أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
في تعقيبه على مقالتي: «الحزب الشيوعي السوداني: مأساة الحزب الذي صنع الوعي ولم يستطع صناعة الدولة!»، لفتني الدكتور سناء أبو شقرا إلى نقطتين بالغتي الأهمية، لا يجوز التعامل معهما كملاحظة عابرة أو إضافة هامشية، بل كمدخل فكري يعيد فتح السؤال العميق حول تجربة الحزب الشيوعي السوداني، وحول مأزق اليسار العربي عموماً في علاقته بالسلطة والدولة والجيش والتوازنات الخارجية.
قال الدكتور سناء، في جوهر ملاحظته، إن المقال صحيح وجميل في أساسه ومعظمه، لكنه يحتاج إلى التوقف عند نقطتين: الأولى هي مسألة التغيير بالانقلاب، وخصوصاً تجربة هاشم العطا، وما يرتبط بها جزئياً من لينينية عبد الخالق محجوب المبدعة. أما الثانية فهي دور التوازنات الخارجية في العالم العربي، وما تفرضه من حدود قاسية على الأحزاب والحركات التي تحاول صناعة تغيير داخلي مستقل.
هذه الملاحظة تفتح باباً ضرورياً لفهم مأساة الحزب الشيوعي السوداني: فهو لم يكن حزباً صغيراً هامشياً يعيش على أطراف التاريخ، بل كان أحد أكثر الأحزاب الشيوعية العربية عمقاً في المجتمع، وأغناها إنتاجاً فكرياً، وأقربها إلى الحركة النقابية والطلابية والثقافية. لقد ساهم الحزب في صناعة الوعي، وفي تكوين لغة سياسية حديثة داخل السودان، وفي ربط قضية التحرر الوطني بالعدالة الاجتماعية وبحقوق العمال والنساء والمثقفين والفئات المهمشة. لكنه، كما حاولت أن أقول في المقال الأصلي، لم يستطع أن يصنع الدولة، لأن صناعة الدولة تحتاج إلى ما هو أبعد من الوعي، وأصعب من التنظيم، وأعقد من الشجاعة الثورية.
هنا تظهر النقطة الأولى: سؤال الانقلاب كأداة للتغيير. إن تجربة هاشم العطا في تموز/ يوليو 1971 لا يمكن قراءتها فقط كحدث عسكري فاشل، بل يجب قراءتها كعلامة فكرية وسياسية على المأزق الذي وقع فيه جزء من اليسار العربي: كيف يمكن لحزب يؤمن بالجماهير أن يجد نفسه، ولو جزئياً أو اضطرارياً أو تكتيكياً، قريباً من منطق الانقلاب؟ وكيف يمكن لفكرة التحرر الشعبي أن تمر عبر دبابة أو بيان عسكري أو مجموعة ضباط، حتى لو كانوا قريبين من الحركة التقدمية؟
ليست المسألة هنا في إدانة أخلاقية سهلة، ولا في محاكمة الماضي بمنطق الحاضر، بل في فهم التوتر العميق بين الديمقراطية والثورة، بين الحزب والجماهير، بين الشارع والثكنة، بين التغيير من تحت والتغيير من فوق. فالانقلاب، حتى عندما يرفع شعارات تقدمية، يبقى في جوهره أداة فوقية. إنه يختصر المجتمع في لحظة عسكرية، ويستبدل تراكم الوعي الشعبي بحسم سريع داخل جهاز الدولة. ولهذا كان سؤال هاشم العطا أكبر من شخصه وتجربته: إنه سؤال اليسار حين يضيق صدره بزمن الجماهير الطويل، فيبحث عن طريق قصير إلى السلطة، ثم يكتشف أن الطريق القصير قد يكون أكثر الطرق كلفة ودموية.
وتحتاج تجربة هاشم العطا إلى تلخيص فكري لا يكتفي بسرد أيامها الثلاثة، بل يقرأ رمزيتها السياسية. ففي 19 تموز/ يوليو 1971 قاد الرائد هاشم العطا حركة عسكرية أطاحت مؤقتاً بجعفر النميري، وبدت في لحظتها الأولى كأنها “تصحيح” لمسار سلطة مايو التي بدأت تبتعد عن حلفائها اليساريين وتضيق على الحزب الشيوعي السوداني. غير أن الحركة لم تصمد إلا أياماً قليلة، إذ عاد النميري إلى الحكم في 22 تموز/ يوليو، لتتحول تلك المحاولة إلى كارثة تاريخية دفع ثمنها الحزب الشيوعي السوداني وقياداته، وفي مقدمتهم عبد الخالق محجوب والشفيع أحمد الشيخ وجوزيف قرنق. أهمية هذه التجربة لا تكمن فقط في فشلها العسكري، بل في أنها كشفت التناقض بين حزب صنع قوته الأصلية داخل النقابات والطلاب والمثقفين والعمال وبين لحظة انجذب فيها جزء من المجال اليساري إلى وهم الحسم العسكري السريع. فهاشم العطا لم يكن مجرد ضابط قام بانقلاب، بل كان عنواناً لمأزق أوسع: مأزق اليسار حين يختصر الثورة في الاستيلاء على جهاز الدولة، بينما الثورة في جوهرها لا تكون ثورة إلا إذا صارت حركة مجتمع لا حركة ثكنة.
غير أن خصوصية الحزب الشيوعي السوداني تكمن في أن هذا السؤال لا ينفصل عن شخصية عبد الخالق محجوب، أحد ألمع العقول الماركسية العربية. لم يكن عبد الخالق مجرد قائد حزبي تقليدي، بل كان مفكراً سياسياً حاول أن يترجم الماركسية إلى واقع سوداني شديد التعقيد، فيه الطرق الصوفية، والقبائل، والنقابات، والطلاب، والجيش، والمدينة والريف، والتعدد القومي والثقافي. لذلك يمكن فهم ما أشار إليه الدكتور سناء أبو شقرا حين تحدث عن “لينينية عبد الخالق المبدعة”. لقد حاول عبد الخالق أن يأخذ من اللينينية فكرة الحزب المنظم، لا بوصفه بديلاً عن الشعب، بل بوصفه أداة لرفع وعيه وتنظيم قوته. وحاول أن يجعل الحزب جزءاً من المجتمع لا سلطة فوقه، وأن يربط النظرية بالممارسة، لا أن يحولها إلى عقيدة جامدة.
هنا تتضح أكثر “لينينية عبد الخالق محجوب المبدعة”. لم تكن لينينيته نسخة مدرسية جامدة من التجربة الروسية، بل محاولة لتبيئة الماركسية في السودان، أي جعلها مفهومة داخل مجتمع له تركيبته الدينية والثقافية والطبقية والريفية والمدينية. ففي وثيقته الشهيرة «إصلاح الخطأ في العمل بين الجماهير» كتب عبد الخالق فكرة بالغة الدلالة: إن جماهير السودان تسمع عن الفكرة الشيوعية، لكنها لا تحكم عليها من خلال الشيوعيين السوفيات أو الإندونيسيين، بل من خلال من تعرفهم من الشيوعيين السودانيين. هذه العبارة تختصر جوهر لينينيته المحلية: الحزب ليس شعاراً أممياً معلقاً في الهواء، بل سلوك يومي بين الناس؛ وليس الطليعة من تنوب عن الجماهير، بل من تتعلم منها وتخاطبها بلغتها وتربط النظرية بحاجاتها الواقعية.
وفي هذا يلتقي عبد الخالق مع لينين في فكرته عن الحزب المنظم والطليعي، لكنه يختلف عن القراءات الجامدة للينينية التي حوّلت الطليعة إلى وصاية. فلينين، في «ما العمل؟»، رأى أن الوعي الاشتراكي لا ينشأ تلقائياً من النضال الاقتصادي وحده، وأن الحزب مطالب بأن يرفع وعي الطبقة العاملة سياسياً. لكنه في «الدولة والثورة» ربط جوهر الثورة بتوسيع الديمقراطية للأغلبية الكادحة، لا باستبدال حركة الجماهير بجهاز مغلق، إذ كتب أن الانتقال الثوري يعني الديمقراطية للغالبية العظمى من الشعب لا ديمقراطية الأقلية المالكة. لذلك فإن مأزق 1971 يكمن في هذه المسافة بين لينينية حية عند عبد الخالق، تقوم على إصلاح علاقة الحزب بالجماهير، ولينينية مختزلة في الحسم الانقلابي. الأولى تريد حزباً يقود لأنه أكثر التصاقاً بالناس، والثانية تتوهم أن الحزب يقود لأنه أقرب إلى مركز السلطة. من هنا يمكن القول إن عبد الخالق كان لينينياً حين فهم ضرورة التنظيم والوعي والطليعة، لكنه كان سودانياً خلاقاً حين أدرك أن الشيوعية لا تنتصر في السودان إلا إذا لبست لغة الناس وأخلاقهم ومطالبهم، لا إذا جاءت إليهم كتعليمات عسكرية أو كترجمة حرفية لتجربة بلد آخر.
لكن الإبداع النظري لا يعفي التجربة من مأزقها السياسي. فاللينينية، في أصلها التاريخي، نشأت في ظرف انهيار إمبراطورية، وحرب، ودولة استبدادية، وفراغ سياسي هائل. أما نقلها إلى العالم العربي، فقد فتح أسئلة خطيرة: هل يصبح الحزب الطليعي ممثلاً للطبقة أم وصياً عليها؟ هل يكون التنظيم وسيلة لتحرير المجتمع أم بديلاً عن حركته؟ وهل يجوز، باسم المرحلة الثورية، القفز فوق الديمقراطية بحجة أن القوى الرجعية قد تستخدم الديمقراطية نفسها لإجهاض الثورة؟
في السودان، كان هذا السؤال أكثر حدة، لأن الدولة نفسها لم تكن مستقرة، والديمقراطية كانت هشة، والجيش كان حاضراً كفاعل سياسي دائم. لذلك لم يكن الحزب الشيوعي السوداني يتحرك في فضاء طبيعي يسمح بتراكم ديمقراطي هادئ. كان يعمل داخل بلد تتنازعه الطائفية السياسية، والمؤسسة العسكرية، والتدخلات الخارجية، والانقسامات الاجتماعية، وصعوبة بناء مركز وطني جامع. ومن هنا يصبح خطأ الرهان على الانقلاب مفهوماً تاريخياً، لكنه يبقى خطأً فكرياً وسياسياً، لأن الحزب الذي يصنع الوعي لا يستطيع أن يصنع الدولة إذا قبل بأن تكون بوابة الدولة عسكرية لا شعبية.
أما النقطة الثانية التي أثارها الدكتور سناء أبو شقرا، فهي دور التوازنات الخارجية، وخصوصاً في العالم العربي. وهذه نقطة جوهرية، لأن قراءة مأساة الحزب الشيوعي السوداني من الداخل فقط تجعل التحليل ناقصاً. فالسودان لم يكن جزيرة سياسية معزولة، والحزب الشيوعي لم يكن يتحرك في فراغ. كانت المنطقة كلها تعيش تحت ضغط الحرب الباردة، وصعود الناصرية، وتنافس المعسكرين، وحساسية الأنظمة العربية من الشيوعية، وخوف القوى الغربية والإقليمية من أي يسار جماهيري قادر على الجمع بين الاستقلال الوطني والتنظيم الشعبي.
في العالم العربي، لم تكن التوازنات الخارجية مجرد خلفية بعيدة، بل كانت جزءاً من بنية السلطة نفسها. الأنظمة العسكرية كانت تتحدث باسم التحرر الوطني، لكنها تخاف من الأحزاب المستقلة. والأنظمة المحافظة كانت تخاف من الشيوعية بوصفها خطراً على بنيتها الاجتماعية والاقتصادية. والقوى الدولية كانت تنظر إلى المنطقة من زاوية النفط، والممرات، والموقع الاستراتيجي، والصراع مع الاتحاد السوفياتي. وفي هذا المناخ، يصبح أي حزب شيوعي قوي هدفاً مزدوجاً: تخشاه الرجعية لأنه يهدد مصالحها، وتخشاه الأنظمة العسكرية لأنه ينافسها على خطاب التقدم، وتراقبه القوى الدولية لأنه قد يغير موقع البلد في خريطة النفوذ.
لذلك لم تكن مأساة الحزب الشيوعي السوداني بعد 1971 نتيجة خطأ داخلي فقط، ولا مجرد نتيجة صراع مع جعفر النميري، بل كانت أيضاً انعكاساً لميزان قوى إقليمي ودولي لم يكن يسمح بسهولة بصعود يسار عربي مستقل، جماهيري، ديمقراطي، ومؤثر في بلد بحجم السودان وموقعه. هنا نرى كيف تتقاطع العوامل الداخلية والخارجية: خطأ التكتيك الداخلي يفتح الباب للضربة، لكن التوازنات الخارجية تجعل الضربة أوسع وأقسى وأكثر حسماً.
وهذه هي مأساة اليسار العربي في أكثر من تجربة: أنه كان أحياناً يرى الداخل بوضوح، لكنه لا يملك القوة الكافية لمواجهة الخارج؛ أو يفهم الخارج جيداً، لكنه يخطئ في أدوات التغيير الداخلي. بين هذين الحدين سقطت تجارب كثيرة: أحزاب امتلكت الثقافة ولم تمتلك الدولة، وامتلكت الشهداء ولم تمتلك السلطة، وامتلكت الجماهير في لحظات معينة لكنها لم تستطع تحويل اللحظة الجماهيرية إلى مؤسسات دائمة.
إن ملاحظة الدكتور سناء أبو شقرا تجعلنا نعيد قراءة عنوان المقال الأصلي نفسه: «الحزب الشيوعي السوداني: مأساة الحزب الذي صنع الوعي ولم يستطع صناعة الدولة!». فصناعة الوعي تعني القدرة على إنتاج الأسئلة الكبرى: من يملك الأرض؟ من يملك السلطة؟ من يتحدث باسم الفقراء؟ ما معنى التحرر؟ ما علاقة الديمقراطية بالعدالة الاجتماعية؟ أما صناعة الدولة فتعني القدرة على تحويل هذه الأسئلة إلى مؤسسات، وقوانين، وتحالفات، وتوازنات، وضمانات، وإدارة للصراع لا تترك مصير البلاد في يد الجيش أو الخارج أو المغامرة.
الحزب الشيوعي السوداني نجح إلى حد بعيد في المهمة الأولى، لكنه اصطدم بالمهمة الثانية. صنع وعياً سياسياً وثقافياً ونقابياً عميقاً، لكنه لم يستطع أن يحمي هذا الوعي داخل دولة مستقرة. وربما كان السبب أن الدولة في العالم العربي لم تكن غالباً دولة مواطنين، بل دولة جيش، أو طائفة، أو قبيلة، أو أجهزة، أو توازنات خارجية. وحين لا تكون الدولة ديمقراطية، يصبح الحزب التقدمي محاصراً بين خيارين قاتلين: إما أن يبقى خارج السلطة ويدفع ثمن القمع، أو يقترب من السلطة عبر أدوات غير ديمقراطية فيدفع ثمن التناقض مع ذاته.
من هنا، لا تقلل هذه القراءة من عظمة الحزب الشيوعي السوداني ولا من قيمة عبد الخالق محجوب ورفاقه. على العكس، إنها تمنح التجربة عمقها الحقيقي. فالتجارب الكبرى لا تُقرأ بالتقديس ولا بالإلغاء، بل بالنقد. وعبد الخالق لا يصبح أصغر حين نناقش مأزق اللينينية في تجربته، بل يصبح أكبر، لأنه كان من طينة القادة الذين يفتحون الأسئلة حتى بعد رحيلهم. والحزب الشيوعي السوداني لا يفقد قيمته حين نقول إنه أخطأ في علاقته بسؤال الانقلاب، بل يزداد أهمية لأنه يقدم درساً تاريخياً لكل يسار عربي: لا يمكن بناء العدالة الاجتماعية فوق طريق غير ديمقراطي، ولا يمكن تحرير الشعب بأداة لا يملكها الشعب.
لقد كانت ملاحظة الدكتور سناء أبو شقرا ضرورية لأنها تعيد التوازن إلى القراءة. فلا يكفي أن نقول إن الحزب الشيوعي السوداني كان ضحية القمع، رغم أنه كان كذلك. ولا يكفي أن نقول إنه كان حزباً عظيماً في الوعي والتنظيم، رغم أنه كان كذلك أيضاً. يجب أن نضيف أنه كان جزءاً من مأزق تاريخي أكبر: مأزق اليسار حين يواجه دولة هشة، وجيشاً مسيساً، وديمقراطية ناقصة، وتوازنات خارجية قاسية، وجماهير تبحث عن الخلاص السريع في زمن لا يمنح الخلاص بسهولة.
إن الدرس الأهم من هذه التجربة أن الوعي وحده لا يكفي، والانقلاب لا يصنع ثورة، والخارج لا يترك الداخل حراً إلا عندما يمتلك الداخل مؤسساته وقوته وتوازنه. لذلك تبقى تجربة الحزب الشيوعي السوداني واحدة من أكثر تجارب اليسار العربي إيلاماً وثراءً: لأنها تعلمنا أن الحزب قد يصنع اللغة، ويصنع الوعي، ويصنع الشهداء، لكنه لا يصنع الدولة إلا إذا جعل الديمقراطية جزءاً من فكرته عن الثورة، لا مجرد مرحلة مؤجلة بعدها.



