أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
غسان كنفاني الذي غادرنا جسدًا ما زال حاضرًا في وجدان فلسطين، حاضرًا في كتبه التي تحويها مكتباتنا كمدرسة مفتوحة نتعلم منها معنى النضال، لا بوصفه شعارًا عابرًا، بل بوصفه وعيًا ومسؤولية وموقفًا. نقرأه اليوم فلا نشعر أننا أمام كاتب رحل، بل أمام ضمير لا يزال يوقظنا من سبات الهزائم، ويأخذنا من يدنا إلى المخيم، إلى حيفا، إلى عكا، إلى أرض البرتقال الحزين، إلى أم سعد، إلى الرجال الذين ماتوا في الخزان لأنهم لم يدقّوا جدرانه.
في مثل هذا اليوم، الثامن من تموز عام 1972، لم تغتل يد الموساد الإسرائيلي كاتبًا فلسطينيًا فقط، بل حاولت أن تغتال ذاكرة شعب وصوت مخيم ووعي جيل كامل. لكن غسان بقي، لأن الذين يتحولون إلى ضمير لا يموتون. بقيت كلماته تقاتل، وبقيت رواياته شاهدة على أن فلسطين ليست خريطة معلقة على الجدران، بل جرح مفتوح، وحق لا يسقط، وقضية لا تختصر بالبكاء ولا بالشعارات.
كان غسان يعرف أن الكلمة لا تحرر وطنًا وحدها، لكنه كان يعرف أيضًا أن الوطن لا يتحرر بلا وعي. لذلك كتب في رسائله إلى غادة السمان: “إنني أشعر أكثر من أي وقت مضى أن كل قيمة كلماتي كانت في أنها تعويض صفيق وتافه لغياب السلاح”. لم يكن يقول ذلك تقليلًا من شأن الكتابة، بل كان يضعها في مكانها الصحيح: الكتابة ليست بديلًا عن الفعل، لكنها الشرارة التي تمنح الفعل معناه.
ابن النكبة الذي حوّل المنفى إلى وعي
وُلد غسان كنفاني في عكا عام 1936، واقتُلع مع عائلته كما اقتُلع مئات آلاف الفلسطينيين في نكبة عام 1948. منذ تلك اللحظة صار المنفى قدرًا، وصارت فلسطين سؤالًا يوميًا. لم تكن النكبة عنده حدثًا سياسيًا عابرًا، بل كانت ولادة جديدة للوعي. الطفل الذي خرج من وطنه لم يخرج منه الوطن؛ حمله في اللغة، وفي الذاكرة، وفي رائحة البرتقال، وفي الأم التي تنتظر، وفي الطفل الذي يكبر قبل أوانه، وفي الرجل الذي يفتش عن كرامته وسط عالم ظالم.
لم يكتب غسان فلسطين كحنين رومانسي فقط، بل كتبها كقضية سياسية وأخلاقية وإنسانية. كان يعرف أن الحنين إذا لم يتحول إلى وعي يصبح بكاءً، وأن البكاء إذا لم يتحول إلى مقاومة يصبح استسلامًا.
رجال في الشمس: الصرخة التي لا تزال تطاردنا
في “رجال في الشمس”، قدّم غسان واحدة من أقسى الصور في الأدب الفلسطيني والعربي. ثلاثة فلسطينيين يختبئون داخل خزان شاحنة تحت شمس الصحراء بحثًا عن نجاة فردية، فيموتون بصمت. وفي النهاية تأتي الصرخة التي لم تكفّ عن ملاحقتنا: “لماذا لم يدقّوا جدران الخزان؟”
هذه ليست جملة روائية عابرة، بل محاكمة تاريخية للصمت. لم يكن السؤال موجهًا إلى الثلاثة وحدهم، بل إلى شعب وأمة وقيادات وزمن كامل. لماذا نموت صامتين؟ لماذا نقبل الاختناق؟ لماذا ننتظر من يفتح لنا الخزان بدل أن نحطم جداره؟
اليوم، أمام غزة، يصبح السؤال أكثر رعبًا: لماذا لم يدقّ العالم جدران الخزان؟ بل من الذي حشر غزة في الخزان؟ من الذي أغلق عليها الباب؟ من الذي سمع أنينها وواصل الخطابة؟ من الذي رفع الشعارات حتى لا يسمع صراخ الأطفال؟
عائد إلى حيفا: العودة ليست إلى البيت بل إلى الحقيقة
في “عائد إلى حيفا”، لا يعود سعيد وصفية إلى بيت قديم فقط، بل يعودان إلى السؤال المرعب: ماذا فعلنا بفلسطين؟ ماذا فعلت بنا النكبة؟ وماذا يعني أن نترك طفلًا خلفنا ثم نعود فنجد أنه صار في الجهة الأخرى من التاريخ؟
هنا كتب غسان عبارته العميقة: “إن الإنسان في نهاية الأمر قضية”. وهذه ليست جملة أدبية فقط، بل مفتاح لفهم مشروعه كله. الإنسان لا يُقاس بما فقده فقط، بل بما يفعله بعد الفقدان. لا يكفي أن نبكي البيت، ولا أن نحمل المفتاح، ولا أن نلعن العدو. لا بد أن نعود إلى معنى المسؤولية، إلى الفعل، إلى الوعي، إلى رفض أن تتحول فلسطين إلى ذكرى جميلة في أيدي العاجزين.
وفي الرواية نفسها تأتي جملة أخرى كأنها صفعة لكل حنين عاجز: “لقد أخطأنا حين اعتبرنا أن الوطن هو الماضي فقط، أما خالد فالوطن عنده هو المستقبل”. بهذا المعنى، لم يكن غسان يطلب من الفلسطيني أن يعبد الذاكرة، بل أن يحوّلها إلى مشروع عودة وفعل ومستقبل.
أرض البرتقال الحزين: حين يصبح الحزن وطنًا
في “أرض البرتقال الحزين”، يتحول البرتقال إلى ذاكرة وطنية كاملة. ليس ثمرة، بل رائحة بيت مسروق، وطفولة مقطوعة، وأرض تبتعد في الأفق فيما اللاجئ يحمل منها ما يستطيع حمله. البرتقال عند غسان ليس زينة لغوية، بل شهادة على الاقتلاع.
ومن روح هذا النص تأتي العبارة التي تفتح الجرح من بدايته: “عندما خرجنا من يافا إلى عكا لم يكن في ذلك أية مأساة”. كأن غسان يقول إن النكبة لم تُفهم في لحظتها الأولى كاملة، وإن المأساة الكبرى قد تبدأ أحيانًا كرحيل مؤقت، كخروج عابر، كعيد مؤجل، ثم تكشف الأيام أنها اقتلاع كامل من الجذور.
وفي هذا العالم كتب غسان العبارة التي تلخص فلسفة الصمود: “لا تمت قبل أن تكون ندًا.. لا تمت”. كان يريد للفلسطيني ألا يموت كضحية صامتة، بل كندّ. أن لا يكون موته رقمًا، بل موقفًا. أن لا يختنق في الخزان، بل أن يطرق جدرانه حتى لو سالت يداه دمًا.
أم سعد: فلسطين الشعبية التي لا تخون
في “أم سعد”، لم يذهب غسان إلى النخب، بل إلى المخيم. إلى المرأة الفقيرة التي تحمل فلسطين على كتفيها. أم سعد ليست شخصية عابرة، بل هي فلسطين الشعبية: الأم التي تفهم بفطرتها أن الخيمة ليست وطنًا، وأن اللجوء لا يجوز أن يتحول إلى قدر، وأن الابن الذي يذهب إلى المقاومة لا يذهب إلى الموت بل إلى استعادة المعنى.
في هذا النص تقول أم سعد بوعي المخيم القاسي: “أتحسب أننا لا نعيش في الحبس؟ ماذا نفعل نحن في المخيم غير التمشي داخل ذلك الحبس العجيب؟” بهذه الجملة وحدها تختصر أم سعد معنى اللجوء كله: المخيم ليس مكانًا للسكن، بل حبس واسع، وكل محاولة لتجميله خيانة للحقيقة.
أم سعد لا تخطب، لكنها تعرف. لا تنظّر، لكنها تصنع رجالًا. لا تملك شيئًا، لكنها تملك ما فقده كثيرون: البوصلة. لذلك بقيت أم سعد أكبر من كل بيانات الهزيمة، وأصدق من كل خطابات المتاجرين بالدم.
الرجال والبنادق: من الحكاية إلى الفعل
في “الرجال والبنادق”، ينتقل غسان من توصيف المأساة إلى تصوير التحول. لم يعد الفلسطيني مجرد لاجئ مطارد، بل صار مقاومًا. لم تعد الحكاية حكاية ضياع فقط، بل حكاية بحث عن طريق. كان يعرف أن السلاح بلا قضية قد يصبح عبئًا، لكنه كان يعرف أيضًا أن القضية بلا قوة تبقى مكشوفة للذبح.
وجملة هذا العالم العميقة ليست في تمجيد البندقية لذاتها، بل في السؤال عمّن يحملها ولماذا يحملها. فالرجل في أدب غسان لا يصبح مقاومًا لأنه حمل السلاح فقط، بل لأنه حمل قضية، ولذلك تصبح البندقية امتدادًا للوعي لا بديلًا عنه.
ولهذا كان غسان خطيرًا على الاحتلال. لم يكن يحمل بندقية في لحظة اغتياله، لكنه كان يحمل ما هو أخطر: الوعي. كان يحوّل الفلسطيني من لاجئ إلى صاحب حق، ومن رقم إلى إنسان، ومن ضحية إلى قضية.
موت سرير رقم 12 وعالم ليس لنا: الاغتراب الفلسطيني العميق
في “موت سرير رقم 12” و“عالم ليس لنا”، نرى غسان وهو يكتب الإنسان الفلسطيني في غربته الداخلية، لا فقط في منفاه الجغرافي. هنا تظهر الوحدة، والقلق، والهشاشة، والاغتراب، وكأن الفلسطيني يعيش في عالم لا يعترف به ولا يمنحه مكانًا آمنًا.
يكفي عنوان “عالم ليس لنا” ليكون جملة بارزة بذاته. إنه ليس عنوانًا أدبيًا فقط، بل وصف كامل لحالة الفلسطيني بعد النكبة: إنسان يعيش في عالم صُنع ضده، لكنه يرفض أن يعترف بأن هذا العالم هو قدره النهائي.
رسائل غسان إلى غادة السمان: العاشق الذي لم ينفصل عن قضيته
في رسائله إلى غادة السمان، يظهر غسان الإنسان العاشق، القلق، الحساس، المشتعل بالحياة كما هو مشتعل بالقضية. لكنه حتى في الحب لا يخرج من فلسطين، ولا يتخلى عن همّه الأكبر. لذلك كتب: “سأظل أناضل لاسترجاع الوطن لأنه حقي وماضيّ ومستقبلي الوحيد”. هذه ليست رسالة عاشق فقط، بل اعتراف من رجل يرى أن الوطن ليس ذكرى خلفه، بل مستقبله الوحيد.
وتكشف هذه الرسائل أن المناضل ليس حجرًا، وأن الكاتب الشهيد لم يكن آلة سياسية. كان يحب، ويتألم، ويشتاق، ويضعف، ويصارع نفسه. وربما هنا تكمن عظمته: أنه كان إنسانًا كاملًا، والإنسان الكامل هو الذي يعطي لقضيته معنى أعمق.
غسان السياسي: الكلمة حين تنتمي إلى تنظيم وفكرة
لم يكن غسان كنفاني أديبًا معزولًا في برج اللغة. كان سياسيًا ومناضلًا وعضوًا في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وارتبط اسمه بتأسيس مجلة “الهدف” في بيروت عام 1969، التي صارت منبرًا سياسيًا وثقافيًا وإعلاميًا لفكرة المقاومة والتحرر. تولّى موقع الناطق الرسمي باسم الجبهة ورئيس تحرير “الهدف”، وكان جزءًا من ذلك الجيل الذي رأى في فلسطين قضية تحرر وطني واجتماعي، لا مجرد ملف تفاوض ولا مجرد شعار.
انتماؤه للجبهة لم يكن وظيفة حزبية، بل امتدادًا طبيعيًا لفكره. كان يرى أن تحرير فلسطين لا ينفصل عن تحرير الإنسان العربي من الاستبداد والتبعية والفقر والهزيمة. لذلك كان أدبه سياسيًا دون أن يفقد فنه، وكان نضاله فكريًا دون أن يبتعد عن الناس. جمع بين الرواية والبيان، بين القصة والمقال، بين المخيم والمكتب السياسي، بين الطفل اللاجئ والمناضل الذي يعرف أن الوعي جزء من المعركة.
لو خاطب غسان الجبهة اليوم
لو كان غسان بيننا اليوم، لربما خاطب الجبهة التي أحبها وانتمى إليها بعتب قاسٍ لا يليق إلا بمن يحب. لقال لها: لم أكتب “الهدف” كي يصبح الهدف غائمًا، ولم أحمل الكلمة كي تصير ذيلًا لمحاور لا ترى فلسطين إلا ورقة في صراعاتها. لم تكن الجبهة يومًا لتكون صدى لغير شعبها، ولا ظلًا لأنظمة، ولا جزءًا من ممانعة تستخدم فلسطين حين تحتاجها وتتركها حين تنزف.
كان سيقول لها إن أصول النضال لا تُقاس بعدد الشعارات، بل بمدى الوفاء للناس. وإن المقاومة التي تفقد استقلالها الأخلاقي والسياسي تفقد روحها. وإن فلسطين ليست ملحقًا في حسابات الإقليم، ولا جسرًا لمفاوضات الآخرين، ولا بندًا في صفقات لا يدفع ثمنها إلا الفلسطيني.
كان سيقول للجبهة: تذكري أم سعد، لا تنسي المخيم، لا تخوني البسطاء الذين صدقوا أن اليسار الفلسطيني وُجد كي يكون ضمير الفقراء والمقاومين، لا كي يبرر ارتماءه في أحضان قوى لا تشبه حلمه الأول. تذكري أن فلسطين لا تتحرر حين تستبدل احتلالًا بوصاية، ولا حين يتحول القرار الوطني إلى صدى بعيد في غرف الآخرين.
لو كان غسان بيننا لكتب لغزة
لو كان غسان كنفاني بيننا اليوم، لما كتب عن غزة كمدينة محاصرة فقط، بل كجسد فلسطيني وعربي تُرك وحيدًا في العراء. لكتب لها: خدعوكي باسم البطولة، ثم تركوكي تحت النار. زيّنوا لكِ الموت بشعارات كبيرة، ثم غادروا إلى شاشاتهم ومنابرهم وغرف تفاوضهم. قالوا إنكِ قلب المعركة، لكنهم لم يفتحوا لكِ باب نجاة. قالوا إنكِ عنوان المقاومة، ثم تركوا أطفالكِ يحصون الخيام بدل المدارس، والقبور بدل الحدائق، والجوع بدل الخبز.
لو كان غسان بيننا، لكتب عن الخيانة قبل أن يكتب عن البطولة؛ عن أولئك الذين جعلوا من دم غزة وقودًا لخطاباتهم، ومن ركامها منصة لمساوماتهم، ومن وجع أمهاتها مادة في نشرات الأخبار. لقال إن أخطر ما تتعرض له غزة ليس القصف وحده، بل ذلك التصفيق البارد الذي يرافق القصف، وتلك البلاغات التي تخلط بين التضحية والانتحار، وبين المقاومة واستباحة الناس، وبين الشهادة وتجارة الموت.
ولما خدعته محاور ترفع أسماء كبيرة وتخفي خلفها حسابات صغيرة. كان سيعرف أن المقاومة التي لا تحمي شعبها تتحول إلى عبء عليه، وأن السلاح الذي لا يصون الأطفال من الجوع لا يحق له أن يتكلم باسمهم، وأن القضية حين تتحول إلى ورقة تفاوض في أيدي الآخرين تصبح خيانة مضاعفة: خيانة للدم، وخيانة للمعنى، وخيانة لفلسطين نفسها.
كان غسان سيكتب أن غزة لم تُهزم لأنها صمدت، بل لأن كثيرين تاجروا بصمودها. لم تسقط لأن العدو وحشي فقط، بل لأن القريب كان جبانًا، والحليف كان انتهازيًا، والخطاب كان أكبر من القدرة، والشعار كان أعلى من الحقيقة. كان سيصرخ كما صرخ في “رجال في الشمس”: لماذا لم يدقّوا جدران الخزان؟ لكنه اليوم كان سيضيف: ومن الذي أقفل الخزان على غزة؟ ومن الذي سمع صراخها ثم رفع الصوت في الميكروفون كي لا يسمع أحد؟
الخيانة حين ترتدي قناع المقاومة
كان غسان سيكتب أن الخيانة ليست دائمًا توقيع اتفاق مع العدو، فقد تكون أحيانًا في دفع الناس إلى المحرقة ثم تركهم وحدهم. قد تكون في تحويل شعب كامل إلى رهينة شعار، وفي مصادرة قراره باسم قضيته، وفي المتاجرة بدمه باسم تحريره. كان سيقول إن العدو واضح، أما الأخطر فهو من يأتيك باسمك، يلبس كوفيتك، يتكلم بلغتك، يرفع صورتك، ثم يتركك عاريًا أمام المجزرة.
الخيانة ليست أن تختلف في السياسة، بل أن تكذب على الناس. أن تقول لهم إن النصر قريب بينما تعرف أن الخراب يقترب. أن ترفع راية التحرير ولا تملك خطة لحماية طفل واحد. أن تتحدث عن الكرامة فيما الناس يقفون في طوابير الجوع. أن تجعل من غزة مسرحًا لبطولات خطابية بينما أهلها يبحثون عن الماء والدواء والدفن اللائق لشهدائهم.
غسان لم يكن ليسامح هذا النوع من الخيانة. لأنه كان يعرف أن فلسطين لا تحتاج إلى خطباء أكثر، بل إلى صادقين أكثر. لا تحتاج إلى من يستثمر دمها، بل إلى من يحمي ناسها. لا تحتاج إلى محور يرفعها حين يريد الضغط، ويتركها حين تبدأ المساومة.
غزة بين رجال الخزان وأطفال الخيام
في “رجال في الشمس” مات الرجال داخل الخزان لأنهم لم يطرقوا الجدار. أما غزة اليوم فقد طرقت كل الجدران: جدار العالم، جدار العرب، جدار الضمير، جدار المؤسسات، جدار المحاور، جدار المتاجرين. طرقت حتى دميت يداها، لكن الذين في الخارج كانوا مشغولين بتفسير الصراخ لا بفتح الباب.
غزة ليست صامتة. غزة صرخت بما يكفي. الذي صمت هو العالم. الذي صمت هم القريبون. الذي صمت هم الذين باعوا الناس وهم البطولة ثم تركوهم للموت. غزة لم تمت لأنها لم تكن ندًا؛ غزة كانت ندًا وأكثر. لكنها تُركت وحدها في خزان أكبر من الصحراء، خزان اسمه الحصار، والتخاذل، والانتهازية، والحسابات الإقليمية، وخيانة المعنى.
الدموع لا تسترد المفقودين
كتب غسان في “عائد إلى حيفا”: “الدموع لا تسترد المفقودين ولا الضائعين ولا تجترح المعجزات”. وهذه العبارة اليوم تكاد تكون وصيته لغزة وفلسطين كلها. لا يكفي أن نبكي غزة، ولا أن نرثي أطفالها، ولا أن ننشر صور ركامها. البكاء بلا فعل إهانة ثانية للضحايا. والحزن بلا موقف يصبح عادة. والغضب بلا مراجعة يتحول إلى ضجيج.
ما تحتاجه غزة ليس مراثي أكثر، بل حسابًا عسيرًا. من أخذ القرار؟ من دفع الثمن؟ من وعدها وتركها؟ من تاجر بجوعها؟ من استخدم دمها في بازار السياسة؟ من جعل الأطفال وقودًا لصورة كاذبة عن نصر لا يراه إلا من يعيش بعيدًا عن الركام؟
غسان باقٍ لأن السؤال باقٍ
استشهد غسان كنفاني في بيروت، ومعه ابنة شقيقته لميس، لكن اغتياله لم ينه أثره. أرادوا أن يسكتوا الكلمة، فإذا بها تتحول إلى مدرسة. أرادوا قتل الكاتب، فإذا به يصبح ضميرًا. أرادوا محو الرواية الفلسطينية، فإذا بغسان يكتبها بدمه وبحبره وبحياة قصيرة صارت أطول من أعمار قاتليه.
غسان لم يكن روائيًا شهيدًا فقط. كان مشروع وعي فلسطيني كامل. كان يعرف أن فلسطين لا تُحرر بالشعارات وحدها، ولا بالسلاح وحده، ولا بالدم وحده، بل بصدق العلاقة بين الشعب وقضيته. كان يعرف أن المقاومة بلا أخلاق قد تخون ذاتها، وأن السياسة بلا شعب تتحول إلى مقامرة، وأن الدم الفلسطيني ليس ملكًا لأحد.
في ذكراه، لا نقرأه كما نقرأ كاتبًا مضى. نقرأه كمن لا يزال يسألنا: ماذا فعلتم بفلسطين؟ هل طرقتم جدران الخزان؟ هل حميتم أم سعد من خيبة جديدة؟ هل عدتم إلى حيفا بوعي جديد؟ هل حفظتم غزة من تجار الدم ومحاور الخديعة؟ هل بقي الإنسان عندكم قضية، أم صار رقمًا في بيان؟
غسان لم يمت. الذي يموت هو الصمت. أما من يحول الحبر إلى مقاومة، والمنفى إلى ذاكرة، والجرح إلى قضية، فإنه يبقى شاهدًا وسلاحًا وضميرًا.
سلام على غسان كنفاني، الكاتب الذي لم يساوم، والمناضل الذي لم يفصل الكلمة عن الفعل، والشهيد الذي علّمنا أن فلسطين لا تُكتب بالحبر وحده، بل بالوعي والكرامة والصدق. وسلام على غزة التي دقّت جدران الخزان حتى انكسرت يداها، ولم ينكسر صوتها.



