الثلاثاء, يوليو 14, 2026
31.9 C
Beirut

من ريشة ناجي العلي إلى صمت حنظلة: ما قيل بالأمس وما كان سيُقال اليوم!

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

لطالما جذبنا ناجي العلي، لا بوصفه رسام كاريكاتور فلسطينياً فحسب، بل بوصفه لغزاً أخلاقياً وفنياً وسياسياً ظل يرافق أجيالاً كاملة. جذبنا حنظلة، ذلك الطفل الصغير الذي لم يكبر، وبقينا نبحث عن المعاني بين خطوط الرسم القليلة، وفي الجمل القصيرة التي كان ناجي يكتبها كأنها طلقات حبر. لم تكن رسوماته تُقرأ بعين واحدة، بل كانت تحتاج إلى ذاكرة ووجع وشكّ وضمير. كان يترك لنا مساحة كي نبحث عمّا لم يقله مباشرة، وكي نسمع الصراخ المختبئ خلف الصمت، والسخرية المرة خلف الخط الأسود، وفلسطين كلها في قفا طفل حافٍ يدير ظهره للعالم.

لم يكن ناجي العلي رسام كاريكاتور عابراً في تاريخ الصحافة العربية، بل كان ضميراً مرسوماً بالحبر الأسود، وصوتاً فلسطينياً حاداً لا يساوم، وسيرة لا يمكن فصلها عن المخيم والمنفى والبندقية والخيبة والأنظمة والقيادات التي حوّلت القضية أحياناً إلى سلطة، والجرح إلى خطاب، والمقاومة إلى بازار سياسي.

في ذكرى ناجي العلي، لا نستعيد رساماً فقط، بل نستعيد ذاك الطفل الفلسطيني الصغير، حنظلة، الذي لم يكبر، لأنه خرج من عمر النكبة ولم يعد إليه. طفل يدير ظهره للعالم، يعقد يديه خلف ظهره، ويترك لنا قفاه لا وجهه، كأنه يقول إن العالم لم يعد يستحق النظر إليه ما دام يرى فلسطين ولا يفعل شيئاً. حنظلة لم يكن شخصية في رسم، بل كان حكماً أخلاقياً على زمن عربي كامل.

من الشجرة إلى عين الحلوة: ولادة الرسام من النكبة

وُلد ناجي العلي عام 1936 في قرية الشجرة قضاء طبريا في فلسطين، القرية التي صارت لاحقاً جزءاً من ذاكرة النكبة والاقتلاع. بعد نكبة 1948، هُجّرت عائلته إلى لبنان، وهناك عاش في مخيم عين الحلوة، أحد أكبر المخيمات الفلسطينية وأكثرها التصاقاً بذاكرة الفقر والمنفى والانتظار.

منذ بداياته، لم تكن تجربة ناجي العلي تجربة فنان يتأمل العالم من الخارج، بل تجربة لاجئ يرى السياسة من داخل الخيمة، ويرى الوطن من داخل بطاقة الإغاثة، ويرى العروبة من طابور الانتظار. لذلك جاءت خطوطه قاسية، عارية، قليلة الزينة، كثيرة المعنى. لم يكن يرسم ليجمل الواقع، بل ليكشف عريه.

في لبنان، عمل ناجي العلي في مهن عدة، وتنقل بين حياة المخيم والعمل اليومي القاسي، قبل أن تفتح له الصحافة باباً إلى الفضاء العربي. لكنه، حتى حين صار اسمه معروفاً، بقي ابن المخيم، لا ابن المكاتب المكيفة. بقي منحازاً إلى الفقير، إلى اللاجئ، إلى المرأة الفلسطينية التي تحمل البيت والوطن على كتفيها، وإلى الإنسان العربي المسحوق تحت احتلالين: احتلال خارجي، واستبداد داخلي.

حنظلة: الاسم المرّ والمعنى الأشد مرارة

ظهر حنظلة في تجربة ناجي العلي كاختزال عبقري لفلسطين المنفية. الاسم نفسه مشتق من الحنظل، ذلك النبات شديد المرارة، وكأن ناجي أراد أن يقول إن هذا الطفل وُلد من مرارة الواقع الفلسطيني والعربي، لا من خيال فني محايد.

حنظلة طفل في العاشرة من عمره. لم يكبر لأنه، كما أراده ناجي، بقي عند عمر الخروج من فلسطين. سيكبر فقط حين يعود إلى وطنه. لذلك تحوّل العمر هنا إلى موقف سياسي: الزمن الفلسطيني متوقف عند لحظة الطرد، وكل ما جاء بعدها ليس حياة طبيعية، بل انتظار طويل للعودة.

أما إدارته الظهر، فليست مجرد حركة تشكيلية. إنها احتجاج صامت. حنظلة لا يصفق لأحد، لا يبتسم للحاكم، لا يبارك الهزيمة، لا يبيع ذاكرته، ولا يسمح للمتفرج بأن يستهلك وجهه كصورة عاطفية. إنه شاهد لا يريد أن يتحول إلى ديكور. يظهر في الرسوم كحارس أخلاقي، كعين لا نراها لكنها ترانا، وكقاضٍ صغير يحاكم الجميع: إسرائيل، الأنظمة العربية، القيادات الفلسطينية، المثقفين، الأثرياء، والمتفرجين.

رسومات ناجي العلي: فلسطين بين الاحتلال والخيانة والطبقة

لم تكن رسومات ناجي العلي مجرد دفاع عن فلسطين ضد الاحتلال الإسرائيلي، رغم أن إسرائيل كانت حاضرة دائماً في أعماله بوصفها مشروع احتلال وقمع واقتلاع. لكنه لم يكتفِ بالعدو الواضح. كان يذهب إلى ما هو أكثر إيلاماً: العجز العربي، فساد الأنظمة، ترف القيادات، تحوّل القضية إلى شعار، وانفصال السياسي عن الفقير.

في عالم ناجي العلي، فلسطين ليست علماً يرفع في المؤتمرات، بل أمٌّ ثكلى، طفل جائع، مخيم محاصر، شهيد مجهول، لاجئ بلا سقف، وامرأة تلد المقاومة من وجعها. لذلك كانت رسومه قريبة من الناس وبعيدة عن السلطة. لم يكن يرسم فلسطين كخطاب رسمي، بل كحياة يومية ممزقة.

كان يستخدم شخصيات ثابتة ورموزاً متكررة: الفقير النحيل، الحاكم المنتفخ، المرأة الفلسطينية الصلبة، الجندي الإسرائيلي، المثقف المتخاذل، السمسار السياسي، وحنظلة الذي يقف غالباً في زاوية الرسم، صامتاً، شاهداً، غير قابل للرشوة.

خطه الأسود كان بسيطاً في الشكل، لكنه شديد الكثافة في المعنى. لم يكن يحتاج إلى شرح طويل، لأن الفكرة تصل مثل صفعة. كان يرسم الصمت العربي كجريمة، والبيانات كخديعة، والمؤتمرات كستار لعجز أكبر.

ناجي العلي واليسار الفلسطيني: حين اصطدم الضمير بالتنظيم

كان ناجي العلي قريباً من الوجدان اليساري بمعناه الاجتماعي: الانحياز إلى الفقراء، نقد الطبقات المترفة، رفض الاستغلال، والدفاع عن الإنسان المسحوق. لكنه لم يكن يسارياً حزبياً منضبطاً بمنطق التنظيم. كان أقرب إلى يسار أخلاقي شعبي، يسار المخيم لا يسار المكاتب.

من هنا جاء صدامه مع تيارات داخل منظمة التحرير الفلسطينية ومع قيادة ياسر عرفات، خصوصاً حين شعر أن الثورة الفلسطينية بدأت تتحول إلى سلطة، وأن الخطاب الثوري بدأ يدخل في حسابات التسوية والنفوذ والمال والعلاقات العربية والدولية. كان ناجي يرى أن أي قيادة تفقد صلتها بالمخيم تفقد شرعيتها الأخلاقية، وأن فلسطين لا تختصر في جهاز سياسي أو زعيم أو فصيل.

معارضته لم تكن من موقع العداء لفلسطين، بل من موقع الخوف عليها. كان يهاجم القيادة الفلسطينية لأنه يرفض أن تتحول القضية إلى ملكية سياسية. كان يرفض تحويل اللاجئ إلى رقم، والشهيد إلى شعار، والمخيم إلى خلفية للتفاوض.

لذلك لم يكن سهلاً على أحد. لم يكن سهلاً على إسرائيل لأنه فضح الاحتلال. ولم يكن سهلاً على الأنظمة لأنه فضح الاستبداد. ولم يكن سهلاً على قيادة فلسطينية لا تقبل دائماً النقد من داخل البيت الفلسطيني. كان ناجي العلي ابن القضية، لكنه لم يقبل أن يكون موظفاً عند أحد باسمها.

بيروت: المدينة التي صنعت صوته وكسرت قلبه

في لبنان، وجد ناجي العلي فضاءً واسعاً للصحافة والسياسة والمنفى الفلسطيني. بيروت كانت بالنسبة إليه مدينة الجرح والكلمة، مدينة المخيمات والصحف والمقاومة والحرب الأهلية والتناقضات الكبرى. فيها عاش الفلسطينيون بين حلم العودة وقسوة الواقع اللبناني والعربي. وفيها تبلورت رسوماته كمرآة لزمن عربي عاصف.

بيروت أعطته المنبر، لكنها أعطته أيضاً مادة الألم. رأى فيها الفدائي واللاجئ، ورأى فيها أيضاً الفساد، الاقتتال، المتاجرة بالشعارات، وتحول بعض الثورة إلى بيروقراطية سياسية. لذلك جاءت رسوماته عن لبنان وفلسطين مشتبكة: لا يمكن فصل المخيم عن المدينة، ولا اللاجئ عن الحرب، ولا البندقية عن السؤال الأخلاقي حول من يحملها ولماذا.

كان ناجي العلي يرفض تجميل الهزيمة. بعد الاجتياحات والحروب والانقسامات، ظل يرسم كمن يفتح الجرح حتى لا يتعفن تحت الضماد. لم يكن يريد أن ينسى الناس أن فلسطين ليست قضية موسمية، وأن المخيم ليس مجرد عنوان إنساني، بل دليل إدانة مفتوح ضد نظام دولي وعربي سمح بالنكبة ثم اعتاد عليها.

الكويت: شهرة عربية ومنفى جديد

انتقل ناجي العلي إلى الكويت، وهناك عمل في الصحافة وبلغت رسوماته جمهوراً عربياً واسعاً. الكويت في تلك المرحلة كانت مركزاً صحفياً مهماً، وفيها وجد ناجي مساحة انتشار كبيرة، خصوصاً عبر الصحف التي كانت تصل إلى جمهور عربي واسع.

لكن الكويت لم تكن مجرد محطة مهنية. كانت أيضاً مختبراً لعلاقة الفلسطيني بالمنفى الخليجي، حيث يعيش ويعمل ويكتب، لكنه يبقى بلا وطن. هناك تكرست شهرته، وهناك أيضاً تزايدت خصوماته. فكلما اتسعت مساحة رسوماته، اتسعت معها دائرة الغاضبين منه.

كان ناجي يكتب بالحبر ضد الجميع تقريباً: ضد الاحتلال الإسرائيلي، ضد الصمت العربي، ضد الاستبداد، ضد المال السياسي، ضد الفساد، وضد كل من يريد من الفلسطيني أن يكون تابعاً لا صاحب قضية. لذلك لم تكن شهرته حماية له، بل ربما كانت سبباً إضافياً في تضييق الخناق عليه.

لندن: الرحلة الأخيرة إلى المنفى البارد

وصل ناجي العلي إلى لندن في مرحلته الأخيرة، وعمل مع صحيفة “القبس” الكويتية. هناك، بعيداً عن المخيم الأول، وبعيداً عن بيروت التي احترقت بالحروب، بقي يرسم كأن يده لم تغادر عين الحلوة. المنفى تغيّر، لكن حنظلة بقي في مكانه: طفل فلسطيني يدير ظهره للعالم.

في 22 تموز/يوليو 1987، أُطلق النار على ناجي العلي في لندن. أصيب برصاصة دخلت تحت عينه اليمنى، وبقي في غيبوبة حتى وفاته في 29 آب/أغسطس 1987.

اغتياله لم يكن مجرد جريمة ضد شخص. كان اغتيالاً لفكرة أن يكون الفنان حراً إلى هذا الحد. حتى اليوم، بقيت الجريمة محاطة بكثير من الأسئلة والاتهامات والظلال. من قتل ناجي العلي؟ من قرر أن رساماً أعزل أخطر من رصاصة؟ من خاف من طفل صغير يدير ظهره؟

لكن السؤال الأهم ربما ليس فقط: من قتله؟ بل: لماذا كان لا بد من قتله؟ لأن ناجي العلي كان يفضح ما لا يريد الجميع رؤيته. كان يقول إن فلسطين لا تُحرر بالكذب، وإن العدو ليس دائماً خارج الحدود، وإن الثورة التي لا تقبل النقد قد تتحول إلى سلطة شبيهة بما ثارت عليه.

حنظلة بعد ناجي: الرمز الذي نجا من الرصاصة

مات ناجي العلي، لكن حنظلة لم يمت. نجا الطفل من الرصاصة، لأنه لم يكن جسداً يمكن اغتياله. صار حنظلة علامة فلسطينية وعربية وعالمية: على الجدران، في المظاهرات، في المخيمات، على القمصان، في اللوحات، وفي ذاكرة أجيال لم تعاصر ناجي لكنها تعرف قفاه أكثر مما تعرف وجوه كثير من الزعماء.

قوة حنظلة أنه لا يشرح نفسه كثيراً. يكفي أن تراه حتى تفهم: هذا طفل مطرود من وطنه، يرفض أن يكبر في المنفى، يرفض أن يصالح العالم قبل أن تعود فلسطين. إنه رمز للعودة، لكنه أيضاً رمز للمحاسبة. لا ينظر إلينا لأنه غير راضٍ عنا. لا يصفق لأننا لم نفعل ما يكفي. لا يكبر لأننا تركنا قضيته معلقة.

حنظلة هو الطفل الفلسطيني الذي لم تسمح له النكبة بأن يكون طفلاً عادياً. وهو أيضاً ضمير العربي الذي يعرف الحقيقة لكنه يهرب منها. كلما ظهر حنظلة في رسم أو على جدار، بدا كأنه يقول: أنا هنا، أما أنتم فأين أنتم؟

معاني الصمت في فن ناجي العلي

الصمت في رسوم ناجي العلي ليس فراغاً. إنه لغة. حنظلة صامت، لكنه يقول أكثر من كل الخطباء. المرأة الفلسطينية صامتة أحياناً، لكنها أقوى من الجيوش. الفقير صامت، لكنه يكشف كذب الأغنياء والحكام. حتى المساحات البيضاء في رسوماته تبدو كأنها مناطق اتهام.

كان ناجي العلي يعرف أن الكاريكاتور لا يحتاج إلى الزخرفة. الفكرة عنده كانت أهم من الجماليات التقليدية. لذلك تبدو رسومه أحياناً كأنها طعنات سريعة: خط، وجه، عبارة قصيرة، وحنظلة في الخلف. لكنه بهذا الاختزال صنع مدرسة كاملة في الفن السياسي العربي.

لقد جعل من الكاريكاتور وثيقة تاريخية. فمن يريد أن يقرأ تاريخ الهزائم العربية، والتسويات، والانقسامات، والمخيمات، والاحتلال، يستطيع أن يقرأه في رسوم ناجي العلي كما يقرأه في الكتب. الفرق أن الرسم عند ناجي لا يسمح للقارئ بالاختباء خلف الحياد.

ناجي العلي: فنان ضد التدجين

خطورة ناجي العلي أنه لم يقبل التدجين. لم يتحول إلى رسام سلطة. لم يبدل قلمه حين تبدلت العواصم. لم يخفف مرارة حنظلة كي يصبح مقبولاً في الصالونات. كان يؤمن أن الفنان، إذا صار جزءاً من الزينة السياسية، فقد وظيفته الأخلاقية.

لذلك ظل حتى النهاية مزعجاً. مزعجاً للعدو لأنه فلسطيني لا يساوم. ومزعجاً للصديق لأنه لا يجامل. ومزعجاً للسلطة لأنه يسخر منها. ومزعجاً للمثقف لأنه يسأله عن دوره. ومزعجاً للجمهور لأنه لا يعطيه راحة البكاء فقط، بل يطالبه بالفعل.

كان ناجي العلي يقول بالرسم إن فلسطين ليست مناسبة للخطابة، بل معياراً لصدق الجميع. فمن خان الفقير خان فلسطين. ومن قمع شعبه باسم المقاومة خان فلسطين. ومن تاجر باللاجئين خان فلسطين. ومن حوّل الثورة إلى امتيازات خان فلسطين.

لو كان حنظلة بيننا اليوم

بعد عقود على اغتيال ناجي العلي، لا يزال حنظلة يدير ظهره. لم يلتفت بعد. وربما في ذلك أقسى إدانة لنا جميعاً. فلو كانت فلسطين عادت، ولو كان اللاجئ عاد، ولو كان الدم الفلسطيني توقف عن أن يكون مادة للمزايدات، ولو صارت العدالة أقوى من المصالح، لربما استدار حنظلة وأرانا وجهه.

ولو كان حنظلة بيننا اليوم، لما صمت أمام حماس كما لم يصمت ناجي العلي أمام ياسر عرفات وقيادة منظمة التحرير حين رأى القضية تتحول إلى سلطة وحسابات ومصالح. كان سيعامل حماس بالقسوة نفسها، وربما أشد، لا انتقاماً منها، بل احتراماً لفقراء غزة الذين دفعوا ويدفعون الثمن الأكبر من دمهم وبيوتهم وأطفالهم ومستقبلهم.

فناجي العلي لم يكن رساماً قابلاً للشراء، ولا ضميراً يمكن تدجينه، ولا ريشة يمكن إسكاتها بشعار المقاومة أو باسم فلسطين. من لم يسكت أمام أبو عمار، ومن لم يهادن الأنظمة العربية ولا القيادات الفلسطينية، لم يكن ليسكت أمام سلطة حاكمة في غزة تستخدم القضية وتختبئ خلف دم الفقراء، ثم تتركهم وحدهم تحت الركام والحصار والجوع.

كان حنظلة سيسخر من كل من يستخدم فلسطين لمصالحه، سواء جاء ذلك باسم الثورة أو المقاومة أو الدين أو الممانعة. ولربما فاجأنا ناجي العلي برسمٍ لحنظلة يقف بظهره المعهود أمام “ولي الفقيه”، ساخراً من خطابات تحرير فلسطين التي لا ترى في فلسطين وطناً لشعبها بقدر ما تراها ورقة في بازار النفوذ الإقليمي. كان سيرسمه كما كان يرسم كل سلطة تدّعي القداسة وهي تتاجر بدم الناس، وكل خطاب يرفع القدس في اللافتات بينما يترك الفلسطيني وحيداً في الميدان.

حنظلة، لو كان بيننا، لم يكن سيمنح براءة لأحد. كان سيقف مع فقراء غزة لا مع من يحكمون باسمهم، مع الضحايا لا مع المستثمرين في دمهم، مع فلسطين لا مع من يحولونها إلى منصة لمشاريعهم. كان سيبقى كما أراده ناجي العلي: شاهداً قاسياً، صامتاً في الشكل، صارخاً في المعنى، يقول بريشته ما لا يجرؤ كثيرون على قوله بألسنتهم.

لكنه لا يزال هناك: صغيراً، حافياً، معقود اليدين، ساخطاً، ساخراً، وحارساً لذاكرة لا تريد أن تموت.

ناجي العلي لم يرسم طفلاً فقط. رسم محكمة. وحنظلة ليس ضحية فقط، بل شاهد اتهام. لذلك لم يكبر، لأن القضية لم تصل إلى رشدها. ولم يلتفت، لأن العالم لم يستحق بعد أن يرى وجه فلسطين.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

فاروق باباميري… عندما يكبر المناضل ولا يشيخ

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هناك رجال يكبرون في العمر، لكنهم لا يكبرون على...

حين يتحول اليسار إلى حارس لأيديولوجيا الدولة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة نقدية في افتتاحية جريدة «صوت الشعب» التونسية نشرت جريدة...

معركة مضيق هرمز في صحافة صباح اليوم: واشنطن توسّع ضرباتها وإيران تنقل الرد إلى القواعد الأميركية في المنطقة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة مقارنة في الصحافة الأميركية والغربية والإيرانية والعربية الصادرة...

صراع إرادات في هرمز: أميركا والعالم بوجه البلطجة الإيرانية

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح وعندنا التدخل الإيراني عبر أتباعه يستهدف عنوان : الأرض...

More like this

معركة مضيق هرمز في صحافة صباح اليوم: واشنطن توسّع ضرباتها وإيران تنقل الرد إلى القواعد الأميركية في المنطقة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة مقارنة في الصحافة الأميركية والغربية والإيرانية والعربية الصادرة...

صراع إرادات في هرمز: أميركا والعالم بوجه البلطجة الإيرانية

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح وعندنا التدخل الإيراني عبر أتباعه يستهدف عنوان : الأرض...

مضيق هرمز يشعل الإقليم: تقرير ميداني وتقدير موقف حول المواجهة الأميركية–الإيرانية واتساع الضربات إلى الدول العربية

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد نطاق التقرير يغطي هذا التقرير التطورات العسكرية والسياسية التي...