أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
تُنسب إلى سلام عادل، سكرتير الحزب الشيوعي العراقي، عبارة مكثفة تقول: «قوة الحزب من قوة الجماهير، وقوة الجماهير من وعيها». ليست هذه الجملة شعاراً تنظيمياً عابراً، بل مدخل فلسفي إلى جوهر الماركسية بوصفها نظرية في التاريخ، والوعي، والتنظيم، والصراع الطبقي. فهي تختصر العلاقة الجدلية بين الحزب والجماهير: الحزب لا يخلق قوته من ذاته، ولا من اسمه، ولا من ماضيه، بل من التحامه بحركة الناس الفعلية؛ والجماهير لا تتحول إلى قوة تاريخية إلا حين يتجاوز غضبها العفوي إلى وعي منظّم بمصالحها وموقعها ودورها.
في الفلسفة الماركسية، لا يولد الوعي في الفراغ. ماركس وإنجلز في «الأيديولوجيا الألمانية» يرفضان التصور المثالي الذي يجعل الأفكار تتحرك وحدها فوق الواقع، ويؤكدان أن الوعي مرتبط بالحياة العملية وبالوجود الاجتماعي للبشر. وفي مقدمة ماركس الشهيرة لكتاب «مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي» تظهر الفكرة بوضوح: ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم، بل وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم. أي أن الفقر، والعمل، والاستغلال، والملكية، وعلاقات الإنتاج، ليست ظروفاً خارجية فقط، بل هي التي تصوغ أفق التفكير والإحساس والموقف السياسي.
لكن الماركسية لا تقول إن الجماهير تصبح واعية آلياً لمجرد أنها مظلومة. هنا تكمن أهمية العبارة. فالمعاناة وحدها لا تكفي. قد يكون العامل مستغَلاً، والفقير مسحوقاً، والشعب منهوباً، ومع ذلك يمكن أن يُقاد وعيه إلى الطائفية، أو العشائرية، أو القومية الضيقة، أو الخرافة، أو الولاء للزعيم، أو الخضوع للسلطة. لذلك تحدث ماركس وإنجلز عن الأفكار السائدة بوصفها في كل عصر أفكار الطبقة السائدة، لأن الطبقة التي تملك وسائل الإنتاج المادي تمتلك أيضاً، بدرجات مختلفة، وسائل إنتاج المعنى والوعي والشرعية.
من هنا يصبح الوعي ميدان صراع. الطبقة الحاكمة لا تسيطر فقط بالشرطة والجيش والقانون، بل تسيطر أيضاً بالمدرسة، والإعلام، والدين السياسي، والثقافة، واللغة، والرموز، وتقديم مصالحها الخاصة كأنها مصلحة عامة. وحين تفقد الجماهير وعيها الطبقي، تتحول من قوة تغيير إلى مادة قابلة للاستخدام. تنتخب ضد مصالحها، وتدافع عن مستغليها، وتكره من يشبهها، وتصفق لمن يسلبها. لذلك فإن قول سلام عادل إن قوة الجماهير من وعيها ليس كلاماً أخلاقياً، بل تشخيص ماركسي عميق: الجماهير بلا وعي ليست طبقة لذاتها، بل كتلة مشتتة داخل شروط السيطرة.
وهنا يظهر دور الحزب. في التصور الماركسي، الحزب ليس بديلاً عن الجماهير، ولا وصياً عليها، ولا جهازاً يتكلم باسمها من فوق. الحزب هو الشكل المنظم لوعيها التاريخي، أو هكذا ينبغي أن يكون. إن قوته لا تأتي من الانضباط وحده، بل من قدرته على تحويل الألم الاجتماعي إلى معرفة، والمعرفة إلى موقف، والموقف إلى تنظيم، والتنظيم إلى فعل تاريخي. فإذا انفصل الحزب عن الجماهير صار بيروقراطية. وإذا ذاب في عفويتها صار بلا وظيفة. قوته في أن يكون معها، ومنها، وأمامها في لحظة الوعي، لا فوقها في لحظة السلطة.
ومن هنا تبرز مسألة العدد، وهي مسألة ما زالت تقلقني منذ طُرحت أمامي في أحد النقاشات مع قائد من حزب عربي. تحدّث يومها عن عدد تلزمهم به السلطة، وعن خلل حزبي داخلي كاد أن يطيح بهذا العدد، وكأن الحزب يقف أمام امتحان حسابي: هل نملك الرقم المطلوب أم لا؟ ومنذ ذلك النقاش وأنا أفكر في جوهر المسألة: هل الحزب عدد؟ هل هو جدول عضوية؟ هل هو هيكل تنظيمي مكتمل على الورق؟ أم أن الحزب، في معناه العميق، التزام؟
هنا يجب أن نقول بوضوح: المسألة ليست عددية. قد يمتلك الحزب آلاف الأسماء، لكنه لا يمتلك حزباً حقيقياً. وقد يحافظ على هيكل، ولجان، ومكاتب، ومؤتمرات، وبيانات، لكنه يكون فارغاً من الداخل إذا غاب الالتزام. العدد ضروري، لكنه ليس جوهر القوة. الهيكل ضروري، لكنه ليس روح الحزب. التنظيم بلا التزام يتحول إلى إدارة. والعدد بلا وعي يتحول إلى كتلة صامتة. والعضوية بلا فعل تتحول إلى إحصاء. أما الحزب في الفهم الماركسي، فهو علاقة حية بين وعي وممارسة وانتماء وصراع.
إن السلطة، حين تلزم الأحزاب بعدد معين، تفكر بمنطق الضبط الإداري، لا بمنطق الحياة السياسية. تريد أن تختزل الحزب في ملف قانوني، وعدد أعضاء، وشروط ترخيص، ونظام داخلي. لكن الحزب الثوري لا يولد من اعتراف السلطة به، بل من اعتراف الجماهير بدوره. الشرعية الحقيقية ليست في الرقم الذي تطلبه الدولة، بل في القدرة على تمثيل مصالح الناس وتنظيم وعيهم والدفاع عنهم في لحظات الخطر. فكم من أحزاب امتلكت الأرقام القانونية ولم تمتلك حضوراً اجتماعياً؟ وكم من تنظيمات صغيرة هزّت التاريخ لأنها امتلكت الوعي، والالتزام، والقدرة على الالتحام بالجماهير؟
المشكلة الأخطر أن الخلل الداخلي قد يطيح بالعدد، لكنه قبل ذلك يكشف ضعف الالتزام. فالعدد لا ينهار فجأة؛ ينهار حين تكون العلاقة بالحزب علاقة شكلية، لا علاقة عقائدية وأخلاقية ونضالية. العضو الذي لا يشعر أن الحزب قضيته، يغادر عند أول أزمة. والعضو الذي دخل الحزب كهوية اجتماعية لا كموقف تاريخي، يصمت حين يجب أن يتكلم. والعضو الذي لم يتربَّ سياسياً وفكرياً، يتحول إلى رقم قابل للانسحاب أو الانقسام أو الاستخدام. لذلك فإن أزمة العدد في حقيقتها أزمة تربية حزبية، وأزمة وعي، وأزمة معنى.
لينين في «ما العمل؟» طرح المسألة من زاوية التنظيم الثوري. فقد رأى أن النضال الاقتصادي العفوي للعمال قد ينتج وعياً نقابياً يطالب بتحسين الأجور والشروط، لكنه لا يتحول وحده بالضرورة إلى وعي سياسي شامل بطبيعة الدولة والسلطة والطبقات. لذلك اعتبر أن الحزب الثوري مطالب برفع مستوى الوعي من حدود المطالب الجزئية إلى فهم البنية الكاملة للاستغلال. لكن هذه الفكرة، حين تُشوَّه، قد تتحول إلى نخبوية حزبية قاتلة. فالحزب الذي يظن أنه يملك الوعي وحده ينتهي إلى احتقار الجماهير، والحزب الذي يحتقر الجماهير يفقد سبب وجوده.
لذلك لا بد من قراءة لينين جدلياً لا بيروقراطياً: الحزب لا يهب الوعي للجماهير كما يهب المعلم الدرس للتلميذ، بل يشارك في إنتاج الوعي معها، داخل الصراع، داخل المصنع، والشارع، والجامعة، والنقابة، والحي، والسجن، والمنفى، والانتفاضة. الوعي ليس خطبة حزبية، بل تجربة اجتماعية منظمة. والتنظيم ليس رقماً، بل التزام مستمر. والالتزام ليس طاعة عمياء، بل وعي حرّ يختار موقعه في الصراع.
غرامشي عمّق هذه المسألة حين تحدث عن الهيمنة والمثقف العضوي. فالصراع لا يُحسم فقط في الدولة، بل في المجتمع المدني أيضاً؛ في الثقافة، والعادات، واللغة، و«الحس المشترك» الذي يجعل الناس يرون العالم كما تريد الطبقات المهيمنة أن يروه. لذلك لا يحتاج الحزب الثوري إلى خطباء فقط، بل إلى مثقفين عضويين مرتبطين بحياة الطبقات الشعبية، قادرين على تحويل التجربة اليومية إلى وعي نقدي، وعلى تحويل الوعي النقدي إلى مشروع تاريخي. وهنا أيضاً لا تعود المسألة مسألة عدد، بل مسألة نوعية الالتزام: من هم هؤلاء الأعضاء؟ ماذا يعرفون؟ ماذا يفعلون؟ بماذا يضحون؟ وأي علاقة تربطهم بالناس؟
من هذه الزاوية، تبدو أزمة الأحزاب الشيوعية اليوم أزمة فلسفية قبل أن تكون أزمة تنظيمية. فالسؤال ليس فقط: كم عضواً لديها؟ ولا كم بياناً تصدر؟ ولا كم ذكرى تحتفل بها؟ السؤال الأعمق: هل ما زالت تنتج وعياً؟ هل ما زالت تفهم التحولات الجديدة في الرأسمالية؟ هل تقرأ عالم العمل الهش، والبطالة المقنعة، والهجرة، والديون، والمنصات الرقمية، والاغتراب الجديد، وتسليع الإنسان، وتحويل المواطن إلى مستهلك خائف؟ أم أنها تكرر لغة القرن الماضي أمام رأسمالية غيّرت أدواتها وأبقت جوهرها الاستغلالي؟
الحزب الذي يخاف على عدده أكثر مما يخاف على معناه، يدخل بداية نهايته. والحزب الذي يحافظ على هيكله بينما يفقد روحه، يشبه جسداً قائماً بلا نبض. أما الحزب الثوري الحقيقي، فلا يقيس نفسه بالعدد وحده، بل بقدرته على صناعة الإنسان الملتزم: ذلك العضو الذي لا يكون رقماً في سجل، بل عقلاً في معركة الوعي، وضميراً في معركة العدالة، ويداً في معركة التنظيم، وصوتاً في معركة الجماهير.
لقد أدرك ماركس أن الرأسمالية لا تستغل الجسد فقط، بل تعيد تشكيل الزمن، والرغبة، والعلاقات، والمعنى. واليوم، في زمن السوق الشامل، لم تعد السيطرة تمر من المصنع وحده، بل من الشاشة، والإعلان، والخوارزمية، والديون، وثقافة النجاح الفردي، وخطاب «كل إنسان مسؤول وحده عن فشله». هنا تصبح مهمة الحزب أصعب: أن يكشف البنية خلف الظاهرة، والطبقة خلف الطائفة، والاستغلال خلف الاستهلاك، والسياسة خلف الخطاب الأخلاقي.
إن العبارة المنسوبة إلى سلام عادل تضع الأحزاب الشيوعية أمام امتحان قاسٍ: لا قيمة لحزب يتحدث عن الجماهير ولا يعيش بينها. لا قيمة لحزب يرفع اسم الطبقة العاملة ولا يعرف أشكال العمل الجديدة. لا قيمة لحزب يتغنى بالوعي ولا يجدد أدوات إنتاجه. لا قيمة لحزب يكتفي بتاريخ الشهداء إذا لم يحوّل هذا التاريخ إلى مدرسة للمستقبل. فالماركسية ليست متحفاً للأيقونات، بل منهج نقدي لتغيير العالم.
الفلسفة الماركسية لا تفصل بين المعرفة والفعل. ماركس في أطروحاته حول فويرباخ قال إن الفلاسفة اكتفوا بتفسير العالم، بينما المطلوب تغييره. لكن تغيير العالم لا يتم بالإرادة وحدها، بل بوعي الشروط التي تجعل التغيير ممكناً. من هنا تصبح الجماهير قوة تاريخية حين تفهم موقعها في علاقات الإنتاج، وتدرك أن ما يبدو قدراً هو في الحقيقة نظام، وأن ما يبدو فردياً هو اجتماعي، وأن ما يبدو طبيعياً هو تاريخي قابل للتغيير.
لذلك فإن قوة الحزب من قوة الجماهير تعني أن الحزب لا يستطيع أن يكون ثورياً إذا كانت الجماهير غائبة عنه. وقوة الجماهير من وعيها تعني أن الجماهير لا تستطيع أن تنتصر إذا بقي وعيها ممزقاً بين الخوف والطائفة والخرافة والاستهلاك والولاءات الصغيرة. أما مسألة العدد، فهي لا تُفهم إلا من داخل هذه المعادلة: العدد الذي لا يحمله وعي لا يصنع قوة، والهيكل الذي لا يحمله التزام لا يصنع حزباً، والتنظيم الذي لا يسكنه مشروع تحرري لا يصنع تاريخاً.
ما أحوج اليسار اليوم إلى استعادة هذه الجدلية. ليس بالحنين، بل بالنقد. ليس بتقديس الماضي، بل بفهم الحاضر. ليس بترديد أسماء ماركس ولينين وغرامشي وسلام عادل، بل باستئناف السؤال الذي طرحوه كل بطريقته: كيف يتحول الإنسان المقهور من موضوع للاستغلال إلى ذات تاريخية واعية؟ كيف تتحول الجماهير من جمهور غاضب إلى قوة منظمة؟ كيف يتحول الحزب من ذاكرة حزينة إلى أداة تحرر؟ وكيف يتحول العضو من رقم مطلوب للترخيص إلى ملتزم حقيقي في مشروع تغيير؟
إن الحزب الذي لا يصنع الوعي يفقد مبرر وجوده. والجماهير التي لا تمتلك الوعي تُقاد إلى معارك غير معاركها. والعدد الذي لا يستند إلى التزام يتحول إلى وهم تنظيمي. وبين حزب بلا جماهير، وجماهير بلا وعي، وعدد بلا التزام، تضيع فرصة التاريخ.
لذلك تبقى الجملة صالحة كحكم فلسفي وسياسي في آن واحد:
قوة الحزب من قوة الجماهير، وقوة الجماهير من وعيها.
ويجب أن نضيف إليها اليوم:
وقوة التنظيم ليست في عدده، بل في التزام أعضائه ووعيهم وقدرتهم على أن يكونوا جزءاً حياً من حركة الجماهير.
وكل حزب لا يبدأ من هنا، لا يبدأ من الماركسية، بل من ظلها.



