أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
مقدمة شخصية: من صداقة والدي بقاسملو إلى محاولة توحيد حزب فؤاد سلطاني
لم يكن اهتمامي بقضية أكراد إيران طارئاً، ولا بدأ من قراءة سياسية عابرة. لقد تبنيت هذه القضية منطلقاً من الصداقة التاريخية التي كانت تجمع والدي بالدكتور عبد الرحمن قاسملو، سكرتير الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، ذلك القائد الكردي الكبير الذي حمل شعاراً عميق الدلالة: “الديمقراطية لإيران والحكم الذاتي لكردستان”. لقد دعم والدي قاسملو في نضاله حتى استشهاده، وبقيت تلك الصداقة في وجداني مدخلاً أخلاقياً وسياسياً إلى قضية شعب لم يتوقف عن النضال من أجل حقوقه القومية والديمقراطية.
اغتيل الدكتور عبد الرحمن قاسملو في فيينا في 13 تموز/يوليو 1989 أثناء لقاء تفاوضي مع ممثلين عن الجمهورية الإسلامية الإيرانية، كما تذكر أدبيات الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني ومصادر كردية ودولية تناولت الاغتيال بوصفه واحدة من أبرز جرائم الاغتيال السياسي التي طالت المعارضة الكردية الإيرانية في الخارج. وقد بقي قاسملو رمزاً لقائد كردي ديمقراطي جمع بين القضية القومية والرؤية الإيرانية العامة، وبين حق كردستان ومستقبل إيران. وهذا الإرث كان، بالنسبة إليّ، مدخلاً لفهم معنى أن تكون كردياً إيرانياً معارضاً، لا أن تعزل كردستان عن إيران، ولا أن تذيبها فيها.
من هنا بدأت علاقتي العملية بقضية أكراد إيران. عملت أولاً على اللقاء برفاق الدكتور قاسملو، ثم شهدت لاحقاً انقسام حزبه، وسعيت إلى تقريب وجهات النظر بين الفصيلين المتخاصمين. لم أتعامل مع ذلك الانقسام كخلاف تنظيمي بسيط، بل كجرح في جسد حركة كردية تحتاج إلى كل طاقاتها في مواجهة نظام إيراني مركزي وقمعي لا يفرّق، في عدائه، بين كردي يساري أو قومي أو ديمقراطي.
لاحقاً، تعرفت إلى كوملة وفصائل كردستانية إيرانية أخرى، فتوسعت معارفي وعلاقاتي، والتقيت أيضاً بقوى من المعارضة الإيرانية خارج الإطار الكردي، بينها مجاهدو خلق، وتنظيمات وشخصيات من البلوش والأهواز وغيرهم. ومع الوقت، وجدت نفسي أمام تجربة سياسية واسعة ومعقدة: معارضة كردية ذات تاريخ طويل وانقسامات مؤلمة، ومعارضة إيرانية عامة تحمل بدورها تناقضات كبيرة، وقوميات مضطهدة تبحث عن مكانها في مستقبل إيران.
لقد قررت اليوم أن ألخّص تلك التجربة الممتدة لأكثر من خمسة عشر عاماً في مجموعة من المقالات، أبدي فيها رأيي وتحليلي لظروف تلك المعارضة، ورؤيتي الشخصية لمستقبلها. لا أكتب من موقع المؤرخ المحايد البارد، ولا من موقع الحزبي المنحاز أعمى، بل من موقع من عاش هذه العلاقات، وتنقل بين مقرات الفصائل، واستمع إلى القادة، وقرأ الوثائق، وراقب التجربة من الداخل والخارج، وحاول، ما استطاع، أن يخدم قضية كردستان إيران وشعبها.
هذا ليس مقالاً منفرداً… بل بداية مشروع كتاب
ما أكتبه هنا ليس مقالاً عابراً، ولا انفعالاً سياسياً مؤقتاً، بل هو افتتاح لمشروع أوسع أريد له أن يتطور لاحقاً إلى كتاب. كتاب عن أكراد إيران، وعن المعارضة الإيرانية، وعن القوميات المضطهدة، وعن سؤال الديمقراطية، وعن الدولة التي ابتلعتها ولاية الفقيه والحرس الثوري، وعن مستقبل إيران إن أرادت أن تكون وطناً لكل شعوبها لا سجناً مركزياً لهم.
لقد وجدت، بعد سنوات طويلة من العلاقة المباشرة مع هذه القوى، أن التجربة أكبر من أن تُختصر في مقال واحد. فلكل حزب ذاكرته، ولكل فصيل جرحه، ولكل قومية حكايتها، ولكل قائد موقعه في التاريخ، ولكل انقسام أسبابه، ولكل محاولة وحدة أثمانها. لذلك اخترت أن أبدأ بسلسلة مقالات مترابطة، تمهّد لاحقاً لكتاب يجمع التجربة الشخصية، والتحليل السياسي، والخلفية التاريخية، والقراءة المستقبلية.
لن يكون هذا المشروع دفاعاً أعمى عن طرف، ولا هجوماً أعمى على طرف آخر. سأكتب بحب، ولكن أيضاً بوضوح. سأحفظ الصداقات، ولكنني لن أتنازل عن النقد. سأحترم التاريخ، ولكنني لن أترك الماضي يمنعني من قول ما أراه ضرورياً للمستقبل. فالمسألة، في النهاية، ليست مجاملة هذا الحزب أو ذاك، بل خدمة قضية أكبر: حرية إيران، وحقوق الشعب الكردي، وحقوق الأهواز والبلوش وسائر القوميات، وبناء دولة ديمقراطية تعددية لا تخاف من تنوعها.
خريطة المشروع
سيبدأ هذا المشروع بمقال تأسيسي عن تاريخ أكراد إيران واضطهادهم منذ جمهورية مهاباد، مروراً بعهد الشاه، وصولاً إلى الخميني والجمهورية الإسلامية، ثم إلى لحظة مهسا/جينا أميني التي أعادت كردستان إلى قلب السؤال الإيراني العام.
المقال الأول سيكون بعنوان: من قاسملو إلى مهسا أميني: أكراد إيران في مواجهة قرن من الإنكار. وفيه أتناول تاريخ الاضطهاد، وسقوط جمهورية مهاباد، وسياسات الشاه، ثم خيبة الكرد بعد ثورة 1979، والحرب التي شنّها النظام الجديد عليهم، وصولاً إلى انتفاضة “المرأة، الحياة، الحرية”.
المقال الثاني سيكون بعنوان: كوملة بعد فؤاد سلطاني: حزب عريق بين الماركسية والديمقراطية ووحدة لم تكتمل. وفيه أتناول تاريخ كوملة، رمز فؤاد سلطاني، الانقسامات بين عبد الله مهتدي وإبراهيم علي زادة وكادحي كردستان، وتجربتي الشخصية في محاولة تقريب وجهات النظر وإعادة توحيد الحزب.
المقال الثالث سيكون بعنوان: الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني: تاريخ من النضال. وفيه أعود إلى إرث عبد الرحمن قاسملو، وصادق شرفكندي، وتاريخ الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، وانقساماته، ودوره في حمل شعار الديمقراطية لإيران وحقوق كردستان.
المقال الرابع سيكون بعنوان: الأهواز: القضية المنسية بين النفط والهوية والقمع. وفيه أتناول قضية الشعب العربي الأهوازي، وتاريخ التهميش، ومصادرة الهوية، وسياسات المركز، وموقع الأهواز في سؤال القوميات داخل إيران.
المقال الخامس سيكون بعنوان: البلوش: حدود الفقر والدم والمقاومة. وفيه أتناول تاريخ البلوش في إيران، التهميش الاقتصادي، القمع الأمني، موقع سيستان وبلوشستان، ودورها في الانتفاضات الإيرانية الحديثة.
المقال السادس سيكون بعنوان: مجاهدو خلق: من الثورة إلى المنفى وسؤال البديل. وفيه أتناول تجربة منظمة مجاهدي خلق، صراعها الطويل مع نظام ولاية الفقيه، قوتها التنظيمية، إشكالياتها، وحدود مشروعها السياسي.
المقال السابع سيكون بعنوان: ولاية الفقيه وجمهورية الحرس: كيف ابتلع النظام الدولة؟. وفيه أتناول بنية النظام الإيراني، تحوّل الثورة إلى سلطة دينية أمنية، وصعود الحرس الثوري كدولة داخل الدولة، ثم كقوة فوق الدولة والمجتمع والاقتصاد والسياسة.
المقال الثامن سيكون بعنوان: الديمقراطية لإيران وسؤال القوميات. وفيه أبحث في معنى الديمقراطية إذا لم تعترف بحقوق الكرد والعرب والبلوش والتركمان والآذريين وسائر المكونات، وفي العلاقة بين الفدرالية ووحدة الدولة، وبين الاعتراف بالتعدد ومنع التفكك.
المقال التاسع سيكون بعنوان: مستقبل الكرد في إيران ومستقبل إيران وقومياتها. وفيه أحاول تقديم رؤية سياسية للمستقبل: هل يمكن بناء إيران ديمقراطية تعددية؟ ما موقع الكرد في هذا المستقبل؟ وما موقع باقي القوميات؟ وهل تستطيع المعارضة الإيرانية أن تتجاوز مركزيتها القديمة وتبني عقداً وطنياً جديداً؟
لماذا هذا المشروع الآن؟
أكتب الآن لأن إيران تقف أمام لحظة تاريخية مفتوحة. النظام لم يعد قادراً على إقناع شعبه، لكنه ما زال قادراً على القمع. المعارضة لم تعد ضعيفة كما كانت، لكنها لم تنجح بعد في بناء بديل موحد. القوميات المضطهدة لم تعد تقبل أن تكون هامشاً، لكنها لم تصل بعد إلى صيغة مشتركة توازن بين حقوقها القومية ومستقبل الدولة الإيرانية.
في هذه اللحظة، يصبح الكلام عن أكراد إيران، والأهواز، والبلوش، ومجاهدي خلق، والحزب الديمقراطي الكردستاني، وكوملة، وولاية الفقيه، والحرس الثوري، ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة سياسية. فلا يمكن فهم إيران من طهران وحدها. إيران لا تُقرأ فقط من مراكز السلطة، بل من مهاباد وسنندج وسقز ومريوان، ومن الأهواز، ومن زاهدان، ومن كل مكان شعر أهله أن الدولة لا تراهم إلا كخطر أمني.
بين الذاكرة والمستقبل
هذا المشروع ليس بحثاً عن الماضي من أجل الماضي. الذاكرة هنا ليست أرشيفاً، بل طريق لفهم المستقبل. من لا يفهم جمهورية مهاباد لن يفهم غضب كردستان اليوم. ومن لا يفهم اغتيال قاسملو وشرفكندي لن يفهم خوف الكرد من وعود طهران. ومن لا يفهم كوملة وفؤاد سلطاني وعبد الله مهتدي وإبراهيم علي زادة وعمر خانزادة ورضا كعبي لن يفهم كيف يتصارع التاريخ والفكر والطموح داخل حزب واحد. ومن لا يفهم الأهواز والبلوش لن يفهم أن أزمة إيران ليست فقط أزمة حكم ديني، بل أزمة دولة مركزية أنكرت تعددها طويلاً.
أكتب لأنني أؤمن أن الديمقراطية في إيران لن تكون حقيقية إذا بقيت فارسية المركز، شكلية الاعتراف، خائفة من الفدرالية، أو مترددة أمام حقوق القوميات. وأؤمن أيضاً أن القوميات المضطهدة تحتاج إلى مشروع ديمقراطي جامع، لا إلى عزلة متقابلة، ولا إلى صراعات صغيرة تُفرح المركز وتُضعف الهامش.
خاتمة افتتاحية
هذه السلسلة هي محاولة لقول ما عشته وفهمته خلال أكثر من خمسة عشر عاماً. قد أُصيب في بعض التحليل وقد أخطئ، لكنني أكتب من موقع المحبة والالتزام، لا من موقع العداء. أكتب لأنني كنت وما زلت وسأبقى صديقاً لأكراد إيران، وأعتبر نفسي واحداً منهم. وأكتب لأن حلمي أن أرى الديمقراطية تعم إيران، وأن ينال الشعب الكردي حقوقه القومية والديمقراطية، وأن ينال الأهوازيون والبلوش وسائر القوميات مكانهم العادل في دولة لا تقوم على الإنكار.
ربما يكون الطريق طويلاً، وربما تكون الخلافات أكبر مما نتمنى، لكن البداية يجب أن تكون من الاعتراف: الاعتراف بالتاريخ، بالجرح، بالحقوق، بالأخطاء، وبالحاجة إلى مستقبل جديد.
من قاسملو إلى فؤاد سلطاني، ومن مهاباد إلى مهسا أميني، ومن كردستان إلى الأهواز وبلوشستان، ومن نقد المعارضة إلى نقد النظام، أبدأ هذه السلسلة على أمل أن تتحول يوماً إلى كتاب يساهم، ولو بقدر بسيط، في فتح نقاش أوسع حول إيران التي نريدها: إيران حرة، ديمقراطية، تعددية، عادلة، لا تخاف من شعوبها ولا من لغاتهم ولا من ذاكرتهم.



