أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
في الثامن من تموز/يوليو 2026، لم يكن تقليد رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني وسام “نجمة إيطاليا” برتبة “فارس الصليب الأكبر” حدثاً بروتوكولياً عابراً، ولا مجرّد مجاملة دبلوماسية بين أربيل وروما. لقد بدا التكريم، في جوهره السياسي، اعترافاً إيطالياً واضحاً بدور إقليم كوردستان في معادلة الاستقرار العراقي والإقليمي، وبالموقع الذي استطاع نيجيرفان بارزاني أن يحافظ عليه لكوردستان: موقع الشريك الموثوق، لا الطرف الهامشي؛ وموقع الجسر بين بغداد وروما، لا الجغرافيا المعزولة في شمال العراق.
نشرت صحيفة Il Riformista الإيطالية خبراً بعنوان: “A Barzani l’onorificenza del Presidente della Repubblica”، وجاء فيه بالنص الإيطالي: “L’Italia ha conferito oggi a Erbil l’onorificenza di Cavaliere di Gran Croce dell’Ordine della Stella d’Italia”، وترجمته: “منحت إيطاليا اليوم في أربيل وسام فارس الصليب الأكبر من وسام نجمة إيطاليا”. وأضافت الصحيفة أن الوسام سُلّم عبر السفير الإيطالي في العراق نيكولو فونتانا نيابة عن الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا، وأنه يأتي اعترافاً بدور بارزاني في تعزيز العلاقات بين روما وبغداد وإقليم كوردستان.
أهمية الخبر لا تأتي من تداوله الإعلامي فقط، بل من تثبيته في الوثائق الرسمية الإيطالية. فقد نشرت الجريدة الرسمية للجمهورية الإيطالية مرسوماً رئاسياً جاء فيه: “È conferita l’onorificenza Cavaliere di Gran Croce dell’Ordine della Stella d’Italia”، وترجمته: “تُمنح وسام فارس الصليب الأكبر من وسام نجمة إيطاليا”. وفي قائمة المكرّمين ورد الاسم صريحاً: “BARZANI S.E. NECHIRVAN IDRIS MUSTAFA”، أي: “صاحب السعادة نيجيرفان إدريس مصطفى بارزاني”. وهذا يعني أن المسألة لم تعد مجرد إعلان صحافي، بل قرار دولة صادر ضمن أطر التكريم الرسمية في الجمهورية الإيطالية.
في النظام الدستوري الإيطالي، الأوسمة من هذا النوع لا تُمنح خارج المسار الرسمي. فموقع رئاسة الجمهورية الإيطالية، الكويرينالي، يوضح أن وسام نجمة إيطاليا يُمنح من رئيس الجمهورية بناءً على اقتراح وزير الخارجية وبعد الاستماع إلى مجلس الوسام. النص الإيطالي يقول: “L’onorificenza è concessa dal Presidente della Repubblica”، وترجمته: “يُمنح الوسام من رئيس الجمهورية”. ويضيف المصدر أن مجلس الوسام يرأسه وزير الخارجية ويضم أربعة أعضاء آخرين، أحدهم بحكم منصبه رئيس المراسم الدبلوماسية في الجمهورية. هذا التفصيل مهم، لأنه يضع تكريم بارزاني في خانة القرار السيادي الإيطالي، لا في خانة المبادرة الشخصية أو المجاملة الدبلوماسية. إن الدولة الإيطالية، عبر رئيسها ووزارة خارجيتها ومجلس الوسام، قالت بوضوح إن نيجيرفان بارزاني أدّى دوراً يستحق أن يُسجّل في تقاليد التكريم الإيطالية.
تعود جذور هذا الوسام إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية. فقد كان يحمل في بدايته اسم “وسام نجمة التضامن الإيطالي”، وأُنشئ عام 1947 في مرحلة كانت إيطاليا تخرج فيها من خراب الحرب والفاشية، وتبحث عن إعادة بناء موقعها بين الأمم. يذكر موقع رئاسة الجمهورية الإيطالية، في صفحة الوسام القديم، أن غايته كانت: “Ricompensare quanti abbiano specialmente contribuito alla ricostruzione dell’Italia”، وترجمتها: “مكافأة الذين أسهموا بصورة خاصة في إعادة إعمار إيطاليا”. كما يوضح أن المستفيدين منه كانوا من الإيطاليين في الخارج والأجانب.
لكن إيطاليا الحديثة أعادت صياغة معنى الوسام سنة 2011، فانتقل من ذاكرة إعادة الإعمار بعد الحرب إلى معنى أوسع: تعزيز مكانة إيطاليا الدولية، وتطوير علاقات الصداقة والتعاون بينها وبين الشعوب والدول والمؤسسات والشخصيات التي تساعد في توسيع حضورها الإنساني والسياسي والثقافي والاقتصادي في العالم. في تعميم وزارة الخارجية الإيطالية لسنة 2012، جاء النص الإيطالي التالي: “L’Ordine della Stella d’Italia è riservato ai cittadini italiani e stranieri”، وترجمته: “وسام نجمة إيطاليا مخصص للمواطنين الإيطاليين والأجانب”، ممن اكتسبوا استحقاقات خاصة في تعزيز علاقات الصداقة والتعاون بين إيطاليا والبلد الذي يعملون فيه، وفي ترسيخ الروابط مع إيطاليا.
أما رئاسة الجمهورية الإيطالية فتوضح أن الوسام يتكوّن اليوم من خمس درجات: فارس الصليب الأكبر، الضابط الكبير، القائد، الضابط، الفارس، إضافة إلى درجة خاصة هي الصليب الأكبر الشرفي لمن فقدوا حياتهم أو تعرضوا لإصابات جسيمة أثناء أعمال إنسانية عالية القيمة في الخارج. وبذلك، فإن الدرجة التي مُنحت لنيجيرفان بارزاني، أي فارس الصليب الأكبر، هي أعلى درجة عادية في هذا الوسام.
السؤال السياسي هنا ليس: لماذا وسام؟ بل: لماذا الآن، ولماذا نيجيرفان بارزاني تحديداً؟
الجواب يكمن في مسار طويل من العلاقات بين أربيل وروما، وفي الشخصية السياسية التي مثّلها نيجيرفان بارزاني داخل هذا المسار. فمنذ سنوات، ظهر بارزاني في السياسة الكوردستانية بوصفه رجل العلاقات الهادئة، والدبلوماسية المستمرة، واللغة الأقل صداماً والأكثر قدرة على فتح الأبواب. لقد تعامل مع إيطاليا لا باعتبارها دولة أوروبية بعيدة، بل باعتبارها شريكاً قادراً على الجمع بين الأمن والاقتصاد والثقافة والعمل الإنساني.
قبل تقليد الوسام بأسابيع، كان بارزاني في روما. في 19 أيار/مايو 2026، التقى الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا في قصر الكويرينالي، ثم التقى وزير الخارجية ونائب رئيس الوزراء أنطونيو تاجاني. وكتبت وكالة Agenzia Nova الإيطالية أن ماتاريلا استقبل بارزاني في الكويرينالي وتمنى أن تصبح العلاقة “sempre più intensa”، وترجمتها: “أكثر كثافة وعمقاً باستمرار”. كما نقلت الوكالة عن بارزاني قوله إن زيارة الكويرينالي كانت “un onore e un piacere”، أي: “شرفاً وسروراً”.
وفي الخبر نفسه، نقلت Agenzia Nova أن بارزاني شكر إيطاليا على دعمها الثابت للعراق وإقليم كوردستان، بما في ذلك دورها السياسي والإنساني والتنموي، ومساعدتها العسكرية خلال الحرب ضد الإرهاب. هذا التوصيف يلخص الركائز الأربع التي بنت العلاقة بين إيطاليا وكوردستان: السياسة، الأمن، التنمية، والثقافة.
منذ صعود تنظيم داعش وتهديده المباشر لأربيل وسهل نينوى، كانت إيطاليا واحدة من الدول الغربية التي أخذت موقعها في دعم الاستقرار في العراق وإقليم كوردستان. لم يكن هذا الدعم سياسياً فقط، بل اتخذ شكلاً عملياً عبر التدريب العسكري والتعاون الأمني مع قوات البيشمركة والقوات العراقية ضمن الجهد الدولي ضد الإرهاب.
القنصلية الإيطالية العامة في أربيل نشرت في تموز/يوليو 2024 خبراً عن رفع مستوى التمثيل الإيطالي في أربيل إلى قنصلية عامة، وأوردت أن الجيش الإيطالي درّب منذ بداية 2024 مئات العناصر في إقليم كوردستان، كما درّب سنة 2023 ما يقارب ألفي مقاتل من البيشمركة. هذه الأرقام تكشف أن إيطاليا لم تتعامل مع كوردستان كملف دبلوماسي فقط، بل كمساحة أمنية أساسية في معادلة الاستقرار العراقي.
وفي أيلول/سبتمبر 2023، أعلنت القنصلية الإيطالية في أربيل أن فريق التدريب المتنقل التابع للجيش الإيطالي أنجز دورات تدريبية في مناطق وضعتها وزارة البيشمركة تحت تصرفه، تحت عنوان واضح: “Missione in Iraq: 1000 militari iracheni addestrati da italiani”، أي: “المهمة في العراق: ألف عسكري عراقي دُرّبوا على يد إيطاليين”.
أما وزير الدفاع الإيطالي غويدو كروزيتو، فقد عبّر خلال زيارته لأربيل عن رؤية إيطالية مباشرة لموقع كوردستان. ونقلت القنصلية الإيطالية عنه قوله إن العراق وإقليم كوردستان يقعان في قلب الاستقرار الإقليمي، وإن إيطاليا ترى في أربيل “un attore chiave per pace e stabilità”، وترجمتها: “فاعلاً أساسياً من أجل السلام والاستقرار”. هذه العبارة تكاد تختصر فلسفة الوسام: روما لا ترى في أربيل إدارة محلية فقط، بل فاعلاً سياسياً وأمنياً في منطقة مضطربة.
العلاقة الإيطالية الكوردستانية لم تبقَ أسيرة الحرب ضد الإرهاب. بعد مرحلة داعش، بدأت روما تنظر إلى الإقليم بوصفه فضاءً اقتصادياً واستثمارياً، خصوصاً في قطاعات الطاقة، البنى التحتية، الصناعات الدوائية، والزراعة والغذاء.
في كانون الثاني/يناير 2026، نشرت وزارة الخارجية الإيطالية خبراً عن لقاء وزير الخارجية أنطونيو تاجاني مع مسعود بارزاني، وذكرت أن العلاقات بين إيطاليا وإقليم كوردستان العراق تعززت عبر شراكة اقتصادية متنامية وتعاون مثمر في الدفاع. كما أشار تاجاني إلى اهتمام الشركات الإيطالية بتقوية التعاون في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والصناعات الدوائية والزراعة والغذاء، مستحضراً منتدى الأعمال بين إيطاليا وكوردستان العراق الذي عُقد في روما في العام السابق.
هذا المسار الاقتصادي يعطي وسام نيجيرفان بارزاني بعداً إضافياً: فالتكريم لا يخص الماضي فقط، بل يفتح الباب للمستقبل. إنه اعتراف برجل ساهم في بناء الثقة السياسية اللازمة لتحويل العلاقة إلى شراكة أوسع، حيث تستطيع الشركات الإيطالية أن ترى في أربيل بوابة اقتصادية إلى العراق، وحيث يستطيع الإقليم أن يستفيد من الخبرة الإيطالية في مجالات الصناعة والبنية التحتية والطاقة والزراعة والتراث.
ولإيطاليا حضور خاص في كوردستان لا يقتصر على الجيش والدبلوماسية. فهناك بعد ثقافي وأثري عميق يليق ببلد مثل إيطاليا، يحمل إرث روما القديمة وعصر النهضة، ويتعامل مع التراث لا كزينة، بل كجزء من السياسة الخارجية الناعمة.
في نيسان/أبريل 2024، افتُتحت في أربيل فعالية عن البعثات الأثرية الإيطالية في إقليم كوردستان. ونقلت القنصلية الإيطالية عن القنصل ميكيلي كاميروتا قوله إن البعثات الأثرية الإيطالية تمثل “il migliore esempio della collaborazione culturale e scientifica”، وترجمتها: “أفضل مثال على التعاون الثقافي والعلمي” مع الإقليم ومع العراق كله. وأضاف أن لإيطاليا 11 بعثة إيطالية في كوردستان وحدها.
هذا الحضور الثقافي مهم جداً في فهم العلاقة. فإيطاليا لا تدخل كوردستان فقط من باب الأمن، بل من باب الذاكرة أيضاً. إنها تساهم في كشف وحماية طبقات من التاريخ الرافديني والكوردستاني، وتمنح العلاقة طابعاً إنسانياً وحضارياً يتجاوز المصالح المباشرة.
ومن العلامات السياسية اللافتة في تطور العلاقة أن إيطاليا رفعت مستوى تمثيلها في أربيل إلى قنصلية عامة. وهذا تطور له رمزية كبيرة، لأنه يعني أن روما ترى في أربيل مركزاً يستحق حضوراً دبلوماسياً أكبر، لا مجرد مكتب عابر أو ملحقية هامشية. إن وجود قنصلية عامة في أربيل يعني أن إيطاليا تقرأ الإقليم كفاعل مستقر نسبياً، وكحليف ميداني، وكجسر سياسي واقتصادي وثقافي في العراق.
في آذار/مارس 2022، قالت وزارة الخارجية الإيطالية إن السفير الإيطالي موريتسيو غريغانتي لمس مباشرة أثر التعاون بين إيطاليا وكوردستان، بدءاً من الجهود الإيطالية لتحقيق الاستقرار في الإقليم والعراق كله. النص الإيطالي تحدث عن “l’impatto della collaborazione tra Italia e Kurdistan”، وترجمته: “أثر التعاون بين إيطاليا وكوردستان”. هذه العبارة تكشف أن التعاون لم يعد نظرياً، بل له أثر ملموس في الأرض والمؤسسات والعلاقات.
في هذا السياق، لا يمكن الحديث عن موقع نيجيرفان بارزاني في العلاقة مع إيطاليا من دون التوقف عند البعد الإنساني والديني والثقافي في تجربة إقليم كوردستان، وخصوصاً منطقة عين كاوا في أربيل. فقد تحولت عين كاوا خلال السنوات الماضية إلى نموذج بارز للتعايش في الشرق الأوسط، إذ احتضنت مكونات مسيحية متعددة، وتمثلت فيها كنائس وتقاليد كنسية مختلفة، من الكلدان والآشوريين والسريان والأرمن إلى الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية والإنجيلية وغيرها. وقد جرى الحفاظ على هذا الفضاء برعاية سياسية وأمنية من قيادة الإقليم، وبسياسة واضحة من عائلة بارزاني في حماية التنوع الديني والقومي، خصوصاً بعد موجات العنف التي ضربت الموصل وسهل نينوى ومناطق عراقية أخرى. لذلك لم تعد عين كاوا مجرد حي مسيحي في أربيل، بل صارت رمزاً لمعنى أن يستطيع المسيحي أن يعيش إيمانه وطقوسه وكنائسه في قلب منطقة ذات أغلبية كوردية ومسلمة، من دون أن يشعر أنه ضيف أو أقلية معزولة. وهذا النموذج، في بلد عانى من الطائفية والإرهاب والنزوح، يمنح كوردستان قيمة إضافية في نظر أوروبا وإيطاليا تحديداً، حيث يشكل احترام التعدد الديني وحماية الأقليات جزءاً أساسياً من معنى الشراكة السياسية والأخلاقية.
تكريم نيجيرفان بارزاني بهذا الوسام يأتي أيضاً في سياق قراءة إيطالية لدوره في إدارة التوازنات. فهو رئيس إقليم يعيش بين بغداد، طهران، أنقرة، واشنطن، أوروبا، وحسابات الداخل الكوردستاني. في مثل هذا الموقع، لا تكفي الشعارات؛ تحتاج القيادة إلى لغة دقيقة، وبراغماتية عالية، وقدرة على إبقاء الأبواب مفتوحة حتى في أوقات الانقسام.
من هنا، يبدو أن إيطاليا قرأت في نيجيرفان بارزاني شخصية قادرة على الحفاظ على علاقة مستقرة مع روما، وعلى تقديم أربيل كشريك لا يكتفي بطلب الدعم، بل يشارك في إنتاج الاستقرار. هذه نقطة جوهرية: الدول لا تمنح أوسمتها العليا عادة لمن يطلب المساعدة فقط، بل لمن تعتبره مفيداً في شبكة مصالحها وقيمها وصورتها الدولية.
لقد لعب بارزاني دوراً في جعل العلاقة مع إيطاليا متعددة المستويات: رئاسة الجمهورية، وزارة الخارجية، وزارة الدفاع، القنصلية العامة، الشركات، الجامعات، البعثات الأثرية، والتعاون الأمني. وهذا التعدد هو ما يعطي الوسام معناه الحقيقي.
تكريم بارزاني يكشف أيضاً كيف تنظر إيطاليا إلى كوردستان. فهي لا تراها فقط منطقة ذات خصوصية قومية داخل العراق، بل منطقة تقاطع بين الأمن الإقليمي، الحرب على الإرهاب، حماية الأقليات، الطاقة، الاقتصاد، والتراث الثقافي.
إيطاليا، بخلاف بعض القوى التي ترى الشرق الأوسط من زاوية النفط أو الصراعات فقط، تمتلك مقاربة مركبة: أمنية عندما يتعلق الأمر بداعش والبيشمركة، اقتصادية عندما يتعلق الأمر بالشركات والاستثمار، ثقافية عندما يتعلق الأمر بالآثار والتراث، وإنسانية عندما يتعلق الأمر بالاستقرار والنازحين وحماية المجتمعات المحلية.
وهنا يأتي دور نيجيرفان بارزاني: فقد استطاع أن يقدم كوردستان في هذه الصورة المركبة. لا كمنطقة حرب فقط، ولا كقضية قومية فقط، ولا كسوق اقتصادية فقط، بل كحليف يمكنه أن يجمع بين الأمن والسياسة والثقافة.
ومن المهم توضيح أن لقب “فارس” في هذا السياق لا يعني عودة إلى نظام النبلاء أو الامتيازات الإقطاعية، بل هو لقب شرفي ضمن تقاليد الأوسمة الأوروبية. أما “فارس الصليب الأكبر” فهو أعلى درجة عادية في وسام نجمة إيطاليا، ويُمنح عادة لشخصيات ذات أدوار كبيرة في توطيد علاقات إيطاليا الخارجية وتعزيز مكانتها.
رغم أن الوسام مُنح لشخص نيجيرفان بارزاني، إلا أن رمزيته تتجاوز الشخص إلى الموقع والدور. إنه وسام لعلاقة تشكلت عبر أكثر من عقدين بين إقليم كوردستان وإيطاليا، وتطورت عبر لحظات صعبة: الحرب على داعش، حماية أربيل، تدريب البيشمركة، دعم الاستقرار، توسيع الحضور الدبلوماسي، فتح أبواب الاقتصاد، حماية التراث، وتثبيت نموذج تعايش نادر في منطقة عرفت الكثير من الانكسارات الطائفية والدينية.
لذلك، يمكن قراءة الوسام كرسالة بثلاثة اتجاهات.
الأولى إلى أربيل: أن إيطاليا تعتبر الإقليم شريكاً موثوقاً.
الثانية إلى بغداد: أن روما ترى العلاقة مع كوردستان جزءاً من علاقتها بالعراق، لا خروجاً عليها.
الثالثة إلى المنطقة: أن الاستقرار لا يُبنى فقط عبر الجيوش، بل عبر شبكات الثقة والدبلوماسية والثقافة والاقتصاد وحماية التنوع.
حين تمنح إيطاليا نيجيرفان بارزاني وسام نجمة إيطاليا برتبة فارس الصليب الأكبر، فهي لا تكرّم مساراً شخصياً فقط، بل تكرّم وظيفة سياسية كاملة: وظيفة إبقاء كوردستان حاضرة في العالم، منفتحة على أوروبا، قادرة على التحاور مع بغداد، ومفيدة في معادلة الاستقرار الإقليمي.
إنها لحظة تقول فيها روما إن أربيل ليست تفصيلاً بعيداً في خرائط العراق، بل شريك له وزن. وتقول أيضاً إن نيجيرفان بارزاني، بما مثّله من دبلوماسية هادئة وعلاقات مستمرة مع إيطاليا، استطاع أن يحوّل العلاقة بين كوردستان وروما من تعاطف سياسي إلى شراكة متعددة الأبعاد.
وسام نجمة إيطاليا، في أصله، وُلد من ذاكرة إعادة إعمار بلد خرج من الحرب. واليوم، حين يُمنح لرئيس إقليم كوردستان، فإنه يحمل شيئاً من تلك الذاكرة أيضاً: فإيطاليا التي عرفت معنى الدمار وإعادة البناء، ترى في كوردستان منطقة تسعى إلى الاستقرار وسط محيط مضطرب. ومن هنا، يصبح الوسام أكثر من معدن وشريط ومراسم؛ يصبح رسالة سياسية مفادها أن كوردستان، حين تبني الثقة، تستطيع أن تنتزع الاعتراف، وأن أربيل، حين تحسن إدارة علاقاتها، يمكنها أن تكون حاضرة في قلب روما لا على أطرافها.



