أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
ردّاً على مقال الرفيق صلاح عدلي، الأمين العام للحزب الشيوعي المصري، المنشور في موقع “الحوار المتمدن” بتاريخ 6 تموز/يوليو 2026، تحت عنوان: “دور ووجهة نظر الحزب الشيوعي المصري في ثورة 30 يونيو”.
مصر في الوجدان قبل السياسة
قرأت بانتباه شديد ما كتبه الرفيق صلاح عدلي حول دور الحزب الشيوعي المصري ووجهة نظره في ثورة 30 يونيو. وأكتب هذه الملاحظات لا من موقع المحاكمة ولا التقييم المتعالي، فأنا لست في موقع يسمح لي بتقييم حزب عريق يعيش ظروفاً موضوعية صعبة، ويواجه تاريخاً ثقيلاً من القمع والتضييق والالتباس السياسي.
أكتبها من موقع المحبة لمصر، لأهلها الطيبين، لشوارعها، لنيلها، لذاكرتها الشعبية، ولصوت الشيخ إمام وهو يغني لمصر الفقيرة والعنيدة والجميلة: “مصر يمّه يا بهية”، و“آه يا عبد الودود يا واقف على الحدود”، و“هما مين وإحنا مين”، و“نيكسون بابا”. تلك الأغاني لم تكن مجرد فن، بل كانت وعياً شعبياً، وصرخة طبقية، وسخرية جارحة من الاستبداد والتبعية، ودرساً في أن الشعب حين يغني لا يهرب من السياسة، بل يدخلها من باب الوجدان.
ومن هذه المحبة بالذات تأتي الملاحظة. لأن مصر ليست بلداً عادياً في الوجدان العربي، ولا في تاريخ اليسار، ولا في تاريخ الحركة الوطنية. مصر مدرسة، وكل تجربة فيها تترك أثرها في المنطقة كلها. لذلك فإن قراءة ما جرى في 30 يونيو، وقراءة موقف الحزب الشيوعي المصري منها، لا ينبغي أن تبقى في حدود الدفاع أو الهجوم، بل يجب أن تتحول إلى سؤال نظري وسياسي كبير: ماذا يتعلم الحزب الثوري من لحظة شعبية عظيمة حين تفتح الطريق أمام مؤسسة عسكرية لتقبض على القرار؟ وماذا يتعلم من تاريخ طويل أثبت أن الخارج، مهما بدا صديقاً، يتحرك غالباً وفق مصالحه لا وفق مصلحة الأحزاب الشيوعية الوطنية؟
قراءة الإخوان: صواب مبكر لا يكفي وحده
لقد أصاب الرفيق صلاح عدلي في تأكيده أن الحزب الشيوعي المصري قرأ خطر الإخوان المسلمين والإسلام السياسي قراءة مبكرة. وهذا موقف مهم، لأن الإخوان لم يكونوا مجرد حزب محافظ وصل إلى السلطة عبر انتخابات، بل جماعة ذات بنية تنظيمية مغلقة، تقوم على الطاعة والبيعة والتراتبية، وتمتلك مشروعاً تاريخياً للتمكين داخل الدولة والمجتمع. وقد أثبتت تجربة حكم محمد مرسي أن الجماعة لم تنظر إلى الدولة بوصفها وطناً لكل المصريين، بل بوصفها غنيمة سياسية طال انتظارها. ولذلك كان رفض الحزب الشيوعي المصري للانخداع بخطاب الإخوان الديمقراطي موقفاً سليماً في جوهره.
لكن المشكلة، في تقديري، ليست فقط في قراءة الإخوان. المشكلة الأكبر تكمن في قراءة الجيش والدولة. فالحزب الشيوعي، إذا كان ماركسياً بحق، لا يستطيع أن يتعامل مع الجيش بوصفه مؤسسة محايدة فوق الطبقات. الدولة في التصور الماركسي، كما شرح ماركس في “الثامن عشر من برومير لويس بونابرت”، وكما صاغ إنجلز في “أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة”، وكما طور لينين في “الدولة والثورة”، ليست جهازاً بريئاً فوق المجتمع، بل أداة للسيطرة الطبقية، ومركز احتكار العنف والقانون والسجون والإدارة. والجيش، بوصفه قلب جهاز الدولة القمعي، لا يصبح ثورياً لأنه تقاطع في لحظة ما مع غضب شعبي، ولا يصبح حليفاً استراتيجياً لأنه أطاح قوة رجعية أخرى.
30 يونيو: لحظة شعبية أم انتقال المبادرة إلى الجيش؟
نعم، خرجت جماهير واسعة في 30 يونيو ضد حكم الإخوان. ونعم، كان هناك خوف حقيقي على مدنية الدولة المصرية وعلى المجتمع من مشروع الإسلام السياسي. ونعم، كان سقوط حكم الإخوان مطلباً شعبياً واسعاً. لكن ما حدث بعد ذلك يفرض سؤالاً لا يجوز الهروب منه: هل انتقلت المبادرة من الشارع إلى الشعب، أم من الشارع إلى المؤسسة العسكرية؟ وهل استطاعت القوى الثورية أن تحافظ على استقلالها بعد سقوط مرسي، أم أن الجيش، كما يحدث غالباً في التاريخ، استخدم اللحظة الشعبية ليعيد ترتيب السلطة حول نفسه؟
هذا السؤال لا يلغي حقيقة الحشد الشعبي، ولا يختصر ما جرى في رواية مبسطة تقول إنه كان انقلاباً فقط، لكنه أيضاً يمنع الرواية المقابلة التي ترى تدخل الجيش مجرد استجابة بريئة للإرادة الشعبية. الحقيقة أكثر تعقيداً: كانت هناك لحظة شعبية كبرى ضد الإخوان، لكن هذه اللحظة لم تتحول إلى سلطة ديمقراطية شعبية، لأن القوة الأكثر تنظيماً وتسليحاً وموقعاً داخل الدولة هي التي تقدمت وحسمت اتجاه المرحلة.
درس عبد الناصر: حين تأخذ السلطة شعارات اليسار وتصادر حزبه
هنا تعود تجربة الحزب الشيوعي المصري مع عبد الناصر كجرس إنذار تاريخي. فالناصرية رفعت شعارات وطنية واجتماعية مهمة: مقاومة الاستعمار، تأميم قناة السويس، الإصلاح الزراعي، بناء القطاع العام، والانحياز اللفظي والجزئي للفقراء. لكن هذه السياسات، على أهميتها، لم تمنع السلطة من قمع الشيوعيين، واعتقالهم، وتفكيك تنظيماتهم، ثم دفعهم إلى حل أحزابهم والتنظيم داخل الاتحاد الاشتراكي العربي، أي داخل تنظيم السلطة لا داخل حزب مستقل للطبقة العاملة. وقد تناولت هذه التجربة دراسات عديدة، منها كتابات جويل بينين عن الحركة العمالية والشيوعية في مصر، وكتابات سلمى بوتمن حول الشيوعية المصرية، وتجربة هنري كورييل، وشهادات شيوعيين مصريين عاشوا تلك المرحلة.
المفارقة التاريخية هنا قاسية: السلطة الناصرية تبنت جزءاً من اللغة الاجتماعية لليسار، لكنها لم تقبل بوجود اليسار كقوة مستقلة. أخذت من الشيوعيين بعض أفكارهم، لكنها لم تقبل حزبهم. رفعت العدالة الاجتماعية، لكنها رفضت الديمقراطية العمالية. رفعت شعار التحرر الوطني، لكنها لم تقبل بالتعددية السياسية. وهذه هي المعضلة التي لا يجوز أن تتكرر: أن يفرح الحزب الثوري لأن السلطة العسكرية تتبنى بعض عناوينه، ثم يكتشف لاحقاً أنها لا تريد منه إلا أن يكون شاهداً أو تابعاً أو صامتاً.
من كوبا إلى السوفيات: التضامن لا يلغي المصالح
ومن هنا تأتي ملاحظتي على ما ورد في شهادة صلاح عدلي حول مساعدة سفارة كوبا للحزب في توضيح حقيقة ما جرى في 30 يونيو أمام سفراء دول أميركا اللاتينية. هذا أمر جيد من حيث المبدأ، ويعبّر عن معنى نبيل من معاني التضامن الأممي. كوبا، بثورتها وتاريخها ومقاومتها للحصار الأميركي، لها مكانة خاصة في وجدان اليسار العالمي. لكن استحضار كوبا يجب أن يقودنا أيضاً إلى استحضار تجربة أكثر مرارة: تجربة الاتحاد السوفياتي مع الشيوعيين المصريين في عهد عبد الناصر.
لقد نظر الاتحاد السوفياتي إلى مصر الناصرية، خصوصاً منذ صفقة السلاح التشيكية عام 1955، ثم بناء السد العالي، وتصاعد الصراع مع الغرب، بوصفها حليفاً استراتيجياً في الشرق الأوسط. وباسم هذه المصلحة الكبرى، جرى تهميش مأساة الشيوعيين المصريين، وغُضّ النظر عن قمعهم وسجونهم، لأن موسكو كانت تريد الحفاظ على علاقتها بعبد الناصر. لم تكن الأولوية بالنسبة للسوفيات هي استقلال الحزب الشيوعي المصري أو مصلحة الطبقة العاملة المصرية، بل موقع مصر في ميزان الصراع الدولي مع الولايات المتحدة. وهذا درس تاريخي بالغ الأهمية.
بكلام أوضح: الاتحاد السوفياتي لم يتصرف دائماً بوصفه مركزاً أممياً نزيهاً يضع مصالح الأحزاب الشيوعية الوطنية فوق كل اعتبار، بل تصرف كدولة كبرى لها حساباتها الجيوسياسية ومصالحها وتحالفاتها. وهذه المسألة لا تخص مصر وحدها. في تجارب كثيرة، من الشرق الأوسط إلى أميركا اللاتينية وأفريقيا، كانت مصالح الدولة السوفياتية تتقدم أحياناً على مصالح الأحزاب الشيوعية المحلية. وهذا ما يفرض على أي حزب شيوعي جاد أن يميز بين التضامن الأممي الضروري، وبين الاتكال السياسي على الخارج.
العامل الذاتي: حين لا يكفي الانفجار الشعبي
هنا يصبح مفهوم “العامل الذاتي” مركزياً. فالماركسية لا تقول إن الثورة تصنعها الظروف الموضوعية وحدها. صحيح أن الفقر، والاستغلال، والقمع، والتبعية، وانسداد الأفق، تخلق شروطاً موضوعية للانفجار. لكن من دون عامل ذاتي منظم، أي حزب ثوري مستقل، وبرنامج واضح، وكوادر مرتبطة بالطبقة العاملة، ونقابات حية، وتنظيم شعبي قادر على المبادرة، فإن الثورة قد تنفجر ثم تُسرق. قد تتحرك الجماهير بالملايين، لكن إن لم تملك أدواتها السياسية والتنظيمية، تتقدم القوة الأكثر تنظيماً: الجيش، أو الإخوان، أو البيروقراطية، أو رجال المال، أو الخارج.
لينين في “ما العمل؟” لم يكن يتحدث عن الحزب بوصفه جهازاً بيروقراطياً، بل بوصفه أداة وعي وتنظيم. وغرامشي حين تحدث عن “المثقف العضوي” و“الهيمنة” كان يدرك أن الطبقة لا تنتصر لأنها مظلومة فقط، بل لأنها تنظم وعيها وتحوله إلى قوة تاريخية. لذلك فإن الحزب الثوري لا يستطيع أن يكتفي بتحليل اللحظة، أو بالمشاركة في الشارع، أو بإصدار البيانات. عليه أن يبني نفسه كقوة قادرة على قيادة المسار حين ينفتح التاريخ فجأة. وإلا فإن الجماهير تفتح الباب، ويدخل منه غيرها.
فكرة الإنقاذ: الجيش لا يحرس الثورة مجاناً
هذا هو الدرس الأساسي من 30 يونيو. ليس المطلوب إنكار الخطر الإخواني، ولا التقليل من حجم الحشد الشعبي، ولا تبني رواية أن ما جرى كان مجرد انقلاب عسكري بلا أساس شعبي. مثل هذا التبسيط لا يخدم الحقيقة. لكن التبسيط المقابل أيضاً لا يخدمها: أن نقول إن الجيش تدخل فقط استجابة للإرادة الشعبية، من دون أن نرى أنه أعاد لاحقاً بناء سلطة أكثر إغلاقاً للمجال العام. الحقيقة أكثر تعقيداً: 30 يونيو كانت لحظة شعبية كبرى ضد حكم الإخوان، لكنها لم تتحول إلى ثورة ديمقراطية مكتملة لأن قيادتها الفعلية انتقلت من الشارع إلى المؤسسة العسكرية.
وهنا يصبح من الضروري أن يراجع الحزب الثوري علاقته بفكرة “الإنقاذ”. فالجيش لا ينقذ الثورة إلا ليعيد تعريفها وفق مصالحه. والخارج لا ينقذ الحزب إلا بما يتوافق مع مصالحه. والحليف الظرفي لا يجوز أن يتحول إلى مرجعية سياسية. لذلك فإن الاتكال على سفارة صديقة، أو دولة حليفة، أو قوة دولية، أو مؤسسة عسكرية، لا يمكن أن يكون بديلاً عن بناء القوة الذاتية. قد نستفيد من التضامن، نعم. قد نشرح موقفنا للعالم، نعم. قد نستخدم التناقضات الدولية، نعم. لكن لا يجوز أن نضع مصير الحزب أو الثورة في يد الخارج أو الجيش أو أي قوة لا تخضع لمحاسبة الجماهير.
الإخوان: خطر حقيقي لا يبرر الصمت على الدولة الأمنية
لقد دفع الشيوعيون المصريون ثمناً كبيراً حين ظن بعضهم أن عبد الناصر، بسبب سياساته الوطنية والاجتماعية، يمكن أن يكون بديلاً عن حزب مستقل. ودفع اليسار العربي عموماً ثمناً كبيراً حين خلط بين الدولة الوطنية والحزب الثوري، وبين الزعيم التقدمي والتنظيم الشعبي، وبين إجراءات الإصلاح من فوق وبين الثورة من تحت. لذلك فإن أهم ما يحتاجه الحزب الشيوعي المصري اليوم ليس فقط أن يقول إنه كان ضد الإخوان، بل أن يطور نقداً أعمق للمرحلة كلها: كيف واجه الإخوان؟ كيف تعامل مع الجيش؟ كيف قرأ الدولة؟ كيف يحافظ على استقلاله؟ كيف يبني قوته بين العمال والفقراء والشباب والنساء؟ وكيف يمنع أن تتحول الثورات الشعبية إلى تفويض جديد للسلطة القديمة بثوب جديد؟
إن الإخوان المسلمين، بطبيعتهم التاريخية، كانوا مشروعاً خطراً على الدولة المدنية وعلى الحريات وعلى التعددية. وقد ظهر نفسهم العنيف والانقلابي قبل وصولهم إلى الحكم وبعده. فهم، منذ نشأتهم، لم يكونوا مجرد جمعية دعوية، بل تنظيماً سياسياً يسعى إلى السلطة، ويخلط الدين بالحكم، ويمنح نفسه تفويضاً أخلاقياً فوق المجتمع. ولذلك كان من واجب الحزب الشيوعي أن يواجههم. لكن مواجهة الإخوان لا تعني إعفاء الجيش من النقد، ولا تعني الصمت على إغلاق المجال العام، ولا تعني قبول تحويل الخوف من الإسلام السياسي إلى ذريعة لتجريم السياسة نفسها.
السؤال الماركسي: من امتلك السلطة بعد السقوط؟
إن الحزب الثوري العريق لا يعيش بالذاكرة وحدها، بل بالمراجعة. ولا تكفيه صحة موقفه من خصم واحد إذا أخطأ تقدير طبيعة القوة التي أطاحت بذلك الخصم. فالثورة ليست فقط سؤال: من أسقطنا؟ بل سؤال: من استلم بعد السقوط؟ ومن كتب الدستور الفعلي للمرحلة؟ ومن امتلك السلاح؟ ومن امتلك الإعلام؟ ومن امتلك السجون؟ ومن امتلك الاقتصاد؟ ومن بقي في الشارع بلا أدوات؟
في هذا المعنى، تصبح 25 يناير و30 يونيو حلقتين في مأساة واحدة، لا رايتين متقابلتين. يناير فتحت سؤال الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. ويونيو فتحت سؤال الدولة المدنية في مواجهة الإسلام السياسي. لكن السؤالين انفصلا، وحين انفصلا ضاعت الثورة بين الإخوان والجيش. فلا يناير اكتملت، ولا يونيو اكتملت. بل جرى استخدام خوف الناس من الإخوان لإغلاق أبواب السياسة، كما جرى استخدام غضب الناس من مبارك سابقاً لفتح الطريق أمام قوة لم تكن تملك مشروعاً ديمقراطياً حقيقياً.
المطلوب من الحزب الشيوعي المصري
المطلوب من الحزب الشيوعي المصري، ومن كل حزب ثوري في المنطقة، أن يستعيد البوصلة الماركسية الصارمة: لا ثقة مطلقة بالجيش، لا رهان استراتيجي على الخارج، لا ذوبان في سلطة وطنية مهما رفعت من شعارات تقدمية، لا تساهل مع الإسلام السياسي، ولا تخلي عن الديمقراطية باسم المعركة ضد الرجعية. فالحزب الذي يتخلى عن الديمقراطية يخسر الجماهير، والحزب الذي يتخلى عن العدالة الاجتماعية يخسر طبقته، والحزب الذي يتخلى عن استقلاله يخسر نفسه.
نعم، التضامن الأممي مهم. ومساعدة كوبا في نقل وجهة نظر الحزب تجربة إيجابية. لكن التاريخ يعلمنا أن الصديق الخارجي ليس بديلاً عن العامل الذاتي. فالاتحاد السوفياتي نفسه، وهو مركز التجربة الاشتراكية العالمية، اختار في لحظة معينة مصالحه مع عبد الناصر على حساب استقلال الشيوعيين المصريين. وهذه ليست شتيمة للسوفيات، بل قراءة واقعية لطبيعة الدول. فالدولة، حتى حين تكون اشتراكية أو صديقة، تفكر بمنطق المصالح والتحالفات وموازين القوى. أما الحزب الثوري فيجب أن يفكر بمنطق شعبه وطبقته ووطنه ومستقبله.
لا حكم المرشد ولا حكم الثكنة
لذلك فإن الخلاصة التي أراها ضرورية هي الآتية: 30 يونيو كانت لحظة شعبية حقيقية ضد خطر الإخوان، لكنها كشفت أيضاً ضعف العامل الذاتي للقوى الثورية. كشفت أن الجماهير قد تتحرك بأعداد هائلة، لكنها إن لم تمتلك حزباً قادراً على تحويل الغضب إلى سلطة ديمقراطية شعبية، فإن قوة منظمة أخرى ستتقدم وتحسم. وكشفت أن الجيش لا يكون ضامناً للثورة، بل ضامناً لمصالح الدولة كما يراها هو. وكشفت أن الخارج، حتى حين يساعد، لا يحمل مشروع الحزب الوطني المستقل.
من محبة مصر أقول هذا. من مصر الشيخ إمام، ومصر بهية، ومصر عبد الودود، ومصر الفلاحين والعمال والطلاب والمثقفين والسجون والأغاني والميادين. مصر لا تستحق حكم المرشد، ولا تستحق حكم الثكنة. مصر تستحق حزباً ثورياً مستقلاً، وجبهة شعبية ديمقراطية، ودولة مدنية عادلة، وحرية لا تخاف من الشعب، وعدالة اجتماعية لا تُمنح من فوق، بل تُنتزع بتنظيم الناس لأنفسهم.
وهذا الرد على الرفيق صلاح عدلي لا ينتقص من تاريخ الحزب الشيوعي المصري، بل يحترمه. فالأحزاب العريقة لا تُحترم بالمجاملة، بل بفتح النقاش معها. ولا تُصان التجارب بالصمت، بل بالنقد. ولا تُهزم الثورات حين تعترف بأخطائها، بل حين ترفض أن تتعلم منها.



