أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
من منّا لم يغنِّ “أناديكم”؟ ومن منّا لم يردد، في زمن الحلم والغضب، كلمات توفيق زيّاد كأنها نشيد للكرامة لا قصيدة فقط؟ ومن منّا، نحن الذين عرفنا معنى الانحياز إلى الفقراء والكادحين، لم يقل مفتخراً، كشيوعي يرى في الناس قضيته الأولى: “أيها الناس لكم روحي، لكم أغنيتي، ولكم دوماً أقاتل”، كما كنا نرددها تيمناً بشاعر فلسطين وواحد من قادتها الكبار؟
لم تكن كلمات توفيق زيّاد أبياتاً تُلقى في المناسبات، بل كانت هتافاً يخرج من القلب إلى الشارع، ومن القصيدة إلى المعركة. كان حين يقول:
أشدّ على أياديكم
وأبوس الأرض تحت نعالكم
وأقول أفديكم
إنما يكتب وصية المناضل الذي يرى شعبه فوق ذاته، ويرى الأرض تحت أقدام الكادحين أقدس من عروش السلاطين. وحين يقول:
ادفنوا موتاكم وانهضوا
وانفضوا عنكم غبار الحزن
واغسلوا بالدمع أعينكم
كي تروا الفجر القريب
كان يعلّمنا أن الحزن لا يكفي، وأن البكاء على الشهداء لا يصبح وفاءً إلا إذا تحوّل إلى فعل، وإلى نهوض، وإلى استمرار في الطريق.
في مثل هذه الأيام، قبل اثنين وثلاثين عاماً، رحل توفيق زيّاد؛ المناضل الكبير، ابن الناصرة والجليل، الشيوعي الفلسطيني الهوى والهوية، نصير العمال وفقراء الفلاحين وسائر الكادحين. رحل الجسد في الخامس من تموز/يوليو 1994، لكن صوته بقي عالياً في الذاكرة الفلسطينية: صوت الشاعر الذي لم يكتب من برجٍ عاجي، والسياسي الذي لم يفصل البلدية عن الشارع، والقيادي الذي جعل من الناصرة مدينة تقاوم بالحجر والكلمة والبلدية والقصيدة.
لم يكن توفيق زيّاد شاعراً فقط، ولا سياسياً فقط، بل كان واحداً من تلك الشخصيات النادرة التي لا يمكن اختصارها في صفة واحدة. كان ابن مدينة، وابن طبقة، وابن قضية. كان صوته خارجاً من الجليل، لكنه كان يصل إلى المخيمات والقرى والمدن العربية كأنه صوت فلسطيني جامع. في قصيدته، كما في خطابه السياسي، كان الفقراء هم الأصل، والكرامة هي البوصلة، وفلسطين ليست شعاراً مجرداً، بل أرضاً وناساً وعملاً ومقاومة وصموداً.
ابن الناصرة والجليل
وُلد توفيق أمين زيّاد في الناصرة في 7 أيار/مايو 1929، ونشأ في مدينة ستصبح لاحقاً أحد أهم مراكز الحياة السياسية والثقافية لفلسطينيي الداخل. لم يأتِ زيّاد إلى السياسة من خارج وجع الناس، بل خرج من بيئة تعرف معنى الفقر والعمل والتمييز والتمسك بالأرض. لذلك ظلّ، حتى عندما أصبح رئيساً لبلدية الناصرة وعضواً في الكنيست، يتحدث بلغة العامل والفلاح والطالب والأم والشارع.
درس في الناصرة، وانخرط مبكراً في العمل السياسي والنقابي والشعبي، ثم ارتبط بالحركة الشيوعية التي كانت، في سياق فلسطينيي الداخل، إحدى أهم أدوات الدفاع عن الهوية العربية الفلسطينية وعن حقوق العمال والأرض والمساواة. لم يكن انتماؤه الشيوعي انفصالاً عن فلسطينيته، بل كان بالنسبة إليه طريقاً للدفاع عن الإنسان الفلسطيني بوصفه عاملاً وفلاحاً ومواطناً مسحوقاً وصاحب أرض في الوقت نفسه.
الشيوعي الفلسطيني: السياسة من موقع الكادحين
كان توفيق زيّاد شيوعياً بمعنى الانحياز إلى الطبقات الشعبية، لا بمعنى الشعارات الجافة. كان يرى أن المسألة الوطنية لا تنفصل عن المسألة الاجتماعية، وأن الدفاع عن فلسطين لا يكتمل من دون الدفاع عن الفقراء والعمال والفلاحين والطلاب والنساء وسائر الكادحين.
في تجربته السياسية، لم تكن الهوية الفلسطينية مجرد ذاكرة حزينة، بل مشروع مقاومة يومية. كان يؤمن أن فلسطينيي الداخل، الذين بقوا في وطنهم بعد النكبة، يحملون مسؤولية خاصة: أن يصمدوا في الأرض، وأن يحافظوا على اللغة والهوية، وأن يحوّلوا وجودهم إلى فعل سياسي وثقافي لا يمكن شطبه.
دخل زيّاد العمل البلدي والبرلماني من هذا الباب. كان يرى أن البلدية ليست مؤسسة خدمات فقط، بل ساحة صراع على هوية المدينة وحقوق أهلها وكرامتهم. وكان يرى أن المنبر البرلماني، رغم محدوديته، يمكن أن يتحول إلى ساحة فضح لسياسات التمييز والقمع والاحتلال.
رئيس بلدية الناصرة: المدينة كقلعة سياسية وثقافية
انتُخب توفيق زيّاد رئيساً لبلدية الناصرة سنة 1975، وبقي في موقعه حتى رحيله عام 1994. خلال تلك السنوات، لم تكن الناصرة مجرد مدينة تُدار إدارياً، بل تحولت في عهده إلى مركز سياسي وثقافي لفلسطينيي الداخل. صارت البلدية منبراً للهوية الوطنية، وبيتاً للناس، وواجهة لصراع طويل على الاعتراف والحقوق والمساواة.
أهم ما ميز تجربته في الناصرة أنه لم يفصل بين الإدارة والنضال. لم يتعامل مع البلدية كمنصب، بل كأداة لتنظيم المجتمع وحماية المدينة وتثبيت حضورها الفلسطيني. حاول أن يجعل الناصرة مدينة مفتوحة على أهلها، وأن يربط العمل البلدي بالعمل الشعبي، وأن يحوّل الشأن المحلي إلى جزء من معركة أوسع ضد التمييز ومصادرة الأرض وضرب الهوية.
كانت الناصرة في زمنه أكثر من عنوان جغرافي. كانت عاصمة معنوية لفلسطينيي الداخل، ومكاناً تلتقي فيه الثقافة بالسياسة، والأول من أيار بيوم الأرض، وقصيدة المقاومة بخطاب البلدية، وصوت الشارع بمنصة القيادة.
يوم الأرض: حين صار الجليل عنواناً لكل فلسطين
ارتبط اسم توفيق زيّاد بقوة بيوم الأرض في 30 آذار/مارس 1976. في ذلك اليوم، انتفض فلسطينيو الداخل ضد سياسات مصادرة الأراضي، وسقط الشهداء، وتحول الحدث إلى محطة مؤسسة في الوعي الوطني الفلسطيني الحديث. لم يعد الفلسطيني داخل حدود 1948 مجرد “أقلية” في الخطاب الإسرائيلي، بل أثبت أنه جزء حي من الشعب الفلسطيني، وأن الأرض ليست عقاراً بل هوية ووجود وكرامة.
كان زيّاد من الوجوه السياسية البارزة في تلك المرحلة. لم يكن دوره رمزياً فقط، بل كان جزءاً من قيادة شعبية وسياسية واجهت محاولات مصادرة الأرض والتهميش وتفتيت المجتمع الفلسطيني. يوم الأرض لم يكن مجرد إضراب أو احتجاج، بل كان إعلاناً بأن من بقي في الجليل والمثلث والنقب والساحل لم ينسَ فلسطين، ولم يتحول إلى هامش في رواية الآخرين.
منذ ذلك التاريخ، صار يوم الأرض يوماً فلسطينياً عاماً، يعبر الحدود والجغرافيا، ويؤكد وحدة الشعب الفلسطيني في كل أماكن وجوده. وفي قلب هذه الذاكرة، بقي اسم توفيق زيّاد حاضراً بوصفه واحداً من الذين فهموا مبكراً أن الأرض هي جوهر الصراع، وأن الدفاع عنها هو دفاع عن الوجود نفسه.
الشاعر الذي كتب بلسان الناس
إذا كان السياسي في توفيق زيّاد قد ناضل في البلدية والكنيست والشارع، فإن الشاعر فيه كان يناضل في الوجدان. لم تكن قصيدته ترفاً أدبياً، بل امتداداً للمعركة. كتب شعراً مباشراً، عالياً، شعبياً، حاداً، قابلاً للإنشاد والحفظ والتداول. لذلك دخلت قصائده إلى وجدان الناس لا من باب النخبة فقط، بل من باب الساحات والمظاهرات والمدارس والمخيمات.
كان شعره جزءاً من أدب المقاومة الفلسطيني، إلى جانب أسماء كبرى مثل محمود درويش وسميح القاسم وراشد حسين وغيرهم. لكنه امتاز بنبرة خاصة: نبرة العامل الذي يرفع قبضته، والفلاح الذي يحرس أرضه، والمناضل الذي لا يكتفي بالبكاء على فلسطين بل يدعو إلى الفعل.
في قصيدته الشهيرة “أشد على أياديكم”، لا يتحدث زيّاد كشاعر يصف الصمود من بعيد، بل كواحد من الناس، يقول لهم ومعهم: نحن هنا، باقون، متجذرون، لا نغادر. وفي قصيدته “أناديكم”، يتحول النداء إلى فعل مقاومة، كأن القصيدة لا تريد أن تُقرأ فقط، بل أن تتحول إلى هتاف.
أما قصيدته “ازرعوني”، فهي واحدة من أجمل نصوصه وأكثرها كثافة في المعنى. فيها يتحول الجسد إلى بذرة، والدم إلى زهرة وشمس وسنابل، والموت إلى استمرار في الأرض والناس. يقول فيها:
ازرعوني زنبقاً أحمر في الصدرِ وفي كل المداخل
واحضنوني مرجة خضراء تبكي وتصلي وتقاتل
وخذوني زورقاً من خشب الورد وأوراق الخمائل
إنني صوت المنادي وأنا حادي القوافل
ودمي الزهرةُ والشمسُ وأمواج السنابل
وأنا بركان حبٍّ وصَبَا وهتافاتي مشاعل
أيها الناس لكم روحي، لكم أغنيتي ولكم دوماً أقاتل
فتعالوا وتعالوا بالأيادي والمعاول
نهدم الظلم ونبني غدنا حرّاً وعادل
أيّها الناس الحزانى أيّها الشعب المناضل
هذه الأعلام لن تسقط ما دُمنا نغنّي ونقاتل
في هذه القصيدة تظهر خلاصة توفيق زيّاد: الشاعر لا يريد قبراً، بل يريد أن يُزرع. لا يريد أن يتحول إلى ذكرى ساكنة، بل إلى زنبق أحمر، إلى مرجة خضراء، إلى زورق، إلى صوت منادٍ، إلى حادي قوافل. إنها قصيدة عن الخلود الشعبي، لا الخلود الفردي؛ عن الإنسان الذي يذوب في الجماعة، وعن المناضل الذي يرى أن روحه وأغنيته ليستا ملكاً له بل للناس.
أدبه: بين الشعر والأدب الشعبي
لم يكن توفيق زيّاد شاعراً فقط، بل اهتم أيضاً بالأدب الشعبي الفلسطيني، وبالتراث الحي الذي يحفظ ذاكرة الناس ولغتهم وحكمتهم. هذا الاهتمام لم يكن بعيداً عن مشروعه السياسي؛ فالتراث الشعبي بالنسبة إلى شعب مهدد بالمحو ليس فولكلوراً للزينة، بل وثيقة بقاء.
كان يعرف أن الاحتلال لا يستهدف الأرض وحدها، بل يستهدف اللغة والذاكرة والأغنية والحكاية والمثل الشعبي. لذلك كان الدفاع عن الأدب الشعبي جزءاً من الدفاع عن الوجود الفلسطيني. ومن هنا تأتي أهمية توفيق زيّاد كباحث ومثقف أيضاً، لا كشاعر خطابي فقط. لقد فهم أن الثقافة الشعبية تحفظ ما لا تستطيع الوثائق الرسمية حفظه، وأن الأغنية والمثل والحكاية قد تصمد في الذاكرة أكثر مما تصمد الخطب السياسية.
عضو الكنيست: المنبر كأداة فضح
مثّل توفيق زيّاد حزبه والجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة في الكنيست لسنوات طويلة. لم يكن دخوله البرلمان الإسرائيلي قبولاً بشروط الظلم، بل محاولة لاستخدام المنبر المتاح لفضح التمييز والدفاع عن حقوق الفلسطينيين في الداخل وعن حقوق الشعب الفلسطيني عموماً.
رفع صوته ضد مصادرة الأراضي، وضد سياسات التمييز، وضد قمع الفلسطينيين، وضد الاحتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة. وكان من السياسيين الذين لم يفصلوا بين فلسطينيي الداخل وبقية الشعب الفلسطيني، بل اعتبروا أن الجرح واحد وإن اختلفت مواقع الفلسطينيين القانونية والجغرافية.
كما عُرف بدفاعه عن الأسرى والمعتقلين، وبمواقفه الصلبة ضد التعذيب والانتهاكات داخل السجون. كان يعرف أن قضية الأسرى ليست تفصيلاً في النضال الفلسطيني، بل واحدة من أكثر القضايا تعبيراً عن طبيعة الصراع وعن كلفة الحرية.
أهم مواقفه السياسية: شيوعيته طريقاً إلى فلسطين لا بديلاً عنها
من أهم ما يميز توفيق زيّاد أنه لم يتعامل مع الشيوعية بوصفها هوية فوق فلسطين، بل بوصفها أداة للانحياز إلى الفقراء والعمال والفلاحين وسائر الكادحين، وإلى الفلسطيني الباقي في أرضه في وجه التهجير والمصادرة والتمييز. كان يرى أن النضال الوطني لا ينفصل عن النضال الاجتماعي، وأن فلسطين لا تتحرر إذا تحولت قضيتها إلى خطاب نخبوي بعيد عن الناس، أو إلى سلطة تنسى أصحاب الأرض الحقيقيين.
وقف زيّاد بصلابة ضد مصادرة الأراضي، وكان من أبرز الوجوه السياسية المرتبطة بيوم الأرض. وقف مع حق الفلسطينيين في البقاء على أرضهم، ورفض سياسات التهويد والمصادرة والاقتلاع، ودافع عن المساواة الكاملة للعرب الفلسطينيين داخل إسرائيل، لا كمِنّة من أحد، بل كحق أصيل لأصحاب الأرض.
ومن مواقفه المهمة أيضاً دفاعه المستمر عن مساواة المدن والبلدات العربية في الميزانيات والخدمات، ورفضه التعامل مع العرب الفلسطينيين داخل إسرائيل كمواطنين من درجة ثانية. عندما تولى رئاسة بلدية الناصرة، لم يتعامل مع البلدية كإدارة محلية فحسب، بل كمنبر سياسي وثقافي واجتماعي. فتح أبوابها للناس، وربطها بقضايا التعليم والسكن والعمل والهوية، وجعل من الناصرة عاصمة معنوية لفلسطينيي الداخل.
كما وقف ضد الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة، ودافع عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. لم يكن يرى فلسطينيي الداخل منفصلين عن بقية الشعب الفلسطيني، بل جزءاً من قضية واحدة وإن اختلفت ظروفهم القانونية والسياسية. لذلك كان حضوره في الكنيست صادماً للمؤسسة الإسرائيلية، لأنه كان يستخدم المنبر الرسمي لفضح التمييز ومصادرة الأرض والاحتلال والقمع، لا لتجميل صورة النظام أو التعايش معه بصمت.
وكان من مواقفه اللافتة أنه جمع بين الهوية الوطنية الفلسطينية وبين فكرة الشراكة العربية اليهودية الديمقراطية على أساس العدالة والمساواة، لا على أساس إنكار الشعب الفلسطيني أو تذويبه. كان شيوعياً أممياً، لكنه لم يكن محايداً أمام الظلم القومي الواقع على شعبه. وكان فلسطينياً صلباً، لكنه لم يحوّل الوطنية إلى كراهية عمياء، بل إلى مشروع تحرر وعدالة ومساواة.
مقولاته السياسية والشعرية: حين صارت القصيدة برنامج صمود
لم يكن توفيق زيّاد يفصل بين القول السياسي والقول الشعري. كثير من عباراته الشعرية تحولت إلى مواقف سياسية تتردد في المظاهرات والساحات، لأنها لم تكن جمالية فقط، بل كانت إعلان بقاء ومقاومة. ومن أشهر ما ارتبط باسمه معنى قوله: “هنا باقون”. لم تكن العبارة مجرد صورة شعرية، بل كانت خلاصة موقف فلسطيني داخل أراضي 1948: لن نرحل، لن نذوب، لن نُمحى، ولن نترك الأرض مهما اشتد القمع والتمييز.
وفي قصيدته “أناديكم” يقول:
أشدّ على أياديكم
وأبوس الأرض تحت نعالكم
وأقول أفديكم
هذه ليست عاطفة شعرية عابرة، بل موقف سياسي كامل. فهو لا يخاطب الزعماء، بل يخاطب الناس الذين يصمدون ويدفعون الثمن. يقبّل الأرض تحت نعالهم لأنه يرى فيهم أصل الشرعية، لا في المنصب ولا في الخطاب الرسمي.
ومن أقوى ما قاله أيضاً في معنى الصمود والمقاومة قصيدته “ازرعوني”، حيث يتحول الجسد إلى بذرة، والدم إلى سنابل، والموت إلى استمرار في الأرض:
ازرعوني زنبقاً أحمر في الصدرِ وفي كل المداخل
إنني صوت المنادي وأنا حادي القوافل
أيها الناس لكم روحي، لكم أغنيتي ولكم دوماً أقاتل
هنا تتضح فلسفة توفيق زيّاد كلها: المناضل لا ينتهي بموته، بل يُزرع في شعبه. الشاعر ليس فرداً يبحث عن خلوده الشخصي، بل صوت جماعة يريد أن يبقى في الأرض والذاكرة والعمل.
ومن عناوينه الشعرية نفسها يمكن قراءة برنامجه السياسي: “أشد على أياديكم”، “ادفنوا موتاكم وانهضوا”، “أغنيات الثورة والغضب”، “كلمات مقاتلة”. هذه العناوين ليست عناوين دواوين فقط، بل مفاتيح لفهم شخصيته: الحزن لا يكفي، الدفن لا يكفي، البكاء لا يكفي؛ المطلوب هو النهوض، والغناء، والقتال بمعناه الواسع: قتال الكلمة، والأرض، والتنظيم، والبقاء.
ما قاله عنه السياسيون والمثقفون
لم يكن تقدير توفيق زيّاد محصوراً في بيئته الحزبية أو في الناصرة وحدها. فقد كرّمته منظمة التحرير الفلسطينية، وقلّده ياسر عرفات عام 1990 “وسام القدس للثقافة والفنون والآداب”، في اعتراف واضح بمكانته الوطنية والثقافية، وبكونه واحداً من الأصوات التي أبقت فلسطين حية في الداخل، وفي الشعر، وفي الذاكرة العربية.
وكان هذا التكريم ذا دلالة سياسية كبيرة؛ فزيّاد لم يكن شاعراً من الشتات ولا قائداً من خارج فلسطين، بل كان فلسطينياً باقياً في أرضه، يقاوم من داخل شروط قاسية ومعقدة. لذلك حمل تكريمه من منظمة التحرير معنى الاعتراف بدور فلسطينيي الداخل في المشروع الوطني الفلسطيني، وبأن الصمود في الجليل والناصرة والمثلث والنقب لا يقل أهمية عن أي شكل آخر من أشكال النضال.
وقد كتب عنه عز الدين المناصرة، في سياق تقديمه لأعماله، ما معناه أن توفيق زيّاد بدأ حياته السياسية والشعرية معاً بعد النكبة، وأن جمهوره الحقيقي كان “بقية أرض وشعب”، أي أولئك الفلسطينيين الذين بقوا في وطنهم بعد 1948، وكان زيّاد يريد تعبئتهم ومساندتهم بالكلمة والموقف والتنظيم. وهذا الوصف مهم لأنه يضع زيّاد في مكانه الصحيح: ليس شاعراً منفصلاً عن الناس، بل شاعراً خرج من بقية الشعب الباقية في أرضها.
كما رأى فيه نقاد ومثقفون فلسطينيون نموذج الشاعر الذي حوّل الالتزام إلى طاقة شعبية لا إلى خطاب جامد. وكتب عنه بعضهم بوصفه “شاعر الغضب” و”شاعر يوم الأرض”، لأنه لم يكتب عن الصمود كفكرة مجردة، بل حوّله إلى لغة سهلة، قوية، قابلة للغناء والهتاف والحفظ.
أما سياسياً، فقد ظل اسمه مقترناً بالثلاثية الكبرى لفلسطينيي الداخل: الأرض، الهوية، والمساواة. لذلك لم ينظر إليه كثيرون بوصفه رئيس بلدية فقط أو عضواً في الكنيست فقط، بل كقائد شعبي جعل من المنصب أداة للنضال، ومن الشعر وقوداً للناس، ومن الناصرة مدينة تقاوم لا مدينة تُدار فقط.
علاقته بالمقاومة: مقاومة الأرض والكلمة والصمود
علاقة توفيق زيّاد بالمقاومة لا تُفهم فقط من زاوية السلاح. لقد كان ابن مدرسة ترى أن المقاومة أشكال متعددة: مقاومة الأرض، مقاومة اللغة، مقاومة البلدية، مقاومة القصيدة، مقاومة الإضراب، مقاومة التنظيم الشعبي، ومقاومة تحويل الفلسطيني إلى تابع أو صامت أو خائف.
كان قريباً من منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل الوطني الأبرز للشعب الفلسطيني في مراحل طويلة، وتلقى تقديراً من قيادتها ومن ياسر عرفات، لكنه بقي في موقعه الخاص: قيادي فلسطيني من الداخل، يتحرك ضمن شروط معقدة، ويقاتل سياسياً وثقافياً من داخل فضاء تفرضه المواطنة الإسرائيلية القسرية على أبناء الأرض الأصليين.
لم يكن زيّاد مقاتلاً بالبندقية، لكنه كان مقاتلاً بالكلمة والموقف والتنظيم. كان يؤمن بحق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال، لكنه كان يعرف أيضاً أن بقاء الفلسطيني في أرضه، وإعلاء صوته، وحماية هويته، وتنظيم طبقاته الشعبية، كلها أشكال مقاومة لا تقل خطورة في نظر الاحتلال.
لقد أدرك أن فلسطين لا تحتاج إلى بطولة فردية فقط، بل إلى صمود طويل. ولهذا صار اسمه مرتبطاً بمفهوم الصمود: أن تبقى، أن تزرع، أن تتكلم العربية، أن تدافع عن الأرض، أن تغني، أن ترفع العلم، أن تحوّل البلدية إلى خندق، وأن تجعل القصيدة سلاحاً لا يصدأ.
بين القصيدة والمنبر: وحدة الشاعر والسياسي
كثيرون يفصلون بين الشاعر والسياسي، لكن توفيق زيّاد كان دليلاً على أن الفصل ليس دائماً ممكناً. قصيدته كانت سياسية، وسياسته كانت مشبعة بالشعر. كان يخطب كمن ينشد، وينشد كمن يقود مظاهرة. لذلك أحبه الناس لا لأنه كان صاحب منصب، بل لأنه كان يشبههم ويتكلم بلغتهم.
في شعره لا نجد فلسطين معلقة في المجاز فقط، بل نجد الفلاح والعامل والأم والطفل والسجين والشارع. وفي سياسته لا نجد لغة إدارية باردة، بل نجد حرارة القصيدة ومعناها الأخلاقي. لقد صنع جسراً بين المثقف والجماهير، بين البلدية والساحة، بين الجليل والشتات، وبين اليسار الاجتماعي والهوية الوطنية الفلسطينية.
إنجازاته الأهم
من أبرز إنجازات توفيق زيّاد أنه ساهم في تثبيت حضور فلسطينيي الداخل كجزء عضوي من الشعب الفلسطيني، لا كجماعة معزولة عن قضيتها. كما جعل من الناصرة مركزاً سياسياً وثقافياً، وربط العمل البلدي بالدفاع عن الهوية والحقوق.
كان من الوجوه البارزة في معركة يوم الأرض، وساهم في ترسيخ هذا اليوم كعلامة وطنية جامعة. ودافع عن العمال والفلاحين والفقراء، ورفع قضاياهم في الشارع والبلدية والكنيست. كما ترك إرثاً شعرياً أصبح جزءاً من الذاكرة الفلسطينية، واشتغل على الأدب الشعبي باعتباره مخزناً للهوية والذاكرة.
ومن إنجازاته أيضاً أنه قدّم نموذجاً للسياسي المثقف الذي لا يتخلى عن الناس حين يصل إلى المنصب، ولا يسمح للمنصب أن يبتلع صوته. ظل قريباً من الشارع، صلباً في مواقفه، واضحاً في انحيازه، ومؤمناً بأن فلسطين لا تُختصر في خطاب سياسي، بل تُعاش في تفاصيل الحياة اليومية.
الرحيل: موت على طريق فلسطين
رحل توفيق زيّاد في 5 تموز/يوليو 1994 إثر حادث سير قرب أريحا، بعد مرحلة سياسية فلسطينية جديدة بدأت مع اتفاق أوسلو وعودة ياسر عرفات إلى فلسطين. كان رحيله صادماً لأنه جاء في لحظة انتقالية شديدة الحساسية، كأن القدر اختار أن يغيب رجل الصمود في وقت كانت فيه الأسئلة الكبرى تُفتح من جديد: ماذا بعد العودة الجزئية؟ ماذا عن فلسطينيي الداخل؟ ماذا عن الأرض؟ ماذا عن العدالة الاجتماعية؟ وماذا عن المشروع الوطني كله؟
لكن توفيق زيّاد لم يرحل فعلاً. بقي في الناصرة، في يوم الأرض، في قصائد المقاومة، في ذاكرة العمال والفلاحين، في صورة السياسي الذي لا يخجل من طبقته، وفي صوت الشاعر الذي كتب للناس لا للصالونات.
ازرعوه في الذاكرة
حين قال توفيق زيّاد “ازرعوني”، كان كأنه يكتب وصيته. لم يطلب تمثالاً ولا مديحاً عابراً، بل طلب أن يتحول إلى جزء من الأرض والناس والسنابل والمشاعل. وهذا ما حدث فعلاً. لقد زُرع في ذاكرة فلسطين، في الناصرة والجليل، في يوم الأرض، في الأغاني والقصائد، وفي كل مرة يرفع فيها الكادح الفلسطيني صوته ضد الظلم.
توفيق زيّاد لم يكن شاعراً للموت، بل شاعراً للحياة التي تقاتل. لم يكن سياسياً يبحث عن موقع، بل مناضلاً جعل الموقع خادماً للناس. لم يكن شيوعياً ينسى وطنه، ولا وطنياً ينسى الفقراء. كان الاثنين معاً: فلسطينياً حتى العظم، وشيوعياً بمعنى الانحياز لمن لا يملكون إلا أيديهم وكرامتهم وأرضهم.
في ذكراه، لا نقرأ “ازرعوني” كقصيدة رثاء، بل كنداء عمل. فالأعلام لن تسقط ما دمنا نغني ونقاتل، وما دام في فلسطين من يزرع الشعر في الأرض، ويحوّل الكلمة إلى موقف، والموقف إلى مقاومة، والمقاومة إلى حياة.



