الثلاثاء, يوليو 14, 2026
31.9 C
Beirut

لبنان بين خرائط إسرائيل وأوراق إيران: جنبلاط وجعجع وسؤال الهدنة والدولة المهددة

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

حين تصبح الهدنة مرآة للخوف اللبناني

ليس السجال بين وليد جنبلاط وسمير جعجع حول اتفاقية الهدنة بين لبنان وإسرائيل عام 1949 نقاشاً قانونياً بارداً، ولا هو مجرد تبادل مواقف بين زعيمين يعرفان جيداً ذاكرة الحرب اللبنانية ومعنى الحدود والخوف والسلاح. إنه سجال يكشف عمق اللحظة اللبنانية الراهنة: دولة معلقة بين هدنة قديمة لم تُلغَ قانونياً لكنها عُطلت عملياً، واتفاقات جديدة تخشى قوى لبنانية أن تتحول إلى أبواب خلفية لتكريس ميزان قوى إسرائيلي، وسلاح غير شرعي يجعل لبنان ورقة في يد إيران، ومشاريع تقسيمية تطل برأسها كلما اهتزت فكرة الدولة الواحدة.

في الظاهر، يبدو النقاش محصوراً بين من يقول إن اتفاقية الهدنة هي الأساس، ومن يقول إن التاريخ لا يعود إلى الوراء. أما في العمق، فنحن أمام مواجهة بين خوفين كبيرين: خوف جعجعي من أن يبقى لبنان رهينة سلاح حزب الله وحروب الآخرين، وخوف جنبلاطي من أن يؤدي الرد على هذا السلاح، إذا أُدير بمنطق الغلبة أو الاستفزاز الطائفي أو التسرع السياسي، إلى فتح الباب أمام خرائط إسرائيلية جديدة: دولة درزية هنا، كانتون مسيحي هناك، وجنوب يتحول من أرض لبنانية إلى مساحة اختبار لمشاريع الحماية والضم والتقسيم.

لكن السؤال الأعمق هو: هل يكفي أن يخاف جنبلاط من إسرائيل؟ وماذا عن إيران التي تستخدم لبنان وسلاح حزب الله في مفاوضاتها وأوراق نفوذها؟ أليست هي أيضاً شريكة، من موقع مختلف، في إبقاء الدولة اللبنانية ضعيفة ومفتوحة على الخراب؟

تغريدة جعجع: الهدنة التي ديسَت بالأقدام

كتب سمير جعجع عبر منصة “إكس” موجهاً كلامه إلى وليد جنبلاط:

“وليد بك جنبلاط، أشكرك على كتابك القيّم. أما في ما يتعلق بإهدائك، حيث كتبت أن “وحدها اتفاقية الهدنة هي الأساس”، فلا شك أن اتفاقية الهدنة كانت فعلًا الأساس بين دولة لبنان وإسرائيل. لكن، ويا للأسف، تركناها تسقط، ودسناها تحت أقدامنا، منذ العام 1964 وحتى اليوم، ما جعلها وكأنها لم تعد موجودة.
وليد بك، إن التاريخ لا يعود إلى الوراء، والأيام لا تنتظر أحدًا. والمهم اليوم هو أن نستدرك ما وصلنا إليه، بدلا من البكاء على الأطلال.”

هذا الكلام يختصر منطق جعجع. الهدنة، في رأيه، كانت الأساس بين لبنان وإسرائيل، لكنها لم تعد كافية وحدها، لأن لبنان لم يحافظ عليها، ولم يحافظ أصلاً على احتكار الدولة لقرار الحرب والسلم. منذ صعود العمل الفلسطيني المسلح، ثم اتفاق القاهرة، ثم الحرب الأهلية، ثم الاجتياحات الإسرائيلية، ثم نشوء سلاح حزب الله وتضخمه، تحولت الهدنة من إطار قانوني قائم إلى وثيقة معطلة بفعل الوقائع.

جعجع هنا لا يناقش نص الهدنة فقط، بل يناقش مساراً لبنانياً طويلاً أسقط الدولة قبل أن يسقط الهدنة. يريد القول إن البكاء على مرجعية 1949 لا يكفي إذا كان لبنان اليوم عاجزاً عن منع حزب مسلح من فتح جبهة أو إغلاقها، وعاجزاً عن فرض سلطته على حدوده، وعاجزاً عن تحويل الشرعية الدولية إلى سياسة تنفيذية.

تيمور جنبلاط: لا تفاوض بلا ضمانات ولا اتفاق بلا سيادة

في المقابل، دخل تيمور جنبلاط على خط النقاش، وكتب عبر منصة “إكس”:

“بات من الواضح أن اتفاق الإطار المنحاز لا يحقق وقفًا حقيقيًا ومستدامًا لإطلاق النار، ولم يلزم إسرائيل بوقف اعتداءاتها وإنهاء احتلالها، ولا يفرض عليها احترام سيادة لبنان، وهي تستقوي به لتتهرب من مسؤوليتها في كل ما ارتكبته. وإذا كنّا من الأساس قد أيّدنا تفاوض الدولة اللبنانية وحدها باسم لبنان، فهي مُطالبة بحسن إدارته والاستفادة من كل التجارب السابقة، وأن تسعى للتوصل لاتفاق يحقق انسحاباً فورياً للاحتلال، ويضمن عودة كل أبناء الجنوب، ويحفظ حقوق لبنان كاملة وفق الهدنة والطائف وكل القرارات الدولية، بموازاة دعم الجيش اللبناني ومدّه بكل المستلزمات المطلوبة لبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها.”

هذا الموقف مهم لأنه لا يرفض تفاوض الدولة من حيث المبدأ. على العكس، يؤكد أن الدولة اللبنانية وحدها يجب أن تفاوض باسم لبنان. لكنه يرفض أن يتم التفاوض بطريقة تمنح إسرائيل فرصة للهروب من مسؤولياتها، أو تجعل الاتفاق الجديد بديلاً أضعف من الهدنة والطائف والقرارات الدولية.

هنا يظهر جوهر الخلاف. جعجع يخشى أن يتحول التمسك بالهدنة إلى عودة عقيمة إلى الماضي، بينما جنبلاط يخشى أن يؤدي القفز فوق الهدنة إلى اتفاق ناقص السيادة. جعجع يريد الخروج من أسر النصوص القديمة نحو حل جديد، وجنبلاط يريد ألا يكون الحل الجديد أقل صلابة من النصوص القديمة.

هل سقطت اتفاقية الهدنة فعلاً؟

اتفاقية الهدنة الموقعة في رأس الناقورة في 23 آذار/مارس 1949 ليست تفصيلاً عابراً في تاريخ لبنان. هي وثيقة قانونية دولية بين لبنان وإسرائيل، نصت على وقف الأعمال العدائية، وربطت خط الهدنة بالحدود الدولية، وأنشأت لجنة هدنة مشتركة بإشراف الأمم المتحدة.

لكن هل يمكن القول إنها “سقطت”؟

قانونياً، التعبير الأدق هو أنها لم تُلغَ كوثيقة، بل عُطلت مفاعيلها عملياً بفعل الانتهاكات والحروب وتغيّر الوقائع. الاتفاقيات الدولية لا تموت بمجرد أن تُخالفها الأطراف، ولا تسقط لأن فريقاً سياسياً يعلن موتها. قد تُنتهك، قد تُهمّش، قد تتعطل آلياتها، وقد تفقد فعاليتها السياسية، لكنها لا تُلغى قانونياً إلا بإطار واضح أو باتفاق لاحق أو بمسار قانوني وسياسي محدد.

لذلك، حين يقول جعجع إننا “تركناها تسقط”، فهو يستخدم لغة سياسية وتاريخية أكثر مما يستخدم لغة قانونية صارمة. أما حين يقول جنبلاط إن “وحدها اتفاقية الهدنة هي الأساس”، فهو يستعيد مرجعية قانونية يريد من خلالها منع أي اتفاق جديد من أن يكون أضعف من نقطة البداية التي امتلكها لبنان عام 1949.

أصل التوتر بين جنبلاط وجعجع

لا ينحصر التوتر بين جنبلاط وجعجع في مسألة الهدنة. الهدنة هي الباب، أما الغرفة الداخلية فهي أعمق بكثير. جعجع يرى أن أصل البلاء هو السلاح غير الشرعي الذي صادر قرار الدولة وأعطى إسرائيل الذريعة الدائمة للاعتداء. في منطقه، لا معنى لأي حديث عن هدنة أو سيادة ما دام حزب الله يملك قرار الحرب والسلم، وما دام لبنان يدفع ثمن استراتيجيات إيرانية لا يقررها اللبنانيون.

جنبلاط لا ينكر خطورة السلاح، لكنه يخاف من طريقة معالجته. يخاف أن تتحول معركة الدولة إلى معركة كسر طائفة. يخاف أن يؤدي الضغط على حزب الله، إذا لم يُدار بعقل وطني جامع، إلى تفجير الداخل. ويخاف أيضاً أن تستغل إسرائيل هذا الانقسام لتقول للمسيحيين إنها تحميهم، وللدروز إنها تحميهم، وللجنوب إنها تحدد مصيره، وللبنان كله إن دولته لم تعد قابلة للحياة.

من هنا، فإن جنبلاط لا يتصرف كمن يقرأ اتفاق إطار فقط، بل كمن يقرأ تاريخ الجبل وذاكرة الحرب الأهلية وخوف الأقليات ومخاطر الخرائط الجديدة.

إسرائيل وزرع بذور الفتنة: من القرى المسيحية إلى الدولة الدرزية

في الأيام الماضية، جاء كلام بنيامين نتنياهو ليصب الزيت على نار القلق اللبناني. فقد قال إن بعض القرى المسيحية في لبنان طلبت ضمّها إلى إسرائيل أو الحصول على حمايتها لأنها تخاف من حزب الله. الأخطر في هذا الكلام ليس فقط مضمونه، بل توقيته ووظيفته السياسية.

نتنياهو لم يسمِّ هذه القرى. ولم يقدم دليلاً واضحاً. كما أن فاعليات لبنانية جنوبية ومسيحية رفضت هذا الكلام ونفته واعتبرته محاولة لإثارة الفتنة. لكن مجرد صدور هذا الكلام عن رئيس وزراء إسرائيل يجعله خطيراً. فهو لا يخاطب الأمن فقط، بل يخاطب الهويات الطائفية. يريد أن يقول إن الدولة اللبنانية لم تعد تحمي أبناءها، وإن بعض الجماعات اللبنانية باتت ترى خلاصها في إسرائيل.

هذه ليست عبارة عابرة. إنها محاولة لزرع فكرة. والفكرة في بلد هش كلبنان أخطر أحياناً من الدبابة. حين تقول إسرائيل إن مسيحيين لبنانيين يريدون الحماية أو الضم، فهي تفتح الباب أمام خيال تقسيمي: ماذا لو لم تعد الطوائف تريد العيش معاً؟ ماذا لو صار لكل جماعة حامٍ خارجي؟ ماذا لو صار الخوف من حزب الله مدخلاً إلى طلب حماية إسرائيلية؟ وماذا لو صار فشل الدولة ذريعة لتفكيكها؟

إلى جانب ذلك، يبرز الكلام عن مشروع “الدولة الدرزية” أو الكيان الدرزي الممتد من جبل الشيخ إلى جنوب لبنان والشوف. قد لا يكون هذا المشروع خطة مكتملة وقابلة للتطبيق الفوري، لكنه حاضر في النقاشات والتحليلات والسيناريوهات المتداولة حول المنطقة. ففكرة التواصل الجغرافي الدرزي من الجولان وجبل الشيخ إلى مناطق لبنانية وسورية ليست بريئة في لحظة تتحرك فيها إسرائيل عسكرياً وسياسياً على أطراف سوريا ولبنان، وتكثر فيها لغة حماية الأقليات.

الأخطر أن بعض التحليلات تحدثت عن رغبة إسرائيلية في تفكيك الدول المركزية المحيطة بها إلى كيانات طائفية ومذهبية صغيرة: دروز هنا، مسيحيون هناك، سنّة وشيعة في مناطق منفصلة، وحدود رخوة يسهل التحكم بها. وهذه الرؤية، حتى لو لم تكن مشروعاً معلناً بالكامل، تنسجم مع منطق إسرائيلي قديم: كلما ضعفت الدولة العربية المركزية، وكلما تقاتلت جماعاتها، صار أمن إسرائيل أسهل وكلفة احتلالها أقل.

لماذا يخاف جنبلاط من مشروع الدولة الدرزية؟

وليد جنبلاط يعرف جيداً أن الكلام عن “دولة درزية” ليس وعداً بالخلاص، بل فخّاً تاريخياً. الدروز في لبنان وسوريا وفلسطين المحتلة ليسوا جزيرة معزولة. هم جزء من مجتمعات مختلطة، من جبال وقرى ومدن وعلاقات تاريخية مع المسيحيين والسنّة والشيعة وبقية المكونات. أي مشروع لعزلهم في كيان خاص لن يحميهم، بل سيحولهم إلى أداة في صراع أكبر منهم.

من هنا يأتي خوف جنبلاط. هو لا يريد أن يتحول الدروز إلى جسر جغرافي بين إسرائيل وجبل الشيخ وجنوب لبنان. ولا يريد أن يصبح الجبل جزءاً من هندسة إسرائيلية جديدة للمنطقة. ولا يريد أن يُستدرج الدروز إلى وهم الحماية الخارجية، لأن الحماية الخارجية تبدأ عادة بوعد الأمن وتنتهي بفقدان القرار.

وهذا الخوف لا ينفصل عن ذاكرة الحرب اللبنانية. فالجبل يعرف معنى الصراع الطائفي. ويعرف أن أي حديث عن خرائط مذهبية جديدة يفتح جروحاً لا تلتئم بسهولة. لذلك، حين يرفع جنبلاط الهدنة والطائف والقرارات الدولية، فهو لا يبحث فقط عن نصوص قانونية، بل يبحث عن مظلة تمنع انتقال لبنان من دولة مأزومة إلى مجموعة كيانات خائفة.

المسيحيون بين الخوف من حزب الله وفخ الحماية الإسرائيلية

كما أن الكلام عن دولة درزية يقلق جنبلاط، فإن الكلام عن رغبة بعض المسيحيين في الانفصال أو طلب الحماية الخارجية لا يقل خطورة. صحيح أن استمرار سلاح حزب الله خلق لدى شرائح مسيحية ولبنانية واسعة شعوراً عميقاً بالاختناق والغبن وفقدان الشراكة. وصحيح أن كثيرين باتوا يسألون: كيف يمكن العيش في دولة لا تملك قرار الحرب والسلم؟ وكيف يمكن قبول شراكة وطنية مع حزب مسلح يقرر عن الجميع؟

لكن تحويل هذا الغضب المشروع إلى دعوات انفصال أو حماية إسرائيلية هو سقوط في الفخ نفسه. فإسرائيل لا تحمي المسيحيين حباً بالمسيحية، ولا تحمي الدروز حباً بالدروز، ولا تحمي السنّة أو الشيعة أو أي جماعة حباً بلبنان. إسرائيل تحمي مصالحها فقط. وكل طائفة تعتقد أن خلاصها سيكون عبر إسرائيل ستكتشف أنها لم تحصل على حماية، بل على وصاية، وربما على عزلة داخل محيطها.

هنا تكمن خطورة خطاب نتنياهو. إنه لا يريد فقط القول إن حزب الله خطر، فهذا معروف. بل يريد تحويل الخوف من حزب الله إلى شرعية إسرائيلية. يريد أن يصبح الاحتلال حماية، والتدخل إنقاذاً، والتقسيم حلاً، والخرائط الطائفية بديلاً من الدولة.

إيران: الخطر الذي لا يكتمل نقد إسرائيل من دونه

لكن الإنصاف السياسي يفرض ألا يُقرأ العامل الإسرائيلي وحده، وكأن لبنان مهدد من جهة واحدة فقط. فالمشروع الإسرائيلي، الهادف إلى الاستثمار في الخوف الطائفي وتفكيك المجتمعات المحيطة به إلى جماعات قلقة تبحث عن حماية خارجية، يلتقي في مكان ما، ولو من موقع معاكس، مع المشروع الإيراني الباحث عن إبقاء لبنان ورقة نفوذ في المفاوضات الإقليمية والدولية.

إسرائيل تريد لبنان ضعيفاً ومقسماً كي تفرض شروط أمنها وحدودها. وإيران تريد لبنان معلقاً بين الحرب والتسوية كي يبقى حزب الله ورقة ضغط في يدها. إسرائيل تستثمر في خوف المسيحيين والدروز والجنوب من حزب الله. وإيران تستثمر في خوف الشيعة من إسرائيل والداخل اللبناني كي تُبقي السلاح خارج الدولة. النتيجة واحدة من زاويتين مختلفتين: دولة لبنانية ناقصة، سيادة معلقة، قرار حرب وسلم خارج المؤسسات، وطوائف تُدفع إلى البحث عن حماة بدل البحث عن دولة.

هنا يصبح السؤال مشروعاً: لماذا لا يضع وليد جنبلاط هذا الخطر في مستوى الخطر الإسرائيلي نفسه؟ لماذا تبدو حساسيته عالية جداً تجاه مشاريع إسرائيل التقسيمية، بينما تبدو لغته أكثر حذراً عندما يتعلق الأمر بإيران ودورها في مصادرة القرار اللبناني عبر حزب الله؟

صحيح أن جنبلاط قال في أكثر من مناسبة إن قرار حزب الله مرتبط بإيران، وإن الحزب يتحدث باسم القيادة الإيرانية أكثر مما يتحدث باسم الدولة اللبنانية. وصحيح أنه يعرف أن بقاء السلاح خارج الشرعية يمنح إسرائيل الذريعة التي تحتاجها. لكن هذا القول يحتاج إلى أن يتحول إلى جزء ثابت من خطابه السياسي، لا إلى ملاحظة عابرة. فلا يمكن مواجهة مشروع الدولة الدرزية أو خرافة ضم القرى المسيحية إلى إسرائيل إذا بقي لبنان في المقابل رهينة مشروع إيراني يستخدم الجنوب وسلاح حزب الله ومصير الشيعة اللبنانيين في بازار التفاوض.

القلق الجنبلاطي لا يكتمل إلا إذا سمّى الخطرين معاً: إسرائيل التي تزرع بذور الخلافات لتقسيم لبنان، وإيران التي تسقي هذه البذور بإبقاء الدولة ضعيفة والسلاح خارج الشرعية. فالمشروعان، رغم عدائهما الظاهر، يلتقيان عند نقطة قاتلة: كلاهما لا يريد دولة لبنانية قوية مكتملة السيادة.

حزب الله بين ذريعة إسرائيل وورقة إيران

لا يمكن الحديث عن إسرائيل وإيران من دون وضع حزب الله في قلب المعادلة. فالحزب لم يعد مجرد قوة لبنانية تقاوم الاحتلال كما كان يقدّم نفسه في مراحل سابقة. لقد أصبح جزءاً عضوياً من محور إقليمي تقوده إيران، ويستخدم لبنان كساحة من ساحات الردع والتفاوض والمقايضة.

هذا الواقع منح إسرائيل ذريعة ذهبية. كلما أرادت أن تضرب، قالت إنها تضرب حزب الله. وكلما أرادت أن تبقى في موقع ما، قالت إنها تمنع الخطر. وكلما أرادت أن تخاطب المسيحيين أو الدروز أو السنّة أو المجتمع الدولي، قالت إن لبنان مخطوف من حزب مسلح. وهكذا صار سلاح حزب الله، الذي يدعي حماية لبنان، أحد أهم الأسباب التي تسمح لإسرائيل بانتهاك لبنان.

في الوقت نفسه، تستخدم إيران هذا السلاح لتقول إنها لاعب لا يمكن تجاوزه. لبنان بالنسبة إليها ليس فقط بلداً حليفاً، بل ورقة استراتيجية على المتوسط، وحدود مفتوحة مع إسرائيل، ومنصة ضغط في أي تفاوض مع الولايات المتحدة أو الغرب أو الإقليم. وهكذا يتحول اللبنانيون، خصوصاً أهل الجنوب والشيعة منهم، إلى وقود في معركة لا يملكون قرارها، كما يتحول بقية اللبنانيين إلى رهائن في دولة لا تستطيع أن تقرر سلمها ولا حربها.

أين يصيب جعجع وأين يخطئ؟

يصيب جعجع حين يقول إن التاريخ لا يعود إلى الوراء. لا يمكن للبنان أن يعيش إلى الأبد على وثيقة 1949، بينما الوقائع تغيرت، والسلاح تمدد، وإسرائيل احتلت واعتدت، والدولة فقدت قرارها. ويصيب أيضاً حين يشير إلى أن الهدنة ديسَت بالأقدام منذ عقود، لأن لبنان لم يحافظ على شروطها الفعلية: دولة واحدة، جيش واحد، قرار واحد، وحدود تحت سلطة الشرعية.

لكنه يخطئ إذا بدا كأن تجاوز الهدنة ممكن بلا ضمانات أقوى منها. فالاتفاق الجديد، إذا لم يستند إلى الهدنة والطائف والقرارات الدولية، قد يتحول إلى إطار أمني يعطي إسرائيل ما تريد ولا يعطي لبنان ما يحتاج. وليس كل نقد لاتفاق الإطار بكاء على الأطلال. أحياناً يكون التمسك بالأساس القانوني ضرورة لمنع تحويل الضعف اللبناني إلى تنازل دائم.

أين يصيب جنبلاط وأين يخطئ؟

ويصيب جنبلاط حين يخاف من خرائط إسرائيل. يصيب حين يرى أن خطاب حماية المسيحيين والدروز ليس بريئاً. ويصيب حين يصر على أن أي تفاوض يجب أن يكون باسم الدولة اللبنانية وحدها، وأن يستند إلى الهدنة والطائف والقرارات الدولية، وأن يضمن الانسحاب وعودة أبناء الجنوب واحترام السيادة.

لكنه يخطئ إذا جعل الخوف من إسرائيل يطغى على الخوف من إيران. ويخطئ إذا بدا كأن مشروع التقسيم الإسرائيلي هو الخطر الوحيد، بينما مشروع السلاح الإيراني هو الذي فتح الباب أمام هذا التقسيم. فإسرائيل لا تستطيع أن تبيع خطاب حماية المسيحيين والدروز لولا وجود سلاح حزب الله. ولا تستطيع أن تطرح نفسها كقوة ردع أو حماية لولا أن الدولة اللبنانية مصادرة القرار. ولا تستطيع أن تزرع بذور الفتنة لو لم تكن التربة اللبنانية مهيأة بالخوف والاحتقان وانهيار الثقة بين الطوائف.

لذلك، فإن الموقف الوطني الكامل لا يختار بين رفض إسرائيل ورفض إيران. يرفض الاثنين معاً. يرفض الاحتلال كما يرفض الوصاية. يرفض التقسيم كما يرفض السلاح غير الشرعي. يرفض تحويل المسيحيين إلى ورقة إسرائيلية، ويرفض تحويل الشيعة إلى ورقة إيرانية، ويرفض تحويل الدروز إلى ممر جغرافي في خرائط الآخرين.

الهدنة ليست ماضياً… بل قاعدة لحل جديد

اتفاقية الهدنة ليست بديلاً من الحل النهائي، لكنها ليست رفاتاً قانونياً. هي قاعدة انطلاق. من دونها يصبح أي تفاوض معرضاً لأن يتحول إلى اتفاق أمني مفروض على لبنان. ومن دون تطويرها والبناء عليها ضمن رؤية سيادية واضحة، تصبح مجرد وثيقة في الأرشيف لا توقف غارة ولا تعيد نازحاً ولا تنزع سلاحاً غير شرعي.

المطلوب ليس العودة الرومانسية إلى عام 1949، ولا رمي الهدنة تحت الأقدام. المطلوب استعادتها كمرجعية قانونية، وربطها بالطائف والقرار 1701 وكل القرارات الدولية ذات الصلة، ثم تحويلها إلى سياسة دولة: دولة تفاوض باسم لبنان، وتطالب بانسحاب الاحتلال، وتمنع إسرائيل من فرض أمر واقع، وتقول لحزب الله في الوقت نفسه إن قرار الحرب والسلم لا يمكن أن يبقى في يد حزب أو محور أو عاصمة خارجية.

لا دولة مع سلاح خارجها ولا سيادة مع حماية إسرائيلية

الخلاصة أن لبنان لا ينجو إذا اختار بين خوفين. لا ينجو إذا خاف من إسرائيل وسكت عن إيران. ولا ينجو إذا خاف من إيران واستدعى إسرائيل. ولا ينجو إذا واجه سلاح حزب الله بمنطق طائفي، ولا إذا واجه مشاريع إسرائيل بالصمت عن السلاح غير الشرعي.

لبنان يحتاج إلى معادلة واضحة: لا دولة مع سلاح خارج الدولة، ولا سيادة مع احتلال إسرائيلي، ولا وحدة وطنية مع خرائط طائفية، ولا أمن للمسيحيين أو الدروز أو الشيعة أو السنّة إلا في دولة واحدة. كل حماية خارجية هي مشروع وصاية. وكل سلاح خارج الشرعية هو دعوة مفتوحة لتدخل الخارج. وكل طائفة تبحث عن خلاص منفرد تفتح الباب على خراب جماعي.

بين جنبلاط وجعجع، يدور سجال أعمق من تغريدة وردّ. إنه سجال حول معنى لبنان نفسه. هل يكون دولة واحدة أم مجموعة مخاوف؟ هل يكون ساحة تفاوض إيرانية أم مساحة أمن إسرائيلية؟ هل يكون وطناً لمواطنيه أم خرائط لطوائفه؟

الجواب يجب أن يكون حاسماً: لا لإسرائيل حين تزرع الفتنة باسم حماية الأقليات. لا لإيران حين تصادر الدولة باسم المقاومة. لا لسلاح حزب الله حين يجعل لبنان رهينة. لا لأي مشروع انفصالي مسيحي أو درزي أو غيره. نعم لدولة واحدة، جيش واحد، قرار واحد، حدود واضحة، هدنة مستعادة، طائف مطبق، وقرار حرب وسلم لا يملكه إلا لبنان.

ومن هنا تحديداً يصبح قلق وليد جنبلاط مفهوماً، لكنه لا يكتمل إلا إذا صار قلقاً مزدوجاً: من إسرائيل التي تريد تفتيت لبنان، ومن إيران التي تجعل تفتيته ممكناً بإبقائه بلا دولة كاملة. أما سمير جعجع، فيصيب حين يرفع سؤال السلاح والسيادة، لكنه يحتاج أيضاً إلى أن يرى أن استعادة الدولة لا تكون بدفع الطوائف إلى حافة الخوف، بل بجمعها حول مشروع وطني لا يترك ثغرة لإسرائيل ولا ورقة لإيران.

لبنان اليوم لا يحتاج إلى بكاء على الأطلال ولا إلى قفز في المجهول. يحتاج إلى شجاعة تسمية الخطرين معاً: خطر الاحتلال والتقسيم الإسرائيلي، وخطر الوصاية والسلاح الإيراني. وبين هذين الخطرين فقط يمكن أن تولد الدولة التي لم يَعُد اللبنانيون يملكون ترف تأجيلها.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

فاروق باباميري… عندما يكبر المناضل ولا يشيخ

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هناك رجال يكبرون في العمر، لكنهم لا يكبرون على...

حين يتحول اليسار إلى حارس لأيديولوجيا الدولة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة نقدية في افتتاحية جريدة «صوت الشعب» التونسية نشرت جريدة...

معركة مضيق هرمز في صحافة صباح اليوم: واشنطن توسّع ضرباتها وإيران تنقل الرد إلى القواعد الأميركية في المنطقة!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد قراءة مقارنة في الصحافة الأميركية والغربية والإيرانية والعربية الصادرة...

صراع إرادات في هرمز: أميركا والعالم بوجه البلطجة الإيرانية

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح وعندنا التدخل الإيراني عبر أتباعه يستهدف عنوان : الأرض...

More like this

الشيوعي اللبناني يحشد دعماً أوروبياً في بروكسل: لقاءات مع أحزاب يسارية لمساندة لبنان وفلسطين ورفض اتفاق الإطار!

أخباركم – أخبارنا واصل الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني، الرفيق حنا غريب، برنامج لقاءاته السياسية...

دموع التماسيح على جثمان خامنئي!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد لم تكن دموع قيادة حزب الله أمام جثمان خامنئي...

الشيباني في بيروت: صورة الردع التي أربكت حزب الله!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد من عنجر إلى بيروت الجديدة شتّان ما بين لبنان الذي...