداً” تحت الحصار، مما أفقدها القدرة على المنافسة في معركة “الرفاهية” التي تهم الشعوب.
2. سيكولوجية “المظلومية”: من التعبئة إلى التبرير
تستخدم طهران وأذرعها “المظلومية التاريخية” كأداة سياسية مزدوجة: - في وقت الصعود: كانت المظلومية وقوداً للشعور بالحق في التوسع واستعادة “الكرامة المهدورة”.
- في وقت الانكسار (الحالي): تتحول إلى “درع عاطفي” لتبرير الهزائم أمام القواعد الشعبية. يتم تصوير الفشل الاستراتيجي أو العسكري كـ “كربلاء جديدة” أو مؤامرة كونية، للهروب من استحقاقات المحاسبة السياسية على سوء التقدير أو المغامرة بمصائر الشعوب (كما حدث في لبنان).
3. مستقبل “ما بعد الوكلاء”: انحسار خطوط الدفاع
الضربات التي تلقاها “حزب الله” والحرس الثوري ليست مجرد خسائر بشرية، بل هي تصدع في “العقيدة العسكرية” الإيرانية: - سقوط نظرية “وحدة الساحات”: تبين أن هذه الساحات لم تكن متحدة إلا في تلقي الضربات، بينما بقيت “الدولة الأم” (إيران) تحاول حماية نفسها بالدبلوماسية وتجنب المواجهة المباشرة.
- الانكشاف الاستراتيجي: بفقدان أو إضعاف الأذرع القوية (خاصة في لبنان وسوريا)، فقدت إيران “عمقها الاستراتيجي” الذي كانت تبتز به الغرب. العودة الآن للداخل الإيراني قد تعني مواجهة النظام مباشرة مع شعب يرى ملياراته تُحرق في حروب إقليمية خاسرة بينما يرزح تحت التضخم.
الخلاصة: التحول من “الهيمنة” إلى “الدفاع”
المشروع الشيعي الإيراني بنسخته الحالية يواجه “لحظة الحقيقة”. فهو لم يعد قادراً على تقديم وعود بالانتصار، وسردية المظلومية لم تعد تشبع الجياع في طهران وبيروت وبغداد. المنطقة تتجه نحو مرحلة تكون فيها “السيادة الوطنية” و”النمو الاقتصادي” هي المعايير الوحيدة للبقاء، وهو ما يفتقر إليه المشروع الإيراني تماماً.



